|
عمار يبحث عن أبيه :
حوادث هذه المسرحية بسيطة أيضاً : مجموعة من فلاحي إحدى القرى في ريفنا شاركت - بزعامة الاقطاعي الذي يملك القرية - في حرب1948 وانهزمت ثم عادت إلى القرية ووجد أفرادها بين أيديهم سلاحاً فاستعملوه في الثورة على الاقطاعي الذي قادهم إلى حرب خاسرة واستغلهم وظلمهم طويلا .
ويصل إلى القرية " عمار " إبن الاقطاعي منصور الحامد بناء على دعوة من أبيه فيجد نفسه وسط ظروف غامضة في قبضة القرار ولاتجدي وساطة سعد الدين ، أحد أصدقاء والده ووالد سلمى خطيبة فاروق قائد " الثوار " لاتجدي وساطته في اطلاق سراح عمار فيشير عليه بالالتحاق بالثورة ويفعل عمار كما يوافق فاروق - وهنا نلاحظ الاسلوب التوفيقي بين الفلاح الثائر من جهة وابن الاقطاعي من جهة أخرى مابرع فيه بعض سياسيينا في إحدى الفترات - .
ويعهد إلى عمار بأن يقتل أباه لان هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى القصر المحصن الذي يحتمي فيه ... ويذهب عمار لينفذ هذه المهمة .. ولاندري لماذا يفعل ذلك .. أمداجاة للثورة ورجالها؟ أمّا خوفا وطمعا ؟ أم قناعة بعدالة قضيتهم والتزاماً بقضية آمن بها قبل لحظات ؟ أنه لايصرح بشيء يرجح أياً من هذه التساؤلات على غيرها .. وها هو عمار يدخل القصر ببندقية ثائر يود أن يقابل أباه لينفذ ماوعد الثوار بتنفيذه .
وعندما يدخل القصر ، يشعر أنه انفصل تماما عن واقع القرية .. فكل شيء في القصر هادئ صامت على نحو مثير .. فتاة تجمع الازهار وتعيش أحلاما عاطفية ساحرة - وأشجار خيمت ظلالها على الأرض بارتياح .. وكأنها لاتشعر بمرور الزمن .. ومجد منسق في قصر أشبه مايكون بتلك القصور التي تصفها أحاديث الخرافات .. ان كل شيء في الداخل يتصل بالذكريات المنسية ، بالاثار الجامدة ، أكثر مما يتصل بالحياة الموارة وتيارها اللجب . ولا يجد عمار والده في القصر ولكنه يعرف من أخته زهرة التي قابلها هناك مكان مذكراته وفي المذكرات يكشف امراً كان يحيره ويقلقه وهو سر هجر أبيه لأمه قبل أن يولد هو . ويتضح له أن كلا منهما كان يتهم الاخر بأنه لايطيق الجنين الذي كأنه هو ويعتبر وجود هذا الجنين وقدومه بمثابة نذير هلاك له .. وهكذا افترقا .
وفي نهاية الجلسة التأملية التي قضاها عمار في مكتبة والده يقرأ المذكرات نسمع طلقات نارية خارج القصر ونرى سلمى وفاروق يتسللان عبر حديقة القصر .. كما نسمع رجع صدى صوت الاب يقول بلهجة هادئة :
"على شاطئ النهر يقضي العجوز نهارا من الامنيات
بصنارة ذات ماض وسلة
وشمس تراقب ظله
حصاد تجاريبه في الحياة
وتيار عمر جرى الماء قبله
على شاطئ النهر يغفو العجوز فتصطاده الذكريات " .
هذا هو ملخص ماوصلنا من هذه المسرحية التي لم تسمح يد المنون لمؤلفها بأن يتمها* ، ولانعرف ماالذي يؤول اليه أمر شخوص المسرحبية بعد ذلك لان الموت لم يمكن المؤلف من إيجاد تسوية لهذه القضية و" كل شيء يسوى أخيراً.. لولا الموت الذي نضطر اليه قبل الأوان " كما يقول .
فماذا أراد صدقي اسماعيل من هذه المسرحية ؟!
في التمهيد الذي قدم به مسرحيته يقول " في عام 1948 عاد من فلسطين فريق من المجاهدين في جيش الانقاذ إلى قريتهم المغمورة، وحاولوا القيام بثورة مسلحة من أجل الأرض وفي الوقت نفسه يصل إلى القرية شاب مجهول بحثا عن ابيه الذي هجر المنزل قبل ولادته ، ويكتشف أن هذا الاب هو الذي يملك القرية واضطر أن ينضم إلى الثوار لكي يستطيع التسلل إلى منزله " .
وهذه الكلمات لاتساهم في انارة الفكرة المطروحة في المسرحية بمقدار ما تساهم بتلفيعها بالضباب .
كان منصور الحامد " الثري الغامض الذي يهيمن على النفوس والذي يملك تاريخا مثيرا ويتملكه الرعب " من أن يكرر نفسه في أي يوم .. كل آونة يجب أن تكون مغامرة جديدة .. هوس الاناني المتفرد الذي يرفض جميع الآخرين " والذي قادشباب قريته إلى فلسطين كي يساهم في انقاذها كما ساهم في ثورة الحجاز والذي يلمح إلى ذاته بقوله :
" أمضي إلى عواصف البحار
في مركب محطم السواري
حنين موتور إلى الأخطار
ولي رفاق في جبال النار
يدعونهم جحافل الثوار
الحاملين شعلة الاقدار
والناشرين الحرب في الأمصار
لارغبة في القتل والدمار
لكنها شريعة الاحرار "
كان منصور الحامد يقدم أيضاً نموذجا للاقطاعي في تلك الايام .. ذلك الذي " لايحب الحكومة ولايطيقها " لانه يريد أن يكون الدولة وهذا النوع من الناس كما يقول عنه صديقه سعد الدين " يعتبر نفسه فوق الدولة ، لمجرد انه يملك ويستطيع أن يأمر ، ويجمع حوله الاتباع " . فمن هو منصور الحامد هذا وماذا يريد .
ان الذين شاركوه في حرب فلسطين ، والذين عادوا فحملوا السلاح ضده في القرية ، يعللون أسباب مشاركته في الحرب وحثه إياهم للمساهمة فيها بقولهم ، على لسان فاروق زعيم ثورتهم في القرية " كان يريد مجده الشخصي وكان على الجميع أن يحاربوا هناك .. وأن يفشلوا .. لاسيما الذين على شاكلته .. ماداموا أثرياء، سوف يعودون بأكاليل الغار حتى لو ذهب الوطن كله .. المال والرفاه والشهرة الوطنية .. كيف يمكن أن تعنيه فلسطين مادامت مملكته هنا في أمان .. نحن الذين كنا أبطالا رغم أننا لم نحارب الا قليلا .. ذهبنا مع الجوع والالم والحرمان وعدنا جائعين معذبين فقراء " .
اذن منصور الحامد هو نموذج البطل الاقطاعي الذي يجهض الثورة في بداية تخلقها ، يتزعم الفقراء ليقودهم إلى المعارك وهم غير مؤهلين لها ولامجهزين لخوضها ليعود بعد فشله فيدعى أنه أدى الواجب ودافع عن الوطن ولكن محاربيه لم ينجحوا في خوض المعارك ، وبذا يضمن لنفسه حسن السمعة كمدافع عن الوطن كما يضمن سيطرته وتسلطه على جمع الفقراء .
لقد ذهب منصور الحامد على رأس مملوكيه من الفلاحين إلى فلطسين لاليحقق النصر بل ليقال انه ذهب وحارب ، ولذا فان الهزيمة لم تترك أثرا كما فعلت في نفوس الفلاحين الذين ذهبوا معه فأحسوا أن العار الحقيقي هو الظلم والسكوت عليه ، ولم يقتنعوا مطلقاً بأن ماقاموا به هو الحرب وانهم هزموا فيها .. وأدركوا تماما أن منصور الحامد وأمثاله لايهمهم أن يدافعوا عن أية أملاك دفاع المستميت مادامت أملاكهم في " أمان " .
إذن منصور الحامد .. هو فارس الاقطاع العربي الذي كان يمتص كل طاقات الانتاج لدى أبناء شعبه ويحولها لصالحه ، ويتباهى بركوب خيل الثورة واقتحام ميادين القتال في كل ساحات الوطن العربي تظاهرا وتفاخرا وانتسابا لأمة عريقة يدعي أنه يمثلها .. ولكنه أهمل تاريخها وتراثها وانسانيتها ولم يعرف عنها الا أقل من القليل مما جعله يساهم في تزييف فتوحاتها وبطولاتها ورجالاتها وتاريخها وأهدافها .
لقد أطلق منصور الحامد على جماعته اسم " الغزاة " ؟ وبذلك أعطى لنفسه صفة قائد الغزو أو زعيمه وهذا له دلالته الواضحة فالجماعة الغازية لايهمها إن هي خسرت ولاتشعر بأنها تدافع عن حق طبيعي لها حين تخوض معركة ما ولذا فان منصور الحامد لم يذهب ليحارب دفاعا عن أرض يرتبط بها ويشعر أن تاريخ أمته مغروس في عمق أعماقها وأنه إذا فقدها فقد الملك والكرامة ومبررات الوجود . كان قائد الغزو وكان من الطبيعي أن يطلق على جماعته بعد أن هزم في المعركة وخسر سهل بيسان الخصيب اسم "القراصنة" لأن الغازي عندما يخسر المعركة ينقلب إلى قرصان كما يقول ، ولكن جماعته أحست بأن هذا الإسم لايليق بها ، ودون أن تتبلور الأفكار في أذهان أفرادها وجدوا أنفسهم يقولون له : " إذن سوف نمارس القرصنة في كل مكان حتى في قريتنا الخاملة " . لقد كان الجرح عميقا في نفوسهم ولكنه لم يترك كبير أثر في نفس منصور الحامد وأمثاله الذين لم يهتموا لمستقبل الأمة ولم يخطر ببالهم أن يحرروا قوتها المتمثلة في الفلاحين والعمال لتدافع هذه القوة عن الوجود والكرامة والأرض ، لم يفعلوا ذلك وليس من مصلحتهم أن يفعلوا ، فما هي مصلحة الاقطاعيين بثورة حقيقية في أرجاء هذا الوطن الكبير ترفع الظلم عن المظلومين ، وتمسح غمامة الجهل عن عقول الفلاحين ؟1 ماهي مصلحتهم في أن يملك الفلاح أرضا هو ملحها وخصبها وتعود ملكيته وملكيتها لهم ولأبنائهم من بعدهم ؟ ليس لهم أدنى مصلحة في ذلك .. ولكن أصحاب المصلحة الحقيقيين حين عادوا من فلسطين مهزومين وأحسوا بعمق الجرح كما أحسوا بقذارة الخديعة وكان بين أيديهم بقايا سلاح .. أدركوا أنه ليس من الحكمة ألا يستخدموه في الحصول على حقهم، وأدركوا أيضاً أنه لابد من استعمال السلاح ضد من يمتص جهدهم ويشوه انسانيتهم ورجولتهم وكيانهم الشخصي والقومي .. أدركوا أن لابد من الثورة ..
لم تكن ثورتهم وليدة ترف فكري ولم تولد في الذهن وتتبلور نظرياتها خلف المكاتب بل كانت ابنة الواقع ابنة ساحة المعركة .. ابنة المعاناة اليومية للبؤس والشقاء ، ابنة الهزيمة المرة .
لقد أحسوا بالإهانة وأحسوا أنهم أتباع وأن ليس لهم في
" فصول الجفاف سوى ذكريات القطيع " وقرروا أن يغيروا مواصفات حياتهم وقال قائلهم :" يجب أن تتغير هذه العقلية من الأساس .. ولو بقوة السلاح .. هذا الجيل الذي يعيش من فتات الموائد ، يجب أن ينقرض .. لا لأنه غير جدير بالحياة .. بل لأنه يعطي أمثولة قذرة للأجيال القادمة .. لاتبعية بعد اليوم " وكان هذا هدفا من أهداف ثورتهم التي مارسوها في القرية بعد عودتهم اليها .. وكان صدى نشيدهم يتردد في الوديان ..
" دعينا القراصنة المارقين
نقول : ونحن الرعاع
لنا مرفأ في خليج السنين
يحن إليه الشراع
سنسفك يوما دم الآخرين
ولو أغرقتنا الدماء
فما في الحياة غد للذين
يسمونهم أبرياء
لكم حدثونا عن الكبرياء
فقلنا لهم : جائعون
وكم لوحوا بحنان السماء
فقلنا لهم : ثائرون
هبونا السفينة والذكريات
وأحلامنا الباقية
إلى ان تعيد إلينا الحياة
مخالبنا الدامية
سئمنا الشعار وراء الشعار
سئمنا حديث الخرافة
هبونا الرياح هبونا البحار
فإنا نريد النظافة "
هؤلاء الثائرون وطليعتهم فاروق حملوا أسلحتهم ووقفوا في أزقة القرية غير آبهين بالحكومة التي تدعم الإقطاع وتمثله ولا بمنصور الحامد الذي يملك سلطة كبرى على فلاحي القرية حيث يستطيع أن يأمرهم بقتل أبنائهم وأخوتهم الثائرين فيطيعونه - وقفوا ليقولوا كلمتهم .. ولكن أين منصور الحامد الآن في خضم ثورة القرية هذه ؟!
إن القصر العامر الذي يتحصن به ، لايعكر صفوه شيء .. وزهرة ابنته مازالت تغط في أحلامها الوردية تجمع سلة الأزهار من الحديقة ، أمّا هو فحاضر غائب . لقد أرسل لابنه الذي تركه منذ فترة طويلة "25" سنة في المدينة أرسل إليه ليعود إلى القرية .. يريده أن يحل محله . ولم لا ؟ فمنصور الحامد " ليس إلا مسودة لابنه عمار " .
ويأتي عمار إلى القرية ولكنه لايستطيع أن يفهم الظروف التي تحيط بها .. أنه وضع غريب بالنسبة له .. ويحاول سعد الدين أن يساعده فيدله على بيت أبيه ولكن الثائرين منعوا الدخول والخروج من وإلى بيت منصور الحامد .. ويقبض على عمار من قبل سلمى ابنة سعد الدين التي تعود به إلى البيت بانتظار عودة خطيبها فاروق ليبت بأمر هذا الزائر الغريب .. الذي يدعى أنه ابن منصور الحامد
ولاندري كيف يتم التقارب بين الثوار وبين هذا الابن .. كما لانفهم كيف يوافق على الانضمام إلى صفوفهم ويأخذ على عاتقه أن يقتل والده ؟ !
ان فكرة انضمامه أتت فجأة على لسان سعد الدين .. وسرعان ما أصبحت حقيقة قبلها الجميع بتسرع غير مقنع لافي الواقع الدرامي ولا في واقع الحياة ..
ولكن كيف يمكن أن يتصرف عمار ؟
انه لم يأت طمعا بالإرث فهو يكره الذين يرثون والذين يورثون " ويعتبر الإرث " سرقة شرعية " لقد جاء طمعا بالعثور على أب مفقود وهاهو يتسلم السلاح من الثوار معطيا العهد على أن يقتل هذا الاب ويدخل قصره لهذه الغاية بعد أن تحدد له مهلة غايتها منتصف الليل لينفذ المهمة .. فهل سيقتله فعلا ؟! ماهي أحاسيسه نحوه ؟!
إن عمار بعد أن يطلع على مذكرات أبيه الخاصة التي عثر عليها في مكتبته يقتنع بأن " منصور الحامد .. الثري .. الغامض .. الذي يهيمن على النفوس ، ليس إلا مسودة لابنه عمار .. الفقير الذي تطارده هموم الحياة . ولايملك إلا ماعليه .. "
الماضي ممتلئ بالمخازي .. سلسلة لانهاية لها من جميع أنواع الخطيئة .. والتخاذل والا لماذا لم يثمر إلا التعاسة والظلم والإرتباك.." ويصيح بانفعال واضح " الآباء .. هذا القطيع الغابر من أكلة الحصرم " .
كيف يمكن أن يتصرف عمار وقد دخل قصر أبيه واطلع على مذكراته ، وتعرف على قصة أبيه وأمه اللذين ماعاشا لحظة مع بعضهما بعد أن بدأت حركته هو جنيناً في رحمها .. الأب يدعي أن زوجته كانت لاتريد مقدم الطفل وتتهم زوجها بأنه زرع في دمها سبب موتها .. والأم تدعي أن الأب سيطر عليه الرعب منذ أخبرته بأنها حامل بابنها عمار ؟؟! .
ترى بماذا تنبئنا هذه المقدمات والإشارات التي يضعها صدقي اسماعيل في سياق الحوادث المسرحية على طريق شخصية عمار ؟ !
في نهاية المشهد الثاني من الفصل الثاني من المسرحية ، نرى بعد إطلاق الرصاص ، الثائرين سلمى وفاروق يتسللان في صمت "بينما تسمع من جديد طلقات الرصاص في الخارج ثم يعود السكون" وعلى صرخة هلع من زهرة ابنة منصور الحامد وأخت عمار من أم أخرى نسمع صوت الأب يقول بلهجة هادئة :
" على شاطئ النهر يقضي العجوز
نهارا من الامنيات
بصنارة ذات ماض وسلة
وشمس تراقب ظله
حصاد تجاريبه في الحياة
وتيار عمر جرى الماء قبله
على شاطئ النهر يغفو العجوز
فتصطاده الذكريات "
فهل هو إرهاص بالمصير النهائي لمنصور الحامد ؟ وعلى يد من؟ إن التنبؤ بذلك صعب كما أن تحديد موقف عمار ودوره في المسرحية بعد نهاية الفصل الثاني ، وكذلك دور بقية شخوص المسرحية ، غائب عنا لايمكننا أن نقول فيه رأيا لأن المؤلف - رحمه الله - أدركه الموت قبل أن ينهي الفصل الأخير .
وقد اطلعت على مسودات هذا الفصل ووجدت أن المؤلف يشير إلى موت الثائر فاروق ، كما يسجل أحداثاً أخرى في حركة المسرحية والشخوص نحو نهايتها ولكن هل كان راض عما كتب في مسوداته ؟ وهل كان سينشره كما قرأته في آخر مسودة ؟ هذا مالا أستطيع أن أقول فيه قولا ، ولذا فان " عمار يبحث عن أبيه " كرةقذفت فسقطت في مسارها فجأة دون أن تصل إلى مدارها ودون أن تكمل خط سيرها .. وعلى هذا الوجه أنظر إليها الآن بصرف النظر عما سجله المؤلف في مسودات الفصل الثالث من حوادث أتيح لي أن أقراها .
ولكن لابد من الإشارة إلى أن بنية بعض الشخصيات ومنها عمار - وسعد الدين -وسلمى ، لاتبرز متكاملة بوضوح في الفصلين المنشورين ، وقد ظهرت بعض جوانب التناقض في تصرفات بعضها ، فمثلا سعد الدين يؤكد دائماً أنه صديق منصور الحامد ويظهر أكثر العارفين له ولطبيعته من بين الجميع ويحاول أن يدافع عن تصرفاته ومواقفه ، ويتهم الثوار في شخص فاروق بأنهم إنما يغتصبون حق غيرهم بقوة السلاح عندما يحاولون أخذ الأرض التي يملكها منصور وتوزيعها على الفلاحين ، وهو في الوقت نفسه يحذرهم من مغبة ممارسة الثورة عملا قبل أن يتأكدوا من وقوف جميع الفلاحين إلى جانبهم ، ويزودهم بنصائح قيمة في هذا الصدد حين يقول لفاروق :
" ثورات كثيرة قامت في مثل هذه الظروف .. من أجل الحرية تا رة ومن أجل الأرض تارة أخرى ، وأحياناً في سبيل الكرامة .. ولكنها أخمدت جميعاً وبقي الظلم وحده .. بقي الظلم والعار .. لابد من أن تفهموا هذه الحقيقة أتركوا السلاح جانبا إلى أن تضمنوا العدد الأكبر .. جميع الفلاحين انفذوا اليهم دون ضجيج وأغرسوا الثقة في نفوسهم .. الثقة بأنهم قد خلقوا لكي يعمروا الأرض ، ولذلك فهم أصحابها الشرعيون .. عندئذ يدافعون عنها ويموتون من أجلها .. أمّا الآن فانكم تغامرون .. لأنهم سوف يقفون جميعاً إلى جانب منصور الحامد .. وسوف ترون " أنه يلعب هنا دور المرشد للثائرين بضرورة الثورة وانطلاقها ولكنه يخالفهم في تحديد التوقيت. وهو أيضاً يدافع عن عمار ويشجعه على العودة إلى أبيه وبعد فترة ينصحه بالإلتحاق بالثوار . وفعلا تقبل هذه الفكرة من قبل جميع الأطراف بتسرع ملحوظ ، وهذا يجعلنا نتساءل .. هل سعد الدين شخصية مهزوزة لاتعرف ماذا تريد ؟ أم أن المؤلف لايدقق كثيراً في تكامل مواقف شخصياته وسلوكها ؟ أم أنه يحاول أن يتخلص من ورطات شارف على الوقوع بها ؟ أم يرغب في إيصال الشخصيات إلى مواقف وإدخالها في أحداث جديدة فيدفعها دفعا إلى ذلك ويوكل المهام إلى أية شخصية تقع في طريقه دون تدقيق ؟! أم أن هناك تفسيرات أخرى ؟ ؟
إنني أميل إلى القول بأن سعد الدين ، وهو الذي يعيش في مكتبته ويهتم بتأليف كتاب من " النور والظلام " أخلص له النفس منذ فترة طويلة ، لم يصل بعد إلى بلورة موقفه بشكل واضح من القضية التي واجهته فجأة ، وهي ثورة الفلاحين في القرية وعلى رأسهم سلمى ابنته وخطيبها فاروق ، فهل هو مع الثوار ومع هذه الثورة الاشتراكية يدعمها ويريد لها أن تصل إلى هدفها ولو أدى ذلك إلى إستخدام العنف ، أي أنه مع إنصاف المظلومين ؟؟ أم أنه مع حرية الملكية وصيانتها حتى لو كانت غير عادلة وأتت بطرق غير مشروعة وتؤدي إلى إستغلال الإنسان للإنسان . أي أنه مع الإقطاعيين الظالمين ؟!
إن موقفه غير واضح .. وهذا معناه أنه لم يحسم الصراع في داخله بين هذين الإتجاهين ولم يبلور موقفا محددا له .
ولا أدري كيف كان سينتهي المطاف بهذه الشخصية في القسم الذي لم ينشر من المسرحية ، ولكنها على العموم تمثل انموذجاً لشخصيات عاصرت الثورة في هذا القطر .. وكان لها مواقف مماثلة .
كما أن الحوادث لاتتكامل هي الأخرى .. ويبدو من الفصلين المنشورين أن لغة الحوار أدبية متماسكة تنم عن أسلوب قوي متين ولكن الحوار لايتوافق مع متطلبات المسرح إذ تجنح الشخصيات أحياناً إلى أسلوب المناجاة أو الحوار الذاتي " مونولوغ" وتستغرق في تأملاتها وخواطرها إلى درجة يخشى معها على حيوية الحدث وعلى التوتر " الدرامي " للمشاهد ، ومثال ذلك بداية المشهد الأول من الفصل الثاني في المسرحية ـ كلام عمار -
ومما يلاحظ أيضاً أن المقاطع الشعرية التي اعتمدها المؤلف للإنتقال من موقف إلى آخر أو من مشهد إلى آخر تساهم في فصل توتر الحدث وتأتي في غير مكانها أحياناً ويكون حذفها أجدى ، مثال ذلك المقطع الشعري الذي يبدأ بـ:
ذات يوم سمعت لغو العصافير
فأين الخمائل المورقات .. الخ ..
في المشهد الثاني من الفصل الأول بعد عودة سلمى وهي تحمل القهوة لعمار ولأبيها إن حذفه أجدى لاسيما وأن تسلسل الحوار وتوافقه قبل دخولها مباشرة لايسمح بأي قطع لهذا التسلسل، ومن الملاحظ أيضاً أن بعض المقاطع الشعرية تسمع من " أصوات " غير محددة الدور في المسرحية ولاتسهم في بنية الحدث ، فتقود معانيها الشخصيات إلى حوار جديد مبنى على مضمونها وبذلك تضع الحدث في غير مساره الأصلي ، وهكذا تذهب الشخوص في منحى لايمليه الموقف مما يؤثر على تنامي الحوادث وتسلسلها وعلى تصاعد المواقف المسرحية بين الشخوص .
وهناك نفس سردي عموماً في مسرح صدقي اسماعيل لا يسمح للشخصيات بأن تتقابل نداً لند على خشبة المسرح فتصنع الحوادث وتمارس الحياة من خلال تجسيد التناقضات القائمة فيما بينها .. لذا تبقى شخوصه أسيرة له ولا تستطيع أن تفصح عن ذاتها من خلال سلوك حر خاص بها يمليه تكوينها وتكاملها .. وهذا يعطينا إحساساً بأنها شخوص لا تتمتع بكل مقومات الشخوص المسرحية الحية .
إن الصراع ـ عصب الدراما ـ مفقود بشكله المقبول في مسرح صدقي اسماعيل ، وهذا ناتج عن عدم تلاحم الأضداد في مواقف تتكافأ فيها قدرات الشخصيات المتضادة والتي تلتقي أهدافها في موضوع واحد أو غاية موحدة ويسعى كل منها للفوز دون غيره بالموضوع المتنافس عليه أو بالوصول إلى الغاية التي يبتغيها الآخرون.
وهذا الجانب بالذات هو الذي يضعف مسرحياته عموماً .. ويجعل شخصياته في حوارها مع بعضها بعضاً ـ ضحية لاستطراداته وتأولاته الفكرية .. ذلك أنها لا تهتم بغاية محددة تمتلك عليها كل كيانها وتجعلها تصب كل طاقاتها في سبيل الوصول إليها .. إن شخوصه تجد فراغاً في شحنتها الداخلية ولذا فهي لا تمانع في أن يرخى لها العنان فتكون نهباً لـتأملات وأفكار واستطرادات تملأ فراغها وتتلهى بها على طريق نزهة عريض لا يوجد ما يجبر السائر فيه على حث الخطى .
ويلاحظ أن المشاهد التي تخلص فيها الشخصيات لنفسها ولحوادث المسرحية تتمتع بحيوية لا تتوفر في المشاهد الأخرى ، كما أن الحوار فيها يصبح خفيفاً شيقاً وحياً ملفتاً للنظر ، وكمثال على ما أقول المشهد الثاني من الفصل الأول والمشهد الأول من الفصل الثاني .
لقد أحسست بأن مسرحية (( عمار يبحث عن أبيه )) تنم عن صاحبها أكثر من سواها ، وتلمست فيها نبضه دون أن يبذل أي مجهود للاختفاء في جلود شخصياته أو خلف أطر فنية يظهر فيها حذق الصانع.
والمسرحية التي كتبها صدقي اسماعيل بعد (( عمار يبحث عن أبيه )) كانت آخر إنتاجه في هذا المجال ، ويبدو المؤلف في هذا الإنتاج الأخير مختلفاً عنه في إنتاجه السابق وسنلمس ذلك بوضوح بعد استعراضنا للمسرحية الأخير ة :
|