وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

الأحـــذية :

المسرحية الثانية من مسرحيات صدقي اسماعيل هي الأحذية وتقع في فصل واحد قصير ويتألف من مشهدين وتدور حوادثها أثناء حرب فلسطين عام 1947 وفي بيت دمشقي أنيق حيث يسكن المحامي نزار وزوجته سعاد وعندهما ليلى أخت سعاد وقد وصل في ذلك اليوم أيمن وهو أحد المتطوعين في جيش الانقاذ جاء في مهمة عاجلة وسرية إلى دمشق كما يقول .‏

ونفهم من حديث بين الأختين أن ليلى تحب ايمن ولكنها مانعت في اتمام الزواج لأنها تفهمت بعمق نفسيته ، وطموحه وهمومه ومشاغله - فهو لايستطيع أن يلتفت إلى شؤونه الخاصة ويعيش مع الانسانة التي يحبها بطمأنينة وارتياح في الوقت الذي يتعرض فيه أبناء الأمة وجزء من كيانها للعدوان كما لايخطر بباله أبداً " أن يبني بيتا على أرض تهددها الزلازل " ، أن الواجب يملي أن يكون حيث يجب أن يكون ولذا يلتحق بجيش الانقاذ ليحارب في فلسطين وتنتظر ليلى دون زواج وتعلن رفضها لكل من يتقدم لخطبتها .‏

وحين يجتمع أيمن بنزار ، وهما صديقان حميمان قديمان ورفيقا نضال وعقيده ، يروي ايمن بعض وقائع الحرب ويغمز من طرف خفي إلى وجود الخيانة وانتشار رائحتها ، ولكنها " في الحرب لايجوز أن تثار الشبهات " ، أمّا بعدها و " حين يكون هناك عدو جبان ، يختبئ مثلما تختبىء الجراثيم في مجاهل الجسد ، فلا بد من إعادة النظر .‏

وهنا يحث نزاز صديقه أيمن على ضرورة الاحتفاظ بالسلاح ضمانا للانتصار في المعركة الحقيقية المقبلة لأن " من يملك السلاح يملك الحق" .. ولان الاحتفاظ بالسلاح واجب على المناضلين لأن الحرب " حرب أمة تدافع عن نفسها وليست مغامرة " .‏

ولكن أيمن يرى أن الاهم من ذلك واجدى هو " استنفار الشارع " والوسيلة لبلوغ هذا الهدف " القنبلة " لانها " ضمير الشارع " ولانها " إعلان صارخ بأن الأرض تتزلزل " ، من تحت أقدام أولئك الذين يعطون الاوامر والذين " لن يخرجوا من مخابئهم الا على هذه الاصوات الداوية " .‏

ويؤكد أيمن من جديد وبأسلوب لاينقصه مرح المتفائل الوائق من قضيته بأنه " غذا لم تستفز غرائز الكفاح عند الجميع ، الغرائز بكل قوتها ، فلن يكون لنا شيء من المستقبل .. لن تذهب فلسطين فحسب ، بل سوف تلحق بها أقطار أخرى " وهنا يتدخل نزار ليقول لايمن بوضوح ، مادام الهدف من العودة إلى الشارع هو اسقاط الحكم والوصول إلى مكان الحاكمين فيمكن للمسلحين أن يحتلوا العاصمة ببساطة وعندئذ " يمكن تجنيد الشعب كله .. والشعب وحده هو الذي يستطيع أن يجعل معركة فلسطين حربا حقيقته " . ولكن أيمن يتهرب من هذه المجابهة ويلوذ تارة بالشرعية وتارة بالانضباط وأخيراً يخلص نفسه بتذكر مهمته العاجلة التي أوفد من أجلها .. ولكن الغريب في هذا القسم من المسرحية .. أن يتم تبادل الادوار ببساطة بين نزار وأيمن من جهة وسعاد وليلى من جهة أخرى وذلك حين يقرر أيمن ألا يعود إلى المحاربين بالاحذية - وهي المهمة التي كلف بها - لقناعته بوجود خيانة وبأنه لابد أن يعود إلى الشارع من جديد ويقرر نزار في الوقت نفسه أن يأخذ مكان أيمن ليقنع المحاربين بضرورة الاحتفاظ بسلاحهم والعودة لاحتلال العاصمة واجراء التغيير بقوة السلاح تاركا حياته الهادئة المنظمة وهنا تتبادل أيضاً سعاد ، المولعة بالاحذية الانيقة والتي كانت تعيش بدعة ، تتبادل مع أخيها المهام أيضاً فسعاد ستنتظر عودة نزار كما تنتظر ليلى عودة أيمن وليلى ستعيش مع أيمن حياة هادئة بعض الشيء بعد انتظار طويل .‏

شخوص هذه المسرحية أربعة فقط وتكاد تكون متكافئة فيما أخذته من عناية المؤلف بها ، ويظهر في هذه الشخوص بوضوح سيطرة المؤلف على ارادتها سيطرة تجعلها لاتعبر عن ذواتها وإراداتها كما ينبغي .. فالقرار الذي تتخذه الشخوص في تبادل المهام في نهاية المسرحية لم يكن مقنعا لاحد منها . ولم يتوصل القارئ إلى قناعة بوجوب حدوثه ومع ذلك أملي عليها وقبتله دون أن يتم التمهيد المقنع بذلك .‏

هناك تمايز ملحوظ بين الشخصيات فاهتماماتها مختلفة وسلوكها متباين فسعاد أنيقة تهتم بملابسها ومظهرها وتلاحق زوجها بغيرة واضحة كل ذلك تمارسه إلى درجة التطرف .. وليلى تهتم بما يهتم به أيمن من قضايا سياسية ونضال وطني إلى درجة التطرف أمّا نزار فمحام مستقيم دقيق في مواعيده إلى درجة التطرف أيضاً ، ولكن هذا التمايز الذي يظهره المؤلف بين شخوصه في بداية المسرحية لايلبث أن يقلبه رأسا على عقب حين يجعلها تتبادل المواقع والمهام والاهتمامات .‏

لغة الحوار في هذه المسرحية بسيطة وقد لجأ المؤلف إلى بعض مقاطع من الحوار الذاتي بدت طويلة بشكل ملحوظ وخاصة كلام ليلى عن نظرة الاهل لزواج البنات في المشهد الأول ، ويمكننا أن نلاحظ أن بعض الافكار التي ولدت في هذه المسرحية نمت وأصبحت موضوعا لمسرحية " " عمار يبحث عن أبيه " وخاصة فكرة احتفاظ المحاربين بسلاحهم من أجل أحداث الثورة عندما يعودون للحصول على حقهم والتخلص من الظلم .‏

وقد وردت بعض الجمل في مسرحية " عمار يبحث عن أبيه " كما وردت في " الاحذية " مع وجود تبديل طفيف في الصياغة أحياناً ، ويمكننا تلمس مظاهر الارهاص بولادة مسرحية " عمار يبحث عن ابيه " ، كذلك بعض أفكارها ببساطة في مسرحية " الاحذية " .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244