|
الفصــل الأو َّل : الشخصـيــة الثقافيــة العربيــة - الهويـــة والحداثـــة والغــزو
مـدخـل
هل الثقافة، والتربية في شمول الثقافة لها، قادرة على التغيير ومواجهة تحديات العصر، والتصدي لأشكال الغزو والاختراق الثقافيين التي تتعرض لها الأمة العربية؟! وهل تستطيع التأسيس للخروج من شرنقة ما تفرضه السياسة وما تخطط له في إطار مرحليَّات قد تغدو معطيات نهائية بحكم الظروف أو المصالح الآنية، بوصف الثقافة الأكثر اتصالاً بالثوابت والمبادئ والقيم الاجتماعية والخلقية والقومية؟! هل الثقافة تملك سلاحها وأدواتها وإمكاناتها لتقف بوجه الاعتراف بالعدو الصهيوني وتقاوم سياسة التطبيع مثلاً، ولتدفع باتجاه التمسك بالحق العربي في فلسطين وبعروبتها، إذا وافقت السياسات العربية جميعاً على الاعتراف بالكيان الصهيوني وقررت تطبيع العلاقات معه؟!(1) وهل تصمد وتحافظ على حيويتها ومقوماتها وهويتها وتمايزها وحضورها وهي تتعرض لوابل الضخ الإعلامي الموجَّه إلى الإنسان العربي في كل دقيقة من الزمن؟! وكيف يمكنها أن تصمد وتواجه وتتصدى وتعزز حضورها ومشروعها، حتى في حالة غياب قرار سياسي بالصمود في مثل هذا المعترك؟! أي كيف تؤسس لمستقبل لا يتخلى عن الماضي وثوابته المبدئية المتصلة بالحقوق ومنظومات القيم الصالحة للاستمرار على أرضية حقَّانية وخُلُقية وإنسانية!؟
أسئلة تستدعي أجوبة، وتفرض مناخاً من القلق على العربي المؤمن بحق أمته في البقاء، والقائل بقدرتها على مجاوزة ما تمر به من محن وامتحانات قاسية؛ وبعض هذه الأسئلة يفضي في النهاية إلى مواجهة ما تتعرض له الهوية القومية وما يعتريها من وهن وتهافت في مثل هذه الحالات .
مما يمكن الاتفاق عليه القول: إن الثقافة غنىً معرفي، نظري وعملي، عقلي وروحي، في مجالات الحياة البشرية: ظاهرةٍ وباطنة، ملموسةٍ ومحسوسة، تتركز في وعي يتنامى بالمثاقفة، وتراكم الخبرة واستخلاص التجربة عبر الأمكنة والعصور، ويكون ذلك الوعي قادراً على توظيف المعرفة والجهد البشريين توظيفاً حيوياً حضارياً، وعلى إنتاج المعرفة أيضاً، ويؤدي عبر جدلية بين منظومات القيم وأنماط السلوك ولُمَعِ الأفكار والرؤى إلى تغيير إيجابي ينعكس في العلاقات الاجتماعية والدولية، وفي أنماط السلوك والإنتاج والاستهلاك، للفرد والمجتمع، ويشمل مناحي الحياة والعمل على الصُّعُدِ والمستويات جميعاً.
والثقافة، في منحى وصفي عام(2)، تشمل الآداب والفنون والفلسفة والعقائد، والتربية والتعليم بمراحلهما، والإعلام، وشرائح الثقافة التخصصية، المهنية وغير المهنية .
والمثقفون(*) حسب هذا يمتدُّون ما بين المعلم والعالم، ويدخل في جمعهم صاحب الثقافة العامة والتخصصية، على تفاوت فيما بينهم، فهم طاقة المجتمع التي تجسِّد الوعي المعرفي وتنتجُه وتستثمره وتطوره، وتعيد إنتاجه، وتوظفُه لتجديد أفق الحرية وتحسين ممارستها والأداء في أجوائها، واستشعار الأمن والسعادة في مناخها؛ وتأمين الاحتياجات البشرية، المادية والروحية، بما أمكن من السرعة والدقة والسلامة، مع تحسين النوعية وتقليل الكلفة(**).
والحضارة تجسيدٌ لذلك الوعي والمستوى المعرفيين اللذين توفرهما الثقافة، وأداءٌ على أرضيتهما وبناءٌ في ظلهما، واستخدامٌ للأدوات والأساليب والمناهج وابتكارٌ لها، بما يحقق استفادة قصوى منها، على أسس ومعايير يعلو فيها شأن الخُلُقي والإنساني، وهي استفادة تبقى محكومة بروح التقدم والتنافس الشريف.
وإذا كان الوعي بالذات وبالآخر، يوفر لكل من الذات والآخر هويةً وخصوصيةً وتمايزاً، ويرتب حقوقاً وواجبات، وينمي ملكات وقدرات؛ فإن ذلك يشير بوضوح إلى توافر مقومات الشخصية وقيمها، وهي أهم ما تهدف إلى بنائه التربية خاصة والثقافة عامة ؛ تلك الشخصية التي نريد أن ننظر إليها هنا على أنها "الشخصية الثقافية" أو "الحضارية" لأمةٍ أو شعب أو مجموعة بشرية. وأرى أن أهم مقومات هذه الشخصية، بالنسبة لكيان تام مستقل يعي تمايزه وخصوصيته، هي :
1 ـ اللغة بما حملت من معارف وخصوصيات ودلالات، بوصفها أداة تفكير وتعبير وتواصل وذاكرة حية من جهة ومستودعاً حيوياً للمعرفة والأصالة والذوق والخبرة من جهة أخرى.
2 ـ العقيدة /الدين/ بما تكرسه من منظومات قيمٍ، ومعايير حكْمٍ، ومرجعيات احتكام، وأحكامٍ، وحِكَم؛ وبما تقدمه من تفسير ورؤية للعلاقة بين الخالق والمخلوق من جهة، وبين المخلوق والمخلوق والكائنات الأخرى والطبيعة والكون من جهةٍ أخرى، وما ترمي إلى تحقيقه من علاقات وصلات ومعايير، وما ترسِّخه في النفس وفي واقع الحياة من قيم ومقومات وقواعد وأصول تستند إليها أسس السلوك والعمل والتعامل بين الناس .
3 ـ العادات والتقاليد والأعراف، والسمات الخاصة والمشتركة التي تتكوَّن جرَّاء تفاعل عوامل ومكوِّنات في قرون عديدة، وتقدم تاريخاً وخلاصة توحّدٍ بشريٍ لفئات من الناس عبر الزمن مع طبيعة وبيئة في مجتمع، ضمن معطيات تُنتج خصوصيات ومميزات وملامح وأساليب معينة في الحياة .
ولما كانت هذه العوامل الرئيسة في تكوين الشخصية الثقافية، الفردية والجمعية، تفعل فعلها المؤثر، وتؤدي إلى خصائص تظهر في التكوين العام والخاص، على المستويين الفردي والجمعي؛ والتالي أنها تعطي ملامح عامة، تكون شيئاً مشتركاً بين أفرادٍ ذوي هوية خاصة "فردية" على مستوى الجماعة أو الشعب أو الأمة، وعامة بالنسبة لجماعة أو شعب أو أمة بين الأمم، فإنه من الطبيعي أن نتلمَّس التأثير الثقافي ـ الذي هو إنتاج جماعي وملك جماعي ذو بعد تاريخي ـ نتلمَّس تأثيره في بنية الإنسان، ومن الطبيعي أن نتلمَّس تأثيرَ الشخصية وحضورَها وكيفية تفاعلها وتواصلها مع الشخصيات الأخرى في هذا الإطار؛ الأمر الذي يعطي للشخصية ـ الهوية مجالاً حيوياً تبقى فيه قادرةً على أن تكون هي هي في أثناء عملية التواصل والتفاعل والتكامل مع الآخرين، وقادرة على الأخذ والعطاء من دون عُقَد، وعلى النمو والتطور من دون أن تفقد الأصالة أو الرؤية، وقادرة أيضاً على التمثُّل والتجدُّد عبر تيار صيرورة ذي مسار لا يخرج بها عن جوهرها في أثناء سيرورة عملية المثاقفة ذاتها، التي تختلف اختلافاً بيّناً عن الغزو الثقافي؛ فالمثاقفة تنطوي على أمور إيجابية إنسانية حيوية مطلوبة ومرغوب فيها، تتطلع إليها الأمم وتنشدها الثقافات، بينما الغزو الثقافي ينطوي على فعل سلب وموقف استلاب تقاومه الأمم وترغب عنه الثقافات .
إن شخصية ثقافية ـ " أي في المحصلة: أمَّة " ـ تصمد للقاء الثقافات باقتدار، وتبقى قادرة على الإغناء والاغتناء، وتحافظ على مقوماتها الرئيسة من دون فَقْد كلي أو محوٍ، إنما هي أمة تتمتع بأصالة وتجسَّد أصالتها قدرةً على الاستمرار والتمثُّل والتمايز والإبداع، وتستطيع أن تخرج من خضم الصراعات والتحديات التي تُفرض عليها معافاة حاملة هويتها وعزمها، وقادرة على استئناف التواصل الثقافي بانفتاح محصَّن.
ولا أظن أن التماس تعريفٍ أو مفهوم للهوية مما يمكن الوصول إليه من دون مقاربة معنى الأصالة ومقومات الشخصية؛ فالأصيل أو "الأصلي"، في هذا المجال، معطى يلتصق بالفطري تقريباً، له مسار طبيعي ذو رافدين: خلْقي وتطبُّعي، وله جوهر أقرب إلى الثبات، يتبدَّى في وجود كائن أو كيان، حيَّين حيويين، وفي تجلياتهما، ويحافظ على وجوده وتأثيره في أثناء نموهما وتطورهما؛ وله مقومات ومواصفات وصفات تدل عليه وتكشف عنه وتشير إليه، وقد تلحق به الهُجنة أو يصيبه التآكل أو يسير باتجاه الضمور والامحاء، بفعل عوامل منها التقليد الذي ينميه ضعف المقلِّد، لا سيما إذا كان المقلَّد غالباً، فالمغلوب يقلد الغالب كما يقول ابن خلدون؛ ولذلك كان التأصيل والتأكيد على مقومات الأصالة المرتبطة بمعطيات مادية وروحية ممتدة عبر المجتمع والتاريخ الذي له، بكل شمول ذلك التاريخ وعمقه واتساعه، وكان التشبث بمقومات الشخصية وخصوصياتها من هذه الزاوية .
أما الهوية، فهي كما يقول تعريفٌ مبني نسبياً على قول أبي البقاء الكفوي: "ما به الشيء هو هو بوصفه وجوداً منفرداً متميزاً عن غيره". ويفرِّق الكفوي بين الهوية والماهية فيقول: "ما به الشيء هو هو يُسمَّى ماهيةً إذا كان كلياً كماهية الإنسان، وهوية إذا كان جزئياً كحقيقة زيد " / الكليات /(3)؛ فالكائن البشري بين المخلوقات الأخرى ذو ماهية تميزه عنها، وزيد بين بني البشر ذو هوية تمايزه عن سواه منهم ـ ما هو : ماهية، من هو : هوية ـ وماهية الإنسان مستمرة باستمرار وجوده وتمايزه عن غيره من المخلوقات، وما قد يطرأ عليها بفعل الصيرورة لا يمكن أن يخرجها عن ماهيتها ويحولها إلى ماهية أخرى مثلاً. وجميع بني البشر يحملون ما يطرأ على الماهية من تغيير إن حصل، فهي ملازمة لجنسهم؛ أما معطى الهوية المحمول هو الآخر في تيار الصيرورة فيمكن أن يتأثر جراء التواصل والتفاعل مع البشر ـ في إطار الماهية الواحدة ـ ولذلك يبقى أكثر احتياجاً لتأكيد مقوماته واستنفار قدراته من أجل الدفاع عن وجوده ذي الخصوصية في خضم الوجود البشري ذي الطبيعة التنافسية.
والهوية هي: "التمايز عن الأغيار في النواحي كافة." في قول و" هي الحقيقة المطلقة المشتمِلة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق" ـ كما يقول الجرجاني. علي بن محمد ـ التعريفات- دار الكتب العلمية ـ بيروت ص 257
ولكن عن أية حقائق يتكلم الجرجاني ؟ أهي حقائق الماهية ـ البشرية، الإنسانية ـ كما بيَّن الكفوي، أم هي حقائق الخصوصية ـ الشخصية الثقافية والهوية القومية ـ في إطار النوع البشري؟!(***)
تقودني الفكرة إلى البزرة والبذرة، أية بزرة أو بذرة تُجِنُّ نباتاً، فهي تشتمل على الجنس ـ بذرة القمح مثلاً ـ وتوحي بالفصيلة وبأشياء كثيرة تتعلق باللون والشكل والخصائص والوظيفة والثمرة .. إلخ، ولكنها تبقى ضمن إطار النوع ـ أي في دائرة النبات ذي الفصائل المتنوعة، ومنه الشجر، فبزرة الزيتون تقدم مواصفات شجرة الزيتون وتوحي بما تشتمل عليه ثمرتها وتنطوي على مقومات هويتها، ولا تخرج عن ماهيتها بوصفها نباتاً، فالماهية بهذا المعنى تتضمن الهوية ولا تلغيها.
والهوية الفردية على المستوى الشخصي ـ في أمة متمايزة ذات تاريخ وحضور خاصين بين الأمم مثل العرب ـ تتضمن أصلاًً وفصلاًً، أي حسباً ونسباً بمعنى الانتماء المؤصَّل إلى قوم ـ أمَّة، وإلى لغة ـ نسب ـ بدلالاتها وبما تحمل من معطى الشخصية على الصعيد الثقافي؛ وحين تقول العرب: " فلان لا أصل له ولا فصل، فكأنما هي تقول عنه على نحو ما: " هَيِّ بن بَيِّ، أو هَيَّان بن بَيّان "، أي: لا يُعْرَف هو ولا يُعْرَف أبوه؛ وربط مركز الثقل في الهوية ، باللغة بما حملت ، على هذا النحو بالأصل، أي الحسب والنسب، بالمعنى الانتمائي التعارفي لا التميُّزي التفاخري، يقدم شيئاً عن ترابط الهوية القومية والأصالة
ولا هوية من دون وجود وشعور بذلك الوجود، وهذا يقوم على وعي للذات ينطوي على إدراك لتمايزها عن الآخر ولخصوصيتها في آن معاً، مهما كانت درجة ذلك الإدراك، حتى لو كان إدراكاً أولياً أو بدائياً. ومن البديهي أن الوجود الواعي ينفتح على الآخرين لأنه يحتاج إليهم ولا يظهر تمايزه إلا بالاحتكاك بهم، ولكن حضوره ومشروعه وقوة وجوده كل ذلك يتجلى دائماً بوعيه لخصوصيته ـ هويته ـ التي تحفظ له ذلك التمايز الذي تكوَّن عبر تجارب وبيئة وزمن وموروث أجيال من التاريخ والخبرة، كوَّن طعماً خاصاً وقيماً ومعايير ورؤية وأسلوب تفكير وسلوك وعمل (4). وعلى ذلك هل أستطيع القول: إن الهوية وعي الذات والانتماء بعمق، وممارسة ذلك في العلاقة مع الآخر بوعي، على أرضية تاريخية؛ وهي في حالة نمو عضوي، وليست مفتوحة بشكل مطلق على تحول جذري يمس أصولها ويأتي على أصالتها. وصيرورتها جدلية تقوم على الإدراك والمحاكمة ومقاومة أشكال النفي أو المحو أو الإلحاق باستمرار!؟!
واستعين، لتصوير الصلة ما بين الهوية والشخصية من جهة، وما بينهما وبين الأصالة القومية من جهة أخرى، بقول أقرب إلى القلب، لعله يساعدني في الوصف والتقريب والتوصيل، وعلى التفريق بين ما هو متماهٍ تقريباً؛ وهو قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود إذ يقول :
هواك فليمَ والتأم الفُطورُ
فباديه مع الخافي يسيرُ
ولا حزنٌ، ولم يبلغ سرورُ
شَقَقْتُ القلبَ ثم ذررتُ فيه
تغلغلَ حبُّ عَثمَةَ في فؤادي
تغلغلَ حيث لم يبلغ شرابٌ
فما بين الهوية والشخصية، وما بينهما وبين الأصالة كما بين عبيد الله وعَثْمَة.
وإنني لأخشى من تأثير القول شعراً فله السبيل التي أشار إليها أبو تمام الطائي:
ألاةُ النهى من أين تُؤتى المكارمُ
ويُرضى بما يقضي به وهو ظالمُ
ولولا سبيلٌ سنَّها الشِّعرُ ما درى
يرى حكمة ما فيه وهو فَهَاهَةً
ولكنه هنا مقبول ولا خشية منه على الحقيقة.
وعوداً إلى تقرير الفكر وجفافه نجد أن الكائن البشري بوصفه شخصاً فرداً يتمتع بشخصية تساهم في تكوينها، أو تؤثر في ذلك التكوين، عواملُ حيويةٌ متفاعلة عبر كيانات ثلاثة تقدم في النتيجة حالة متواصلة متفاعلة ومتطورة هي الشخصية الفردانية، ولا أقول المنفردة أو المتفردنة، فتلك ميزات ومكتسبات لها مناخ تكوينها وعوامل ذلك التكوين ومقوماته ومجالات البحث فيه .
في الشخصية ـ الفرد ـ ذي الهوية في مجتمع ما نقف عند :
ـ الكيان الجسمي.
ـ الكيان الاجتماعي.
ـ الكيان النفسي.
وكل منها له مقوماته، ويؤثر في الآخر ويتأثر به سلباً وإيجاباً، وتكون حصيلة التفاعل الحيوي بين الكيانات الثلاثة والمجتمع والموروث: الشخصية، التي لكل فرد من أفراد المجتمع، على تمايز بين الأفراد في ذلك، وتمايز بين الأمم في المحصلة النهائية.
ولا يولد الكيان الجسمي الذي هو: الطين أو القارورة، بمعزل عن الروح ذات الأجنحة، والنفس ذات الهوى والنزوات؛ ففي مستودع الغرائز والنزعات والحاجات المادية الحيوية ذاك، توجد أيضاً الكوابح والعقلانيات والروحانيات والنواهي والمحرمات والمقدسات، وما يدفع باتجاه التسامي أو الانحدار حتى لا نقول الانحطاط، وما يدفع باتجاه تقييد الممارسات وترشيدها لتحقيق أغراض قريبة وبعيدة ولتجنُّب مشكلات ومخاطر وصعوبات وآلام. والليترات الخمسة من الدم التي في جسد كلٍ منَّا تحمل مورِّثات تتحكم بإنتاج بعض السمات وتحديدها، وتنقل خصوصيات فردية دقيقة، ومكنونات بشرية عامة إلى جسد يكاد يلخِّص تاريخ الأجساد والأرواح ويختصرها على نحوٍ ما.
والإنسان الذي يولد على الفطرة يبدأ مع الصوت الأول والنظرة الأولى باكتساب ما يمكن أن نسميه مكوِّنات شخصية في كيانيها الاجتماعي والنفسي: أبواه يهوّدانه أو ينصرّانه أو " يبوِّذانه "... وأسرته ومدرسته تعلمانه اللغة الأم، ومدرسته على الخصوص تلقنه المعلومات والمعرفة الأولية والأحاسيس الوطنية الأولى، والمجتمع ينقش على صفحة عقله وقلبه وروحه قيماً ومعطياتٍ وتقاليد وعادات، ويقدم إليه النماذج المقبولة والمرذولة، الأبطال والأنذال، الصح والخطأ، الحلال والحرام؛ والكل يلقنه الدين والمعاني والمباني والقيم وأشكال السلوك، قبل أن يتمكن من التفكير باسمه ولغته وعقيدته وتقاليد مجتمعه.
وهكذا يتشكل الضمير والمعيار والذوق، وتترسخ منظومات القيم، بشكل شبه تام، قبل أن يتشكل الوعي القادر على المراجعة والنقض حسب معيار ومنطق وحجَّة وبرهان، وعلى إعادة البناء حسب رؤية ومنهج .
وكل هذا الذي يساهم في التكوين، وفي التربية من عوامل التكوين بالدرجة الأولى هو: معطى ثقافي عام، وما يأتي لاحقاً من معرفة وخبرة ليكوِّن وعياً معرفياً قادراً على المراجعة أو الحكم أو على إنتاج المعرفة، يبقى محكوماً إلى حدٍ ما بمقوماته وظروف تكوينه وبالمناخ الذي تم فيه ذلك التكوين ومعاييره العامة.
الثقافة إذاً(****) ـ وبالدرجة الأولى التربية من بين البُنى الثقافية ـ هي التي تبني الإنسان في مراحل التكوين الأولى، وهي التي تبني وعيه ومحاكمته وقدرته على إعادة التقويم، وعلى إعادة إنتاج المعرفة /العلمية وغير العلمية/ وتطويرها، والتقدم في الحياة على أساس مكين منها، بوعي للذْات يبدأ من الذات وبوعي للآخر .
إن القيم، كل القيم: الخير والشر والجمال والعدل.. الخ، وكذلك الضمير والاعتقاد والوعي، الذي هو نتيجة معرفة شاملة: أي ثقافة، ومن ثمة اللغة والعقيدة بما حملتا، وخصوصيات المجتمع والبيئة؛ كل ذلك يؤثر تأثيراً جوهرياً في بنية الإنسان، ويكوّن لديه الثوابت المبدئية والقيمية والخُلُقيَّة والوطنية والقومية، كما يكوّن الانتماء، وقيَم المواطنة، ويعطي للحرية بعدها المتجدد بالوعي المعرفي وأبعاد مسؤولياتها، كما يعطي للحياة والجماعة والوطن والأمة معانيها، ويؤسس لدى الإنسان معياراً نظيفاً وسليماً ودقيقاً للإحساس بمعاني السعادة والمتعة والتسامي والتضحية والبطولة والانتماء، وبكل ما تستحقه الحياة وما تمليه وما تدفع إليه من فعل وموقف .
فهل يجوز لنا بعد ذلك أن نستمر في ترك السؤال الأول مطروحاً على بساط من الشك حتى لو كان ذلك الشك منهجياً؟! عنيت السؤال الذي يقول: هل تؤثر الثقافة في بنية الإنسان، وهل هي قادرة على التغيير ومواجهة التحديات الكبيرة، والصمود أمام قوى وظروف تتراءى وكأنها ساحقة أو أبدية ؟؟!
وإني لأستشعر الحاجة في ظرفنا الراهن، وفي ظل التحديات المطروحة علينا: تحديات العصر وتحديات التقدم، وتحديات التحرير والمواجهة ومقاومة المشروع الصهيوني بالمشروع العربي الأصيل الحي في ظل الوضع العربي المتردي؛ أستشعر الحاجة إلى طرح السؤال الذي أراه الأهم، بتفريعاته الدالة على تراتبية بنائية :
ـ أية تربية نريد ؟
ـ أية ثقافة نريد ؟
ـ أي إنسان نريد ؟
ـ أية أمة نريد ؟
ـ أية أهداف نسعى إليها ؟
ـ ما هي السياسات والاستراتيجيات والبرامج المؤدية إلى تحقيق ذلك ؟!
إن السؤالين أو التساؤلين الأولين يتداخلان، ولا تكثر الخلافات حول ثقافة وتربية تنشدان المساهمة في تكوين إنسان قادر على البناء بمفهوم أننا " نبني عندما ننتج بنية طبق تصميم سابق، ونهدم عندما نطلق القوى الطبيعية لتغير من بنية موجودة، غير مهتمين بما تكون عليه البنية الجديدة "(5).
ولكن ما هي أهداف مجتمع، والتالي ما هي أهداف تربية في مجتمع، يستشعر الخطر على وجوده وعلى كل ما يبنيه في ظل احتلال وتهديد مستمرين وتقدم علمي هائل يحرزه الغير ويجعله تخلفه في تلك الميادين يواجه الإحباط؟؟
هل يريد أن يرفع أهدافاً منها التقدم والسعادة والتغلب على الطبيعة بالثقافة العلمية ؟! أم يريد أن يحرز التقدم بالتضحية والنصر بالشهادة أولاً لتحقيق حرية أرض وقرار وسيادة قومية فوق أرض تاريخية، ويتحمل أعباء بناء شامل: فردي واجتماعي وقومي، اقتصادي وعلمي وتقني ومعرفي، للتغلب على أوضاع وأشخاص وأقوام بأساليب علمية؛ ويحتاج، من أجل ذلك، إلى الشجاعة بمعناها الثقافي - الأدبي والبدني البطولي معاً ؟!.
أسئلة كبيرة ودقيقة وهامة، تستدعي الإجابة عليها بحثاً يقوم على كثير من المعطيات الموثقة توثيقاً منهجياً والمستخلصة ميدانياً، وهذا على ما فيه من صعوبة، يحتاج إلى تلمُّس الطريق إليه، ولو كان ذلك بتلمُّس أجوبة ناقصة تلح في طلب استكمالها .
ومدخلي إلى تلمس بعض الأجوبة هو طرح بعض التحديات التي تواجه المثقف العربي اليوم، ومن ثمة الفكر والثقافة والسياسة العربية، وكيف يمكن أن تكون الاستجابة لتلك التحديات والرد عليها، للانتقال بالخطاب الثقافي العربي، وبواسطة ذلك الخطاب ـ الذي يستدعي مراجعة شجاعة ودقيقة، ليكون أكثر موضوعية وعلمية وواقعية تفاؤلية ومبدئية، وأقل شعاراتية وانفعالية وذاتية وطوباوية وانهزامية ـ إلى حالة مغايرة للحالة السائدة، التي يتردد القول دائماً بأنها مرفوضة، ولا تليق بنا ولا بأمتنا وتاريخنا.
ومن تلك التحديات: الحداثة والغزو والتخلف، وهي تكثف تحديات التقدم العلمي والعصر المحمول على أجنحته بما يضج به من قوة تملي قوانينها وتفسيرها للقيم والقوانين وتحقق مصالحها على حساب الآخرين، وتحديات التخلف عن كل ذلك بدرجات عدة ولأسباب كثيرة؛ وسوف ألامس بعض جوانب كل منها بإيجاز.
(1) ـ يوم كنا نتحدث عن خطورة التطبيع وضرورة مواجهته كانت أنظمة وحكومات، ووزراء حتى في حكومتنا، فضلاً عن مثقفين وصحفيين ـ منهم في بلدنا للأسف ـ يقابلوننا بشيء من الامتعاض والسخرية والاحتجاج. وذهب بعضهم إلى حد إقامة دعاوى في القضاء السوري على من يقاومون التطبيع ـ عليَّ شخصياً وقد حسمت هذه الدعوى لمصلحتي ولم أرفع دعوى افتراء على المفتري مع أن نتيجتها مضمونة لأنني معني بما أنا معني به من هم أولاً وأخيراً ـ بذريعة التجني على المطبعين، الذين يحق لهم من وجهة نظر أولئك ومن وراءهم - أن يعبروا عن آرائهم ومواقفهم.. وغدت الدعوة للاستسلام للعدو الصهيوني والاعتراف به وجهة نظر!؟. وفي الحديث عن الخيانة بوصفها وجهة نظر تفقد كل المعايير الوطنية قيمتها وقدرتها على الصمود في وجه الفساد الفكري والسياسي والاجتماعي.
وقد وقف خلف مثقفي التطبيع، حتى في سورية، من هم في موقع وزير وشنوا حملات خفية وعلنية عليَّ لا نهاية لدرجة سُمِّيـَّتها، وحاولوا بكل الوسائل الممكنة أن يخترقوا موقف اتحاد الكتاب، الذي غدا موقف القطر، من المطبعين؛ عن طريق إتاحة فرصة لهم للدخول إلى النشاط الثقافي في سورية من موقع أعلى بدعوة رسمية من جهات رسمية، ولكن سعيهم ذاك أحبط وأحبط الله عملهم وباؤوا بخسران مبين. وعندما أصبح الموقف من رفض تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني ومقاومة كل شكل من أشكال التطبيع، بما في ذلك التطبيع السياسي -الاقتصادي موقفاً عربياً وموضوع قرار قمة عربية وسعي وزراء خارجية عرب تتابعه لجنة المتابعة العربية المنبثقة عن القمة في إطار الجامعة العربية. طلى كثير من الأشخاص جلودهم بطلاء جديد بمن فيهم أولئك الذين كانوا يشنون هجماتهم علينا، وأخذوا يهسون ويعسُّون وإذا ببعضهم حراس على بوابة مقاومة التطبيع العربية ، والبعض الآخر مسؤولون "عربياً" عن مقاومة التطبيع ودعم الانتفاضة.؟! أليس هذا مضكياً.. أي مضحكاً مبكياً في بلد نذر نفسه للمقاومة والتحرير وقضية فلسطين، ورحل رئيسه القائد حافظ الأسد من دون أن يصالح أو يصافح عدو الأمة.. العدو الصهيوني؟!
وكم ذا "بمصر" !!؟ من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا
وكل ما أرجوه وأتمناه أن يكون موقف أولئك هو موقف التائبين أو المتبينين لغي وضلال فتراجعوا عنه وفي ذلك فضل من أدنى درجات الفضل، وهداية من الله سبحانه.
فكل ما يهمنا هو أن تتسع جبهة المقاومة العربية في كل الأوساط، وعلى رأسها الأوساط الثقافية، لنقاوم بجدية واقتدار كل أشكال الاعتراف بالعدو الصهيوني، وكل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معه، ولنجعل من الانتفاضة مقاومة قوية ومن المقاومية خطوة على طريق التحرير.
لأن التطبيع نتيجة من نتائج الاعتراف بالعدو من جهة وحاضنة لذلك الاعتراف الذي يتم تحت قوة القهر.. ويغدو نوعاً من الاستسلام ملفعاً ببرقع السلام الذي لا يستر مضمونه وحقيقته وعيبه، ومن يظن في نفسه القدرة على فعل ذاك فكمن يغطي الشمس بالغربال، أو كمن يدفن رأسه، شأن النعامة في الرمال حتى لا يرى ما يراه كل الخلق من حوله..ولكن..
إن مقاومة التطبيع مدخل مقاومة الاعتراف عند من اعترفوا بالعدو، وكل ذلك يشكل رافعة ثقافية وفكرية واجتماعية عربية تؤدي مع الزمن إلى اتساع دائرة الرفض للعدو والصحوة العربية- الإسلامية لمقاومته وتحرير الأرض منه.
وعلينا أن نعمل على تكوين هذه الجبهة وتوسيع دائرتها ومجالات عملها، وأن تتوجه بفعلها ذاك للأجيال القادمة لتكون دافعاً وباعثاً في آن معاً: دافعاً للصمود والمحافظة على الشخصية العربية من دون تخريب قيم ومقومات وذاكرة ، وباعثاً على الأمل والإبداع في الأداء المقاوم في كل مجالاته وميادينه العلمية والعملية- النظرية والتطبيقية، المعنوية والمادية.
(2) ـ هناك كلام كثير حول مفهوم الثقافة واجتهادات لتقديم تعاريف لها وأشير هنا إلى شيء مما اتصل بالتربية من ذلك :
الثقافة: "أنماط السلوك المعنوي والمادي السائدة لدى شعب من الشعوب. وتدخل في ذلك أنماط السلوك الخاصة بالمأكل والمشرب والملبس وسواها من مظاهر الحياة المادية، كما تدخل فيه أنماط النتاج الفكري والأدبي والفني والعلمي." د. عبد الله عبد الدايم ـ أزمة الثقافة العربية.. / مجلة الفكر العربي العدد 4/3 1967
"إن المعارف وحدها لا تكوّن الثقافة، كذلك لا تكوّنها الانطباعات الوجدانية وحدها ولا العادات والتقاليد وحدها، ولا القيم الأخلاقية وحدها. وإنما تتكون الثقافة من كل ذلك." ـ عبد المنعم الصاوي عن عمر التومي الشيباني ـ دور التربية في الوحدة ص28 .
إنها"حصيلة ما يتجمع في العقل من معارف، وما يكمن في الوجدان من انطباعات، وما يستقر في الضمير من عقائد، وما يترسب في النفس من عادات وتقاليد. وإذا كانت الحضارة هي المظهر المادي للثقافة فالثقافة هي المظهر العقلي للحضارة...." ـ المصدر السابق ص 29 . ويقول الصاوي: الثقافة هي: "مجموعة مكتسبة من الخصائص والصفات تحدد للإنسان نوعاً متميزاً من السلوك يقوم على مجموعة من القيم والمثل والمفهومات، يؤثرها ويتمسك بها، ويحرص عليها. وهذه الخصائص والصفات تتوفر لديه على مر العصور والأجيال: نتيجة لتطور عضوي، يتلاءم به مع بيئته. ونتيجة لتطور عقلي ، يكسبه من المهارات الذهنية واليدوية ما يحقق له التفوق والامتياز. ونتيجة لتطور وجداني، يحمله على الانفعال بما في الحياة من قبح أو جمال، وما فيها من باطل أو حق. ونتيجة لتطور نفسي، يقوي شعوره بالقيم، ويزيد من قدرته على التمييز بين ما هو شر وما هو خير، وما هو خطأ وما هو صواب. ونتيجة لتطور اجتماعي، يربطه بسواه في وحدات تتفاوت وتتخذ شكل الأسرة أو القبيلة أو الوطن أو الأمة أو الجنس البشري كله." عبد المنعم الصاوي /عن الثقافة/ القاهرة- دار القلم 1966- ص36 عن التومي/ ص31 دور التربية في الوحدة العربية...
* :" أول ظهور لعبارة مثقف كان في عام 1821 على يد سان سيمون." - قاموس المثقفين الفرنسيين دار سوي عن كتاب: من ثقوب الغربال تأليف: محمد المشنوق ص83.
** :" إذا كانت التنمية هي العلم حين يصبح ثقافة، فإن التخلف هو العلم حين ينفصل عن الثقافة أو هو الثقافة حين تنفصل عن العلم " ـ محمد عابد الجابري / وجهة نظر ص 191 عن المشنوق المصدر السابق ص100 .
(3)ـ ويضيف الكفوي في تعريف الهوية: " ما به الشيء هو باعتبار تحققه يسمى حقيقة وذاتاً، وباعتبار تشخّصه يسمى هوية، وإذا أخذ أعمّ من هذا الاعتبار يسمى ماهية. والأمر المتعقل من حيث أنه مقول في جواب (ما هو) يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار يسمى هوية." أبو البقاء الكفوي ـ الكليات- ص961
***: يقول جان فريمون: " الهوية إحساس متماسك بالذات، وهي تعتمد على قيم مستقرة وعلى قناعة بأن أعمال المرء وقيمه ذات علاقة متناغمة. فالهوية شعور بالكلية وبالاندماج وبمعرفة ما هو خطأ وما هو صواب." تلاقي الثقافات والعلاقات الدولية- مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 29 ك1 1983- ك2 1984 ص911./ عن المشنوق ص102.
)4) يقول الفارابي: " هوية الشيء وعينيَّته وتشخُّصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له، كلٌ واحدٌ، وقولنا: إنه هو إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك " الفارابي - التعليقات، ص 21 - عن محمد عابد الجابري - الموسوعة الفلسفية العربية م1 ص 822 - مركز الإنماء العربي - بيروت 1986
****: الثقافة:" تشتمل الثقافة في صيغتها الأنتروبولوجية على منظومة العقائد والمعايير والقيم والتصورات المشتركة والعادات والأخلاق. فالثقافة كل مكتسب من المبادئ الثقافية، أي العقائد والمعايير والقيم . إن منظومة المعايير والقيم تشكل المنطلق الأساسي للثقافة، ويمثل النظام الثقافي بنية من التصورات والتفسيرات الخاصة بإدراك العالم، وهو يحتوي على شبكة إدراكية تتضمن معايير ونماذج ثقافية قيمية.". اليكس ميكشللي ـ الهوية ص28- 1993 ت: د.علي وطفة.
يتحدث ماك برايد عن:
" ضرورة تهيئة الظروف التي تكفل المحافظة على الذاتية الثقافية لكل مجتمع ليتمكن من إقامة علاقة متناسقة وخلاقة مع الثقافات الأخرى" ـ عن المشنوق المصدر السابق ص 62-63.
(5) من كتاب: في التربية: تأليف: برتراند رسل - تعريب: أحمد عبد السلام الكردان ومحمد أحمد الغمراوي ص98 سلسلة الفكر الحديث رقم ( 4) لجنة التأليف والترجمة والنشر - مصر.
|