|
الحداثة(1)
هنا، لا بدّ من مواجهة دعوة الحداثة أو ادعائها، عنيت تلك الدعوة / الادعاء/ التي تقول اليوم: إن الحداثة تشترط لغتها، وتشترط منظومات قيمها ومنطقَ العقل الذي صنعها، أي تستدعي ثقافتها وتشترط تلك الثقافة؛ ومن ثمة لا بدّ من التنازل عن كل ـ أو معظم ـ مقومات ثقافتنا ولغتنا، وعن جزء غير يسير من تكوّن عقلنا "البدوي" إذا أردنا أن نكتسب الحداثة وندخل عالمها، الذي هو جواز سفرنا إلى عالم اليوم !؟
إن في تقديم شرط الحداثة على هذا النحو، وإشاعة قول سدنتها من الغربيين ومن يُنفخ في أوداجهم فيصرخون بقولها ذاك من العرب، في ذلك حق يراد به باطل، وباطل يتزيّا بزيّ الحق؛ ونحن على أبواب مجاوزة عالم ما بعد الحداثة، فكيف ونحن لم ندخل عالم الحداثة باقتدار بعد، فماذا نترك وماذا نبقي لنا منَّا لنكون، كما يريد لنا البعض أن نكون ؟!؟
القضية ـ التحدي ـ تتصل بامتلاك العلم وتحويله إلى تَقَانَة عالية، وإنتاج القوة وامتلاكها من خلال ذلك، أي من خلال امتلاك العلم والتقانة؛ كما تتصل بالاستخدام الناجح لتلك المعطيات جميعاً وتوظيفها من أجل تحقيق التطور المدني والتقدم الحضاري في المجتمع العربي، مع امتلاك مقومات الهوية والأصالة.
في مجال تفعيل الوظيفة الاجتماعية للعلم يقول بعض الباحثين إنها: " نشاط للإنتاج يمتاز بالعمل الذي يؤدي إلى التدرج في سيطرة الإنسان على الطبيعة، وذلك بفضل تطور الاستعمالات المرتبطة بالتخصص المتزايد للوظائف، فمصدر التطور التقني المتعلق بالجنس البشري هو قدرته على
الخلق والاختراع، الذي يرتكز دائماً على الوظيفة الرمزية واللغات في
معناها الواسع"(2)
ويضيفون، في توصيف آخر، القول إنها: " نشاطات تبادل لا يلتقي خلالها الرجال لينتجوا بل ليخلقوا شعوراً موحداً وقيماً توحّد المجتمع الذي يعطي معنى وتوجيهاً للنشاطات الإنسانية ". فالنقلة النوعية هي إذن في العمل والسلوك والتفكير، في العلاقات الاجتماعية والإنتاج والاستهلاك، وفي النظرة إلى الحياة ودور الإنسان ومكانته فيها، تلك التي يحدثها توظيف التقدم العلمي والتقني والمعرفي توظيفاً اجتماعياً يدفع باتجاه النمو والتطور والتجديد.
ولا يُفترض أن يتم ذلك - أو يُشترط حتى يتم ذلك- بـإحداث قطيعة مع بُنى الذات والماضي، قطيعة في البعد الماضوي للتكوين الفردي والجمعي، لا سيما مع مقومات العقيدة والتراث والموروث، تلبية لمقولات بعض الحداثيين واشتراطاتهم وفرضياتهم، لا سيما ما يقدمه المفهوم الملازم للحداثة الأوربية في سياقها التاريخي وتاريخها الناتج عن ذلك السياق.
والحداثة حداثتان في التدرّج :
ـ حداثة صناعية في إطار ولادة الرأسمالية على أنقاض الإقطاعية وتطورها، وصراعها مع الشيوعية من بعد، أعني السياق التاريخي للحداثة .
ـ وحداثة ما بعد العصر الصناعي الأول، مرحلة الذرة والفضاء وعصر المعلوماتية والهندسة الوراثية، تلك التي تجاوزت العصر الصناعي الأول وقفزت فوق معطياته قفزات مذهلة، وجرَّت مخاطر وفتحت آفاقاً أكثر مدعاة للرعب والذهول .
أمّا الحداثة: فقد دفع باتجاهها، واحتضنها وحصَّنها، وأنتج مناخها، ودعا إلى التفكير حسب أنساقها: الحصان البخاري ـ والمحرك الانفجاري ـ والمدفع ـ والقطار ـ واستخدامات الكهرباء، والهاتف، وقد نمت في أحضان مجتمع مثقل بقيود العصر الإقطاعي من الداخل وهو يتطلع إلى حرية أوسع تتمرد على معطيات الرأسمالية ومدارسها، وعلى الاشتراكية الأولى ومدارسها أيضاَ.
إنها حداثة نمت على دِمَنِ الحرب العالمية الأولى، وفي فضاءٍ تتراءى فيه المعامل الضخمة ومشكلات العمال والطبقات الفقيرة؛ نمت في ظل تقدمٍ علميٍ وفكري واجتماعي، واكتشافاتٍ كبيرةٍ أدت إلى ثورةٍ في الفكر والروح، وفتحت أشرعة الأمل والخيال أمام الإنسان، وعبَّدت الطريق أمام المغامرة، وأفضت إلى معاناة وقلق وتمرد واندفاع وضياع في أحيان كثيرة. ويقول أعلامها إن لها جانبين: "جانب الضياع وعدم الالتزام، وجانب التحرر والبحث عن الذات"، ولها أيضاً الفوضى والرغبة في التدمير قبل تبيُّن ما سيفضي إليه التدمير .
وفي ظل القيد والتمرد عليه: مادياً ومعنوياً، نظرياً وعملياً، فكرياً واجتماعياً، تراقصت أحلام الدادائيين والسيرياليين والمستقبليين والتعبيريين والانطباعيين التكعيبيين في مرابع الإبداع والفكر والاختراع، وتداخلت مع وقائع وأحداث، وقادت إلى ثورة على المستقر كله(3) ، تجلت في دعوات للخروج من " الشرنقة " إلى عالم لم تحدد معالمه، ولم يُكتشف بعد، ولكنه يوحي بالانعتاق والانطلاق في فضاء من الحرية غير محدود، ويغري بمتغيرات وأشياء كثيرة وبأحلام كبيرة، ولكن فضاءه عنكبوتي اللون والقوام .
وأما ما بعد الحداثة، أو الحداثة البعْدية كما يحب البعض أن يقول (4) :
فهي تلك التي واكبت تقدماً علمياً وتقنياً، وتغيراً سياسياً واجتماعياً وخُلُقياً وفكرياً مذهلاً، بدأ جنينا وبدأت هي معه في ظلال الحرب العالمية الثانية؛ وكانت الولادة مع اكتشاف القنبلة النووية واستخدامها وانتشارها، ومع استخدام الصاروخ المطوَّر، واختراع الحاسوب، والدخول المقتدر في عصر الفضاء، والوقوف عند أعتاب عصر المعلوماتية وثورة المعلومات والهندسة الوراثية باكتشافاته المذهلة.
وقد قدم ذلك التطور قوى ساحقة بالمعنى الشامل للكلمة، قوى قادرة على إبادة العالم عدة مرات وعلى معرفة دقائق ما يجري فيه، وقدم قدرات اقتصادية وتقنية كبيرة تشمل العالم، أو هي تسعى لكي تشمل العالم وتحكم قبضتها عليه؛ كما رافقته أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية شمولية تدفع باتجاه تغييرٍ شامل يطال الثقافة ومنظومات القيم، والتكوين الأساس للإنسان والمجتمعات والأمم، ويرمي إلى اختراق الهويات القومية والوطنية باتجاه "هوية" القرية ـ العالم أو العالم القرية، حيث تستقر الموجة في نهاية المطاف، بتوازنٍ يشبه ما يحدث في الأواني المستطرقة : لحساب، وعلى حساب؛ ولكن ..
ـ هل تزول على عتبة ذلك المغزى ـ الغزو ـ الهوية وخصوصيات الأمم، وخصوصيات الثقافات، بَلْهَ الجماعات والتجمعات والمذاهب والطوائف والأقليات !؟
ـ وهل يتطلب دخول عصر الحداثة، أو ما بعدها ـ والعَوْلَمَة الآن ـ تنازلاً جوهرياً في: اللغة والعقيدة الدينية والخصوصية القومية ـ المقومات الرئيسة للهوية ـ وعن الأهداف والحقوق والثوابت المبدئية والتاريخية، الوطنية والقومية، وعن المصالح والقضايا الرئيسة، لشعب أو لأمة أو لمجموعة بشرية...؟!
هذا هو السؤال، أو المعادلة المستقبلية الصعبة، وهذا ما يتم التركيز عليه عندنا في الجانب الذي نسميه الغزو الثقافي من التواصل والتفاعل المعرفيين، اللذين نرحب بهما دائماً ولا يمكن أن يكون تقدم إلا بوجودهما، واللذين يتعذر إغلاق الباب دونهما والتقوقع بعيداً عنهما، لا سيما في هذا العصر.. ولكن: من دون فَقْد أو محوِ للذات، حيث ينبغي أن يكون المرء أو الشعب أو الأمة هو هو ـ ماهية وهوية وشخصية، تمايزاً وأصالة / في أثناء التطور والنمو الشاملين اللذين يتمان عبر صيرورة الكل البشري في إطار ماهيته ـ في كل معترك وموقع ومستوى من التقدم، من دون أن يعني ذلك حلول الجمود والتحجر والتقوقع في محل الحيوية والتجدد، بل يعني المحافظة على الأصالة والتمايز في أثناء النمو والتطور والتجديد.
هل في هذا شيء من تناقض خفي أو تضاد منطقي ؟! وهل يتعذر التقدم والنمو والتطور والتجديد مع المحافظة على الهوية والشخصية والأصالة ؟! وهل هناك تعارض أو تضاد فعلاً في المدى الأبعد ؟!.
أنا لا أرى ذلك مناقضاً للماهية أو للهوية، ولا أراه معوقاً للتطور والنمو!! فكما يحافظ الجنس البشري على مقومات ماهيته بين المخلوقات ويحسّن ظروف عيشه وعمله ويصنع حضارته ويعزز موقعها وموقعه في الكون، يحافظ الفرد، وتحافظ الأمة - على هويتها في حضن الماهية البشرية ـ إبَّان سعيها نحو تحقيق التقدم والتطور والتحضر، ويدخلان معاً، الفرد والأمة، ميدان سبق وتنافس مشروعين مع الأمم الأخرى ـ أو مع الأفراد في مجتمع الأمة الواحدة بالنسبة للفرد ـ إنهم جميعاً في حوض السباحة البشري الواسع الذي يشمل الكرة الأرضية، ومن ثم تدخل الأمم في هذا السياق داخل إطاري: الماهية والهوية .
إننا نفرق تفريقاً حازماً ودقيقاً، ونحن نَنْشُد التقدم ونتعامل مع الآخر ونتفاعل معه ضمن هذا المناخ، نفرِّق بين: الغزو الثقافي والمثاقفة، وهنا أسمح لنفسي بالوقوف عند تفريع بسيط للموضوع أعود بعده إلى سؤال الحداثة، وهو تفريع يتصل بالغزو الثقافي، أعود بعده إلى السياق ذاته:
(1) " كان هناك قبل اليوم ثورات في تاريخ الفن، وهناك ثورة مع كل جيل جديد. وبشكل دوري كل قرن أو نحوه، يتوافر لدينا تغير أوسع أو أعمق في الحساسية...) لكن أعتقد جازماً أنه بإمكاننا أن نميز مسبقاً فارقاً في النوعية في الثورة المعاصرة. فهي ليست ثورة بمعنى الانقلاب، أو حتى الانكفاء، بقدر ماهي انقطاع، تحول ثقافي، وقد يقول قائل: تحللاً. إن طابعها كارثي. 1) هربرت ريد عن حركة الحداثة ـ تأليف: مالكولم برادبري وجيمس ماكفارلين ـ ترجمة: عيسى الشماس.ـ جـ/ ص14 ـ منشورات: وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية ـ دمشق 1998
(2) أية تربية علمية لأي مجتمع - ص 129 تأليف: مجموعة من أساتذة التربية - ترجمة: مصطفى الزواري والدكتور العروسي المنقعي - منشورات: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - تونس 1403هـ - 1983م. والإضافة من المصدر ذاته صـ 130
(3) ـ يقول بعض الحداثيين في تحديد لرؤيتهم ومواقفهم من التراث والمستقر الاجتماعي: " ليس هناك أي غموض : فـ "التقاليد" أو " التراث" جميع تقاليد العالم موضوعة في سلة واحدة لا تساوي ، ببساطة، إلا عبودية خانعة ، في حين أن الحداثة تساوي الحرية؛ ليست هناك أية نهايات مفتوحة أو مهملة." امتشقوا معاولكم ، تنكبوا فؤوسكم ومطارقكم، وبادروا إلى التحطيم. حطموا المدن المجللة بالوقار بلا رحمة ! تعالوا هيا أشعلوا النار برفوف المكتبات ، حولوا مجاري القنوات حتى تغرق المتاحف!؟ فليأت فرسان الحرائق المبتهجون بأصابعهم المتفحمة. !! هاهم أولاء قد وصلوا..". حداثة التخلف ص 15 وهو عنوان لكتاب عنوانه الأصلي بالإنكليزية : A ـ all that is solid melts into air / the experrience of Modernity تأليف : مارشال بيرمان ـ ترجمة : فاضل جتكر ـ منشورات : دار كنعان للدراسات والنشر. دمشق 1993 ط1 ويلاحظ هنا النزوع الفوضي التدميري الذي أفضى إلى عقم إبداعي وخُلُقي، وإلى قضاء على موروث حضاري لأمم وشعوب نتقصى نماذج له في روسيا الشيوعية وفي الثورة الثقافية في الصين بعد ما أصاب معالم من الحضارة الأوربية .
(4) - إن أحد ميزات الحداثة كان الاعتقاد بأن فهم المعاناة الاجتماعية يكمن ضمن العمل الفني المناسب. وغالباً ما كان الهدف تقديم سرد طويل لفكرة مترابطة عن هذه المعاناة من جوانب مختلفة. أما في الإطار الإعلامي فقد كان الكثير من الفهم للمعاناة هو الصدم بصورة قوية وملامح مؤثرة تدفع إلى التأثير والاستعداد للتغيير. فالحداثة كانت تتناول من جانب أو من آخر مسألة السرد للواقع بأسلوب تمثيلي أو بأسلوب حواري. أما مرحلة ما بعد الحداثة فهي في تجاوزها للتمثيل، تحاول القفز فوق تقديم الحقيقة إلى مرحلة إنتاجها وبنائها وتطويرها. فالحقيقة في مرحلة ما بعد الحداثة هي ما تنتجه الوسائل الإعلامية، وماعدا ذلك يظل وهماً لا يصدقه الجمهور. /2025 ثقوب الغربال/ محمد المشنوق ص148-149.
في مواجهة الرؤية التي تعتبر الإعلام أداة حاسمة في تشكيل اتجاهات الجمهور وقيمه، تبرز رواية تيار ما بعد الحداثة القائلة:" إن الجمهور هو الذي ينتج المعنى الخاص به، لأنه يفسر المضامين الإعلامية من خلال أفكار مسبقة لديه تتفق مع تكويناته الثقافية وتنشئته الاجتماعية ومصالحه مما يكشف عن غزارة المصادر الذاتية الجمهور لإنتاج المعاني. والتفسيرات والمضامين الإعلامية التي يقرأها ويشاهدها. فالتفاعل بين الجمهور والنصوص الإعلامية يمر بمرحلة معقدة داخل الجمهور حتى تكتسب هذه النصوص معانيها وتفسيراتها التي قد تتناقض وتختلف مع رؤية واتجاهات واضعي السياسة الإعلامية ورؤية القائمين بالاتصال."
عواطف عبد الرحمن/ الإعلام العربي بين التبعية والاختراق الثقافي- المجلة العربية للثقافة - تونس العدد 31- ص183/1996 عن المشنوق ص 347.
|