وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

عنتر بن شداد

يطلق القباني على نصه (( رواية تاريخية أدبية غرامية حربية تلحينية تشخيصية )) ذات أربعة فصول ، وهو عندما يروم هذا كله يدقق فيما يرمي إلى تحقيقه ، ولكن ليس كل قاصد قصداً حققه كما ابتغى .‏

في هذه المسرحية لم يتناول القباني موضوع عنترة كما تناوله سواه من السابقين أو اللاحقين ، كموضوع صراع وبذل جهد وإظهار جدارة شخصية لإثبات الذات والأهلية واللياقة من أجل الحصول على عبلة زوجاً ، ولكنه يتناول موضوعاً يتصل بعنترة ، وقد حقق مبتغاه وأصبح من سادات عبس ورجالاتها متزوجاً من عبلة وحامٍ لحمى عبس.‏

ويدير المؤلف قصته في أرض اليمن حيث هاجرت قبيلة بني عبس وتركت أرضها إثر معاداتها للنعمان ، ولم يكن ذلك من رأي عنترة وإنما كان التزاماً برأي قيس بن زهير سيد عبس ورئيسها ، ورغبة في الوصول إلى أرض مسعود بن مصاد . يشير بعض رجالات عبس ((عمارة والربيع )) باسترضاء صاحب البلاد والدخول في كنفه ، ويأبى عنترة ذلك ، ولكنهم يمضون رأيهم دون استشارته ، ويأتي مسعود بن مصاد إلى مضارب عبس وحده ويستسقي عبلة ماء ، ويقع في غرامها ، ويراجع أمه في الوصول إليها والزواج منها ، فتذهب خاطبة وتردّ خائبة ومهانة ، ويفيض غضب مسعود ويريد الفتك ببني عبس ونقض عهدهم، ولكن مستشاراً له يدعى جندلة يعده بإيصاله إلى ما يريد عن طريق زوجه التي تُعنى بالسحر ، وتقوم المرأة برسومها ، وتنجح في إرسال أربعة عفاريت يقتادون عبلة ، وبينما هي في خضم تعزيمها يجيء عنترة ومعه صديقه مقري الوحش ويعرفان سر المرأة ، فيقوم عنترة ليقتلها فيُشلّ ساعده بسحرها فيقتلها مقري الوحش لأنه يحمل حجاباً ضد السحر صنع في اليمن ، ويعطي الحجاب لعنترة فيشفيه ويصادفان في طريق عودتهما عبلة مع العفاريت فيخلصانها بالحجاب ، وبعد ذلك يحاول مسعود الوصول مرة أخرى إلى بغيته معتمداً خديعة أخرى من جندلة ، بقتال خديعة ، وإحداث وقيعة بين عبس وقبائل لها معهم ثأر ، ولكن عنترة ينتصر ، ويرسل مسعود جندلة خطّاباً لعبلة ، فيقتل عنترةُ جندلة ، وتقع بينهم حرب تفوز فيها عبس ، ويقتل عنترة مسعوداً ، ولكن هذا يؤذن بتنصيب حسان بن مسعود، وباجتماع قبائل اليمن لقتال عنترة وسائر عبس، وهنا نسمع الأخبار بتوافد القبائل على حسان وعلى عبس أيضاً ونغدو في جو حرب عامة لا تبقي ولا تذر ، ويعزز هذا كله شجاعة عنترة واستعداده للقتال وتحقيق الإنتصار ، وهكذا نرى أن هذه المسرحية مكرسة لإظهار بطولة عنترة وشهامته ورفضه للذل والصغار ، وتصوير جوانب خسة ونذالة سواء في شخصيات مثل مسعود وجندلة ، وجوانب جبن وغدر في عمارة وأخيه الربيع ، ووفاء في عبلة ، وحكمة وعدم خضوع للضيم في قيس .‏

والمسرحية تتمتع ببنية مسرحية جيدة ، وحوارها أرشق وأصح وأدق من الحوار في مسرحيات أخرى ، وتأخذ مكانة لا بأس بها ، بين إنتاج القباني ، بأسلوبها وتنوع مشاهدها ، وفيها مشهد السحر الذي يذكرنا بساحرات مكبث ، وإيمان بجدوى السحر وفاعليته ، وعبارة القباني في هذه المسرحية طلية ، وجملته مسرحية كتبت لتنطق ، ولم يغب السجع ، وإن قل وضعف وقل تكلفه .‏

أمّا الموضوع فضعيف نسبياً ويبدو أن المؤلف أراد تقديم مسرحية (( حربية )) كما أشار ، تشد الناس إلى المسرح وتصور بطولات خارقة تروي نهمهم للتعلق بالشخصيات العظيمة والبطولات الخارقة ، فعنترة يقضي على خمسمئة فارس ولا يخاف اجتماع القبائل عليه ، ولا يداخله الخوف أو الضعف ، ولا نراه ، حتى بينه وبين نفسه أو مع حبيبته عبلة في موقف ضعف أو تردد ، أو تحت تأثير عاطفة تقلل من صلابته الحديدية وتظهره إنساناً، بكل ما للإنسان من مقومات قوة وضعف ، إنه نمط البطل الشجاع الذي يقدمه القباني من التاريخ ، ولكن النص لا يعتمد حدثاً تاريخياً بدقته وتفاصيله ، وإن اعتمد على أساس من شخصيات وعلاقات تاريخية بين بعض القبائل وبني عبس في فترة صعود نجم عنترة .‏

وربما لاءم هذا النص روح عصر القباني ، في فترة كان فيها أنموذج الرجل الفتوة محبوباً ومطلوباً ، والفضيلة والشجاعة تحتاجان إلى تعزيز في النفوس ، وكذلك معايير الأخلاق وبنى القيم الإجتماعية والروحية .‏

وقد قل في هذا النص الغناء والعناية بالأدوار والموشحات ، ولكن الشعر بقي يتخلل الحوار ، بل ازداد زيادة ملحوظة ، وربما عوضت المعارك والبطولات والمشاهد (( الحربية )) في هذه المسرحية الناس عن الغناء والموسيقا التي لم تغب تماماً بل احتلت مقاماً متأخراً قياساً على مقامها في مسرحيات سواها للقباني .‏

واختتمت هذه المسرحية بتحية ختام ، كالعادة ، موجهة للسلطان عبد الحميد وللخديوي في دور يقول :‏

احفظ وأيّدْ يا مجيد كذا خديوينا الفريد‏

سلطاننا عبد الحميد بدءاً وحسناً وختام‏

وكانت تلك سمة المسرح ، وتقليد الحفلات والاجتماعات في ذلك الزمن .‏

n‏

عفيفة‏

======‏

كنت أود الحديث عن مسرحية (( عفيفة )) على أنها مسرحية تمثل جهد القباني وتعبر عن موهبته في التأليف لولا أن هذا التوجه مدخول باعتراضين الأول : أن الحوادث ليست مبتدعة ولا هي منقولة عن حكاية شعبية ، بل هي حوادث مسرحية ((جنفياف)) للكاتب الألماني لودفيغ تيك Ludvig Tieck ، وهي قصة القديسة جنفياف ، ويدير لودفيغ تيك حوادثها حول سيدة من سيدات العصور الوسطى ، عاشت ست سنوات في كهف في غابة قبل أن تعود إلى زوجها . والثاني قول كامل الخلعي ، واضع ألحان هذه المسرحية في مقدمتها ، ((وما حدى بي إلى تدوين هذه القصة الغراء والفريدة العصماء ، إلاّ غيرة ، على ما للأستاذ من المؤلفات وجليل القصص والمصنفات أن تعبث بها يد الزمان ، أو تترك في زوايا النسيان ، فاستعذت بالله من العجز والكسل ، واستعنت به على بلوغ الأمل ، ولم آل جهداً في تنميقها وترصيصها وتنسيقها ، فاخترت لها من أجود القريض ، ما يزدري البيت منه بالروض الأريض ، وزينتها بالمعاني المخترعة الرائعة ، وكسوتها بالألفاظ الشائعة ونزهتها عن العبارات السخيفة والمعاني السقيمة ، فأصبحت ، بمنّه ، كالجوهرة صغيرة الحجم كبيرة القيمة . )) فإذا كانت الحوادث والشخوص بمجملها مأخوذة عن نص جنفياف ، وتدخل الخلعي في النص هذا التدخل ، "وزينها بالشعر والمعاني المخترعة الرائعة )) فما الذي بقي للقباني منها لتنسب إليه ، أله أجر النقل المريض؟! وهل نسب هذا النص لنفسه أم نسبه الخلعي إليه ؟!‏

إن حقوق المؤلف ومعنى التأليف ورصده وتتبعه والمحافظة على نسبته ، كانت فيما يبدو في عهد الرواد في حالة بؤس ، وفي هذا ما يشفع نسبياً لمن لطش عن الرواد دون اشارة ، وسكوت من سكت عليه وثابر في الثناء عليه .‏

وأحداث مسرحية عفيفة بسيطة ، تدور في بيئة واحدة ، حيث مكان ولاية أو حكم الأمير علي حمدان الذي استنجد به صديق له من عدوان وقع عليه قامت به ربيعة ، فهب لنجدة صديقه وأوكل تسيير الأمور في غيابه لشخص وثق به يدعى سليماً وودع زوجه عفيفة وتركها في حماية ذلك الشخص ، الذي رغب فيها رغبة الرجل في المرأة فما طاوعته ولا استجابت له ، فهددها وسجنها ، وفي السجن وضعت طفلاً حملت به من زوجها ، ويكيد سليم للمرأة فيخبر زوجها أنها زنت ولها ثمرة زنى فيفوضه علي بقتلها مع ولدها ، ولكن تعاطف السيّافين اللذين توليا التنفيذ أنقذها من الموت وعاد الأمير حمدان فوجد سليماً غارقاً في الشراب، ولم يعبره واحتقره فسجنه ، وأسرّت إليه جاريتان لعفيفة بحقيقة براءتها ، وسلمتاه رسالة كانت أعطتهما إياها قبل مغادرتها مع السيّافين ، فتوضح له الأمر ، واقتاد سليماً ليقتله حيث قتلها، وهناك في الصحراء يجد أحد السيّافين ويتبين له أن عفيفة ما زالت تعيش وأنها بريئة ، فيستعيدها ويجتمعان على سعادة وفرح ، وينفذ حكم الموت بسليم ويوكل للسيّاف الذي حفظ زوجه وولده مهمة عالية ويقربه منه .‏

وفي هذه المسرحية نجد أبا خليل القباني يولي اهتماماً للمسرح بنية وتمثيلاً وحواراً أكثر من اهتمامه بالغناء والأدوار ، ويكون هذا بحد ذاته كاشفاً لقدراته ، إذ نجد أحداثاً غير مشدودة ، وكلاماً يطول على لسان الشخوص واستطراداً وعظات ، ولا ينجح المؤلف في امتلاك زمام صراع رشيق بين الشخوص ، رغم توافر الأرضية ، وربما كان لنوع تفاعلنا اليوم مع هذا النوع من الموضوعات ، أثر سلبي في تقدير قيمتها، على أنها في عصرها كانت أشد تأثيراً على الجمهور وجذباً له وإمتاعاً.‏

ولا يوجد في الحوار غوص في أعماق النفوس وذهاب في التحليل إلى أي مدى ، ويكتفي المؤلف بعرض وقائع الحدث السطحي أفقياً ، وانعكاسات ظاهره ، أو ظاهر انعكاسه على الأشخاص ، حتى الموت يأتي أمراً في إطار اعتياد نتيجة القص لا نتيجة الفعل الدرامي الذي تنسجه حياة على المسرح وفي ضمير المتتبع . ولا يهمل القباني جانب الغناء والأدوار والطرب ، ولكنه لا يجعل ذلك يحتل حيزاً كبيراً ، كما في مسرحياته الأخرى ، ويستفيد من جلسات سكر سليم ونشوته بعد تصريفه عفيفة ليجد متنفساً للغناء والموسيقا . ويمزج هنا بين غناء شعبي ومواويل وألوان غناء متداولة في زمنه ، وبين موشحات وشعر يغنّى ، ويضع اللحن في مطلع الدور أو الموشح أو الموال . ويمزج حواره بالشعر جرياً على المعتاد منه وفي عصره والمحبب لذوق الناس آنذاك . ولا يخلو حواره من حكمة أحياناً ولكنك تشعر بانسجام الحكمة والوعظ في كلام شخوص القباني .‏

والعبرة الأخلاقية أو الهدف العام ، لا يخرج عما درج القباني على إيراده في نصوصه من تأكيد على القيم وعلى عاقبة الصبر والصلاح والتمسك بالعفة والبراءة مهما بلغ الظلم وغامت الرؤية ، وتلبدت سماء النفس والمجتمع بالغيوم ، فالفرج والنهاية الطيبة من نصيب المظلوم ، والعدل لا بد أن يأخذ مجراه ، وانتصار الفضيلة محتوم ومرغوب في إظهاره ، ونهاية الظلم والجور والفساد وخيمة ، والشخص يأخذ جزاءه ، فالعقاب من نوع الفعل ، وهنا تتجلى روح العصر وثقافة القباني الدينية وقيمه الأخلاقية في معايير وأحكام وخلاصات ، ونهايات يؤول إليها الفعل وتصل إليها الأحداث والشخصيات والنفوس ويعتبر بها الإنسان . وهو يسوق العظة والدعوة إلى الاعتبار صراحة في كلام طويل على لسان علي حمدان وعفيفة وبعض الشخوص .‏

ونرى في (( حوار القباني )) وفي نسيج هذا النص عموماً ثقافة واسعة نسبياً ، ونقف على حقيقة الرجل من اسلوبه هذا على فرض أن الحوار له ؟!‏

المسرحية ضعيفة البنية الفنية نسبياً ولكنها في مقياس البنية المسرحية في عصرها وبالنسبة لنصوص القباني ومعاصريه ، تبدو جيدة .‏

والشخصيات واضحة الأهداف والمواصفات ، والحبكة بسيطة ليست من النوع المركب والصراع كذلك ، ولهذا لا نجد عمقاً في الحوار والتحليل ، والنص يعالج قضية اجتماعية مما لم يتح تعمقاً فكرياً أو طرحاً أبعد من مدى القص ونتائجه باسلوب مسرحي .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244