وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

المسرح في أدب صدقي اسماعيل

"إن أكبر حادثتين في وجود الإنسان أنه يولد بمفرده ويموت بمفرده أيضاً ويقضي العمر كله في انفراد موحش إذا لم يقدر له أن يعرف الحب حقا .. إنه يحس بأن الآخر لابد منه .. وأنه ليس آخر بل معنى الحياة كلها .. تماما مثل الزمن .. نعيش فيه ولانعرف أن النهاية معه أيضاً".‏

صدقي اسماعيل .. في مسرحية‏

"سقوط الجمرة الثالثة "‏

كان صدقي اسماعيل - رحمه الله - نسيج وحده فيما كتب من مسرحيات ، لم يتتلمذ على مدرسة أو كاتب ولم ينضو تحت لواء مذهب من المذاهب المسرحية العديدة ، ولم يخضع لتأثير تيار أو بدعة لأنه لم يكن ممن تفريهم البدع ، كانت ثقافته عربية أصيلة وعايش واقع شعبه وأمته فنبت من هذه الأرض وكان طعمها ونكهتها .‏

لقد كتب المسرحية بانطلاقة ذاتية خاصة به نابعة من وجدانه ومن تكوينه الثقافي والفكري ولذا نجده - فيما انتج من مسرحيات وعددها أربع - لم يجدد في أشكال العرض المسرحي ولم يبرع في تفهم حرفية هذا الفن ولا هو ممن أغوتهم " تقليعات " التجديد فيه على كثرتها .‏

وبالمقابل لم نهج الكلاسيكيين أو غيرهم بل كتب المسرحية فاستطاع أن يكون هو ذاته بعمقه وصدقه وبساطته ، وجاء انتاجه ليؤكد فرادته وشخصيته الخاصة ولا أستطيع القول إن صدقي اسماعيل صاحب مدرسة خاصة في فن الكتابة للمسرح كما لايمكن القول بأن ما تركه من انتاج مسرحي يرقى إلى مرحلة النضج الكامل في مجالات الخلق والابداع المسرحيين ، ففي بعض الأحيان يتراءى لنا صدقي اسماعيل وكأنه لايعرف شيئاً عن حرفية المسرح فهو لايتقن حبك حوادث مسرحياته ، ولا يمكِّن شخوصه من الصدام الحي حول موضوع أو هدف بحيث يحقق صدامها ولادة ونموه وتصاعده الصراع وبالتالي وجود روح الدراما .‏

وفي كثير من الأحيان تشعر بجمود الحوادث لبساطتها المتناهية وتمر أمامك المواقف تلو المواقف دون أن تشعر بأن خشبة المسرح قد امتلأت بالحيوية ، ومع ذلك فان القارئ لمسرحياته يعيش معه بعمق ، ويرتبط بحواره الفني ويستغرق معه في تأملاته وجزئيات رؤاه وهموم شخوصه ، نعم إن قارئه لايعيش في جو حركي يشد البصر ويشاغل الحواس ويمتعها ، ولكنه يحس بالامتلاء من الداخل ويشعر أن عقله يتحرك ، ذلك أن صدقي اسماعيل ليس بهلوانا يشد نظرنا إلى خشبة مسرحه بحركات وشقلبات متنوعة ، إنه يتجه إلى عقولنا وملكاتنا الأدبية وذوقنا وبعد لأي نشعر به يتسرب إلى القلب بصمت حتى يملكه بهدوء وثقة ويثبت فيه أحاسيسه وكل مايريد ، ولذا فان أدب صدقي اسماعيل المسرحي لن يلفت إليه انظار الراغبين في تقديم عرض مسرحي بمعنى العرض " لأن مسرحه لايهيئ لهم بغيتهم هذه .‏

ومما يلاحظ بوضوح أن صدقي اسماعيل لايكتب ليسلي أو يرفه ، ولاينظر للمسرح كوسيلة ترفيه أو كساحة لعرض الالعاب السحرية التي تبهر المشاهد ، وإنما يعتبر خشبة المسرح ساحة تتحرك فوقها الفكرة الواضحة الملتزمة البناءة في حلة أدبية قشيبة ، بكل اتزان وتؤدة ولطف ، وصدقي اسماعيل كما ظهر من خلال مسرحياته يؤمن بأن رسالة الأدب والفن رسالة سامية تكتسب قدسيتها وسموها من التزام صاحبه بالانسان وقضاياه ، ومن وقوفه في وجه الظلم والاستغلال والسلطة الجائزة ، رسالة الأدب أن ينتصر للانسان بانتصاره للحرية والعدالة والقيم السامية ، وبوقوفه إلى جانب الانسانية في نضالها من أجل حياة أفضل .‏

ولم يخرج صدقي اسماعيل عن هذه الرسالة في مسرحه ، فقد كان وفياً لقضايا شعبه ، عالجها بتفهم ، وتمسك بها بأصالة فكانت بمثابة هوية له وكان محاميا عنها وعلما عليها ، وقف ضد محترفي السياسة وضد المستغلين والطغاة ، وناضل الظلم والخسة ودعا إلى تطبيق الأشتراكية ، والى ضرورة تفجير الطاقة الحقيقية للشعب من طريق افساح المجال أمام قواه الكامنة في العمال والفلاحين لتأخذ دورها ولتمارس وجودها وتنفض عنها غبار الاهمال والكسل ، كما دعا إلى تأكيد سلطة القانون والدولة على أساس من العدل والحرية واحترام الإنسان ، ووضع قضية تحرير الإنسان من كل مظاهر وأشكال العبودية في طليعة قضاياه التي عالجها في مسرحياته.‏

ترك لنا صدقي اسماعيل بعد وفاته أربع مسرحيات هي :‏

-سقوط الجمرة الثالثة : وتقع في فصل واحد طويل ، وكان قد نشرها في مجلة‏

الموقف العربي .‏

- عمار يبحث عن أبيه : وتقع في ثلاثة فصول نشر منها فصلين فقط قبل وفاته‏

في جريدة البعث عام 1968 . ومازال الفصل‏

الثالث والاخير مخطوطا لم يكتمل مشهده الأخير .‏

-الأحذية : وهي مسرحية من فصل واحد في مشهدين نشرت في مجلة‏

" الجندي " عام 1966 العدد 750 .‏

- أيام سلمون : وهي " قصة تاريخية في حوار مسرحي " ، كتبها في ست‏

لوحات ، ونشرها عام 1972 في مجلة " الموقف الأدبي "‏

السنة الثانية - العدد الأول .‏

وسأحاول أن أقدم ، بشيء من التفصيل ، المسرحيات الأربع: سقوط الجمرة الثالثة - الاحذية - عمار يبحث عن أبيه - أيام سلمون ، ثم أسعى إلى استخلاص بعض الملاحظات الخاصة بكل مسرحية على حدة في نهاية الحديث عنها ثم أسجل الملاحظات العامة التي يمكن أن تتجلى فيها الملامح الأسياسية لمسرح صدقي اسماعيل .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

جميع الحقوق محفوظة