وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

وقد تناول القباني الحكاية في مسرحية أسماها : هارون الرشيد مع أنيس الجليس

وهي مسرحية في خمسة فصول و |46| صفحة تقع حوادثها في البصرة وبغداد .‏

مستقاة من حكاية (( الوزيرين التي فيها أنيس الجليس )) ، وهي إحدى قصص ألف ليلة وليلة .‏

وقد عدل القباني في الحكاية ورتب حوادثه ، حيث ركز على الخلاف بين الوزيرين وعلاقتهما بمحمد بن سليمان والرشيد ولم يعط لأنيس الجليس دوراً يذكر ، وأهمل الاستفادة من بعض المواقف والشخصيات ، والدوافع والتكوين النفسي ، ولكنه حافظ بشكل عام باستثناء ما يتعلق بأنيس الجليس ومشاهدها ودورها المباشر .‏

ويمكن تلخيص الحكاية عند القباني كالآتي :‏

يطلب محمد بن سليمان من وزيره الفضل بن خاكان شراء جارية كاملة الأوصاف ، ويعطيه عشرة آلاف دينار ثمناً لها ، ويتم هذا التكليف بحضور الوزير المعين بن ساوى الذي يكنّ حقداً على الفضل ويحسده لتقدمه عليه ولثقة إبن سليمان به ، ويفصح عن ذلك للسلطان فيطمئنه قليلاً ، ولكن الطمأنينة لا تسكن نفسه ، فنظره يعبر عن شكوكه وهواجسه ونواياه في مناجاة ذاتية حيث يقول :‏

(( أمّا لا أهنأ بعمر مديد ، وألذ بطيب عيش رغيد . ما لم أغير قلب الأمير ، على إبن خاكان وأضيق عليه المسالك وأرميه في مهاوي المهالك ، وإلا فليس لي فلاح ، ولا أنفك عن الأتراح ما دام هو مقدم وأنا مؤخر ، وهو مؤخر وأنا محقر ، (...) ولا بد ما تسمح الفرص ، وأوالي له النوب والغصص .. وأنا مالي وهذا الانتظار ، الذي كله أتعاب وأكدار ، فها أنا ذاهب لأدبر دسائس ترتاع من شرها الجن والأبالس وأرض إبن خاكان في أعظم الخسران.)) ص39‏

ويشاء القدر أن يخطىء الفضل ، إذ بعد شرائه للجارية أنس الجليس ذات الصفات الكاملة جمالاً وأدباً ، وتحذيره لها من ابنه ((الفاسق)) علي نور الدين ، وإشعارها بأنها إنما اشتريت لابن سليمان ، ووعدها إياه بألا تكون لأحد ، وأنها قادرة على رد علي نور الدين خائباً تحت كل ظرف ، بعد أن فعل ذلك ، يقابل علي الجارية فتبادئه بالحب ولكنها هنا تطلب الوصال بالحلال على غير ما جاء في الحكاية ، وهكذا يبدأ ضغط علي نور الدين على والده من خلال أمه متكلفاً الهيام والجنون وعدم الحشمة إلى أن تتوصل نعيم إلى إقناع زوجها بتزويج الجارية من علي ، والبحث عن أخرى لابن سليمان .‏

وما يكاد يتم ذلك وفي غضون الأيام العشرة من وقت الشراء حتى يهجم المعين على بيت الفضل ويطلب إليه إحضار الجارية لابن سليمان فتقع الواقعة التي سببها رضى الفضل بما جرى، وإباحة الجارية لابنه ، ويضع إبن سليمان الفضل في السجن ، بإصرار وصغار مارسهما المعين ، بعد أن كاد يعفو عنه .‏

ونلاحظ هنا أن القباني تركه حياً وسجنه بينما يرد في الحكاية أنه مات بعد سنة من زواج ابنه ، ويهرب علي مع الجارية إلى بغداد .‏

وهناك يختلف نوع اللقاء والمواقف والمشاهد مع الشيخ ابراهيم ومع الخليفة فيبدو لنا الشيخ ابراهيم من ذوي الاستعداد لأمور غير سليمة ، ولا يرعى عهد الخليفة تماماً ، ونراه يقع في ما يشبه الهوى بعلي نور الدين فهو يقول له بعد أن يدعوه للإقامة في القصر :‏

(( ومن بعدها إذا أزمعت الشخوص إلى البصرة أودعك وفي القلب ألف حرقة وحسرة )) ص54 كما يقول :‏

أهلاً عليّ القطر عطري الشذى‏

ومن الذي سلب النهى واستحوذا‏

فارقى لهذا القصر واغنـم فرصـة‏

مع غادة تسبي ولا تخشى الأذى‏

وأنا على ذا الباب أحرس سيدي‏

وإذا دعاني الشوق أفعل هكذا )) ص55‏

فما الذي يدعو الشيخ ابراهيم إلى ألف حرقة وحسرة على فراق علي ؟ وما الذي سيفعله إذا دعاه الشوق ؟‏

ثم هو يحضر جوقاً ويخلق جو الأنس والطرب ، ويصارح الرشيد عندما يحضر ويخبره بجلية الأمر . وقد أهمل القباني ما في هذه الشخصية ، الشيخ ابراهيم ، من إمكانات درامية وقدرة على التغيير والنمو ، ولم يستفد من الأحداث والمواقف التي تمت في القصر وكانت غنية بالتغييرات الدرامية وبالتشويق . سواء ما يتعلق من ذلك بشخصية الشيخ ابراهيم ، أو بتنكر الخليفة بزي الصياد ، أو بغناء أنس الجليس ومرحها ولطف منادمتها ، وهو ما يجلو امكاناتها الشخصية ويبرز خصائصها .‏

ولكن المؤلف لم يستفد من ذلك ، وربما أهمل غناء أنيس الجليس ليستفيد من إمكانات جوقه الغنائي الذي حل في المسرحية محل الجوقة ، وربما لم تساعد إمكانات تكليف رجل بتمثيل أدوار النساء بتقديم شخصية أنيس الجليس المغنية والممثلة بشكل مقنع ولذلك اختصر دورها والحوادث المتعلقة بها .‏

يطلع الرشيد على وضع علي نور الدين ويكلف جعفراً بكتابة رسالة لابن سليمان ، وبمتابعة هذا الأمر ، ويذهب علي نور الدين ويتبعه جعفر سراً إلى البصرة ، وهناك لا يفيد التلطف مع حقد المعين بن ساوى ، فكلما أراد إبن سليمان الإذعان لأمر الخليفة أو لشيمة العفو حرضه الوزير المعين على قتل الفضل وابنه ولفق له حكاية تزوير علي للرسالة بل وزور هو رسالة على لسان جعفر ، توقع علياً في التزوير والكيد . ويصل المعين بابن سليمان إلى درجة تقريب الفضل وابنه للقتل ، ويخرجهما من السجن لهذا الغرض ، وهنا يظهر جعفر ويقلب مأساة الفضل وإبنه إلى فرحة ، ويحمل الجميع ، بأمر الرشيد على السفر إلى بغداد ، ولا يورد المؤلف ذكراً هنا لأنيس الجليس عدا كلمة عابرة على لسان علي تقول لابن سليمان ، عندما يسأل عن الجارية ، إنها حاضرة إذا أرادها ، وهنا يحذره بأنه لا يشرب من منهل نجس .‏

وفي حضرة الخليفة ببغداد يحاكم إبن سليمان والمعين بميزان العدل في ظل قول للرشيد :‏

(( لو كان لي أو لغيري قدر أنملة‏

فوق التراب لكان الأمر مشتركا.))‏

وبعد سماع الطرفين واعتراف المعين بجملة صوّرت وضع الاثنين إذ قال : إن حسدي لابن خاكان وخفة عقل إبن سليمان قد سولا لي ما فعلت .)) ص81 ، بعد ذلك يوبخ الرشيد إبن سليمان والمعين ويحكمها بالسجن المؤبد ، ويولي الفضل البصرة وينعم عليه بما يعيد بناء داره التي هدمها إبن سليمان ، ويجد المؤلف في هذا المشهد فرصة ليقول شيئاً في الولاية من منظور الخليفة على لسان الرشيد ، إذ يقول :‏

(( أما حفظت يا قبيح الفعل ، من الجزاء غير القتل ، وأي شريعة بين الأنام ، تجازي على الهفوة بالإعدام ؟ أو كان شيخك به الشيطان حتى تلقيته بالقبول والإذعان . وهل أنت حاكم مستقل ، حتى تعمدت القتل بدون مخابرة وتفكّر في الآخرة . ما هذا العناد والظلم والفساد . وما هذه القبائح يا جعفر . ؟! )) ص81‏

ويختتم النص بمديح من الجوقة للخليفة وللعدل وبتمنٍ بالدوام والازدهار للخليفة والخلافة .‏

وألحق القباني بالمسرحية مديحاً للخديوي عندما عرضت المسرحية في مصر عام 1884 بالاسكندرية 23/6 في مقهى الدانوب .‏

ويلاحظ أن القباني خرج في نصه على الحكاية في عدة نقاط من أهمها :‏

1 ـ إبقاء الفضل بن خاكان على قيد الحياة ، وإلحاق الضرر به حياً من قبل المعين عن طريق ابن سليمان . وعدم استفادته من وضع علي والجارية والفضل أمام الأمر الواقع في علاقتهما وشعور الفضل بالمأساة وبالملاحقة الشريرة من المعين ، ومحاولته حتى أن يقتل ابنه حفاظاً على واجبه حيال الملك ، وإظهاراً لإخلاصه له .‏

2 ـ إهمال دور الجارية وعدم الاستفادة من المشاهد المسرحية والتكوين الفني لمقومات شخصيتها والحوادث التي جرت معها والمواقف التي وضعت فيها ، لا سيما عيشها مع علي وصبرها عليه ، ثم عرضها من قبله للبيع ، وضرب علي للمعين ، ومواقف أنيس الجليس ومشاهدها في القصر مع الشيخ ابراهيم ومع الخليفة .. الخ ..‏

3 ـ إهمال الاستفادة من شخصية الشيخ ابراهيم‏

وتنكر الرشيد في القصر ، ومن المشاهد المسرحية المثيرة التي جرت هناك ، ولكنه أغنى بعض المشاهد والمواقف ؛ بين الفضل والمعين وابن سليمان ، وبين علي نور الدين وبينهما .‏

وتجلى تركيز المؤلف على إظهار قيم الوفاء والعفو عند المقدرة والعدل وما يجر إليه الحسد والحقد ، مكثفاً بعض الأقوال في ذلك من خلال حوار الفضل مثل : (( الجزاء من جنس العمل ، ولكل امرىء نتيجة ما فعل . )) ص71‏

إبن سليمان : (( حذار من المكايدة فشباكها غير صايدة )) ص65.‏

الرشيـــد : العاقل يا فضل من يعتبر بغيره ، ولا يؤذي ضرره، ليرضى عنه مولاه ويوده من ولاه . )) ص 82 .‏

كما يبين على لسان جعفر مهمة الوزير تجاه الأمير (( وما يجب على أمناء الملوك والخلفاء . من الصدق والصيانة والنصح والأمانة والسياسة واللسن ، والإدراك الحسن . وأن يكون المؤتمن أميناً ، وفي كل حال ثابتاً مثبتاً ، صادق النطق ، دائراً مع الحق ، يقظاناً ، مراقباً في الخواتم والعواقب . مقيماً كل واحد في مقام لا يتعداه ، ومنصب معلوم لا يتخطاه . حتى تستقيم بذلك أحوال المملكة ، وتصان من الوقوع في مهاوي التهلكة )) ص 61‏

والحوار الذي وضع فيه القباني حوادثه وأفكاره وقدم به شخوصه ومواقفها وعواطفها وأدار عليه صراعاتها ومماحكاتها ، يتلاءم مع حال الأدب في عصره، فهو موشّى بالشعر ، مسجوع ، يلائم المسرح ، ليس فيه تطويل ، كما لا يغور في أعماق الشخصيات ويدخل مكامن النفوس والقلوب ويجلو سرائرها ، ولا يغوص عميقاً في الفكر أو في التحليل ، وإذا أوردت عبارات مركزة فهي مستقاة من مناخ التراث والحياة وليس للمؤلف في صوغ الحوار كبير جهد أو فلتات إبداع متجلية ، بل يذهب مذهباً عادياً في أكثر النص .‏

وقد خص الجوقة بكثير من الإنشاد ليتيح فرصة للألحان والطرب لجوقه ولنفسه ، متعة في تقديم فنه الأساس فن الغناء والموسيقا ، وجعل الجوقة تغني حتى في السجن مع الفضل وابنه ، ونوّع في ألحانها مسجلاً بذلك ما أضافه هو على مسرح ذلك العصر من جهة ، وما كان يستسيغه الناس ويرحبون به من فن ، من جهة أخرى ، واضعاً نوعاً من بصمة مسرحية خاصة أدت إلى وضعها في البنية الدرامية روح القباني وتكوينه وذوق الناس ، والبحث عن مرغبات تشدهم إلى هذا الفن ، مع أن الحكاية معروفة للبعض وربما للكثيرين، فحكايا ألف ليلة وليلة لم تكن نائية عن مجالس الناس ومن في الدور والخدور ..‏

في البناء المسرحي كثير من الفجوات التي تظهر في انتقال من موقف إلى موقف دون تمهيد ، وافتعال حضور أشخاص ، وتدارك معلومات ومعارف عن أشخاص ، وحوادث ومواقف ينسى المؤلف أن يمهد لها .‏

وفيه ضعف ملحوظ في تطوير المشاهد والاستفادة منها مسرحياً ، وهناك ضغط للزمن على حساب نضج الحدث والإقناع الذي توفره الشخصية لنفسها والموقف بمعطياته ، وعلى حساب تعميق الصراع وتنميته .‏

فالفصول الخمسة تجري بسرعة فائقة ، حتى لا تزيد مدة الأداء التمثيلي عن ساعة وربع تقريباً ، ولكن الملاحظ أن ذلك يتمّ لإفساح وقت كاف للغناء ولتقديم الأدوار على المسرح الأمر الذي كان يجعل مدة العرض طويلة زمنياً ، ولكن الوقت معطى للغناء على حساب الأداء التمثيلي ، وغنى النص درامياً ، فما يقدمه القباني في هذا الإطار ليس هو المسرح الغنائي تماماً ، ولا الدرامي تماماً ، وإنما يجمع بينهما بما يخل نسبياً بالبنية الفنية المسرحية لصالح الأدوار الغنائية والموسيقا .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244