|
أيام سلمون :
عندما تولى سنان باشا ولاية دمشق في نهاية القرن التاسع عشر كان قد تجاوز الستين ، وكانت الأمور قد تجاوزت كل درجات السوء التي يمكن تصورها (( لا الشعب المسكين جدير بالحرية لأنه لا يعرف ماذا يريد ، ولا الدولة جديرة بالاحترام لأنها شبكة من المرتزقة على رأسها السلطان ذاته ، تلقي بحبالها في كل مكان من أجل الاقتناص ، في بحر مجهول من الدسائس والمؤامرات ، ولا الوالي نفسه يكون جديراً بمهابة الحكم إذ لم يحكم قبضته على كل ما يحدث من أجل الشعب يضع حداً للخوف والجوع ، ومن أجل الذين لا تواتيهم الصراحة ويعمدون إلى التآمر والمكر ، لابد من خدعة أخيرة تبتلع جميع المكائد )) وكان على سنان باشا ، الذي ما رغب بالحكم إلاّ ليقوم بإصلاح الحياة العامة بعد أن شعر بفراغ كبير في حياته التي مرت هادئة ساكنة ، كان عليه أن يقول كلمته بشجاعة وسرعة وأن يحكم قبضته على الأمور كي لا تكون (( سنوات ولايته كلها إلاّ صراعاً مريراً من أجل أن يبقى والياً لا أكثر )) وكي لا يسحب في شوارع المدينة مضرجاً بدمه بعد أيام من توليه شؤون الحكم بيد رجال الآغا قائد الانكشارية وأعوانه .. الذيت كانوا يحكمون وينفذون مدعين أن ما يلهمهم إياه الله في الوقت المناسب هو الذي يريده السلطان )) (1) لكل هذه الاعتبارات مجتمعة كان على سنان باشا أن يتحرك بسرعة وحزم ويقظة .. وها هو ذا يبدأ العمل منذ لحظة وصوله إلى دمشق والياً عليها .
إنه واثق من أن القوة التي ستشل قدرته على الحركة وتجعله أسيراً لها ولعبة في يدها هي الجيش الانكشاري .. ولا يمكن أن تقاوم القوة إلاّ بالقوة .. فكل الأطراف (( تتساوى حين يصبح السلاح في جميع الأيدي )) لأن الشجاعة مثل الخوف تعلم الاتزان والتعقل )) (2) وهكذا يعتمد سنان باشا على فلاحي الغوطة بزعامة (( الحسن )) ليكونوا القوة التي يستند إليها والتي توازن كفته بكفة الآغا وتطغى فيها إذا اقتضى الأمر .
ويعقد أول اجتماع له مع الآغا وقاضي القضاة بحضور الحسن الذي يقدمه كممثل للشعب .. ويعلن منذ لحظة الصدام الأولى مع ((الآغا)) الذي أراد أن يفرض سيطرته .. يعلن أنه لن يقبل شروطاً من أحد ولن يسمح بحدوث أي أمر مهما كان دون علمه وموافقته.
ويتحول الابتهاج بولاية سنان باشا في يومه الأول إلى عصيان واضطراب عام نظمه الآغا وأعوانه .. ويتحرك سنان باشا بسرعة ، وهو الخبير بأمور الشام ، ليقضي على الفتنة في مهدها .
فيعلن العفو العام عن المحكومين ، ويكسب إلى جانبه سلمون وهي امرأة عرفت بسوء سمعتها وجمالها وسيطرتها على الرجال ولها نفوذ واسع في المدينة وترعى شؤون بنات الخطأ وتشرف على عملهن ويعتمد عليها الآغا في كثير من الأمور نظير حمايته لها ـ يكسبها إلى جانبه ويأخذ منها تعهداً بألا تقوم بأي تحرك هي أو البنات اللائي تشرف عليهم إلاّ بأمر منه ، ثم يوعز إلى الحسن بأن يتحرك فيأخذ الحسن السلاح من مخازن الجيش الانكشاري ويوزعه على فلاحي الغوطتين ويقوم بعد ذلك بعقد اجتماع مع رئيس التجار والمسؤول عن جباية الضرائب ليحل مشكلة الإضراب وغلاء الأسعار ، ويتوصل معهم إلى نتيجة مرضية إذ يخفض ثمن الخبز من 12 مصرية إلى أربع ويوعز بفتح الأسواق نظير إلغاء بعض الضرائب ، ويكون الوالي في نفس الوقت ينفذ مخططه الذكي الخبيث .. إنه يشجع التهامي ـ متعهد الضرائب وسليل إحدى الأسر التي عرفت بورعها وتقاها ـ يشجعه على الزواج من سلمون بعد أن هام بها وتعلقت به ، وينتج عن هذا الزواج انتحار الشيخ التهامي الأصغر من فوق مئذنة الجامع احتجاجاً على تصرف أخيه وغيرة على الدين والأخلاق ويحرك هذا الحادث مشاعر الناس جميعاً فيوعز الوالي إلى قاضي القضاة ليصدر فتوى يعتبر بموجبها التهامي الصغير شهيداً .. ويأمر بأن يشيع جثمانه بتظاهرة كبيرة سوف يحضرها هو بنفسه ، وبالمقابل يدعو إلى قصره الآغا وقاضي القضاة والحسن وسلمون إلى وليمة وأثناء الوليمة يقبض على الآغا قائد جيش الانكشارية ويأمر الحسن بإعدامه .. ويسرح جند الانكشارية ويأمرهم بالذهاب إلى الحقول للعمل فيها .. بعد أن حل أبناء الفلاحين محلهم في حمل السلاح وحماية الولاية .
أمّا سلمون فيتفق معها على أن تغادر هي وسائر بنات الخطأ سوق الخيل ـ وهو المكان الذي اتخذن منه مركزاً لهن ـ ويذبن في الحواري والبيوت يعملن بالخفاء .. ويوعز للحسن بأن يحرق سوق الخيل كله .. وبعد ذلك يأمر ببناء مسجد يحمل إسمه اسمه يحمل إسمه في المكان نفسه .
وفعلاً تنفذ كل هذه الأمور ويمتص سنان باشا نقمة الناس ويقمع الفتنة في مهدها ويملك ناصية الأمور في ولايته . وعندما تحاول امرأته أن تتدخل في أمور الدولة فتوزع ذهباً على الجند ورؤوس القوم لتكسبهم إلى جانب زوجها بدافع من الحرص عليه ومساندته في الأزمة، لا يرضى عن عملها ويزيلها من طريقه ـ كحاكم ـ بأن يطلقها .. لقد قرر أن يرفض كل ماضيه (( لأنه صمم على الحكم ليس من أجل الولاية ولا السلطان ، بل لكي يعيد الأشياء إلى طبيعتها لا أكثر .. معركة قاسية لن ينتصر فيها إلاّ إذا كان وحيداً منفرداً )) (1) .
وقد ضمن وقوف القوة إلى جانبه مستقبلاً بأن زوَّج ابنته فاطمة إلى الحسن بعد أن شعر بحبه لها .. وهكذا وضع سنان باشا بحزم يده على كل مقاليد الأمور في ولايته ، وثبت كيان الدولة متجاوزاً كل العقبات منطلقاً من نظرة واقعية جداً للأمور .. ومكنته خبرته في الحياة وتجاربه السابقة وإطلاعه على سير الحكام والملوك ومشاهير الرجال من التغلب على أقسى الأزمات وأصعبها بأقصر السبل وأسرعها ودون أن يوقعه الخوف والاضطراب في ارتباك يفوت عليه الاستفادة من الفرص المواتية .
إن شخصية سنان باشا كما صورها اسماعيل شخصية مسرحية فذة تستطيع أن تتحكم بكل شيء من حولها وتضفي عليه ظلها .
وفي المسرحية إلى جانب هذه الشخصية شخصيات غنية أخرى مثل الحسن والآغا وسلمون وبهية .. ولكنها تبقى جميعاً دون شخصية سنان باشا .
إلاّ أن الغريب في هذه المسرحية ـ التي أصاب جداً صدقي اسماعيل عندما وصفها بأنها قصة تاريخية في حوار مسرحي ـ الغريب أن الشخصيات رغم غناها ورغم انطلاقها من يد المؤلف عندما تعبر عن ذاتها لم تستطع أن تعطينا عملاً درامياً متكاملاً ، ويعود هذا إلى أن المؤلف كان يقطع عليها الطريق بين لوحة وأخرى من لوحاته الست في أيام سلمون . كان يجبرها أن تتجمد وتبقى بانتظاره ريثما ينتهي من سرد وقائع تاريخية بأسلوب ممتع وعميق ولكنه غير مسرحي .. وعندما تعود هذه الشخوص لتتحرك في اللوحة التالية يكون خط الترابط بين اللوحتين قد بتر أو عراه الوهن .
أمّا الحوادث المصورة في اللوحات الست فنشعر أنها نتيجة لتتبع المؤلف لشخصية واحدة هي شخصية الوالي وتركيزه عليها على حساب قدرة الشخصيات الأخرى على الحركة والعطاء والمشاركة في صنع الحدث وتطويره والتصاعد به .
كنت أحس أن بعض الشخصيات خنقت رغبتها في أن تتقابل في لوحة تمليها طبيعة تكوينها وعلاقاتها مع بعضها .. وأشعر أن تمرداً عملاقاً يدفعها إلى أن تعلن عن وجودها فوق خشبة المسرح .
إن شخصية الآغا وشخصية الحسن تربطهما وحدة الأضداد وكان يمكن أن تتقابلا لأن هناك كثيراً من الأشياء بينهما يجب أن تصفى .. ولكن ذلك لم يحدث .
وكذلك الأمر بالنسبة لسلمون والحسن وسلمون والآغا .. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث .. نعم إن المؤلف كان يتابع سرد قصة تاريخية هي قصة سنان باشا .. ولكنه وهب هذا الوالي كل شيء .. وسجل معظم خطواته وأهمل العناية ببناء الحدث الدرامي في مسرحيته .. بينما كانت كل مقومات البناء الجيد متوفرة : الموضوع والشخصيات والحوادث وكل شيء ..
وفي مسرحية أيام سلمون أحسست بمهارة صدقي اسماعيل في الاختفاء خلف الشخوص على عكس مسرحيته (( سقوط الجمرة الثالثة )) وأحسست بقفزة نوعية في غنى اللوحة المقدمة وعمق معاناة الشخصيات أثناء أدائها ..
في أيام سلمون تحس بغنى الإنسانية عند صدقي اسماعيل وتحس أيضاً بأن شخوصه مثقلة من الداخل بهموم لا يفصح عنها كل الكلام الذي تقوله ..
إن عمق معاناة شخوصه واستبطانها لألمها أشبه ما يكون بمعاناة شخوص تشيخوف ، ويحس القارىء أن جوهر الصراع وأكثر الأمور الحاسمة في الدراما تتم خارج خشبة المسرح .. ولذا فهو يحرم من معايشتها ومرافقة مراحل تصاعدها وإنجازها ، ويكتفي باخباره عنها أو رؤية نتائجها .. فسنان باشا كان يخطط بينه وبين ذاته ويصدر أوامره بتنفيذ عمليات صغيرة أمام المشاهد أو القارىء .. ولكن مراكز التقاء محاور خطته كانت تبقى في داخله لا ترافقه في اللهفة عليها ولا في الأزمات التي يتعرض لها ... إنه يطلعنا على تفكيره بعد أن ينتهي كل شيء تقريباً وبصورة عرضية حين يقول :
(( صحيح أنني أبادر بإعطاء الأمر بعد تفكير وتأمل .. ولكنني لا أفعل أكثر من توضيح ما يحدث بالضرورة ، أن يستبدل الفلاح بالجندي والجندي بالفلاح وتلغى ضريبة لكي تتضاعف أخرى ، وتعد جنازة من أجل شاب تقي لكي يدفن أيضاً انكشاري مهووس بسفك الدماء .. كل هذا يحدث بالضرورة ... وأمور كثيرة أخرى سوف تحدث في حينها )) (1) .
إن هذا الإعلان من الوالي جاء متأخراً وعرضياً ، وقد حرمنا نتيجة إخفائه كل شيء عنا من مشاركته أحاسيسه أثناء تعرض أجزاء خططه للانهيار أو حين تسير في طريقها لأن تكلل بالنجاح .
إن التوتر الذي توفره مرافقة قارىء أو مشاهد العمل المسرحي لمراحل إنجاز الأفعال أو المهام التي تسعى الشخصيات لإنجازها إمّا تحقيقاً لجزء من خطة أو عرضاً حيث يشكل إنجازها مقدمات لأفعال جديدة .
هذا التوتر من شأنه أن يوفر التشويق الذي يكفل متابعة المشاهد أو القارىء لما يجري بكل حرص وانتباه مانحاً ذاته للمشاركة بالحدث .. وهذا أمر هام يحرص عليه الكاتب المسرحي، لأنه عندما يحققه يستطيع أن يصل إلى وجدان المشاهد ويبث فيه ما يريد من فكر وأحاسيس ، ويستطيع أن يضمن فعالية لما يريد أن ينقله للقارىء أو المشاهد كما يضمن تحقيق هدفه في القدرة على تغيير الإنسان من الداخل والمساهمة في تكوينه .
أمّا لغة الحوار في هذه المسرحية فلغة غنية بمحتواها وقوية في بنيتها اللغوية وتكاد تثقل بعض الجمل فيها على النطق السهل بها على خشبة المسرح .. كما أن هناك مقاطع حوارطويلة في مواقف كثيرة تفقد الحوار المسرحي رشاقته وحيويته .. وهناك شبه غياب للمحاورة السريعة المتوترة ويغلب على نفس الحوار الطابع العقلي الهادىء للشخصيات وتبرز فيه روية الشخص المتكلم وحنكته وأناته ووزنه لما يقول .. ويُظهر الحوار بجلاء بعد النظرة والذكاء لدى الشخص المتكلم..
وتبقى مسرحية أيام سلمون قطعة أدبية راقية أكثر منها قطعة مسرحية حية ، تعيش على خشبة المسرح عمراً مديداً ، كما يظهر فيها نضج الكاتب الفكري والأدبي سواء في محتوى النص ونفسه الفكري الاشتراكي أو في الأسلوب واللغة اللذين حملا هذا المحتوى وأوصلاه لنا.
ملاحظات عامة حول مسرح صدقي اسماعيل :
مما سبق استخلص بعض الملاحظات العامة التي اعتبرها بمثابة ملامح تساهم في بلورة صورة مسرح صدقي اسماعيل وأصفها في المقاطع التالية :
ــ الحادثة في مسرحه بسيطة ، ولا يعيرها كبير اهتمام ، كما أنه يهمل تطويرها إلى درجة تبلغ حد الضعف أحياناً .
- أكثر شخصياته تعاني من عمليات قمع شديدة مارسها عليها، بعضها يعاني من الداخل ولكنها تحجم عن التصادم المعلن الذي يؤثر في توتر الحدث ونمو الصراع المسرحي ، ويعود كل ذلك إلى أن المؤلف لم يحرر شخوصه من أسار شخصيته ولم يوحد بينها فيما يسمى في فن الكتابة المسرحية ( وحدة الأضداد ) .
- لغته متينة قوية وعميقة ، وجمله غنية مثقلة بالمعاني والأفكار وتتمتع بقيمة أدبية عالية ، إلاّ أن حواره بصورة عامة يفتقد إلى رشاقة الحوار المسرحي وحيويته ويميل إلى الطول والاستطراد ، وتكثر فيه مقاطع المناجاة أو الحوار الذاتي ((مونولوغ )) .
- يوظف شخصياته لنقل تأملاته الخاصة ، ويجعلها تدخل أحياناً في محاورات فكرية لا تمت إلى تكوينها بصلة ، ويظهر استعباده لشخوصه وتمركز كل الحوادث حولها بحيث لا يقوم في وجه هذه الشخصية أي مناهض يستحق الذكر .. فبطله وحيد على الحلبة تقريباً ولذا لا يخلق عنصر الدراما بالشكل المطلوب ..
- أفكاره واضحة وعميقة وتطغى على سائر المقومات الأخرى للمسرحية وتنبع من صدق معاناته للواقع كشخص له موقف محدد من هذا الواقع ، وله رؤية وطريقة لإصلاحه .
- يهتم بالجيل الجديد اهتماماً ملحوظاً ويعلق عليه الأمل بالخلاص ويحمله مسؤولية ومهمة التغيير ، ويجعله مصدر القوة والقدرة ويتجلى في اهتمامه بالشباب إيمانه بحتمية التطور والتقدم ، وشخصياته مثل ماجد في (( سقوط الجمرة الثالثة )) ـ عمار وسلمى وفاروق في ((عمار يبحث عن أبيه )) ـ الحسن في (( أيام سلمون )) ، تدل على ذلك وتؤكده .
- في مسرحه نجد أنفسنا أمام تحليل للواقع من خلال معطيات تتوفر في شخصيات المسرحية ، ولا نجد أنفسنا أمام واقع درامي مصنوع ليقنع ويمتع كما لا نجد أنفسنا أمام صانع قصص و (( حواديت )) مشوّقة مسلية .
- موضوعاته مستقاة من الواقع السياسي والاجتماعي للوطن العربي وخاصة القطر العربي السوري ، ويتجلى إيمانه بالشعب وقدرته على العطاء وحقه في تقرير مصيره وصنع مستقبله ، كما نلمس بما لا يدع مجالاً للشك وقوفه إلى جانب جماهير الكادحين ومناداته بإقامة المجتمع العربي الاشتراكي الموحد.
هذه بعض ملامح مسرح صدقي اسماعيل استخلصتها من مسرحياته ، وقد بذلت ما بوسعي لأكون موضوعياً ، وأميناً على ما قدمه الرجل في هذا المجال ولكنني لا أدعي أنني بلغت الشأو المطلوب أو أديت الواجب نحوه ، وأرجو أن ألقى من أصدقاء صدقي اسماعيل ورفاقه في الدرب والعقيدة ما كان له من رحابة صدر وتسامح فيما إذا أخطأت أو قصرت بحقه ، لأن ذلك ـ إن وقع ـ لم يصدر إلاّ عن نية حسنة .
دمشق في 14/11/1972
|