ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

في الغَزو الثقافي

الغزو فعل قوة ضاق بها محيطها فخرجت من بيئتها متجاوزة ذلك المحيط، إمَّا لسد ضرورات أو لتحقيق طموحات. وهذا الفعل فعل إنساني جماعي بصفة عامة ينزع إليه نظام أو شعب مستخدماً طاقاته وقدراته العسكرية والثقافية لتحقيق غاياته. ولا تخرج تلك الغايات عادة عن استعمار أو استثمار، وقد تكون في حالات استثنائية، إرواء لشعور متضخم بالتفوق أو بالعظمة، يأخذ سبيله إلى الارتواء بإخضاع الآخرين.‏

والسائد بعد أن تبرز الأطماع ويمهد لها، أن يتم الغزو أولاً باستخدام القوة العسكرية التي تعلي راية وقرار الغالب فوق أرض المغلوب، ومن ثم تحاول أن تقهره وتفقده الثقة بنفسه وبقدرته على تجاوز ما هو فيه وتحقيق غلبة على غالبه، وبالتالي تيئيسه من إمكان تحقيق تفوق منقذ.‏

وبعد إنجاز مرحلة تفوق القوة التي تؤدي إلى احتلال الأرض والحصول بالقوة على ثروات الغير وجهدهم، تأتي مرحلة احتلال الإرادة، آخر معاقل مقاومة الشخصية لكيان غاز أو لرغبة مفروضة أو مرفوضة. واحتلال الإرادة يعني احتلال الشخصية والتوطن فيها من الداخل، وهذا لا يتم دون إضعاف قوى المقاومة الذاتية جميعاً، وإحداث الخلل في تناغم وتساوق مقومات الشخصية، وتغيير القناعات وأسلوب النظر إلى الأمور والوقائع والواقع، وغرس معايير وقيم مغايرة لتلك التي كانت تحكم سلوك الشخصية وتميز مسلكها. والتمهيد بذلك لنشوء أسس تقوم عليها قناعات ومعايير هي من غرس وصنع الكيان الغازي وفعل إرادته، تتماشى مع مصالحه ورغباته وتطلعاته، وتستجيب لإيحاءاته، بل وتنفذ تلك الإيحاءات من دون اعتراض.‏

وربما كان هذا أعلى مراحل التخطيط لاستعمار الإرادة والتوطن فيها وتحريكها آلياً وذاتياً، مع الحفاظ على مظهريات وشكليات استقلالية تشبع وهماً أو تشيعه. وهذا نوع من أنواع استلهام الضعيف لقوة القوى وتقمصه رغباتها بما يحقق له إشباع تطلع ظامئ إلى النجاح في تنفيذ عمل من دون إحباط، والامتثال لإرادة الغير طوعياً وتبني أهدافه والارتياح إلى آلية صدورها عن الذات كإرادة مستقلة، يؤدي إلى شيء من الارتياح من جهة ويجعل الإرادة الغازية المتوطنة، أي الاستعمار بأشكاله، يصل إلى تحقيق أهدافه بأقل التكاليف والجهود.‏

وهذا النوع الأرقى من أنواع الاستعمار الاستلابي، أو الاستلاب الاستعماري، يتطلب عمليات تمهيد دقيقة وخفية وشاقة، واتباع أساليب حذرة ومجربة، خاصة عندما يكون المغزو ذا رصيد من القوة والثقافة والوعي، يدرك معه أنه في وضع المغلوب فعلاً ولكن قواه وطاقاته وإمكاناته أقوى من تلك التي للغالب فيما لو استخدمت استخداماً موفقاً؛ وفي هذه الحالة تتم عمليات معقدة تشبه أو تفوق عمليات "غسل الدماغ" الفردية وفق الأساليب الحديثة.‏

* * *‏

في وضعنا نحن العرب، ونحن أمة تتعرض للغزو فعلاً -بأشكاله المختلفة وبأساليبه المتطورة جميعاً- الإشكالية قائمة والمشكلة كبيرة. ذلك أننا نملك رصيداً كبيراً من مقومات القوة بمعناها العام: بشرياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وعقائدياً. ولكننا نسيء استخدام هذا الرصيد، مما يجعل حملات الغزو المختلفة التي تشن ضدنا منذ آماد طويلة تنجح في مواقع وتفشل في مواقع أخرى، وتكتسح في عصور وتخفق كلياً أو جزئياً في عصور.‏

فنحن منذ أن عز العرب بالإسلام، ونشر العرب الإسلام وغذوه بالدم وأعزوه، أضفنا إلى مقومات شخصيتنا القومية الواضحة المعالم بعداً إنسانياً وعقائدياً وثقافياً عزز مكانة الشخصية العربية ودورها الحضاري، وقوى ثقتها بنفسها، فحققت انتصارات باهرة على الصعد العسكرية والاقتصادية والثقافية لم تحققها أمة من قبل وفي زمن قياسي نسبياً. وهذا الرصيد التاريخي الضخم الذي لا يغذيه الوهم ولا يقوم على افتعال أو فورة انفعال، جعل المنعة شبه تامة على جبهة القناعات الفكرية والبنى الثقافية، مما أدى إلى تماسك المقومات الثقافية للشخصية العربية عبر التاريخ رغم تزعزع وانهيار مستويات أو مقومات أخرى.‏

فخلال العهد الراشدي أشرعت الفتن التي بثها مندسون في الدين وفكر الأمة وسياستها، على شاكلة ابن سبأ وكعب الأحبار وسواهم، أشرعت أبواب اجتهادات وفلسفات وعطاءات فكرية وثقافية إيجابية كونت رداً ومكنت دعائم الشخصية في مجالات الثقافة عامة، ودفعت عجلة الابتكار والتفتح الفكري، مما أدى إلى تفتح خلاق أنتج نهضة العلوم والآداب والفنون في فترات لاحقة الأموية وامتدادها في الأندلس- والعباسية حتى المأمون) الأمر الذي أقام صرح ثقافة أنارت سبل الهداية والتقدم والتطور الفكري والثقافي والتقني أمام العالم كله فيما بعد.‏

وقد صمد هذا الكيان الثقافي والحضاري الضخم لأشكال الغزو الشعوبي والصليبي من بعد، وفعل فعله البناء في تماسك شخصية الأمة، نتيجة لسلامة وصلابة بنيتها الثقافية والفكرية، الأمر الذي يسر لها إعادة بناء قوتها واستعادة ثقتها بنفسها على جبهة القوة العسكرية. فكان نصر على الصليبية رغم التمزق والتشرذم في مجالات القوة. وأدى ذلك بدوره إلى استعادة شيء من الصحة والسلامة والثقة للأمة بشخصيتها تواجه بها مستقبلاً لم يكن يملك العرب وحدهم زمامه ومقاليد صنعه، وإن كانت ثقافتهم وعقيدتهم ماثلتين في تكوين من يملك أمره بدرجة أو بأخرى.‏

في ظل حكم المماليك والأتراك كانت المقومات الثقافية والفكرية والعقائدية التي بقيت المنهل الثر للأمة، هي مصدر الصحة والقوة، وهي التي يعود إليها الناس حين تعصف بهم تصاريف الدهر، وتضطرهم إلى ذلك تقلبات الأحوال وتداول الدول. لم يكونوا يضيفون على ذلك الرصيد شيئاً يذكر، وإنما كان العود إليه والاغتراف منه بل قل اجتراره، يعيد إليهم بعض الثقة. وتجد في فترات من تلك المرحلة عزم الممالك والشعوب، وأحرزت انتصارات أو قاومت أشكال غزو عنيف كان يشن عليها دون هوادة. بقي شيء من التوازن بين الإمبراطورية العثمانية -والعرب في ظلها- تلك التي ورثت حضارة العرب والمسلمين وعاشت عليها وأغنتها في جوانب غير مؤثرة، وقاومت بوحي من مقومات الثقافة العربية والعقيدة الإسلامية إلى أن تمثل الغرب علم العرب والمسلمين وفكرهم وثقافتهم ، وما حملوه إليه من ثقافات الأمم وعلومها، لا سيما اليونان، وسار في طريق النهضة الحديثة بعد أن بنى على تلك الأسس والمعطيات الثقافية والعلمية والفكرية بنياناً راسخاً طوره وجدده باستمرار متبعاً المنطق ومناهج البحث والاستقصاء العلمية التي ثبتها العرب والمسلمون وحفظوها وطوروها، وكذلك العلم الذي أخذه عنهم في مجالات شتى. ولم يكن العرب الذين عاشوا في ظلال التجهيل والظلم العثمانيين والتخلف المفروض عليهم، لم يكونوا على تواصل لا مع تراثهم الثقافي والفكري والعالمي، ولا مع قيمهم السليمة، ولا مع عقيدتهم السمحة بمقوماتها الثورية النضالية الإنسانية الصافية، لا سيما خلال القرون الأخيرة. بل كانوا على حالة من التواكل والتآكل جعلتهم يتنادون -خلاصاً من الظلم والانهيار العثماني- إلى بعث ما يمكن بعثه من روح الماضي وقيمه وثقافته وفكره ، ليتمكنوا من جمع الشمل ولمِّ شعث الأمة لعلها تقوم على قائمة لتواجه الليل الذي يخيم في سوحها. وهكذا كان بدء الطريق.. ولكن الاستعمار الأوروبي المنتشي بقوته وتفوقه وتقدمه العلمي، والمبطَِن لأحقاده وأطماعه، لم يسمح لهذه الأمة بأن تتماسك وتستعيد تواصلاً بناء وخلاقاً مع ذاتها ومقومات شخصيتها بدءاً من المقومات الثقافية لتلك الشخصية ووصولاً إلى مكونات القوة والصحة العامة: عسكرياً وجغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، فبادر إلى تمزيقها واقتسام أرضها وأبنائها وثرواتها، وأخضعها لسيطرته المباشرة.‏

* * *‏

في ظل السيطرة المباشرة على وطننا العربي الاحتلال) التي فرضها الاستعمار الأوربيفرنسا- بريطانيا- إيطاليا) في النصف الأول من القرن العشرين على الخصوص، تطورت أساليب الاستعمار وتنوعت وسائله ومدارسه ومناهجه في السيطرة على الشعوب وسلب ثرواتها وتسخير قواها وطاقاتها لصالحه. وأخذ يفكر في النصف الثاني من القرن العشرين، مع بزوغ نهضة عربية وتحت ضغط القوة التي حققت الاستقلال الوطني لبعض الأقطار العربية وأعلنت تصميمها على تحرير بقية الأرض والإرادة والقرار والاقتصاد والعقل، أخذ يفكِّر في فرض نوع جديد من الاستعمار.. هو استعمار العقل والإرادة . وكان له ذلك في ظل تلك السيطرة المباشرة، وتحت ظروف القهر والجهل والتخلف وصلف القوة التي مارست عنجهيتها وجبروتها على شعب أمي فقير مقهور. وما زالت الدوائر الاستعمارية في صيغها المعصرنة النووية الإمبريالية والصهيونية) وأجهزتها الاستخبارية؛ مازالت تلعب لعبة احتلال الإرادة واستباحة حمى الفكر والذاكرة ، وتعمل على التوطُّن ثقافياً وقيمياً وسلوكياً وتطلعاً، في أعماق تكوين الشخصية الثقافية للإنسان العربي. ولها في ذلك أخطر الوسائل والأساليب وأنجحها.‏

* * *‏

القوي مرهوب الجانب ، منظور إليه باهتمام، يملك فيما يملك هالة باهرة مبهِرة، تجعل لما يقول ويفعل، ولما يسلك ويلبس ويستعمل، تأثيراً أكبر بكثير من القيمة الفعلية والعملية لقوله وفعله ومسلكه وملبسه ولما يستعمل. إنه الغالب الذي يقلده المغلوب والمتفوق بقوته وعلمه وفكره، الذي قهر المتفوَّق عليه قهراً شاملاً بقوة السلاح والعلم، واستباح أرضه وجهده وعقله، فلم لا يكون في مقام التقديس أو التأليه أو في أبسط الحالات وأدناها، في موقع المقتدَى به الفائق الاحترام؟! إنه يملك فيما يملك، إلى جانب الثروة والمصانع والتقدم التقني والتخطيط المتقدم والعقل العلمي يملك:‏

- الأساطيل التي تتحرك بالطاقة النووية.‏

- الصواريخ العابرة للقارات.‏

- الأقمار الصناعية ومركبات الفضاء التي تصل إلى القمر والمريخ والتي تتربع في كل مساحة من الكون فاتحة آذانها وعيونها على الخليقة.‏

- القنابل الذرية والنووية والنيترونية والأسلحة الجرثومية.‏

- قطعاناً من الطائرات لا حصر لأنواعها وقدراتها ترعى سماء الله وتلقي فضلاتها المهلكة على أبنائه في الأرض.‏

- عقولاً ألكترونية.‏

- فئات وأنظمة عربية موالية وعميلة لـه ومتواطئة معه ضد مصالح العرب جميعاً.‏

- وما لا حصر لـه من الأموال والشركات والمواد الأولية اللازمة للصناعات المختلفة.‏

- جيشاً من العملاء والجواسيس في الاختصاصات والفعاليات المختلفة.‏

ألم يحقق هذا كله ويوظفه ويسخره لمصلحته عقلٌ علمي، وعلمٌ متطور، وتخطيط دقيق يكاد يوقف الأنفاس المتلاحقة؟! إذاً كيف لا تكون هذه القوة طاغية في تأثيرها على الآخرين، وفي تدميرها لقناعاتهم وملكياتهم الثقافية ومقولاتهم الكلامية؟!‏

إن الجاهل الذي يمسك ببندقية قديمة ويستعملها بلا ضمير، يستطيع أن يجبر عدداً لا بأس به من المثقفين والعلماء والصالحين والحكماء على أن يروا الأبيض أسوداً، ويطوعهم لما يريد؟! هذا إذا كان يعرف ما يريده أصلاً؟ فكيف بعقول تخطط لقوى عظيمة وتستخدم أسلحة فتاكة وطاقات كبيرة، وتوجه قوتها، بكل ما لتلك القوة من مقومات وأبعاد، ضد شعب لا يملك ما تملك من قوة وعلم وثروة، لا يرتاد الفضاء ولا يفجر الذرة ولا يستغل العلم استغلالاً حسناً؟! ألا يمكن لتلك القوى المهيمنة أن تضع جموع الضعفاء، بالمنطق أو بالقوة أو تحت ظروف القهر والاستلاب في الفلك الذي تريد وأن تحتل إرادتها وتكون قناعاتها؟ أنها تحاول على الأقل، وتنجح في أشياء، وتلقى مقاومة عنيفة في حالات، وهذا هو الغزو الثقافي الذي يتجلى عندنا في صور شتى من التقليد والتبعية والانبهار والاقتداء، والذي يتم بوسائل وأساليب متنوعة، وتتبع خطط دقيقة للوصول إلى نجاحات ملموسة في مجالاته.‏

* * *‏

لا أريد أن أعود إلى أشياء قديمة وحوادث في أعماق التاريخ القديم أو المتوسط للعرب أقدِّمها كنماذج على التزييف، كأحد أساليب الغزو، ولا أود أن أقف عند توظيف الاستشراق كلاً أو جزءاً، في مرحلته الأولى أو مرحلته المتأخرة) لتحقيق أطماع الاستعمار ومخططاته من جهة، ولاحتلال الإرادة العربية عن طريق إحداث الفراغ ثم إعادة ملء الفراغ ثقافياً وفكرياً) من جهة أخرى. سوف أكتفي بومضات إشارية إلى مراحل في الكيفية الغزوية التي تتم على الجبهة الثقافية العربية بعد أن مهدت العوامل الأخرى لنجاح الحرب على هذه الجبهة أو على الأقل لخوضها بآمال عريضة في تحقيق النجاح.‏

- بعد أن تم الاحتلال المباشر للأرض العربية، والذي سبقه تطلع متلهف معجب جاء نتيجة لتبشير فكري وثقافي واجتماعي وحتى ديني) بتفوق المجتمع الغربي وتقدمه علينا في مستويات وعلى صعد شتى، سرق الغرب المستعمر بشكله القديم ورموزه ثم النمط الاستعماري الأرقى الإمبريالي الصهيوني) سرق كمية كبيرة من تراثنا الفكري والعلمي والثقافي، ومن آثارنا وموروثاتنا، وأخذ يعيد تصدير بضاعتنا التي سرقها منا إلينا، ولكنها مختومة بخاتمه ومفسرة على هواه.‏

- أخذ ينشر كنوز تراثنا فأخذتنا الدهشة من حرصه عليه وتفوقه علينا في حفظه إياه والعناية به واستيعابه فأكبرنا فيه علمه من جهة وتكريمه للفكر والعلم من جهة أخرى.‏

- أطلعنا على آثارنا في متاحفه: اللوفر- الملكي البريطاني- برغامون.. إلخ) وأصدر لنا الدراسات والتفسيرات والقراءات المعتمدة لذلك التراث، فأعجبنا به وعجبنا من أنفسنا ومن إهمالنا لما يخصنا، وضعفنا في معرفته وفهمه، فتراكم ذلك ضعفاً فينا على ضعف وقلة ثقة على رصيد سابق من قلة الثقة. ولم ينس الغرب الاستعماري والإمبريالي الصهيوني في المجالين السابقين أن يدس سمومه وأن يكرس الثقافة القديمة لغرس جذور استعمار استيطاني، وافتعال حقوق تاريخية لصنائعه وركائزه في أرضنا وثقافتنا وفكرنا. كيف لا يفعل ذلك مستشرقون يهود وصهاينة استطاعوا أن يفرضوا حتى على المسيحيين عبر التاريخ تقديس تاريخهم هم، وتبرئتهم من دم المسيح؟!‏

- قدم لنا الغرب تجاربه السياسية والعلمية والاجتماعية ونظمه وصناعاته فبهرنا. وشرح لنا أو أطلعنا على فهمه للحرية فاستهوانا ذلك وحين جربنا الخلاص من ظلمه والحصول على حريتنا منه قهرنا بقوة السلاح فصار للتجربة وللتعامل مع العلم والقوة والتفوق) منعكسات شرطية بافلوفية) في النفس. إذا استهوتك الحرية وتقدم العلم وحياة الغرب فأحببت أن تعيش على ذلك النمط لاقيت قهراً وظلماً وقتلاً. إذاً لِم الطموح ولم الفكر ولم التعب؟!‏

في هذا المستوى من التعامل أراد الغرب أن يشعرنا بالدونية، وبأننا نحمل تشوهاً خَلْقياً كجنس بشري بوصفنا عرباً) ووجد من أبناء هذه الأمة مروجين لمقولات ونظريات أخذ يبثها، ولجأ أولاً إلى حملات التشكيك في مقومات الشخصية الثقافية عموماً ومن ثم في مكونات هذا الكيان وأصالته في بعض الأحيان وفي قيمتها في أحايين، ووصل الأمر إلى التشكيك بقدرة العقل العربي وبإمكاناته، وبالجنس العربي المحدود القدرة والعقل. فخرج علينا مقاولته بمقولات: الفكر العربي فكر تجريدي -العرب أمة بيان لا أمة برهان أي أمة كلام إنشائي لا تملك العقل والعلم والمنطق)- الشخصية العربية شخصية عاطفية لا يحكمها العقل- العربي شرقي روحي صوفي ولا يتعامل مع المادة ولا تهمه، إذاً فهو يبارك نهب أرضه وشعبه. وواكب هذا المستوى مستوى آخر يكمله: أرض العرب لا تصلح إلا للزراعة- العرب فيهم طباع البدو الرحل لا يحبون الأرض ولا يتمسكون بها- العرب بلا مدنية- اللغة العربية ليست لغة علم ولا تواكب العصر- التراث العربي كتب صفراء لا تفيد الإنسان العصري ولا قيمة لها. وأخذت موضات) استعمال الحرف اللاتيني- ودعوة العاميات من جهة تطعن اللغة، وأنصار الحداثة القافزة فوق كل تأصل وأصول يطعنون التراث والأدب العربي الحديث ومقومات الفكر والثقافة، ويشتدون في اتهامهم للتراث خاصة دون اطلاع أو دراية متجاهلين حقيقة أن الحكم دون اطلاع ضرب في عماية. والتخلف عامة والعلمي منه خاصة يواكب ذلك فيشير إلى مصداقية الدعوات الغربية والتراث المتواجد في التداول- والذي لا يمثل في كثير منه الوجه الحق والقيمة النهائية لثقافتنا، -لا يتداول منه بين الأجيال فعلاً، فضلاً عن غياب كتب العلوم والرياضيات والطب والحكمة والفلسفة من ساحة التداول بنسبة كبيرة.‏

آخذ هذا في إطار مقارنة مع ما يحرزه الغرب من تقدم كبير، كل هذا يقدم أدلة على نجاح حملات التشكيك التي تهدف إلى زعزعة ثقة العربي بنفسه وبثقافته وبأصالته وقيمه ما يملك من مقومات فكرية وثقافية وعقائدية ليسهل اجتثاث الإنسان العربي من تاريخه بعد أن مهدت الطرق لاجتثاثه من أرضه، ونجحت تجربة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في ذلك.‏

وتراكمت حملات التشويه والتشويش لإحداث فراغ ثقافي في الساحة العربية يتجسد في:‏

1- رفض العربي لتراثه واتهامه إياه بأنه أكوام من الكتب الصفراء ميتة الفاعلية ولا نفع فيها.‏

2- تشكيك بقيمة ما قدمه أعلام ثقافة عصر النهضة العربية الحديثة وسواهم، لأن العصر تجاوزهم، ولأن ثقافتهم لم تخلق جيلاً عربياً تقدمياً مناضلاً يحمي الأرض ويقيم مجتمع الحرية متناسين التحرير).‏

3- تسويغ وتلميع تجارب وتقليعات) فكرية وأدبية لا تحمل سلامة اللغة ولا أصالة الثقافة ولا مشكلات‏

الواقع وتجارب إنساننا وتطلعاته، والتي تطغى فيها تهويمات لا يقبلها القارئ ولا تؤثر فيه تأثيراً إيجابياً إن أقبل عليها، كما لا يقبلها النقد الواعي لوظيفته ودوره ولمتطلبات المرحلة والتطور. الأمر الذي يشير إلى فقدان التواصل الثقافي بين الأجيال والتراث من جهة، وبين المثقفين والواقع بجماهيره، وبين القارئ والانتاج الثقافي من جهة أخرى، وحتى بين الناقد والكاتب.‏

وإلى موجة تشكك عامة يصاحبها فقدان الثقة وفقدان الأمل في الوصول إلى مخرج أو خلاص.‏

ولما كان هذا كله يتواكب مع:‏

- تمزق سياسي عربي مزرٍ، أودى بالقوة والهيبة العربيتين ووصل بالآمال الوحدوية والتحررية إلى الحضيض.‏

- لاءات عربية كثيرة وكبيرة دون رصيد متحقق من مصداقية الفعل المنجز للقول.‏

- عدم تحقيق تقدم فعلي في مجالات البنية الاجتماعية المتطورة، ونزوع أنظمة الحكم العربية إلى إهمال الجماهير واعتماد ديمقراطيات شكلية وعدم احترام الإنسان وحقوقه وحرياته، وعزله أحياناً عن ساحة الفعل السياسي، وانتشار الفساد في حياته وقيمه العامة إجمالاً، وتسطح مفاهيمه واهتماماته، وسيادة قيم مجتمع استهلاكي مصحوب بغياب قيمة العمل وشرف الانتاج.‏

- استمرار تواجد العدو في الأرض العربية، وازدياده قوة وشراسة وبطشاً، دون أي حل عادل، ودون قوة تواجهه، ونفاذ رأيه وإرادته وتهديداته دون أدنى رادع عربي وما يتركه ذلك من تأثير في النفس وأثقال للضمير وفتك في الإرادة.‏

- حملات إعلامية عربية عربية) لا تحترم العقل ولا العلاقات الأخوية العربية، ولا الصلات القومية والآمال الوحدوية والمشتركة فضلاً عن عدم احترامها للإنسان المتلقي لها والمتفاعل معها، والذي لا تتورع في إدخاله دوامة التناقضات التامة في فترات متلاحقة متقاربة، وتأثير ذلك على ذهنه ومحاكمته وتكوين مواقفه وعواطفه وآرائه. فضلاً عن انطلاقها، قاصدة أو غير قاصدة، من عدم الاحترام للإنسان وعقله ودوره بله حريته واختياره وإرادته.‏

- تراكم حملات الإعلام المضاد إمبريالي- صهيوني- استعماري.. إلخ) ضد الإنسان العربي بهدف خلق مناخ من عدم الثقة وتقوية الشك السلبي غير المنهجي فيه، واستلابه التام من كل ما يبني إرادته وثقافته، وتعمد التركيز لتيئيسه.‏

- فقدان الكلمة لمصداقيتها مما أدى إلى غياب دورها ومفعولها في معركة التصدي لحملات الغزو، سواء أكان ذلك في الثقافة أو في الأدب أو في الصحافة، أو في خطب الساسة وتصريحاتهم. الأمر الذي انعكس سلبياً على دور المثقفين ودور الكلمة ومفعول وسائل الإعلام العربية في مواجهتها، ذلك لأنها ارتبطت في الإعلام بالتضخيم وحتى بالكذب، على عكس ما هو عليه حال الكلمة في الإعلام المعادي المسموم والمخادع، الذي اكتسب مصداقية عند الجماهير العربية، لأنه يقدم حقيقة ولكنه يوظفها لصالحه بأسلوب ما، ويثبت مصداقية ما يقول، فيعجب مستمعنا بالحقيقة التي يفتقدها في أجهزته ويتوق إليها، ويغيب عنه التوظيف المغرض، ولكنه يقع تحت تأثيره غير المباشر في النتيجة.‏

- الاستيراد العربي العام لسلع الغرب ومنتوجاته وتقليعاته) من صغيرها إلى كبيرها، المادي منها والمعنوي، النافع والضار واستيراد القيم والمعايير والفاسد من السلوك بوجه خاص.‏

فإن الجهات والمؤسسات التي تعمل على إحداث الفراغ الثقافي عندنا وتحمله بيد إن صح التعبير) تحمل باليد الأخرى ثقافة بديلة تزرعها يومياً في أعماق تكوين المواطن العربي وترعاها، ثقافة مستوردة غازية) تهدف إلى تطويع العقل العربي واحتلال الإرادة من الداخل والتوطن فيها، وجعل الإنسان العربي يفقد مع الزمن كل صلة له بحضارته وثقافته وأصالته بفكره وباستقلاليته، ويفكر كما يريد له الطامعون به وبأرضه وبخيراته، الغازون لشخصيته المحتلون إرادته أن يفكر، فيعمل لتنفيذ مخططاتهم بانسياق أعمى.‏

* * *‏

فما هي السبيل أو السبل للخروج من هذا، ولامتلاك أنفسنا وإرادتنا ومقدراتنا فعلاً؟!‏

ليس العلاج أن نقفل على أنفسنا الأبواب والنوافذ فنتقوقع، ولا أن نكتفي بالعودة إلى التراث عودة تغيبنا فيه عن العصر الذي نحن فيه، وتحرمنا من التطلع إلى الثقافات الأخرى وإلى المستقبل الذي يمر بنا ولا يحملنا معه إذا لم نركض لنواكبه أو لنكونه.‏

وليس العلاج في أن تتكرم الثقافات الغازية) بأن تكف بلاءها عنا وتتركنا وشأننا، لأنّ عقلنا لن يقبل ذلك من جهة، ولأن حيويتها ومصالح حامليها لن تفعل ذلك، فهي ترمي إلى التلاقح مع الآخرين، كما يرمي الآخرون إلى التلاقح معها.‏

وليس الحل في أن نهجر القديم كله لأنه أصل تخلفنا وسبب بلوانا كما يحاول البعض أن يقول، فلم يكن كذلك أبداً، بل فيه جوهر أصالة ونار ثورة ونبع قيم وحوافز نضال نحن أحوج ما نكون إليها جميعاً.‏

لا أدعي أنني سأكتب هنا وصفة سحرية فيها العلاج وفيها الشفاء، ولكنني أستطيع أن أؤكد هنا حقيقة أن الإنسان العربي ليس فيه نقص خلقي من أي نوع، وأن إرثه الحضاري من أغنى المواريث الإنسانية إن لم يكن أغناها، وأن تاريخه الطويل على كثرة ما فيه من نكبات وكوارث وظلم وخضوع لأنواع من الاضطهاد والاستعمار، لم يشهد ذوبان أو تلاشي أو انعدام أو حتى محدودية فاعلية المقومات الثقافية للشخصية العربية، ومقاومتها وفعاليتها في استنبات مورثات ومحرضات ومكونات الإرادة الصلبة الواعية.‏

وإن الثقافة العربية لم تكن في يوم من الأيام معزولة ولا منعزلة عن الثقافات الإنسانية، فقد عايشت ثقافات الأمم منذ أقدم العصور، وصمدت للقائها، وتفاعلت معها تفاعلاً إيجاياً، فثاقفتها في فترات ازدهارها وانحسارها، أخذت منها وأعطتها، اغتنت بها وأغنتها بحيوية وانفتاح واقتدار، دون عقد، ودون أن يؤثر ذلك سلبياً في ملامح هويتها أو في مقومات ومكونات أصالتها وكانت في لقائها الخصب مع تلك الثقافات تتواصل وتتفاعل بحيوية من موقع الثقة، تتمثل ما تأخذ ولا تمتثل لـه، فلم يتزعزع نزوعها الإنساني ولم تكن يوماً تباعة ذلولاً، متعالية قتولاً. وأن الغزو استعداد في الأصل للتخلي عن الذات عند المغزو وتآكل في كيان الثقة ومناخ الحرية، وتقييد لانطلاقة قدرات الفرد والمجتمع. فما الذي يمنع الإنسان العربي اليوم من أن يستعيد تواصلاً واعياً مع تراثه الثقافي من جهة، ومع معطيات واقعه وثقافة عصره وموحيات نضاله من جهة أخرى، ليواكب التقدم بأصالة، وليكون ذاته بعمق، وليحوز خصوصيته ويكرسها في ثقافة هي رفد وإغناء للثقافة الإنسانية، كما هو عليه أمره في معركته وواقعه وظروفه والظلم الفريد الذي يحيق به؟‏

هل يكون هذا عبئاً من أي نوع عليه هو؟! لا. فيما أظن. إنما العبء يصبح ثقيلاً وغير محتمل، فيما يبدو لي، بالنسبة لدوائر الاستعمار والامبريالية والصهيونية وسواها من أصحاب المصالح، وبالنسبة لبعض فئات وأنظمة عربية.‏

فأن يكون الإنسان العربي مثقفاً فعلاً ومتأصل الجذور في أرضه وثقافته ومتواصلاً بحيوية مع عقيدته وواقعه المعيش، أن يكون الشعب العربي هكذا أمر يشكل كارثة على أعدائه. ولكن هذا الذي يبدو لجهات ودوائر وفئات طفيلية على الحياة والتاريخ، رهيباً ومرعباً، آت لا ريب فيه.‏

فالغزو الثقافي أو الغزو إجمالاً في المحصلة هو فعل قوة كما أسلفت، ترمي إلى فرض وجودها وأهدافها ومصالحها ومنطقِها وهويتها ومنظوماتِ قيمها وأنماطِ سلوكها وعيشها على الآخرين، أي في النهاية فرض ثقافتِها وإلحاق الثقافة المغزوَّة بها أو محوها، فرض شخصيتها وسحق الشخصية المغزوَّة إن أمكن، أو رغبة في فرض التبعية الشاملة أو الجزئية على الآخر، المغزوِّ؛ فهي حركة محو أو إبادة معنوية تنطوي على سلبيات كبيرة وخطيرة وتهدف إلى تحقيق مصالح القوة المتعالية وأهدافها. إنها في النتائج البعيدة التي ترمي إلى تحقيقها نوع من الاستعاضة عن الاستعمار القديم المكلف باستعمار جديد أقل كلفة وأقل ظهوراً، استعمار يحتل العقل ويلغي الذاكرة والوجدان أو يخدرهما، ويجعل طاقات الجسد ـ طاقات البلاد والعباد الإنتاجية والاستهلاكية ـ تعمل لمصلحته بأقل كلفة وهي في حالة من الرضا الذي يشكله تشوه مَرَضَيِّ ـ نفسي روحي اجتماعي ـ من نوع ما يصيب الشعوب أو الأمم، أي الشخصيات الثقافية المغزوَّة والهويات المستلبة، بأشكال من التهافت والتخاذل والتواكل والتآكل .‏

والقوة: أداة الغزو هي بمعنى القوة اللغوي والمعنوي عندنا نحن العرب، كما يقول أبو البقاء الكفوي في الكليات :‏

* القوة: " هي كون الشيء مستعداً لأن يوجد ولم يوجد "، أي إمكان الوجود بتحقق الظروف والشروط، وبتوافر عوامل أخرى منها عامل الزمن.‏

* والقوة كما يقول الكفوي أيضاً هي: " مبدأ التغيّر في آخر من حيث هو آخر"، أي القدرة على التأثير والتغيير بعوامل شتى، نفسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية، منها تأثير السطوة والقهر والغلبة والثقة المتعالية والتفوق بالنسبة للقوى الغالبة؛ وسيطرة الجهل والضعف والخوف والإحباط وتآكل الثقة بالنفس وشيوع مناخ الدونية والإحساس بها، بالنسبة للضعفاء المغلوبين. وحسب قاعدة ابن خلدون: " المغلوب يقلد الغالب" يصبح القوي: منظوراً إليه، والضعيف مطموعاً فيه، على المستويات كلها وفي المواقع والمواقف جميعاً .‏

وإذا كان هناك خلفيات تاريخية بين الغالب والمغلوب ـ صراع طويل كما في حالتنا مع الغرب والصهيونية مثلاً - فإن العلاقة تأخذ أشكالاً وأبعاداً أخرى إضافة لما تقدم، فهناك :‏

ـ محاولات السيطرة التامة على المغلوب بالقهر والإذلال، وفرض التبعية والإلحاق عليه بكل الأشكال والوسائل، مع تدمير الثقة وإبادة الهوية والخصوصية، والاستحواذ على المصلحة موضوع الصراع ـ وهي هنا مادية ومعنوية روحية ـ والقضاء على قوة الاعتراض أو المعارضة وعلى مقومات الصمود وأشكاله واحتمالات نشوئه لدى المغلوب من قبل الغالب ومن يستميله أو يستخدمه من بين المغلوبين ـ أي العملاء والمتعاونين ومن يسمَّون الطابور الخامس - في نسق من المغلوبين.‏

ـ ومحاولات الصمود والتمسك بالشخصية وإحياء كل ما يحمي من الانسحاق ويبعث قوة مقاومته، وما يؤجج في النفس والمجتمع روحاً إيجابياً للحفاظ على الذات والهوية والخصوصية وإنعاش الثقة والذاكرة، ويدفع باتجاه امتلاك قوة تحرر وتنقذ، في نسق مضاد.‏

وهكذا يستمر صراع، هو نتيجة منطقية وطبيعية للحياة، ويؤدي إلى وجود قوتين متعارضتين، أو بالأحرى متضادتين، لشخصيتين متمايزتين: القوة الغازية الرامية إلى فرض ذاتها ومصالحها وثقافتها، والقوة المغزوّة الساعية إلى التماسك والتحرر والتحرير وتحقيق الحضور بحيوية والمحافظة على هويتها وثقافتها ومصالحها؛ وتواكب مراحل الصراع تلك حربٌ خفية أو معلنة بين القوتين ذات أبعاد نفسية عاتية .‏

وهناك فرق أود أن أركز التوكيد على وجوده بين الغزو الثقافي والمثاقفة، أوجزه، مكرراً ربما، في الآتي:‏

الغزو: يحمل في طياته الرغبة في محوَ الآخر وإلحاقَه وفرضَ التبعية عليه ويقيم مع ذلك الآخر علاقة محكومة بنظرة فوقية عدوانية متغطرسة، نظرة من الغازي إلى المغزوِّ .‏

بينما المثاقفة علاقة إنسانية صحية- حضارية تقوم على الندّية، تتفاعل فيها الثقافات وتتواصل في إطار من الاحترام والتمايز وطلب الاغتناء والرقي، بما يكفل حضور الشخصية الثقافية للمتمايزين الذين تجمعهم وحدة المثاقفة وتسامحها، تلك القائمة على الحاجة إلى الآخر والاعتراف به واستشعار ضرورته، ضمن دائرتي الندِّية والاحترام في إطار التنوع الذي يغني الحضارة البشرية ويقيم صروحها؛ وهي - أي المثاقفة - حالة أخذ وعطاء في إطار الثقة والرغبة في التواصل والتقدم: أرضيتُها إنسانية، وغايتها الارتقاء والتطور واكتساب العلم والمعرفة وتحقيق نقلة نوعية في حياة الأمم والمجتمعات والأفراد، ومن المفترض أنها ليست محكومة بعقَد من أي نوع ولا بتسلط من أي نوع؛ في إطارها يمكن للمرء أو للشعب أن يردد مع المهاتما غاندي بارتياح واطمئنان قوله الشهير: " إنني أفتح نوافذي للشمس والريح، ولكنني أتحدى أية ريح أن تقتلعني من جذوري " .‏

وأنا من القائلين بوجود غزو ثقافي ذي خلفية تاريخية يمارسه الغرب المتصهين، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية، ضدنا نحن العرب؛ يعلنه ويغذيه ويدفع باتجاهه ويمارسه بقوة الكيان العنصري الصهيوني، الذي يحتل فلسطين العربية. وهو غزو ذو مشروع استعماري ـ استيطاني وأهداف ثقافية واقتصادية وأمنية، ويقوم على التفوق العلمي والتقني، والرغبة الاستعمارية في الاحتلال والسيطرة والاستغلال وتأمين المصالح بالقوة، وفرض الإلحاق والتبعية علينا بأشكال مختلفة، على حساب هوية الأمة العربية وخصوصياتها وسيادتها ومصالحها ومجالها الأمني والحيوي وحضورها القومي والحضاري ومستقبل أبنائها ودولها؛ وفيه رسيس من الصليبية ببعديها السياسي - الاقتصادي، والديني التعصبي المَرَضي، تلك التي كانت ومازالت تنظر إلى العرب والمسلمين وإلى العروبة والإسلام، نظرة يؤسس لها الجهل بهما والتجاهل المُر عليهما، ومجاوزة كل قيمهما وما قدماه لحضارة العالم من عطاء لا ينكره إلا الجَحَدَة ولا يتنكر له إلا الجهلاء والمرضى بالغرور والحمق وضيق الأفق .‏

ففي التاريخ الحديث، ومنذ عام 1882 مع احتلال البريطانيين لمصر استؤنفت نزعة القضاء على العربية والعقيدة الإسلامية، ومارس فيلهلم سبيتا SPITTA ووليم ولكوكس وسلدون ولمور وغيُرهم من أعلام الاستشراق الاستعماري دوراً تخريبياً لقيم الثقافة العربية وقيم العقيدة الإسلامية وتعاليمها، وأثرّوا تأثيراً مباشراً على شرائح المثقفين وعلى البنية الثقافية في المجتمع العربي في مصر على الخصوص، مازال يطفو على السطح الاجتماعي والثقافي من آن لآخر ويعبر عن نفسه بأشكال مختلفة * ) .‏

وانطلاقاً من الأزهر الشريف، الذي تولوا رئاسة تحرير مجلته كما تولوا القضاء والمرافق الثقافية والإعلامية والتوجيهية الأخرى في مصر،‏

بدأت الدعوات لنبذ العربية الفصحى بما حملت، والدعوة إلى الكتابة بالعامية، وأحياناً إلى استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني لتتم بذلك :‏

* قطيعة بين أجيال الأمة العربية وتراثها الثقافي بما في ذلك الشعر والفكر، وصولاً إلى التشكيك بالرواة وفترة التدوين ليصل التشكيك إلى الحديث الشريف والقرآن الكريم ـ مدخلين القرآن والحديث في سياق ما يصيب التراث الأدبي والفكري لرفع القداسة عنهما وإحداث القطيعة معهما كسائر ما يرمون إلى إحداث القطيعة معه من عقيدة الأمة وشأنها وحضورها التاريخي، بغية قطع ساق الشجرة العربية عن جذورها؛ وقد حقق الاستعمار الغربي ذلك في مجتمعات إسلامية عديدة مثل: تركيا ودول آسيا الوسطى ..إلخ. كما حقق نجاحاً ملحوظاً إضافة إلى ما بدأناه نحن، فيما يتعلق بقطع التواصل مع الجذر الثقافي العربي القديم، الذي يمتد من ظهور الإسلام إلى الألف العاشرة قبل الميلاد ـ حضارة سهل نَطُوف قرب أريحا وامتداد ذلك إلى تل حَلَف شمال سورية اليوم مروراً بتل الغسول قرب دمشق ـ وهو يشمل حوض الحضارات العربية القديمة الذي أنشأته أمتنا في الجزيرة العربية التي من ضمنها تاريخياً بلاد الشام / العرب العموريون: أي الغربيون / كما يشمل المعطى الحضاري العربي في قديم العراق ومصر؛ وهو حوض حضاري عربي قدَّم الزراعة والاستقرار والكتابة المقطعية ـ المسمارية ـ والأبجدية الأولى في التاريخ ـ أبجدية أوغاريت ـ والمعطى الحقوقي الأول ـ شريعة حمورابي ـ والاعتقادي والأسطوري والتوحيدي الأول أيضاً في التاريخ البشري ـ الإينوما إيلش وتوحيد أبينا إبراهيم الخليل ـ وهذا هو حوض حضارة العرب الذين ما انقطع تواصلهم ووجودهم في هذه الأرض وأداؤهم الحضاري المتميز فيها وإبداعهم واستمرار أدائهم بإبداع على مر العصور.‏

* تبعية للثقافة الغربية التي ستدخل ساحة الفعل التربوي والتثقيفي بعد إفراغ تلك الساحة من معطيات الفكر العربي - الإسلامي ومقوماته وعطاءاته عبر التاريخ .‏

* كما بدأ، بشكل مواكب، التشكيك بالرواة ابتداء من الشعر الجاهلي / ليصل الأمر إلى التشكيك بفترة التدوين كلها، بما فيها القرآن والحديث، والاجتهاد والفقه اللذين تليا ذلك وبنيا عليه؛ لأن الاستهداف مازال قائماً لدى من يعادي الثقافة العربية - الإسلامية، ومن سبل تنفيذ ذلك الاستهداف: إحداث قطيعة مع الماضي بعد تشويهه وبفعل ذلك التشويه، الذي يبدأ بتحقيق مطاعن في المصداقية وفي المنهج، وصولاً إلى الشك والتشكيك بالنصوص الأصول، وما ترتب عليها وعلى قراءتها وتفسيرها من اعتقاد وفقه وقيم وتعاليم؛ ومن ثم نقض ذلك البناء الثقافي المتكامل ومنعه من أن يتطور مع مرور الزمن ومن أن يبقى حاضراً ومحترماً ومؤثراً عبر الزمن بقدراته ومعطياته؛ في أثناء التواصل والتفاعل مع الثقافات، إغناء واغتناء، حاملاً هويته ومقومات تلك الهوية وملامحها، وقدرته على تأكيد الهوية والأصالة إبَّان سيرورة المعاصرة .‏

وقد عمل الاستعمار الغربي، والغزو الثقافي الذي شكله واستمر يمارسه بأشكال مختلفة، عمل على التشكيك بهذه المقومات، وتضافرت جهود الشرق والغرب الأوربيين وأتباعهما، في فترة طويلة من الزمن، على التشكيك بوجود أمة عربية وقومية عربية وهوية، وعلى تمزيق كل الروابط الممكنة بين أقطار أمتنا وأبنائها؛ وتم تركيزٌ خاص على بعض المناطق والأقطار والطوائف؛ حتى غدا لسان حال بعض المصريين يقول بلسان لطفي السيد ـ الذي كان كغيره من شريحة مثقفين مصريين، يرفض القومية العربية ويقول بالقومية المصرية، ويعنيها عندما يذكر القومية مطلقة ـ يقول:" لا تحدد الأمة على أساس اللغة أو الدين، بل على أساس الأرض "؛ وهو لم يفكر بأمة إسلامية أو عربية بل "بأمة مصرية، أمة القاطنين أرض مصر. "(1) "‏

ومضى التشكيك إلى كل مقومات القومية العربية على الرغم من أن تعريف الغرب ـ الذي يسترشدون بنظرته ونظرياته ـ للقومية وتحديده لمقوماتها ينطبق على قوميتنا العربية وأمتنا، ولكن التجاهل لذلك كله كان مقصوداً. فـ " تينان " وأتباعه، على سبيل المثال، يتجاهلون ما يقولون عندما يتعلق الأمر بالعرب، فهو يقول " الأمة هي الاشتراك في الأمجاد في الماضي وإرادة واحدة في الحاضر، وإتيان الأعمال معاً والعزم على الإتيان بالمزيد منها " وهذا هو واقع الأمة العربية في الماضي، وهذه هي رغبة الشعب العربي المشتركة في الحاضر، التي مزقتها وتمزقها الأنظمة بحكم ما ورثت وبوحي وتخطيط وتدبير من الاستعمار، الذي يركز غزوه على المواقع الوجدانية والروحية والقومية والعقيدية التي تجمع أبناء الأمة العربية .‏

وهذه هي حالنا مع الغرب والصهيونية، اللذين يمارسان علينا، بالدرجة الأولى، وعلى سوانا من الأمم بالدرجة الثانية، غزوا مكشوفاً معلناً، أهدافه واضحة منها :‏

1ـ تحقيق المصالح. ومصالح الولايات المتحدة الرئيسة في المنطقة هي " النفط ـ " إسرائيل" وهي حامية لمصالح أيضاً ـ أسواق المواد الأولية والأسواق الاستهلاكية بما فيها سوق السلاح.‏

2ـ الاستئثار بزعامة مطلقة تحرك العالم وتسخره وتسيطر عليه .‏

3ـ نشر أنموذج السلوك وكذلك أنماط الحياة والقيم، الخاصة بها، في العالم؛ وفرض ذلك على الآخرين. وقد أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش في خطابه أمام مجلسي الكونغرس بعد نصره في حرب الخليج الثانية، أعلن من موقع القوة المتغطرسة ما معناه: " أن القرن القادم سوف يشهد انتشار القيم الأميركية ونمط السلوك والحياة الأميركيين في العالم "؛ وهذا غزو صريح أو إنذار بغزو صريح لثقافات شعوب العالم وخصوصيات شعوبه ومصالحها، انطلاقاً من شعور التفوق وامتلاك القوة، وهو ينطوي على نزوع استعماري صريح؛ وسواء أتم ذلك تحت مظلة العَوْلَمَة وما تُجِنُّه وتضمره باسم التحديث والحداثوية، أو تم باسم الأمْرَكة والصهينة وتحالفاتهما تحت مظلة " السلام " وما يحتاج إليه ويقتضيه من تطبيع وتطويع وتركيع، فإن النتيجة واحدة. (2)

في حالنا هذا مع القوى المتغطرسة ومنطق الغزو، يقول لنا الحداثيون/ القدماء منهم والمحدثون ـ وهنا أعود قليلاً إلى ما أشرت بإمكانية العودة إليه مما تقول به حداثةٌ وما يُقَدَّم مفهوم لها / من المفصحين عن أهداف الغرب، الناطقين بلسان العرب :‏

ـ إذا أردتم أن تتقدموا، وأن تمتلكوا التقانة وتدخلوا العصر، فعليكم أن تهجروا كل ما يعيق تقدمكم ويمنعكم من ذلك، وهو: اللغة العربية والقومية العربية والإسلام، فالحداثة لا تُكْتَسَبُ إلا مع لغتها وقيم مجتمعاتها وأنماط عيش تلك المجتمعات، ومع الأيديولوجيا التي وفَّرت شروطها وأدَّت إليها * .‏

وهكذا يتضح ـ حسب هذا المنطق ـ أن كل شكل من أشكال التقدم أو التحرر مرهون بالتنازل عن الهوية والشخصية والعقيدة والسيادة، لأن الآخر الغازي يريدك بلا وجود حيوي، وبلا أهداف مغايرة لأهدافه، وبلا تكوين مستقل، وبلا وعي بذاتك لذاتك، وبلا مصالح أو أهداف تتمسك بها وتدافع عنها، ليعدَك بالتقدم والمعرفة وليمنحك صفة المتحضّر أو " هوية حضارية "، وليدخلك في المجتمع الدولي والمجتمع العالمي؟!! وإذا دخلت برنامجه وسرت في الطريق التي يرسمها لك، ستجد أنك الخادم الذي يمسح البلاط تحت أحذية أولئك السادة لا أكثر ولا أقل؛ لأنهم بكل البساطة يكونون قد جردوك من ذاتك وحوَّلوك إلى جسد بلا روح، إلى كائن بلا هوية أو شخصية ،وإلى طاقة استهلاك وإنتاج يحركونها هم كما يشاؤون، وبذلك يجعلون من أنفسهم رأساً وقلباً ومنك أطرافاً يحركها الرأس لخدمة أغراضه؛ وماذا يفيد ابن آدم إذا ربح العالم " المادة " وخسر روحه، كما قال السيد المسيح؟!‏

وبعد: ليس صحيحاً بأي حال من الأحوال الادعاء بأن الحداثة بمراحلها لا تُمتلَك إلا بتنازل شخص أو أمة أو شعب عن لغته هويته وخصوصيته ومقومات شخصيته، وعن انتمائه أو عقيدته؛ فالعلم، الذي تترجمه التَّقَانَة إلى إنجازات وتجهيزات ومعدات، وكذلك التقانة ذاتها ليسا ملكاً لعرق أو لغة أو ثقافةٍ أو أمةٍ، وإنما هما مشاع بين المقتدرين على امتلاكهما وعلى الإبداع في مجالاتهما من بني البشر أيّاً كان انتماؤهم واعتقادهم ولغتهم .. والتاريخ يشير إلى تقدم الأمم والشعوب في مجالات علمية وتقنية عديدة، وإلى مساهمتها في التقدم الإنساني والحضارة بأشكال مختلفة، كما يشير إلى انتقال علم أشخاص إلى أشخاص آخرين وعلم أمة إلى أمم أخرى دون أن يتنازل أولئك الأشخاص أو تتنازل تلك الأمم عن لغاتها أو عقائدها أو شخصيتها الثقافية وانتمائها القومي ومصالحها؛ فنهضة أوروبا العلمية قامت على علم العرب المسلمين ـ بقي كتاب القانون في الطب لابن سينا مثلاً هو المرجع الأساس في كليات الطب الأوربية حتى القرن الثامن عشر، وبقي علم جابر بن حيَّان في الكيمياء والخوارزمي في الرياضيات وعلم ابن الهيثم في البصريات وعلم علماء الفلك من العرب والمسلمين هو الأساس والمرجع لنهضة أوربا العلمية كلهاـ وبقيت أوروبا مع ذلك تملك لغاتها وخصوصياتها القومية ولم تتحول إلى الإسلام، وهذا على سبيل المثال لا الحصر* ).‏

إن قوميتنا العربية لها مقوماتها وقيمها وشخصيتها وحضورها وتاريخها العريق وهويتها الثقافية والحضارية، ولسنا على الإطلاق مشروع أمة أو مشروع قومية أو مشروع هوية، كما أننا لسنا قومية عنصرية لمجرد أننا نعتبر اللغة العربية أحد مقومات قوميتنا وأهم عناصر وحدة أمتنا ومن المكونات الرئيسة لشخصيتنا الثقافية، تلك التي نعتز بها وندافع عنها ضد أشد أشكال الغزو والإلحاق والمحو عنفاً وتعصباً؛ بل إننا أبعد ما نكون عن التعصب العرقي ومفاهيمه وممارسته. ومفهوم العروبة في صيغته القومية مفهوم معرفي متسام كما قدَّمه لنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأوصانا به حين قال في حديث شريف ورد في الصحاح: " أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد ، ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم ، العربية لسان فمن تكلم العربية فهو عربي ."‏

ولأننا نعتبر الإسلام عقيدة الحاضر والمستقبل ونعتز بالانتماء إلى رسالته وحمل تلك الرسالة تاريخياً ونشرها في الأرض .‏

ولأننا نعتبر الوطن العربي مساحة ثقافية واجتماعية واقتصادية وجغرافية واحدة تامة ومتكاملة، ومن حقها كما أنه من مصلحتها أن ترفع الوحدة هدفاً وتسعى إلى تحقيقها .‏

ولأننا نطالب بأرضنا وحقوقنا المغتصبة في فلسطين، ونستنهض الهمم، بالوعي القومي والمعرفي والعلمي والتقني، وصولاً إلى تحقيق تلك الأهداف؛ والتصدي بنجاح للعدو الصهيوني الذي يحتل أرضنا ويريد أن يغتصب مقدساتنا وحقوقنا ويدمر مقومات هويتنا؛ حيث يكون ذلك هو مدخله إلى تدمير الشخصية والوعي والذاكرة والوجدان، ومن ثم التوطُّن والتوسع التامين في المنطقة والهيمنة عليها، مطمئناً إلى نسياننا للحق والذات وفقداننا للمصلحة ولمقومات الوجود بمعناه الحيوي .‏

ولأننا نرفض التبعية والامحاء، ونتمسك بحقنا المشروع في أن نكون، وأن نعد أنفسنا لخوض الصراعات والتعامل مع التحديات التي تطرح نفسها علينا، من موقع الواثق من قدرته على المواجهة، المؤمن بأنها السبيل الأمثل لحماية الوجود والهوية والوطن وتحصين ذلك كله بالوعي المعرفي والعلم والإيمان والعمل بوحي منهما، لأن قوة الحق لا تغني عن القوة بل تستدعيها بكل الجدية والسرعة. لأننا كذلك نحتاج ، أكثر من أي وقت مضى ، إلى التمسك بهويتنا وحقوقنا وثوابتنا المبدئية والقيمية والقومية التي يحاول العدو ومن يتعاونون معه طمسها وإضعافها ليكون هناك اعتراف وتطبيع وإعادة تكوين للذاكرة والوجدان العربيين ، بما يحقق للعدو الوصول إلى أهدافه كاملة.‏

وأجد ضرورة لوقفة سريعة عند بعض ما ترمي إليه دعوة التطبيع وسياساته من أهداف وما تؤدي إليه من مخاطر تتوسل إليها بالتربية الاجتماعية بشكل عام مع التركيز على التربية والتعليم من خلال المناهج بشكل خاص؛ ذاك الذي يوظف له جهد مثقفين وإمكانيات وقوى متعددة، تعتمد على أداء ثقافي متعدد الجوانب والأدوات والوسائل.‏

فالتطبيع3 سوف يعني أو سوف يؤدي إلى:‏

1 ـ إزالة كل الحواجز، المادية والمعنوية، التي كانت تجعل من "إسرائيل" كياناً غريباً عن المنطقة منبوذاً منها، ليس له مستقبل فيها ولا حياة ولا حق. الأمر الذي فتح ويفتح الآمال العراض أمام الكيان الصهيوني وأطماعه وطموحاته، فيمكنّه من التوسع الشامل، أفقياً وشاقولياً، مادياً ومعنوياً، في غزوه للعرب، وفي التأسيس لمراحل قادمة من مشروعه المستمر: "إسرائيل" الكبرى ثم "إسرائيل" التوراتية، جغرافياً واقتصادياً وأمنياً، حسب الإمكان .‏

وهذا يعني عملياً: توفير كل مقومات الحياة الطبيعية لجسم غريب زُرع في جسم كان يرفضه، وتمكين هذا الجسم الغريب من التغذِّي والنمو على حساب الجسم الأصلي ؛ إنه تطعيم تام لشجرة بطعم يغيّر ثمرها وهويتها، ويجعل جذرها القوي يخدم طُعْمها الذي يزيدها هُجْنَة.‏

2 ـ إلغاء كراهية العدو المغتصب، أو إلغاء مسوّغات تلك الكراهية مع استمرار الاغتصاب، وتقديم العدو كصديق طال مدى " ظلمه " و " سوء فهمنا لـه " ؛ بل إن البعض يذهب إلى حدود " الشفقة على "إسرائيل" العنصرية لأن العرب تأخروا في فهم حقها ومشروعية وجودها ؟؟! وأن عليهم أن يكونوا حضاريين، وأن يذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك الاعتراف البارد.‏

3 - تحويل جهد بشري ـ عربي كبير، من العمل على تكريس حقائق تاريخ العرب والتاريخ الموضوعي للمنطقة، وتربية الأجيال على تلك الحقائق وتهيئتها لاستعادة حقوقها، تحويل ذلك الجهد إلى العمل على تشويه حقائق التاريخ وتثبيت التاريخ المشوه، والعمل على زرع المعطيات " الجديدة "‏

على أنها " قناعات "، مع ما يرافق ذلكَ من ضخ معلومات ملفقة، وما ينتج عنه أو يحدثه من خلل روحي ووجداني ـ خلقي عام، يؤسس لتشويه تكوين أجيال وتطلعاتها وطموحاتها وقيمها، ويؤدي إلى انعدام الثقة، وضياع المفاهيم والقيم والمعايير ومعالم الشخصية والهوية .‏

4 ـ خلق مناخ ملائم تنمو فيه تربية مريضة وعلاقات مريضة، وهيمنة للعدو، وقبول بحالة العدوان. مما يرسخ إحساساً بالدونية، وإحساساً بانعدام الكرامة، ويروِّج لها بأسماء مختلفة. أي إشاعة حالة من الكذب على الذات لا تلبث أن تكرس ازدواجية الوجه والقناع في حياة الناس، وتُحِل قيماً وسلوكاً سيئاً محل قيم وسلوك طيب فيهم. وهذا الجرثوم الفتاك من جراثيم الفساد لا يلبث أن يفتك بالمقومات السليمة للنفس والفرد، ومن ثم بعلاقات المجتمع وقيمه، ثم بالمجتمع ذاته، ملغياً ما يمكن أن يكونه أو أن يحققه.‏

5 ـ خلق طفيلية مالية تنشأ بسرعة، وتؤثر بسرعة وتنشر قيمها بسرعة أيضاً، وتصبح عنواناً للمجتمع الجديد أو "الشرق أوسطي " حسب التعبير المطلوب ترويجه ؛ طفيلية تقدم "أنموذجاً يُحتذى " من قبل الآخرين، وهو أنموذج فاسد مفسد لا يقيم قوام الناس على أساس من العمل السليم أو التوجه السليم .‏

لقد اُقترِح درس لمنهاج الصف السادس الابتدائي، في إطار التطبيع القائم بين المملكة الأردنية الهاشمية والعدو الصهيوني بعد اتفاق وادي عربة يحسن بنا أن نتوقف عنده قليلاً للتأمل:‏

[ داود وعبد القادر وأحمد يملك كل منهم حقلاً مجاوراً لمنبع ماء فإذا قام داود بالاستيلاء على الماء فإنه يحرم أحمد وعبد القادر من ريّ حقليهما ولن تنبت فيهما المزروعات وإذا قام أحمد وعبد القادر أو أي منهما بالاستيلاء على منبع الماء وحرما داود منه فإن حقله لن ينبت المزروعات أيضاً وسيصاب بالجوع والعطش والطريقة المثلى هي أن يتعاون كل من داود وأحمد وعبد القادر للاستفادة من الماء واستثمار حقولهم بشكل إنساني وحضاري من دون خصومات؛ وهكذا يقدَّم للطفل في المرحلة الابتدائية درس يخاطبه بإنسانية ويقدم لـه منطقاً مقبولاً لتعايش وتعاون وتنسيق واستقرار لكل من داود وأحمد وعبد القادر أي "إسرائيل " والدول العربية الأخرى المجاورة.(4)

ويغفل هذا الدرس ببساطة كل الحقائق المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني ليقفز فوقها متجاوزاً الحقائق الآتية :‏

1 - أنه لم يكن لداود أي حقل أصلاً في المنطقة وأنه اغتصب الحقل أي أرض فلسطين وطرد أهلها منها.‏

2 - أن أصحاب الحقل الأساسيين الذي اغتصبه داود الفلسطينيين ) ما زالوا مشردين ولا يملكون أي حقل ومن حقهم أن يعودوا إلى أرضهم.‏

3 - أن داود الذي اغتصب حقلاً بالقوة، ما زال يملك القوة ويهدد كلاً من أحمد وعبد القادر ويضع البرامج للاستيلاء على حقليهما ويأخذ كل حاجته من الماء بصرف النظر عن ماضيهما لأنه يملك السلاح .‏

4 - أن أحمد وعبد القادر لا يملكان ما يدافعان به عن نفسيهما وحقليهما وحقوقهما وملكيتهما من الأرض والماء والماشية، وكل ما لديهم رهينة عند داود .‏

وفي ظل وضع كهذا لا توجد معطيات إنسانية وحضارية ولا توجد عدالة، ولا بد من التوجه بخطاب تاريخي وواقعي وعادل يربَّى عليه الأطفال وهو ما تريد اتفاقيات الإذعان تجاوزه باسم السلام ).‏

5 - فلنتصور موقف المعلمين والمدرسين أمام خريطة للوطن العربي فيها إسرائيل مكان فلسطين ماذا سيكون موقفهم وماذا سيقولون لطلابهم وما هي العلاقة التي ستكون بين طالب وأستاذ عندما يغيِّر الأستاذ الوقائع والحقائق والمعلومات التي كان يلقنها للطالب قبل سنوات، إن الثقة والمصداقية والهيبة كل ذلك سينهار ؛ كذلك الأمر فيما يتعلق بتدريس وقائع التاريخ الجديد الذي سيقدَّم على أرضية اتفاقات الإذعان .‏

أما في مجال التربية الدينية فسوف تغفل كل الآيات القرآنية والأحاديث التي تتصل باليهود وسيكون هناك إمكانية للتدخل من قبل " إسرائيل " في أية مناهج ودروس أو تربية وقيم ترى فيها تأسيساً لتكوين عربي يقدم قيماً مستقاة من التراث والعقيدة والواقع والتاريخ بحجة أنها تمس بكلام أو تشجع على العداوة. ولا بد من الإشارة إلى أنه منذ اتفاق كامب ديفيد ومصر تغفل التركيز على مثل تلك الآيات والأحاديث وحوادث التاريخ سواء في المناهج أو في وسائل الإعلام تطبيقاً لتطبيع رسمي بصرف النظر عن موقف الشعب نفسه .‏

وهذا الذي يسعى إلى أن يصبح واقعاً تفرضه قوة السياسة القوانين والأمر الواقع في بعض الأقطار يستدعي منا أن نواجه حقائقه وحقائق الواقع العربي بشكل عام، ذاك الذي لا مناص من أن يتغير فيه الشيء الكثير ليمكِّن من التغيير أو ليبشِّر به.‏

فالواقع الذي لا بد من أن نتجاسر وننظر إليه نظرة قوامها الاستيعاب والتمحيص، وندقق في تفاصيله بشجاعة ومسؤولية، على الرغم من قتامة المنظر، واقع ينضح مرارة وكآبة ولكنه يزخر بالإمكانات، ويكاد ينعدم فيه توظيف واع عبر تكامل شامل لتلك الإمكانات ؛ الأمر الذي يجعل الإمكانية المرشحة لتكون عامل قوة وبناء، معرضة لتغدو عامل ضعف وهدم وفناء.‏

وذلك الواقع في مستوياته المختلفة: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، يشكو من أمراض وأورام وفساد، وما زالت فيه إمكانية للإحساس بالألم ورفع الصوت تعبيراً عن الوجع والغضب، فهو لم يمت فيه الإحساس بعد. ولما كان الجسم الضعيف لا يقاوم المرض، فمن باب أولى ألاّ يملك القوة اللازمة للعمل والإنتاج ولردع القوة التي تستخدم لردعه وقهره ؛ وعندما يزداد ضعفه يصبح بؤرة تتكاثر فيها جراثيم الضعف فتزيده هزالاً وتآكلاً وتفسخاً .‏

1 - فالبنية الاجتماعية تشكو، في أقطارنا العربية، من ظاهرة تكاد تكون عامة، هي ظاهرة فقدان المعيار الخُلُقي _ القيمي السليم الذي يحكم السلوك والعلاقات والصلات بين الأفراد والأسر والجماعات، ويكوِّن العمود الفقري لضمير فردي وجمعي حي، يعرض الفعل على محكمة ذات وجود ونفوذ _ إلاّ فيما ندر من الأماكن في الوطن ـ ولا يتوقف تأثير ذلك عند حدود. فالكيان الروحي للفرد والأمة يتآكل في مثل هذا الوضع، وتصبح المثل العليا والنماذج القدوة، في التضحية والسلوك والبطولة، مثل تماثيل الجاهليين التي صنعت من التمر، في معدات أتباعها بعد أن كدّهم الجوع، وتنحسر الطموحات والتطلعات، وتتقوقع الإرادة وتتراجع وتضمر، وتضعف النفوس، وتنمو القابلية لتسويغ المنقَصَة والمذلة والهزيمة وأشكال الخواء الروحي والعقلي والاجتماعي، وتصل إلى أفضل مستوياتها في الأداء السلبي.‏

وبنية اجتماعية وروحية كهذه، يزداد فيها استعداد الفرد للاستهلاك والتقليد والإتباع، ويقل في مناخها إنتاجه كما تقل مبادراته، بَلْه إبداعاته ؛ وتراه يستسلم في ظلها شيئاً فشيئاً لإحساس يشتد في أعماقه بعدم الجدوى من بذل أي جهد للَّحاق بالمتقدمين والمبدعين والمعاصرين، فيدمن تقليدهم ومجاراتهم في استهلاك ما يستهلكون، ويدخل من هذا المدخل وسواه إلى ساحة الإحساس بالدونية ويعكف على تسويغ ذلك وإدمانه ؛ وربما لاحظ في لحظات قدرته الفائقة على التسويغ، وربما أطل في لحظات أيضاً ورأى عمق الهوة التي يشارك هو في صنعها، تلك التي أصبحت تفصله عن الواقع والعصر ؛ ولكنه لا يلبث أن يستسهل السهل، بدلاً من أن يتحدى الصعب بطموح وعمل يوصلانه إلى حيث مراتب النفوس الكبار، أقول يستسهل السهل ويبقى حيث هو .‏

وإذا محصّنا شرائح من البُنَى الفردية أو الاجتماعية، وجدنا، بين نسيج ونسيج، فيضاً من الإحباط المتعدد المصادر والمنابع، يشكل طبقة عازلة تحول دون تلاحم نسج الكيان تلاحماً يمكّنه من استعادة حيويته وإحساسه بقدراته وبالواقع المحيط به، ومن تقدير احتياجاته للخروج من شرانق تُنسَج من حوله.‏

أ- في التربية والتعليم فيض من الإحباط يمتد بين الأسرة والجامعة، ومن سن الطفولة إلى سن الرجولة، ويكمن في المناهج والطرائق والوسائل والمعلومات، وفي أساليب الممارسة والتعامل، عندما ينتقل المرء من ميدان التعلم إلى ميدان العمل في الحياة.‏

وإلى جانب معلوماتنا التي تتضخم فيها الجوانب النظرية، تقف شعاراتنا السياسية والفكرية التي تتابع طريقها بنا، وتزيد الهوة عمقاً واتساعاً بيننا وبين النظرية والممارسة، الشعار والتطبيق العلمي له، في واقع الحياة .‏

ب- في محيط الأسرة يَلْبَسُ الشخص قناعاً، وفي محيط العمل يَلْبَسُ قناعاً آخر، وحين تكون الأسرة أو الشخص في محيطهما الاجتماعي، يكون لها أو له، سلوك وعادات واعتبارات أخرى، هي بمثابة القناع الذي لا يلبث أن يغيره ويصنع سواه في محيط آخر ومجتمع آخر وفي زحمة هذا التغيير والتلوين يكاد لا يعرف المرء والمجتمع له وجهاً من قناع.‏

ج- بين العمل والعبادة تكاد حجب كثيفة ترسل، عند أشخاص كثر وفي شرائح اجتماعية كثيرة، وفي أوساط أخرى هناك جدار بين المرء والعبادة وبين المبادئ والتعامل. شخصان على الأقل في كل منا، واحد " مهذب " إذا ما ذُكرت الأخلاق والعقيدة والمبادئ والشعارات، وواحد مغاير تماماً، صفه كيف شئت وتخيله بإبداع، إذا ما ذُكرت المصالح والمنافع والسلطات والطوائف والحزبيات والعصبيات المريضة.‏

والسعي وراء " أمن من جوع وخوف " يطحن معظم الناس في معظم الأقطار، إن لم أقل فيها كلها، ويفعل فعله قبل ذلك كله وبعد ذلك، ويصنع لنا تصاوير يومنا وتلاوينها، ويمنح لوجوهنا " ملامحها" في كل صباح، وعند كل واقعة أو إنذار أو صيحة شعار.‏

وعلى عتبة التزاحم المر على متاع الدنيا ؛ الذي رفعته حياة، غابت فيها الروح وحضرت المادة، إلى مرتبة الهدف السامي ؛ تسقط مثُلٌ كثيرة ونفوس كثيرة وطموحات وأحلام وقيم وتطلعات، وفي النهاية، تسقط أوطان ونسقط معها ؛ نبحث في الوحل الذي سقطنا فيه عن كرامة ووجه وروح، ولات حين بحث أو ندم، فمن نكون عند ذلك لنبحث عن "نحن"؟!؟‏

2 _ والبنية الاقتصادية تراوح في أقطارنا العربية بين التبعية والنهب والضعف والاستلاب، ولا يوجد أمل لاقتصاد أي قطر عربي في أن ينمو ويزدهر ويحقق كفاية واكتفاء، في حدود قطره لمواطني ذلك القطر ؛ ومعظم السياسات العربية تقول ذلك، ومعظم الخبراء يقولون هم والسياسيون: إن إنقاذ اقتصاد الأمة العربية يكمن في تكامل ذلك الاقتصاد، ووجود سوق عربية مشتركة، وإنتاج على مستوى قومي يستطيع أن يحقق حضوراً وإنتاجاً نوعياً، ومزاحمة في الأسواق، وكفاية لحاجات الناس ؛ ولكن شيئاً من ذلك لا يتحقق. ونخوض في بعض أقطارنا خضم الجوع ونجر نير الحاجة ولا نقول لأخ لنا: لا حياة لنا إلا بك ولا حياة لك إلاّ بنا. في حين نقول ذلك للذي يأتي من خارج الوطن ومعه كيسُه وسيفُه، ونعرف أنه سوف يستغلنا، نقول له ذلك بعيون مغرورقة بالدموع، دموع الفرح والرجاء والثقة والشكر؟!؟.‏

في الأقطار العربية يخضع الاقتصاد القطري لتبعية من نوع ما لبلد أو لبلدان غير عربية، ويخضع لاستلاب من نوع ما أيضاً، ولا يكاد أحد يرفع صوته احتجاجاً نافعاً فاعلاً على ذلك ؛ في حين تصبح للعربي، إذا ما تعامل مع العربي وتبادل معه المنافع والمصالح، أنياب وأظافر، ويُسمع له صوت زئير يعلو، ويثرى لـه فعل يصل إلى حدود التفنن بأنواع الإساءة والقتل والفتك !! وفي الأقطار العربية تجارات رائجة ولكن لا يمكن أن ترقى إلى أي شكل من أشكال المقارنة، إذا ما قيست إلى ما يتم بين أقطارنا العربية وبين البلدان الأخرى من تجارة، إذ لا يكاد يصل حجم الميزان التجاري بين قطر عربي وآخر إلى 10% من قيمة تجارة أي بلد عربي!؟‏

في البلدان العربية الغنية منها والفقيرة أموال مودعة في المصارف الأجنبية، وأموال مستثمرة في أماكن شتى من الكرة الأرضية؛ ولكن نسبة قليلة من المال العربي تستثمر في الوطن العربي. وليس هذا الأمر وقفاً على الدول العربية الغنية، بل ربما كان العكس صحيحاً، إذ أن النسبة الأعظم من أموال المالكين في بلدان عربية فقيرة تودع خارج الوطن العربي، وتُسْتثمر خارجه، وعلة ذلك تكمن في الأمان والاطمئنان، وفي أمور أخرى، ذوو الشأن بها أعرف وأخبر وأدرى ؛ ولكن معاناة الناس البسطاء من ذلك كله نحن بها أعرف وأخبر وأدرى: فكم من الأسر وكم من الأطفال وكم من المحتاجين، وكم من مؤسسات البحث العلمي والجمعيات الإنسانية تحتاج إلى ما يبقي نبض الحياة فيها مستمراً، ولا أقول أو بالأحرى لا أذكر، حقها في التطلُّع إلى امتلاك القدرة على الحياة والتقدم والسعادة والمزاحمة، في ميادين العصر المختلفة .‏

وفيما يتعلق بالضرورات التي أراها ملحة لمصالح الإنسان العربي أشير إلى:‏

أولاً - احترام حرياته وحقوقه الأساسية، السياسية والاجتماعية، في إطار الشريعة والتشريع، دونما ذرائعية ترمي إلى استلاب يتم بشكل مباشر أو غير مباشر، ويكون لمصلحة الأنظمة أو لمصلحة الحكام. ولا يتحقق احترام للإنسان من دون احترام لرأيه وحريته ومشاركته في القرار، حسب قدراته، وفي حدود ما يرسمه الدستور والقوانين؛ التي تراعي أحكام الدستور، والأنظمة واللوائح التي لا تخالف تلك القوانين. واحترام الناس فيه احترام للوطن، وقوة له وفيه طاعة الخالق بتنفيذ أمره وشرعه وتعاليمه، وتقوية للدولة وللحاكم الشرعي الذي يقوى بقوة شعبه، ويرتفع مكانة باحترام الشعب له .‏

والمواطن الحر يصنع الحرية الوطن ويدافع عنها وعنه، ويجدد معنى الحرية ويوسع أفقها بالوعي الذي تغنيه الممارسة وتصقله. والحرية ليست عبئاً على الحكومة حتى في البلد النامي أو المتخلف، لأن كل عمل يقوم به المواطن، في نطاق ممارسته للحرية، يحمِّله مسؤولية، بحكم عيشه في مجتمع تحت سقف الوطن والقوانين الناظمة لحياة الناس ومصالحهم فيه، وهذا يجعل عيبه أو خطأه بوصفه مواطناً مكشوفاً ومداناً، بموجب القانون، ومن قبل الناس أيضاً، ويجعل أية حكومة، تعرضه للمساءلة جراء ممارساته تلك، يجعلها في حل من أية اعتراضات وأحكام أخلاقية واجتماعية تطلق بوجه فعلها ذاك، لأنها تطبق قانوناً وضعه الناس لخدمة الدولة والناس، فهي تقوم بواجب ما دام فعلها لا ينصرف إلى الجور والقمع وتسخير القانون والدولة لخدمة شخص أو مجموعة أشخاص.‏

وانطلاق الحرية بموجب القانون يجعل الدولة والمؤسسات محصنة بجرأة المواطن على النقد، في حدود ما يمليه الواجب والمصلحة، وما يحدده القانون ؛ وفي هذا ضمان من استفحال الخطأ واستمراره من جهة، وضمان لتجدد وعي المواطن ويقظته ومسؤوليته وإحساسه بالشراكة التامة فيما يحدث من جهة أخرى، " فكلكم راع ومسؤول عن رعيته "، وكلٌ يمارس الجهاد وخير الجهاد، وكل يتابع بوعي ومسؤولية ما يجري، في نطاق العقد الاجتماعي الذي ارتضاه أبناء القطر والأمة، لقطرهم وأمتهم، بما يرضي الله والضمير ويحقق مصلحة الإنسان والوطن، وبما يُبقي على الحيوية ومقومات التقدم والحياة سليمة معافاة.‏

ثانياً - إتاحة فرص تعليم وتدريب عصريين أمام الطلاب والراغبين في تعلم الحرَف بأساليب نظرية وعملية تواكب ما يحققه تقدم العلم وتطور أساليب التربية والتكوين، على أن نعطي للتجريب والمبادرة حيزاً ومكانة، ونربط بعض مراحل التعلم والتدرُّب على المهن والحرَف بمردود يحققه الإنتاج، ليشعر المرء بالجدوى من جهة، وبالثقة والقدرة على الإنجاز من جهة أخرى، فنوفر بذلك دوافع وحوافز ظاهرة لبواعث كامنة، ونفسح المجال أمام إطلاق طاقات الفرد الخلاقة وانطلاقته البناءة، ونصنع مناخاً للإبداع في مجالات العلم والعمل.‏

وكم يكون مجدياً، وكم هو مفيد وضروري أيضاً، أن تنشأ مؤسسات في هذا المجال على المستوى القومي، تحقق خدمات للناس وللأقطار في هذا المنحى ... وكل ما يصرف على ذلك هو توظيف رابح للمال، من حيث مردوده الطويل الأمد على مناحي تكوين الإنسان وتقوية البُنَى الاجتماعية والاقتصادية والتقنية وحتى الدفاعية للأمة، وإقامة الصلات والعرى التي لا تنفصم بين أفرادها وأقطارها على أرضية المنفعة والانتماء معاً.‏

ثالثاً - إيجاد فرص عمل لطاقات وكفاءات تفتك بها الحاجة والفاقة والبطالة، ولفئات اجتماعية تشكو من بطالة أو عطالة ذاتية أو موضوعية، خلفتها ظروف عمل سيئة أو فقدان إمكانات وتجهيزات وبيئة تمكِّن من تطوير العمل وتطوير الذات ؛ والاستفادة من الخبرة لتفجير طاقة المرء على الإنتاج والاختراع والإبداع. ولا يمكن فصل هذا المطلب ـ الضرورة عن ضوابط العمل ونواظمه، ولا عن مقومات مناخ الإنتاج والاختراع والإبداع ؛ وأعني بذلك ضرورة إعادة النظر بكثير من أنظمة العمل وقوانينه في الوطن العربي، لا سيما بعد المتغيرات التي جعلت من سلطة " البروليتاريا " التي ورثناها محنطة، سلطة قائمة في موت القانون أو في قتله لروح العمل وعلاقاته النشطة، ولروح العامل وحرصه على تجديد ذاته وتطوير قدراته وإحساسه بالارتباط بعمله وبالمسؤولية حياله، وشعوره، ولو من باب الافتراض، بأنه مهدد إن لم يعمل بإخلاص، ويتطور بفاعلية تجعله قادراً على مجاراة روح العصر وهضم تقنياته ؛ بعد أن وصل العامل في أقطار عربية كثيرة إلى تواكل وتآكل أضرّا به وبسواه.‏

إن هذا الجانب يتصل اتصالاً وثيقاً باستخدامنا للآلة، وبحرصنا عليها، وصيانتنا لها، وامتلاكنا لأسرارها ومن ثم البدء بتصنيعها وتطويرها، والإبداع في مجالات الإتقان انطلاقاً من ذلك. والآلة أداة تقدمنا في العصر، وإن نظرة نلقيها على علاقات العمل والأنظمة التي تحكمها، وعلى علاقة العامل بالآلة وموقفه منها، وكيفية عمله، وحالته النفسية والروحية حين يُواجَه بتَقَانَة أعلى، كل ذلك كفيل بأن يضعنا أمام واقع لا بد لنا من مواجهته ومجاوزة صعوباته، إذا أردنا أن ندخل العصر بالإنسان، ونبقى مواكبين لمسيرة تقدمه وصيرورته بإبداع وإتقان واندفاع، وأن نتجاوز حالات التخلف والتفكك التي تنتعش بين ظهرانينا .‏

رابعاً ـ اهتمام بأسس تربية سليمة وأصيلة وعصرية وبمقوماتها وقيمها، تربية تخلص إنساننا من كثير من العقد، ولا تجعله بين خيارين إما رفض الهوية والخصوصية الاجتماعية للحاق بالعصر أو بما يقال له إنه التقدم، وإما تقوقع عبر الماضي بحثاً عن الذات وانصراف عن كل تجدد في الحياة والعلاقات من حوله !! وفي كل من الحالتين تصاب الأمة بخسارة، فلا المُنْبَتّ من جذره وبيئته وانتمائه وواقعه ينجح في خدمة الأمة ـ بشمول مدلول الكلمة ـ ولا المتقوقع في ما يتراءى له أنه الأصالة والصحة والسلامة ينجح في خدمتها هو الآخر على الوجه الأمثل، أي بالشكل المجدي في هذا العصر بمعطياته ومقوماته وأسلحته وتحدياته.‏

وليس أضرّ لنا في ما نأخذه من مناهج وأساليب وقيم تربوية من أن نعرف ونؤكد أننا: عرب ـ مسلمون ـ في القرن العشرين نربي أبناءنا لقرن قادم وعقود قادمة، ونحن في وضع ضعيف نواجه احتلالاً وعدواناً وحقداً مبيَّتاً ضد أمتنا وعقيدتنا، وأن خلاصنا يكمن في الاعتماد على الذات أولاً، وأن كيان القوة في الذات القوية هو: صلابة روحية وأخلاقية ـ وإيمان بالحق والوطن وثقة بالنفس وبالنصر ـ ومعرفة بما لنا وبمن نحن وبمن نواجه ـ وبحث عن امتلاك المعرفة وأسلحة العصر التي بها نبقى ونتقدم ـ ويقين بأننا لا نعاني من معوقات خَلْقية من أي نوع، تمنعنا من امتلاك التَّقَانَة والعلم والتطور، ومن تحقيق كل ما نصبو إلى تحقيقه ؛ والوصول إلى حالة من القوة الروحية والمادية تمكننا من تحقيق النصر لمبادئ وحقوق تستحق أن تنتصر، وأن تبقى مشعلاً في ليل البشرية .‏

وما أحوجنا إلى تعزيز الثقة بالنفس وبالأمة والعقيدة، وبهويتنا وخصوصيتنا القومية، على أرضية موضوعية من الوعي والمعرفة والمنطق والعقلانية.‏

وما أحوجنا إلى تبصير أنفسنا وأبنائنا وإخوتنا وأخواتنا بالعيوب والعلل التي تجعلنا ننهزم في مواجهاتنا المسلحة، وبعوامل التكوين التربوي والاجتماعي التي تعوق تقدمنا، وكل تلك أمور تستحق أن نعيد النظر فيها .‏

ما أحوجنا إلى معرفة الأصالة من حيث هي قيم ومقومات صالحة للبقاء والتقدم، وما أحوجنا إلى اكتساب دروس الحياة، وإتقان استخدام أسلحتها وأدواتها، وإتقان التعامل أيضاً مع الأقوام والأشخاص والظروف، بما يحفظ البقاء والحق والكرامة والهوية والتمايز لأمتنا.‏

وما أحوجنا، حتى نحقق شيئاً من ذلك ومما نرمي إلى تحقيقه من بعد، إلى تكوين المربين والمعلمين القادرين على قراءة حاضرنا وماضينا بعين العصر القادم علينا، بثقة واقتدار وإصرار ؛ ما أحوجنا إلى مراجعة جادة وصارمة للذات حول هذا الموضوع، لنرى كم قصرنا في تكوين أولئك، وكم هضمنا من حقوقهم، وفرطنا في مقومات مناخ العمل السليم الذي يحتاجون إليه، ليؤسسوا بكفاءة وصدق، مستقبلنا، من خلال تأسيسهم لتربة النفس والعقل والجسد، تربة الروح العالية للإنسان الذي يصنع المستقبل ويلوِّنه، بعد أن يستعد له ويمتلك مقومات التعامل معه بثقة واقتدار.‏

خامساً - الاهتمام بثقافة وإعلام لا يكونان تبعاً ولا يكوِّنان الأتباع. الاهتمام بثقافة تبني مقومات الإنسان وتستنبته في تربة الأمة بأصالة، وتغذوه القيم السليمة، وتلقنه المعرفة على أرضية من احترام المنطق والعقل والحقائق، وتبني فيه حب الحرية، وحس الكرامة، وصدق الانتماء للأمة والوطن، والولاء لقيم وثوابت وعقيدة ومعايير وحقائق، يرى في بقائها الأمة والوطن والمجتمع والذات، وفي دمارها دماراً له ولكل ذلك الذي يقيم حياته ويبقي جنسه.‏

والاهتمام بإعلام قادر على قول الحق وكشف الزيف وإعلاء شأن الدولة على شأن السلطة، وشأن السلطة على الفوضى. إعلام يجاهر بالحق ويواجه الخطأ، ولا يتعثر بين ركام المغالطات وهو يبحث له في سوق الكلام عن مشتر وسوق .‏

كم نحن بحاجة لاحترام الثقافة وتوظيفها لخدمة ثوابت الأمة والعقيدة، ومستقبل الأجيال والوطن والمعرفة، وكم نحن بحاجة لأن نستظل بظل سيوفها التي لا تثلم، ونحن نخوض أعظم الجهاد، ونحرر إرادة العباد وعقولهم وقلوبهم من تسلط وقهر، وننسج حول الأرواح، المرتعشة من سطوة التسلط والبغي، بردة أمان من جوع وخوف، باستخدام الكلمة والوعي المعرفي استخداماً شريفاً نظيفاً يحقق ما فيه مصلحة الإنسان والوطن والدولة والأمة.‏

فنحن نحتاج للدولة الشرعية العادلة المبنية على أسس شرعية وتشريعية، دستورية وقانونية، لأنها عندما تكون كذلك تكون لنا كلنا، وليس لفرد أو لأفراد منا، ولأنها عندما تكون كذلك تصون حرياتنا وكراماتنا وقدراتنا، لأنها ترى في ذلك واجبها من جهة وثروتها وقوتها ودرعها من جهة أخرى. ونحن نحتاج للفرد الواعي الذي يصنع تلك الدولة ويحمي مسيرةً تنميها، ويقيمها على الصلاح، حصناً للوطن والناس. ونحن نحتاج للدولة التي تعرف، بحس واقعي موضوعي عصري وبحس قومي ووطني نظيف وسليم، أنها لن تكون شيئاً ما لم تكن جزءاً من كل، يسند الكلَّ ويسنده الكل، وما لم تكن حلقة في درع الأمة، لأنه لا حياة في هذا العصر إلا لقوة ضلع يسند الضلع الأخ، ليقوم جسد يحمل أعباء العيش ويكرس وجود الأمة على أرضها إلى الأبد .‏

سادساً ـ وكم ينقصنا أن نتفهم علاقة ينبغي أن تصل إلى نوع من التكامل بين السياسة والثقافة، حيث يرى كل من السياسي والمثقف أنهما يعملان من أجل أهداف أسمى وأبقى وأهم من أشخاصهم ونزعاتهم وتنازعهم، وأنهم يبقون في ذهن الناس وتاريخ الأمة ما أخلصوا للناس وللأمة وما خدموا الحق باجتهاد وصدق، كل منهما ـ المثقف والسياسي ـ قد يخطئ ولكن حين يكون المعيار الذي يحتكمان إليه معياراً سليماً، وحين يكون كل منهما قادراً على الرؤية بحق وعلى رؤية الحق، أو لديه الاستعداد لأن يفيء إلى الحق إذا ما ذكّر به أو عرّف به، فعند ذلك تصبح العلاقة علاقة بناءة، وعلاقة بناء في صرح، هو للأمة ولكل فرد من أفرادها في آن واحد.‏

وربما كان داء التسلط والتمرد، الاتهام، والاتهام المضاد، والعنف والعنف المضاد؛ داء يمنعنا من رؤية الأهداف الأكبر والطريق الأسلم التي ينبغي أن نتوجه إليها ؛ وقد آن الأوان لنتخلص من ذلك حرصاً على شرف الحياة وعلى وجودنا فيها، وحرصاً على الأمة ومنزلتها بين الأمم.‏

لقد أشرت في هذه العجالة إلى بعض الضرورات التي لا بد من مراعاتها لنبني الإنسان العربي ونجعله أكثر مشاركة في بناء الحياة وفي خوض المواجهة والدفاع عن الذات، ولكن لا بد من أن أشير إلى أن تربيته وتكوينه ينبغي أن يكونا على أساس انتمائه للوطن العربي وللأمتين العربية و الإسلامية بما لهما من قيم ـ ذلك الانتماء الذي هو من الأهمية بمكان لا سيما في هذه الظروف ـ لأننا نريد أن نبني الإنسان الذي يبني وطن الجميع من أجل الجميع، والذي يؤمن بذلك ويعمل له. فلا بد إذن من نبذ تربية الجهل والفرقة والمقت والعداء، وتوسيع مدارك الأفراد ليعرفوا أن مصالحهم في لقائهم داخل سياج الوطن ـ الأمة والأمة ـ الوطن، وتعريفهم على حقيقة أننا كلنا مستهدفون: وجوداً ـ وعقيدة ـ وثروات ـ وحريات ودويلات قطرية، ما لم ندافع عن أنفسنا بكل ما نملك، وما لم يخض كل منا معركة الآخر وكأنها الدفاع عن الذات ؛ ودعوتهم إلى تربية الوجدان الجمعي وإنعاش الحس القومي النقي، الذي يمكننا من استشعار الود فيما بيننا ووقع المصيبة التي يصاب بها أي منا وكأنه في قلوبنا، وإدراك الخطر الوافد علينا، ذاك الذي ينبغي أن يستفزنا كأمة لنبني ونواجه ونتقدم، ويحمينا من شرور أنفسنا ومن الغير.‏

ومعنى هذا أن انطلاقة المثقفين ودعوتهم لمقاومة التطبيع ولرفض الاعتراف بالعدو الصهيوني، هي في الوقت ذاته دعوة لرفض التخلف والواقع المريض، ولرفض الطغيانية والفساد والقطعانية المفروضة على أبناء العرب في أقطارهم، ورفض لأساليب العمل والتعامل السائدة، ولانتهاك الحقوق والحريات العامة، ولكل ما يؤدي إلى قهر الإنسان أو ظلمه أو تغييب دوره وحضوره ووعيه وإبداعه ؛ ومن ثم فهي دعوة للعلم والعمل والإيمان على أسس مغايرة للسائد، ودعوة للاستفادة من كل تجارب الماضي، ولا سيما تجارب سنوات الصراع مع العدو الصهيوني، والسنوات الماضية من هذا العقد التي زلزلت الكثير مما كناه وبنيناه، وصولاً إلى استخلاصات تترجم إلى برامج تثقيف وتربية وتعليم وعمل، وإلى أساليب أداء وممارسات اجتماعية وسياسية وتثقيفية وإعلامية، تساهم في خلق المناخ الجديد والإنسان الجديد وأسلوب التواصل والتعامل الجديدين المجددين .‏

* ) - قال قاسم أمين: " من العبث تبني علوم أوربا بدون الاقتراب من منهل مبادئها الخلقية فالاثنان متصلان اتصالاً لا ينفصم، ولذلك علينا أن نعد للتغيير في كل ناحية من نواحي حياتنا " / الفكر العربي في عصر النهضة - ألبرت حوراني - ترجمة كريم عزقول منشورات دار النهار - بيروت 1968 ص 208 .‏

وقال الدكتور طه حسين: " .. ولا ينبغي أن يفهم المصري أن الكلمة التي قالها إسماعيل ـ يعني الخديوي إسماعيل ـ وجعل فيها مصر جزءاً من أوربا ، قد كانت فناً من فنون التمدُّح ، أو لوناً من ألوان المفاخرة ؛ وإنما كانت مصر دائماً جزءاً من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية ، على اختلاف فروعها وألوانها." مستقبل الثقافة في مصر الجزء الأول ص 26 ـ منشورات : مطبعة المعارف ومكتبتها بمصر/ 1/ 4000 / 12/ 1938 بيير فون 1937يوليو ـ مورزين فون 1938يوليو. وكأني بالدكتور طه حسين يريد أن يلغي نوعاً من الإحساس بالدونية كان يشاع لتكريس الغزو الثقافي الذي طغى عن طريق المماهاة بين "العقل المصري " والعقل الأوربي ليزيل تلك " العقدة"، فنوايا الدكتور طه حسين قد تكون طيبة ولكن أساليبه ووسائله مغلوطة تماماً. ويضيف الدكتور طه حسين " وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً قاطعاً أمام العالم ا لمتحضر بأننا سنسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع .. " المصدر السابق ص 36ـ37 و يضيف : " من أراد جيشاً أوربياً قوياً أراد تربية أوربية وتعليماً أوربياً يهيئان الشباب لتكوين الجيش القوي العزيز . " المصدر السابق ص 48 كما يضيف: " علينا أن نصبح أوربيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات .. علينا أن نسير سيرة الأوربيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها ويكره، وما يحمد فيها وما يعاب ".‏

ومن الملاحظ أن الدكتور طه حسين يسلم القياد كلياً للأوروبي، ويلغي كل تمحيص، ويقبل على الغرب إقبالاً تبعياً أعمى، فهل هذا يترك للمصري شخصية مصرية وقومية مصرية، بَلهْ شخصيته العربية - الإسلامية وانتماءهَ؛ وإذا كسب المصري تقليد أوروبا وأتقنه، فهل تراه يكون قد ربح نفسه أم خسرها ؟ ومن هو بعد أن يقوم بذلك سوى مقلد أعمى وتابع ذليل ؟ هل يعتقد أنه حينما يملك التقانة وشكل المدنيّة ويفقد منظوماته القيمية وتكوينه العقيدي وخصوصيته الاجتماعية، يصبح شيئاً نداً لأوروبا ؟! إنه يذكرني بقصة ذلك الزنجي الأميركي الذي ضاق ذرعاً بالتمييز العنصري وأراد أن يتخلص من لونه ليضع حداً لمعاناته ويصبح أميركياً أبيض، فوضع يده في الماء وحركها وهو يقول ثلاثاً: أنا أبيض أنا أبيض أنا أبيض؛ وعندما خرج إلى المجتمع وهو يظن أنه تبرأ من شخصيته ولونه، وجد البيض يعاملونه باحتقار، وأن التمييز الذي أراد التخلص منه ما زال قائماً... فثقلت عليه الأجوبة، وضاق به رحب الفضاء.‏

(1) - ألبرت حوراني - الفكر العربي في عصر النهضة ص 216.‏

(2) ـ أشار خبير دراسات التحديث الأمريكي سيريل إي. بلاك Cyril E Blak إلى أن :‏

كلمة "التحديث" تشير إلى: "إن زيادة انفجار المعرفة أدت إلى أشكال التطور التي نجمت عن عملية الإصلاح المستمر عبر التاريخ. ويكمن المغزى الخاص للتحديث في خصائص تطوره وتأثيره الشائع على أحوال البشرية. وينبع التحديث من التحولات التي يستطيع المجتمع، بل يجب عليه القيام بها، وتتماشى التغييرات مع إيمان إرادة الشعب وأحواله النفسية. وإن كان من الضروري أن نحدد للتحديث تعريفاً، فإن "التحديث" يمكن تعريفه كالآتي: إنه يعكس تنمية معرفة الإنسان للسيطرة على البيئة والتي لم توجد منذ فجر التاريخ. ونتيجة حدوث الثورة العلمية. فإن كل النظم التي جاءت نتيجة التطور التاريخي تتوافق مع عملية الوظائف المختلفة للتغييرات المطردة"(2) .‏

فالتحديث يعد نوعاً من "التحول الاجتماعي المرئي" وعصراً جديداً للحياة الاجتماعية قاطبة. وبالضبط كما ذكر إلسورث هينتنجتون Huntington Ellsworth على هذا النحو: "إن التحديث عملية متعددة الجوانب، وتشتمل على مجالات أنشطة البشرية وأفكارها"(3) . / ص182‏

وأشار جوزيف سميلزير Neil Joseph Smelser إلى: "أن التحديث يتعلق بالتحولات الاقتصادية والسياسية والتربوية والتقليدية والدينية وغيرها من التحولات الأخرى المستمرة، داخل المجتمع. وتحدث بعض هذه التحولات مبكراً، والبعض الآخر متأخراً،ولكنها تسبب تأثيراَ دائماً إلى حد ما"(4) .‏

فإننا يمكن أن نعرّف التحديث بأنه عملية التطور العالمي التي ظهرت بعد الثورة الصناعية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر،وبدأت هذه العملية أولاً في الدول الغربية. /ص185‏

وجعلت العالم وحدة عضوية كاملة(7) . ولا توجد تقريباً في الوحدة الكلية العالمية أمة أو دولة مهمة نسبياً تستطيع أن تنعزل عن نطاق النظام العالمي، كما لا يستطيع تحديث أي أمة أو دولة إغفال حقيقة الاعتماد المتبادل للعالم بأسره، ويتحتم على الدول والأمم إدماج نفسها في النظام الدوليكله.وفي الحقيقة، وبالقياس إلى تشكيلة العالم الشاملة وخصائص العصر./ ص 187‏

الصّينيّون المعاصرون :التقدّم نحو المستقبل انطلاقاً من الماضي/ الجزء الأول تأليف: وو بَن ترجمة: د. عبد العزيز حمدي مراجعة: د. لي تشين تشونغ‏

* ) :" انصحوا المبهورين بحضارة الغرب أن يعيدوا النظر إليها. احذروا يا عرب، يا مسلمون، أن تخلطوا تصوراتكم بالتصورات الأوربية. أنتم أهل حضارة عريقة وهي وإن كانت لم تصل من الناحية المادية إلى مستوى الغرب، إلا أن فيها مقومات لا تملكها حضارة بلداننا الأوربية. إن الإنسان حاول أن يؤله نفسه بواسطة العلم، والعلم وحده، ولكنه وجد حضارته التي بناها عليه أحقر وأقل مما كان يعتقد، فلا تتخلوا عن نزعاتكم المكتسبة من تصوراتكم الإسلامية، ولا تتطلعوا إلى الحضارة الغربية تطلّع الممجد لها، المعظم لشأنها، لأنها ستبلى." د. لويس روخاس ـ نداء أستاذ علم النفس في كلية الطب في غرناطة. ـ عن المشنوق المصدر السابق ص 140.‏

(3) ـ المقاطع الآتية مأخوذة من كتاب : المثقف العربي والمتغيرات ـ تأليف : علي عقلة عرسان ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1995 ولمن يريد التوسع في معرفة رؤيتي لموضوع التطبيع ومخاطره وسبل مواجهته ، العودة ، مشكوراً، إلى الكتاب.‏

(4) ـ ملاحظة:‏

في حديث لي مع الأستاذ عزت جرادات وزير التربية الأردني الأسبق جرى في فندق ميريديان في الكويت بين الساعة 13.00-13.30 من يوم الاثنين 18/6/2001 على هامش اجتماع في ندوة حول مستقبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. سألته عن موضوع الدرس الذي كان مقترحاً لطلاب الصف السادس الابتدائي في الأردن ضمن عملية إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم، بعد توقيع اتفاق وادي عربة.. المعاهدة الأردنية -الإسرائيلية- ولخصت له الدرس وذكرت له أن جريدة المجد الأردنية أوردت ذلك على صفحتها الأولى في حينه. فقال: لا علم لي بمثل هذا المقترح. وأكد أنه من جهته لم يفسح المجال لأي ممثل من ممثلي العدو ليعمل شيئاً في الحقل التربوي، عندما كان هو وزيراً للتربية في الأردن في تلك المدة تقريباً.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244