|
الفصل الثاني :الثقافـــة العربيــة والمواجهــة - أولاً : المثقف والمواجهة:
1- همسة حلم بثقافة ... أمل
حلم مهموس ينثال كلاماً مكتوباً في مطلع الشهر الفضيل ومطلع العام الجديد، حلم أنسج خيوطه منذ زمن وأستظل به كلما سنحت فرصة تأمل وبارقة أمل: هل تصل الثقافة العربية، ممثلة بطلائعها الواعية وأطرها البشرية المنظمة الفاعلة ؛ إلى حالة من وحدة الرؤية وسلامتها ومبدئية الأداء وصلابته تحقيقاً لبرنامج يترجم خطة واستراتيجية ذات هدف شامل يخدمه حتى المختلفون لأنه الذي ينقذ الجميع ؟! وهل تصبح الثقافة قادرة على التغيير في العمق ، وعلى إحداث نقلة نوعية في السلوك الفردي والجمعي في أسلوب أداء المؤسسات والهيئات والأنظمة المعنية بشؤون الحياة وبمستقبل الأمة؟!
هل يلتقي المثقفون في دارة فعل مشترك تحمي ما ينادي به كل فريق منهم على انفراد ، وهل يجعلون الشورى أو الديمقراطية أو ما يتفقون عليه من أسلوب تداول السلطة والمسؤولية في مؤسسات المجتمع والدولة هماً مشتركاً لهم جميعاً وقاعدة محترمة يحتكمون إليها ويعلون شأنها ؟! أم تبقى مقولة: "الديمقراطية لنا وليست لأعدائنا " أو " الديمقراطية ليست لأعداء الشعب " الذي يتماهى معنا ويتمثل بنا؛ هي السائدة كلما لاحت بارقة قوة من أي نوع لفريق دون فريق؟!
المثقفون هم كتلة الوعي الفاعل في الأمة، وأحد أهم مصادر قوتها وتأثيرها وتدبيرها إذا ما جمعتهم وحدة موقف ووحدة هدف ورؤية؛ وهم على النقيض وتوزعت ولاءاتهم لتغذي خلافات الأنظمة والحكام في وطن العرب ، أو إذا أصبحوا أداة الأجنبي تنخر قلب مجتمعهم وقيم ثقافتهم وإرادة شعبهم.
وحين يكون التحدي بحجم ما يواجهنا من تحديات، نحن العرب، في هذه السنين ويكون الهجوم على الأمة وثقافتها وشخصيتها قد اخترق حصون الثقافة وأحدث ثغرات في تلك الحصون؛ فإن إنذاراً لا بد من أن يرتفع وصوتاً مدوياً لا بد من أن ترتج له محافل أهل الثقافة المسؤولة عن أمة ومستقبل وقضية ومصير .
أفهم جيداً أن نختلف في اجتهاداتنا المؤدية إلى اختيار أفضل السبل لإنقاذ الأمة من التهافت والوصول بها إلى أداء معافى يعيد إليها حقوقها وهيبتها ومنزلتها بين الأمم؛ ولكنني لا أستطيع أن أفهم" اجتهاداً" يزحف على عقل الأمة وإرادتها وسبل أدائها وبوارق الأمل في كيانها ، ويريد أن يشيع حالة من التسليم بالهزيمة والاستسلام لما يمليه المحتلون والأعداء والطامعون بخبرات الأمة كلها ؟!
أفهم الاختلاف البناء ينمو تحت سقف الانتماء المسؤول عن وطن وأمة وثقافة وعقيدة ، أفهمه حتى لو أدى إلى أن تُجرح الإرادات في مناخ حرية عاصف تثور فيه أحصنة الوعي المنقذ وترمح فيه فرسان الأداء الفذ دفاعاً عن الثوابت والمبادئ والحقوق ، أفهمه تعبيراً أصيلاً عن الذات وجلاء بارعاً للموقف ، وسيرورة لمنهج التفكير ومرامي التدبير، تلك التي توصل إلى إقناع بالمنطق المستند إلى وضوح رؤية وسلامة طوية وصدق انتماء ؛ كما أفهم حرصاً موغلاً في الحذر يرمي إلى حماية الحقوق والحريات في أثناء أداء لا يتم له النجاح إلا في مناخها.
ولكنني لا أفهم اختلافاً يزوغ أطرافه أو بعض أطرافه عن الحق وصدق الانتماء للأمة، ويتدثرون به ليخفوا مشروع الغير أو مشروع العدو تحت آباطهم، ويصولون ويجولون على أرضية حرية التعبير أو بسلاحها ليصلوا إلى الإقناع بسلام بائس وواقعية انهزامية وتصفية لقضايا الأمة الرئيسة؛ أو ليدسوا سموم "ثقافة غازية" تهدف إلى تدمير القيم والخصوصيات القومية والهويات الثقافية ومقومات العقيدة والتراث واللغة، مما يشكل قوام شخصية الأمم وحصون الوعي لديها.
وحين ألح على دور منقذ تصنعه جبهة ثقافية عربية متماسكة واعية لأغراضها وأدواتها ووسائلها ، فإنما أفعل ذلك إيماناًً مني بقدرة الأمة على مجاوزة ما هي فيه من محن وضعف، وأفعله اعتقاداً راسخاً مني أيضاً بأهمية دور الثقافة والمثقفين في إخراج الأمة من ليل البؤس إلى نور الأمل؛ ويعزز اندفاعي في هذا المنحى استشعاري لمخاطر جمة تأتي من " سوق الكلام" العربي المفتوح الذي يخرب مواقفاً وأداء وإبداعاً، ويجرّ طاقات إلى أنواع من الأداء الغريب المريب الذي يخدم توجهات الأعداء والمحتلين ويصب سيلاً من القنوط والإحباط والبؤس في مسيرة الناس ، ويضيِّق عليهم رحب الأمل وما يدفعه في النفوس عمق الإيمان من إرادة وتصميم.
إن الذين ينظرون إلى المستقبل عبر استقراء الماضي والحاضر يدركون جيداً أن كل أداء بشري لا يتمحور حول عقيدة ثابتة وقيم روحية واضحة وإيمان عميق يقود إما إلى إخفاق مدمر أو إلى وحشية عنصرية مقززة؛ ويقفون من دون شك على أهمية تلازم العلم والإيمان، المادة والروح، الإرادة والرؤية ، السيف والقلم؛ لتحقيق مشروع خلاص أو شرعية وجود حضاري لأمة أو شعب. فالقوة العمياء من غير عيني بصيرة قلب يسكنه خوف الرب... ومن غير عدل وقيم إنسانية، هي بطش دموي متوحش يدمر مشروعه وموضوعه في نهاية المطاف ، والعدل والحق والإيمان من غير قوة واعية لذاتها وأهدافها وتضحية على طريق تلك الأهداف.. كلام تمضي به الريح في مداراتها، وبيوت عنكبوت واهية في مجال الدفاع، تحيل الإرادة والعقيدة إلى نوع من الأحلام أو الأوهام، لا تنقذ ذباباً ولا تستنفذ منه شيئاً.
والتلازم الصحي بين الرؤية والإرادة، العلم والإيمان، الروح والمادة، الحق والقوة، هو أساس الخطو وبدؤه على طريق واقعية تؤدي إلى نتائج ملموسة؛ وهذا يعني عندي، عملياً والآن، وصول أهل الثقافة العربية إلى اقتناع بقدرة جبهتهم على التغيير وعلى التبشير بواقع أفضل انطلاقاً من مبدئية الاعتقاد والانتماء وسلامتهما، واستناداً إلى تمسك ثابت بالهوية والشخصية ، بالعقيدة والتراث، بالمسؤولية عن أمة ووطن في حال محنة وامتحان يخرج منتصراً منهما وفيهما، من آمن بالله والحق والوطن وعمل على وحدة الصف والهدف، واجتهد بإخلاص من أجل الخلاص، وزرع كلمة طيبة في أرض طيبة ورعاها بحرص وعلم وتضحية وثبات .
وإننا أحوج ما نكون الآن لجهد جبهة ثقافية عربية تعمل بوعي ومسؤولية في كل مجالات الحياة، وتدافع عن الأمة وحقوقها وحضورها ومستقبلها؛ فهل يكون لنا ذلك، وهل ننذر الجهد والوقت والمعرفة لذلك؟!
إنني لا أفقد الأمل أبداً.
الثقافة العربية، بمفهومها الشامل، في حالة مواجهة على مستويات عدة لتحديات كثيرة، وما تواجهه لا يقتصر على ما تفرضه المعطيات السياسية و" عملية التسوية أو التصفية " لقضية فلسطينية، التي تتنامى منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم؛ بل منذ مؤتمر قمة فاس الذي أقر مشروعاً لمسار عربي يؤدي إلى التسوية قرر بموجبه اختيار طريق " المفاوضات السلمية " لتسوية الصراع العربي الصهيوني، وهو المشروع الذي تقدم به ولي عهد المملكة العربية السعودية إلى مؤتمر القمة العربية التي أقرته، واستند إليه من استند منذ ذلك التاريخ؛ ولم يكن إلا فرخاً من نسل كامب ديفيد الذي تعرَّب بالكامل " ربما لشدة المواجهة العربية له بفعالية نضالية مجدية !!"، ولمن يأخذه العجب أو تشيع الدهشة في أوصاله الرعشة أن يملأ رئتيه من ذلك.
|