|
هارون الرشيد مع أنيس الجليس
الحكاية في ألف ليلة وليلة
هي حكاية الوزيرين التي فيها أنيس الجليس أو (( قصة الجارية أنيس الجليس ونور الدين بن خاكان ))
وتُقص في تسع وعشرين ليلة من ليالي شهرزاد من الليلة 201 إلى الليلة 229 ، وتقع في [46] صفحة من طبعة بريل . وتدور حوادثها في البصرة وبغداد وفيها نجد أن السلطان محمد بن سليمان الزيني يكلف وزيره الفضل بن خاكان بشراء جارية لا مثيل لها ، ويعطيه لهذا الغرض عشرة آلاف دينار ، ويأمر بألا تباع جارية فوق ألف دينار إلاّ وتعرض على الوزير ، حتى إذا استحسنها اشتراها ((ونزل الوزير بعدما رسم له السلطان أن يتفقد السوق في كل يوم ويوصي الدلالين على ما ذكرناه وأن لا تباع جارية ذات حسن وجمال ثمنها فوق عشرة آلاف دينار حتى تعرض على الوزير، فما عادوا يقدرون يبيعون شيئاً إلاّ ويشاوروا هذا الوزير.)) ص435 طبعة بريل.
وعلى ذلك تم عرض أنيس الجليس على الفضل بن خاكان ويشتريها بعشرة آلاف دينار لأنها تعلمت فأتقنت (( الخط واللفظ واللغة العربية والتفسير والنحو والطب وأصول الفقه والدين والتقويم)) وتدري الضرب بسائر الآلات التي للطرب )) ص202ط و436ط بريل . وقد أعلن الوزير عند شرائها بوضوح لصاحبها العجمي وللنخاس ما هو هام في سياق المقارنة بين الأصل وما أخذ عنه ، قال :
الفضل بن خاكان : "للعجمي" قبلت أن تأخذ في هذه الجارية عشرة آلاف دينار من السلطان محمد بن سليمان الزيني .
العجمي : حيث كانت للسلطان فالواجب علي أن أقدمها هدية دون ثمن " وعند ذلك يحضر الوزير ويدفع المال للتاجر ، ويعلم الجارية أنها إنما اشتريت لصالح السلطان ، ويحذرها من فسق ابنه علي ، عندما يقرر أن يبقيها في بيته مدة خمسة عشر يوماً استجابة لنصيحة الدلال ، حتى ترتاح ، ويقول للجارية بوضوح :
(( يا بنيتي إعلمي أنني ما اشتريتك إلاّ للسلطان محمد بن سليمان الزيني وأن ولدي وهو شيطان ما خلاّ صبيّة في الحارة حتى سخمها فاجعلي بالك واحذري أن تورّيه وجهك أو تسمعيه كلامك ، فاعرفي كيف تكوني ، فقالت الجارية : السمع والطاعة." ص438 ط.بريل و ص203ط.ولكن تحذيره الذي انطوى في نفسها على إغراء جعلها تسعى لرؤية علي نور الدين ، عندما سنحت فرصة لرؤيته "فلما سمعت أنيس الجليس كلام نور الدين علي قالت يا ترى ايش زي هذا الصبي الذي بيتكلم ؟ يا ترى هو الذي وصّوني فيه . ثم إنها نهضت على قدميها وتقدمت إلى باب المقصورة ونظرت إلى نور الدين .. فإذا هو كالبدر في تمامه ، فأورثتها النظرة ألف حسرة ، ولاحت من الصبي التفاتة إليها فنظرها نظرة أورثته ألف حسرة ، ووقع كل منهما في شرك الآخر." ص439 ط. بريل وص203ط.
ولا تكتفي هي بمثل تلك الكبادرة بل تذهب إلى أكثر من ذلك بتجاوبها معه وفي التغطية على ذلك . فقد سألها علي :
(( أنت التي اشتراك أبي لي . قالت : أي والله يا سيدي هي أنا.)) ص439 ط.ب ، ولكنها عندما نقلت ما حدث بينها وبين علي إلى نُعم زوجة الفضل قالت لها إنه سألها : "أنت التي اشتراك أبي لي ، والله يا سيدتي اعتقدت أن كلامه صحيح ." ص 204 ط ـ هكذا ادعت بل كذبت متناسية الوصية التي أوصاها إياها الفضل ووضوحه في قوله لها : "إنما اشتريتك للسلطان "
وقد سقت هذا لأوضح أن نص الحكاية أكد تعلق كل منهما بالآخر ، كما أكد مبادرة أنيس الجليس للقاء علي نور الدين وانسياقها وراء تعلقها : إلى درجة الكذب . وأدى الأمر الذي حدث إلى زواج دام سنة (1) ، مات بعدها الفضل بن خاكان وهو على خوف من عدوه ومنافسه لدى السلطان المعين بن ساوى ، حتى لا يفضح الأخير أمر الجارية ويشي به عند محمد بن سليمان ، ويتضح أن السلطان نسي الأمر تقريباً ، وبعد وفاة الفضل يمضي ابنه علي نور الدين سنة تامة في الإسراف على أصدقائه رافضاً كل نصيحة ، ويبلغ حداً لا يدع معه قرشاً مما ورثه له أبوه ، ويبيع أثاث البيت ويستشير أنيس الجليس فتشير عليه بأن يبيعها في السوق، وعندما يسلمها إلى الدلال ويفتح المزاد عليها بأربعة آلاف، تحين فرصة المعين بن ساوى فيريد أن يشتري الجارية بثمن بخس هو رقم الافتتاح ، مدركاً أن ظلمه يمنع أحداً من الزيادة عليه ، كما أنه لا يدفع وإنما يكتب إحالات مؤجلة .
فهو كما وصف في النص : (( كان من أبخل الناس وأرذلهم وأشرهم وأحمقهم ، لا يتحدث قط بمليح ولا يفارق الفعل القبيح أروغ من ثعلب ، وأسلب من سلهب..
إبن اللئام وابن ألف جاحـــــد
إبن الطريق .. لشارد ولوارد . )) ص 201 ط.بريل
ويستفيد علي نور الدين من نصيحة النخاس فيأخذ الجارية بعد أن أن يكلمها مبرراً عرضها في السوق على أنه تنفيذ ليمين ، وعندما يعترضه المعين يضربه ويهينه ويمرغه في الوحل والدم . فيشكو المعين أمره للسلطان ، ويثير القصة القديمة كلها بعد مرور أكثر من سنتين عليها ، ويغضب السلطان لإهانة وزيره لأن كرامته من كرامته ، ويأمر بنهب دار الفضل وهدمها وإحضار علي نور الدين وأنيس الجليس جراً على وجهيهما ، ويهرب علي نور الدين إلى بغداد مستفيداً من إخلاص أحد خدم والده المخلصين (( علم الدين سنجر )) الذي يعلمه بالأمر قبل وقوعه بقليل . وفي بغداد يدخل قصر الرشيد المخصص للراحة (( قصر التماثيل )) عن طريق الشيخ ابراهيم الخولي ، الذي يعطف عليهما ، بعد أن تسللا للبستان ، ويرجوه علي نور الدين أن يشتري لهما شراباً ليكمل سرورهما وبعد تردد يوافق ، ويشربان شرب الهيم ، ويدخلان في نعيم ، ويجلب إليهما الشيخ ابراهيم وتنجح أنيس الجليس في أن تسقيه الخمر فيغرق في المنادمة والشرب ويطرب معهما ، ويشيعون في القاعة نوراً ونار غرام تجعل الرشيد يحضر مع جعفر بعد أن رأى قاعة قصره متوهجة بالنور ونوافذها مفتوحة وظن أن بغداد احتلت دون علم منه ، مما اضطر جعفر للكذب والادعاء بأنه سمح للشيخ ابراهيم باستخدام القاعة لطهور أولاده . وهناك تتكشف للرشيد الحقيقة بعد أن يتطلع على الموجودين من فوق فرع شجرة، ويتخفى بزي الصياد كريم ، ويعرف تفاصيل القصة ، ويصفح عن الشيخ ، ويساعد الضيفين الغريبين ، فيكتب إلى محمد بن سليمان الزيني يعزله وينصب علياً نور الدين مكانه ، ولكن علياً يتعرض لمكر الوزير المعين بن ساوى وحقده ويسجن ، ويأتي وقت يقتضي إعدامه لأنه لم يصل له تنصيب وتشريف رسميان ، وزعم الوزير أن الوثيقة التي يحملها مزورة ، ويُجر علي من الزنزانة إلى الساحة ويوضع في منقع الدم )) ويكون في الوقت الملائم أن تذكّر أنيس الجليس الرشيد بوعده لجمع شملها بعلي نور الدين ، أو يتذكر هو أمره عن طريق سماع شكواها الفراق غناء يتذكر أمره ويرسل جعفراً ليستطلع خبره ويحضره والسلطان أمامه ؛ ويصل جعفر في الوقت الملائم أيضاً وينقذ علياً من الإعدام ، ويقتاد محمد بن سليمان والمعين بن ساوى إلى الرشيد .
حيث يلقى المعين بن ساوى مصيره ، مصير المكيدة والحسد والغدر ، وهو قطع العنق ، ويعتذر علي نور الدين عن ملْك البصرة مكتفياً بأنيس الجليس ، ويعيش في ظلال الرشيد في بغداد .
وفي الحكاية منطق أحداث ، وواقع فني ، ووضوح شخصيات ودوافع وهدف عام للنص وأهداف فرعية للشخصيات والأحداث تؤدي جميعاً بتناغم وتناسق إلى إبراز الهدف الخلقي العام؛ وتبيان العبر والعظات والدروس المرغوب في توصيلها . فالفضل بن خاكان،(2) وهو شخصية واضحة التكوين ، وتتصارع في نفسه الدوافع ، ويحار فترة بين واجبه ، وإخلاصه للملك ، وخوفه من الملك من جهة ، وبين مصير ابنه وعاطفته حيال ذلك الذي أصبح هائماً من جهة أخرى ، ويحاول أن يقتل ابنه لولا الاستعطاف واستجداء نور الدين للرحمة من الأب ، وعندما تعرض عليه زوجه المال ، يوضح أن القضية ليست قضية مال ، وإنما إخلاص للملك وخوف من أن يستغل المعين بن ساوى، الذي يلاحقه بالمكر والدسيسة والحقد ، هذه القضية عند السلطان.
وعلي نور الدين (( ذكر كأنه دارة القمر ، بوجه أقمر وخد أحمر)) ص 438 جميل وفاسق ومبذر وكريم النفس ، اكتشف معنى أن يكون صاحب قرش ، وقيمة ذلك في الناس ، واستبان له شأن الوفاء والأصدقاء من ذلك النوع الذي ينتفع فقط ، وعندما احتاج انفض من حوله كل من استفاد منه ، وهو لا يخلص لمحبوبته بالقدر الكافي حيث يعرضها للبيع ، ولكنه بعد مآسيه يختارها ويفضلها هي على ولاية البصرة .
وأنيس الجليس فتاة في غاية الجمال (( خماسية القد قاعدة النهد ، بطرف كحيل وخد أسيل وخصر نحيل وردف ثقيل ، وشباب أحلى ما يكون من الشباب .. الخ .. )) ص436 ط.ب ، يغريها الجمال وتحب الفتوة والشباب ، وتميل إلى من هو كفء لها صحة وجمالاً ، ولديها رصيد معرفة وخبرة يجعلها تعرف قيمة الزوج وواجب الزوجة ، كما تعرف الإخلاص وتحافظ على من تحب .
والمعين بن ساوي شخصية مقيتة ، مكروهة من الناس ، يتأصل فيها اللؤم ، وهو لا يتورع عن الكذب ، ويريد أن يتخلص من منافسيه بالقتل واللافتراء والدسيسة ، مزور ملفق لا يملك من مكارم الأخلاق شيئاً . ويصل إلى بغيته لفترة من الزمن ، ولكن أمره يكشف فيدفع حياته ثمناُ لسلوكه ذاك .
أمّا الرشيد فهو العفو والحلم والحسم والكرم .
ولا يغيب عن قارىء النص الشخصية المحببة للشيخ ابراهيم ، والتحول الفني الذي حصل لها ، والطرافة والطيبة اللتان فيها والجو المرح والإنساني الذي أضفته على النص .
أمّا العبر والمرامي فواضحة القيمة والدلالة في النص ، والدعوة الأخلاقية للاعتبار ملموسة في مصائر الشخوص وتجليات المواقف والأحداث ، أمّا النص عند القباني واستفاداته منه فلم تبلغ شأو الأصل أبداً بل تراجع عنه في الأحداث ومراميها ، وفي المواقف والدوافع وبناء الشخصيات ، وتنامي الصراع والأحداث والشخوص .
|