|
سقوط الجمرة الثالثة :
أن حوادث هذه المسرحية في منتهى البساطة : أحد محترفي السياسة القدامى يدخل الانتخابات ويجد نفسه أمام منافسين لهم تأثيرهم في الشعب فيحاول أن يستثير الرأي العام ضدهم ليكسبه إلى جانبه باصطناعه محاولة اغتيال مدبرة ضده ، يعدها هو وسائقه ، ويستغل هذا الحادث على جميع المستويات .
هذه هي الحوادث ولكنها لاتعطينا فكرة عن محتوى المسرحية، ان الذي يعطينا فكرة صحيحة عنها هو بدر الدين السالم الشخصية الرئيسية فيها ، ومحترف السياسة المحنك ، والانسان الذي له من الأملاك مايمكنه من العيش بحرية تامة ، حسب مفهومه هو للحرية ، إذ أنها بنظره " أن لايضطر الإنسان إلى شيء .. ولايلزم بشيء .. ويعطى كل شيء مجانا " والشخص الحر كما يراه " معفى حتى من العمل اليومي الذي يرتزق به الناس في العادة " .
هجر بدر الدين القرية التي يملكها ، بعد أن ترك فيها بعض أهله ، ليعش في المدينة هو وعائلته المكونة من زوجته وابنته وداد وابنه الذي ذهب ليدرس في باريس منذ زمن ولايشكو هناك الا السأم والملل ، وهو لذلك يغير خمسة مطاعم في مدى ساعة ، ويحس أن " جسده يتذمر " ! وبدر الدين لايترك مجلسا نيابيا الا ويرشح نفسه لعضويته ضامناً النجاح نظراً لقدرته على شراء الأصوات إذا لزم الأمر ، ولسيطرته أو " شعبيته كما يحب أن يسميها " .
وقد لمع اسمه بين الناس الذين ينتخبونه لأسباب متفاوتة .. ولم يكن يشكو في أي يوم من مزاحمة أحد على كرسي المجلس النيابي .. إلاّ أنه في هذه الأيام يحس بحرج موقفه أمام منافسه الجديد .. ذلك الصبي الذي استطاع هو واعوانه أن يغيروا وجهة نظر الناس في أمور السياسة بأسلوب عملي .. وغرسوا في أذهان الكثيرين من أبناء الجيل الجديد أفكار جديدة غيرت نظرتهم إلى السياسة ودور السياسيين .. ولقد وصلت آراؤهم حتى إلى النفاذ في عقلية ماجد خطيب ابنة بدر الدين فهو يتبناها ويجاهر بها وهاهو يقول لخطيبته وداد أثناء حديثهما عن والدها :
" السياسة في بلادنا لم تعد سياسة .. لقد تغيرت في أساليبها وغاياتها .. في زمنه كانوا يتنازعون على النفوذ من أجل النجاح الشخصي والمصلحة وتسيير دفة الأمور .. أمّا الآن فأن كل شيء أصبح وسيلة لتبديل الأوضاع من جذورها وأول دلائل هذا النجاح القضاء على كل من يقاوم هذا التبديل " ، أن خصوم بدر الدين "يكافحون من أجل قضية " ، ولذا فهم يفضحون أساليبه وأساليب أمثاله وهم قوة حقيقية رغم أن بدر الدين لايرى فيهم الا " صبية"، ينثرون حوله الشائعات ، وهل يحارب الرجل المتنفذ المشهور الا بالشائعات ؟! أنه أمر طبيعي تماما من وجهة نظرة ولكن وجهة النظر الواقعية هي تلك التي يأتي ذكرها على لسان ماجد في حديثه مع خطيبته حين تنكر أن لأبيها خصوماً في السابق فيقول لها :
"لا .. بل كان الخصوم أكثر مما هم الآن .. لأن الفقر كان أشد وطأة غير أن الظروف كانت ضدهم .. لكل غني أو متنفذ جيش كبير من الاعداء هو مجموعة من الرعاع التافهين ، الذين يمكن ضربهم في أي لحظة أو شراؤهم أو تحذيرهم بالكلام اللبق .. يبقون هكذا ماداموا منزوين ومنذ أن يتحركوا في شيء من العنف تكون الظروف قد تغيرت حتما .. أي أصبحت في جانبهم .. تماماً كما يحدث الآن " ، كما يؤكد ماجد لخطيبته أن وجودهم خلف الشخص الذي يمشون وراءه الآن هو بمثابة انذار إلى الجميع .. أنهم يقولون :
" هانحن .. جميع المحرومين نخرج إلى الساحة .. وقد أعددنا العدة للقتال .. بعد أن جردنا من السلاح أمدا طويلاً .. أننا نرفض هذه الحياة " .
إننا في هذه المسرحية نقابل بدر الدين السالم وقد نجا لتوه من أربع رصاصات أطلقت عليه بينما كان يجتاز الشارع ليصل إلى منزله .. وهاهو يهتز وينفعل ويثير ضجة مفتعلة بهدف واضح وهو إستغلال الرصاصات التي أطلقت عليه لاثارة الراي العام ضد منافسه وشده نحوه مدركا أن " للعاطفة دورها الاساسي في السياسة " ولذا فهو لايضيع الوقت أبداً ، فبعد أن يضع بعض المطهرات على خدش بسيط أصابه في ساقه بينما كان يتسلق جدار حديقة داره هاربا من الرصاصات التي أطلقت خلفه - يبادر إلى الاتصال بوزير الداخلية ويخبر الحكومة يقيمها ويقعدها ، فكيف يمكن أن يحدث مثل هذا العمل الدنئ للتخلص من المنافسة على كرسي المجلس النيابي .
ولكي يستغل بدر الدين هذا الحداث على الصعيد الجماهيري في الدعاية له أرسل سائقه عاصي لينشر الخبر بين الناس بشيء من استثارة الشفقة على المناضل " بدر الدين " ؟ الذي يحب الشعب ويعمل من أجله باخلاص .
إن بدر الدين السالم رجل عملي .. وهو يعرف مسبقاً أن أربع رصاصات في هذه الظروف - إذا أحسن استغلالها - يمكن أن تدعمه بأربعة آلاف صوت في الانتخابات .. ولهذا الأمر فقط دبر هذه الخطة وكلف سائقه بتنفيذها وقام باستغلالها وكأنها حدثت من قبل خصومه بالفعل .
كل شيء مبرر في شرع هذا الاقطاعي الصغير ذي النظرة الواقعية جدا والمصلحية جداً ، فهو يعتبر النجاح في السياسة هو " النظر إلى الأشياء من جميع الوجوه بسرعة وتقدير واضح للمصلحة " ويتحرك من هذا المنطلق في كل أعماله دون مراعاة لأي قيم أوعوامل أخرى .
وضمن اطار هذا الحدث الذي يتمحور حول شخصية بدر الدين قدم صدقي اسماعيل نماذج تكمل صورة الأسرة البورجوازية التي يمت اليها بدر الدين السالم والتي تعتبر نموذجا لكثير غيرها من الأسر التي كانت تسيطر على الحياة السياسية للبلاد ، في وقت بدأ فيه الفقراء يرفعون أصواتهم ويرسلون احتجاجهم في شكل نذير للذين طالما تاجروا وتلاعبوا بمقدراتهم وسجنوهم مع البهائم في زرائب واحدة يأكلون وينامون ويعملون ويقدمون جهدهم عبر ابتسامات الرضى والامتنان لصاحب الجاه .. للمالك المتحكم ذي النفوذ الذي لايحد .
فنحن نرى وداد ابنة بدر الدين نموذجاً للمرأة الكسول التي لاتهم إلاّ براحتها وطعامها ومظهرها دون أن تعير العمل أي اهتمام ودون أن يكون له قيمة محترمة في حياتها ، وهي تنفذ وصية والدها بأن تكون مثالا لكبرياء العائلة لأنها سليلة بيت السالم الذين تجري في عروقهم الدماء التي لاتتوفر لغيرهم من الناس .
إن وداد تعيش ضمن قوقعة أنانيتها البحتة ولاتهمها إلا فرديتها ، حتى والدها لاتهتم به الأهتمام الصادق ، وعندما تشعر أن واجب التظاهر بالحرص عليه يقتضي بعض التحرك لصالحه تتفق مع خطيبها ماجد على أن يحاولا بذل الجهد لاقناعه بالانسحاب من الانتخابات خوفا على حياته بعد أن أطلق الرصاص عليه . وطبعا لايوافق بدر الدين على اقتراحهما لأنه يعرف جيداً من أطلق الرصاص .. ولو أن الرصاص أطلق عليه فعلا بقصد اغتياله لتكفل الجبن الذي في داخله بارغامه على الانسحاب ..
ومن النماذج التي تكمل صورة الأسرة البورجوازية " أميرة " أخت بدر الدين التي حضرت من القرية لتقف إلى جانب أخيها في الانتخابات حرصا على مركزه - مركز العائلة - وهي تعرف أنها من عائلة السالم وتعتز بذلك وتوحي إلى وداد - ابنة أخيها - أن تفخر لأن دم العائلة يجري في عروقها .
وأميرة عملية أيضاً كأخيها بدر الدين وهي تعرفة معرفة حقة ، وتفهم خططه وسلوكه ولذلك فهي لاتدهش عندما يدخل راكضا أثر اطلاق الرصاص عليه ، فهي تحضر له المطهر بكل بساطة وتقول له: " أنها عادتك يابدر .. في البدء تبالغ بكل شيء ثم تصبح أصلب من الصخر " ، وهي تدرك بغريزتها- بعد أن تستمع لأخيها وهو يتكلم عن مناوئيه الذين يضيقون عليه الخناق ويجعلون الناس ينفضون من حوله تدرك أنها بداية النهاية بالنسبة لعهد المتنفذين الذي انفصلوا عن الشعب واستخدموه ، من أمثال أخيها ، وتدرك أيضاً أن الجمرة الثالثة سقطت مع سقوط الرصاصات الأربع خلف أخيها ، فالفقراء الذين عانوا من الجوع والفقر سنوات طويلة لابد أن يهجروا مخابئهم كما تهجر بهائم الأرض جحورها وتأخذ مكانها تحت الشمس . أنها تقول لأبنة أخيها :
" الجمرة الثالثة .. عندما تسقط يبدأ الربيع .. تماما مثل هذه الايام .. الياسمين الأصفر يظهر على سياج البستان .. وينشر الهواء الدافئ بين الأشجار ويخرج الجميع إلى البرية كل الاشياء تصبح في العراء وهانحن الآن في حالة مماثلة : أربع رصاصات طائشة فتحت لنا جميع الأبواب ، أبوك يقئ حقده العنيد على الرعاع .. أي على كل الناس .. وأنت أوهام الجسم العليل .. ويعلم الله كيف تكون أمك لو أنها لم تسافر .. حتى أنا وجدت نفسي في حالة من الهياج القديم .
إن أميرة تشعر بوضع العائلة ولكنها لاتعانيه .. تقول كلماتها بشكل عابر وبقناعة من لايستطيع للامر المؤكد الحدوث دفعا . إن هذه الشخصيات الثلاث بدر الدين ووداد وأميرة تعطي جوانب مختلفة لتكوين أسرة من تلك الاسر التي كانت تتحكم بحياة مجتمعنا السياسية والاقتصادية ، وهي ضمن إطار هذا الحدث تعطي صورة تسعى إلى التكامل عن نظرة وحياة واهتمامات أولئك الناس الذين ثارت جموع شعبنا ضد تسلطهم عليها واستغلالهم لها .
ومن الشخصيات التي عرضها المؤلف في مسرحية سقوط الجمرة الثالثة شخصية ماجد خطيب وداد وهو مهندس شاب يحمل بعض الأفكار التقدمية كسائر أبناء جيله مع تفاوت بين شخص وآخر .. ولا يخشى أن يجاهر بأفكاره أمام وداد ووالدها .. إنه يؤمن بأن المستقبل يجب أن يوضع في الاعتبار لدى السياسيين لأن الواقعية تستدعي ذلك بالدرجة الأولى ومن يغفل هذا الأمر فانما يغفل شيئاً جوهريا . أن هناك كتلا جماهيرية لها دورها ولها مشاكلها .. ولابد أن توضع على الخارطة أيضاً عن مناقشة مستقبل البلد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ، أو حتى عند التخطيط لمعركة انتخابية .
ويخالف ماجد رأي بدر الدين الذي ينشد المتعة الخاصة ولايسأل إلاّ عن رفاهيته وهنائه ولا تهمه جموع الفقراء .. يخالفه الراي أنطلاقاً من نظرة يؤمن بها وتتلخص بأن " الإنسان هو الجميع .. مثلما يشارك الآخرين في لغة التخاطب والافكار يجب أن يشاركهم في أسباب الحياة " .
ويلاحظ تعاطف صدقي اسماعيل مع ماجد فهو يورد على لسانه كثيراً من آرائه الخاصة ، فهل أراد لهذا الشاب أن يتسلل إلى معاقل الطبقة المتحكمة ليفجر بناءها من الداخل ؟ ..
أنه لايعطينا صورة عن ماضي هذا الشاب أبداً ولا عن انتمائه الطبقي ولا يبرز بجلاء مطامحه وتطلعاته ، الا أن ارتباطه بهذه الاسرة له معناه .. وأكبر الظن أن صدقي اسماعيل سخر هذه الشخصية كما سخر سواها من الشخصيات لحمل أفكاره هو دون مراعاة لتكوينها الخاص وبنيتها .
أمّا الشخصية الطريفة الحية في هذه المسرحية فهي شخصية السائق عاصي : إنه نموذج للانسان الذي يعتمد على عمله وجهده ولكن لايهمه أبداً كيف يوظف هذا الجهد ! إنه يعمل في الدعاية لصالح بدر الدين السالم وله تجارب سابقة في هذا المجال كما أنه يتمتع بنظرة واقعية صادقة للحياة والناس فهو يرى أن المنافسة السياسية في عهده : حالة حرب حقيقية كل من الخصمين فيها يريد أن يبيد الاخر ويمسحه من الوجود وان الحياة بمجملها صراع من هذا القبيل ، أمّا عن تجربته هو فإنه يعارك الحياة والناس ليعيش ، كانت أولى محاولاته في التمرد حينما قاد العمال في اضراب للحصول على ساعة الراحة . وكان جزاؤه أن طرد من العمل . كان يود أن يستخدم المسدس في حياته ولكنه لم يستخدمه الا عندما كلفه بذلك بدر الدين .. فأطلق أربع رصاصات في الفضاء .
أن عاصي شخصية مرحة .. أضفت على بعض مشاهد المسرحية جوا من الحيوية افتقدته المسرحية طويلا ، ولكنها ثرثرت ونطقت بكلام أعلى من مستواها ، وكان هذا شأن أميرة إلى حد ما ، أمّا الشخصيات الاخرى فقد كانت مؤهلة بعض الشيء لحمل الافكار التي طرحتها .. ولكن شخصية المؤلف لم تعتق شخصيات المسرحية أبداً ، فكثيرا ماكانت الشخصيات تستطرد لتنقل فكرة فلسفية أو رأياً يريد المؤلف أن يقوله .. وهي لهذا كانت أسير المؤلف ولم تتمكن من التصرف كشخوص حية ذات ارادة ، تصنع حوادثها وتطورها وتسير بالمواقف إلى مرحلة الصدام .
أن مسرحية سقوط الجمرة الثالثة ضعيفة الحوادث ، يميل حوارهاالى الطول بسبب استطرادات المؤلف الذي ينقل تأملاته الخاصة وأفكاره على لسان شخوصه دون مراعاة لتكوين كل منها، ومن الملاحظ أن الكلمة المنطوقة ليست سيدة الموقف في لغة الحوار المسرحي هنا لان الجمل تنوء بثمار الفكر ولذا تثقل على لسان من سيعرضها على خشبة المسرح برشاقة .
|