وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

لباب الغرام أو الملك متريدات

يقدم أبو خليل القباني مسرحية راسين في ترجمة يداخلها اقتباس دون إشارة إلى الأصل ولا إلى المترجم ، ولا أعرف كيف نشرت باسمه وأسندت إليه ، فهل ادعى هو ذلك أصلاً أم أنها وجدت بين نصوص تركها فنسبها الجهل إليه ؟! أم أن إضافاته وحذفه أباحا له أو لسواه نسبتها إليه ؟! كما يحصل الآن من قبل بعض (( المجتهدين ؟!؟ )) من المسرحيين السوريين ؟!‏

تقع المسرحية في خمسة فصول وتدور حوادثها حول الملك متريدات وابنيه فرناس واكسيفار الذين يتنازعون حب مونيم الفتاة التي ألجأها موت والدها إلى حمى متريدات ، وفي غياب الملك أثناء حربه مع الرومان انتقاماً لوالدها ، يأتي ابنه فرناس طامعاً فيها ويشيع موت أبيه ، ولكنه لا ينجح في فرض نفسه عليها فهي ترفضه وتخفي حبها لأخيه ، ويبدي هو كرهاً لأخيه وأبيه ، وطمعاً بالمملكة ، وصداقة للرومان أعداء أبيه ، وحينما يصل أخوه يجد من مونيم قلباً محباً متعباً فيصارحها بحبه الذي كتمه خوفاً من والده ، وتصارحه هي بعاطفتها ، ويشتبك الأخوان في عراك لأجلها ولأجل المملكة ، ولكن عودة الملك مهزوماً تضع لعراكهما حداً ، ويخطط متريدات لمعرفة عواطف كل منهم وأغراضه ، فيكشفهم جميعاً باتباعه التهديد والوعيد والمكر والكذب ، وعندما يعرف أن مونيم لا تحبه هي الأخرى يضعهم في السجن ويفيض حقده ، على بنيه ، إذ يريد الفتاة له ولا يجد مع تقدم السن به ، نصيراً لا من ولد ولا من أحد .‏

ويتاح لابنه فرناس أن يهرب وينضم إلى جيش الرومان الذي غزا المملكة ، بعد أن يغري بعض جنود والده بالعصيان .‏

وذلك في لحظة إخراجه وأخيه بأمر الملك ليقتص منهما ، أمّا أكسيفار فيتخذ عدّته للحرب دفاعاً عن الوطن والمملكة وأبيه ، ويرسل كأساً من السم لمونيم في سجنها ، كما يقتل فرناس ، وعندما يشتد عليه حصار الأعداء يجرح نفسه حتى لا يقع أسيراً فيخلصه أكسيفار ويحقق نصراً حاسماً،وبذلك يشفي غلة أبيه، فيعلنه الأب ملكاً ويزوجه من مونيم التي أُنقذت في اللحظة الأخيرة.‏

والقباني يطعّم المسرحية بأبيات من الشعر ، وببعض الأقوال أو الحكم ، ولكن بنية النص والقصة والصراع وتوجهات الحوار وروح المشكلة ، كل ذلك يبقى للمؤلف الفرنسي راسين صاحب النص .‏

ونلاحظ في النص تركيزاً على إبراز ما يُجرّ إليه الحب من مواقف وتصرفات ونزوع إجرامي ، وكذلك ما تغري به السلطة والطمع والتعلق بالحياة وبهوى القلب ، فالملك يكاد يضحي بولديه وبمن يحب لانسياقه وراء عاطفته وما يمليه عليه ، في سنه ، غدر الزمان وانصراف الخلان وتعلق الشباب بالحياة ، ولا يراعي ما يليق به وما يتوجب عليه وما يحق لمونيم وأكسيفار ، وهما المحبان ، وفرناس يذهب به الغدر إلى الائتمار بوالده وبأخيه ، ويجره حبه لمونيم إلى مواقف لا يرضاها الضمير ولا يقرها المجتمع ولا قيم الأخلاق . أمّا أكسيفار ومونيم فحيتفظان ، في إطار حبهما النقي واعترافهما بحق الملك الأب عليهما ، وبتقديرهما للواجب الذي عليهما ، يحتفظان بتوازن أخلاقي وإنساني مقبول ، ويفوزان في النهاية بما هما أهل له: اجتماع الشمل على حب حرق الفؤاد قبل أن يعرفه العباد ، وامتلاك التاج وسيادة المملكة لأن عدم انحرافهما في طريق حقد ورذيلة ، وصبرهما ، وشجاعة أكسيفار وحفاظه على الواجب وعدم ضلوعه في التآمر على أبيه مع أخيه ، وعدم خيانته كما فعل فرناس، كل ذلك يؤهله لما للملك وللانتصار والانتصاف، رغم غدر الزمان وفساده ، ممن حوله .‏

في النص بناء جيد ، وتشويق وحبكة متقنة ، وفي الحوار غوص على ما في النفس ، مما يعرف عن راسين ، رقه ودقة في إيصال حرارة العواطف والتعبير عنها ، ولم يخل النص من شعر ، ونصيب الغناء كان فيه قليلاً ولكنه لم يخل من لحن ونغم وغناء .‏

ويمكن الوقوف على ما أضافه القباني وما حذفه ، ما أحسن فيه وما أساء من خلال مراجعة مقارنة للنصين لمن يرغب في ذلك .‏

ولمن يريد أن يقف على مقارنة بين النصين ، وما لكل من راسين وأبي خليل أن يعود إلى تاريخ المسرح العربي للدكتور محمد يوسف نجم فقد بين ذلك ص210-215.‏

حيل النســـاء‏

لوســيا‏

============‏

مسرحية تقع حوادثها في مسينا ، وشخوصها تحمل أسماءها الأجنبية وهي تنتمي إلى مؤلفها عدا الإضافات وبعض المعاني والجمل والكلمات والأشعار التي أضافها القباني سواء لاءمت الحال أم لم تلائمه ، ومسرح الحوادث جميعاً ، عدا مشهد في الفصل الأخير هو قصر الكونت ، وأبطالها زوجته وابنته وابن أخيه جان ، ومتنفذه ووكيله إميل .‏

في النص ، لوسيا زوجة الكونت تحب إبن أخيه جان ، الذي يحب أوجين وتحبه ، وفي غياب الكونت تعرض لوسيا نفسها على جان فيرفضها ، وتزعم عند ذلك أنها تريد أن تكشف معدنه ومدى إخلاصه لعمه ، ولكن مكرها ذاك لا ينطلي عليه ، وفي مناجاة لها مع نفسها تتحدث عن أمرها وأمره ، ويطلع على ذلك إميل ويسمع ، فيستفيد من الحادثة ليظهر ولعه بأوجين ورغبته في الزواج منها ، ويتفق مع لوسيا على أن تمنع زواج جان من أوجين لتكون له .‏

وتحاول لوسيا مع الكونت إلاّ أنه يصر على أن يزوج جان من أوجين ، فكل منهما يحب الآخر ويليق به .‏

ولا تطيق لوسيا وجود جان مع أوجين ، وتحين فرصة سفر للكونت فتعرض عليه أن يصطحب معه جان فيفعل ، وتكون تلك فرصة لأميل ولها ليضعا أوجين أمام اختيارات صعبة ، ولكن أوجين لا تستجيب لا للإغراء ولا للضغط والتهديد ، وتنجو من السم الذي تقدمه لوسيا ، وتزداد تصميماً بعد أن يصل خبر يفيد أن جان قد غرق ، وتنجب طفلاً فيتعرض مثلها للإضطهاد إلى أن تضطر للهرب بعد أن هددها إميل بالقتل ، وكذلك يهرب خادمها ، ويهرَّب انطونيو ابنها . وعندما يعود الكونت لا يجد أحداً منهم ، فيسجن لوسيا وأميل ، ويلتقي الغياب في برية وفي ظروف مصادفة عجيبة تجمع الجميع في خيمة انطونيو ويتعارفون ويعودون إلى القصر حيث يجمعهم الكونت بالغادرين لوسيا وإميل ، ويريد أن ينفذ فيهما حكماً ويعاقبهما بعقوبة من جنس فعلهما إلا ان توسلهما يجعله يغفر لهما متمثلاً بشعر طالما ردده القباني في مسرحياته وفي مثل هذه المواقف .‏

(( تجاوز عن الذنب العظيم تكرماً‏

فيكفي المسيء الذل والعذل والكربُ‏

إذا مــا امــرؤ مـن ذنبه جاء تائباً‏

إليك ولـم تغفــر لــه فلــك الـذنبُ )) ص 349‏

وشخوص المسرحية كما تجلّت في النص ذات علاقات ودوافع وعواطف وهموم واضحة تؤسس لبنية درامية جيدة ، وقدم النص تحليلاً جاوز السطح قليلاً باتجاه أعماق الشخصيات وشواغلها النفسية ، وجاءت بنية الأحداث مشوّقة ومحققة لتتبع فني مقبول . والحوار فيه رشاقة ولم يخل من السجع والاستشهادات الشعرية وبعض الكلمات والأبيات التي تنافي بيئة المسرحية الأصلية.‏

ولم يتح للمؤلف مجال كبير لاستخدام الغناء ، وأدخل مشهداً مضحكاً جاء على نسق مشاهد المهرجين التي تقدم للتخفيف من أصر الفجيعة ، ولكن استخدامه في النص كان موظفاً لإتاحة فرصة لأوجين لتهرب ، ولتجنّب وقوع جريمة ، إذ كان من الممكن أن يقتلها إميل ، وكان حوار المهرجين المشغولين بالنحو والعروض والقوافي وسواها من الشواغل العربية ، كان حوارهم وغناؤهم حول (( البغاجة )) والكنافة .. وما شابه مما هو شامي محض .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

جميع الحقوق محفوظة