ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

2 ـ الثقافة والمواجهة

الثقافة العربية في حالة مواجهة تشتد وطأتها وتتعدد أشكالها ووجوهها وساحاتها منذ اتفاق أوسلو ووادي عربة على الخصوص، وتتركز في مواجهة لسياسة الاستسلام ونهجه ولأصحاب ذلك النهج، ولمن يعملون على وضع الثقافة في خدمته من داخل البيت الثقافي العربي ذاته، ويعملون على تحقيق اختراقات في الثقافة لمصلحة الصهيونية والإمبريالية الأميركية ومشاريعهما الاستعمارية والاستيطانية في المنطقة. ويمكن أن نحيل تلك المواجهة إلى تحديات مطروحة على الأمة والثقافة والمثقفين العرب تستدعي تعاملاً معها. فما هي التحديات الراهنة المطروحة على وطننا وأمتنا، وعلى المثقفين أولاً من بين أبناء وطننا وأمتنا، لتكون المواجهة على أرضية واقعية منطقية موضوعية وعلمية؟؟‏

أولاً ـ إن انتقال الأمم المتقدمة من عصر الحضارة الصناعية التجميعية الكبرى إلى عصر الفضاء والذرة والحواسيب والمعلوماتية والعَوْلَمَة بأبعادها المادية وانعكاساتها المعنوية، والإنتاج القائم على سد الاحتياجات الناشئة في الأسواق المختلفة، حسب تنوُّع الأسواق والسلع، وحسب الجداول الزمنية التي تتطلبها تلك الاحتياجات، جعل العقل ينتقل من ساحة عمل على منوال معين ساد في العقود السابقة، إلى ساحة عمل ومنوال مختلفين .‏

وإذا كنا، حتى الوقت الحالي نفكر، بالانتقال من عصر الحضارة الزراعية والنمط الإقطاعي والاستهلاك المتصاعد للمنتجات الصناعية التي يقدمها الغير، والصناعات البدائية أو الأولية التي تعلمناها؛ إذا كنا نفكر بالانتقال إلى عصر الصناعات الكبرى والمركَّبة والتجميعية المعقدة؛ فإن هذا يجعل الفارق المنظور بيننا وبين الآخرين فارقاً ضخما ًيزداد اتساعاً يوماً بعد يوم؛ لأن التقدم في مجالات الذرَّة وعلوم الفضاء والهندسة الوراثية والحواسيب يمكّن من تحقيق تقدم سريع جداًً في حين يبقى التقدم حسب معطيات علوم وتطبيقات ما قبل ذلك العصر ضئيلاً ونمطياً ومحدوداً.‏

فهل نستطيع ـ نحن المثقفين العرب ـ أن نواجه الأمة بحقيقة ما هي عليه وبحقيقة ما يجري من حولها، وأن نشكل حالة من الوعي المعرفي والعلمي والقومي، تجعل الانتقال ممكناً من واقع المجتمع الاستهلاكي، والتفكير الصناعي الأولي، والحضارة الزراعية، إلى مرحلة استيعاب علوم الذرة والفضاء ومعطيات الحواسيب وتطبيقات العلوم النظرية، مع امتلاك الحرية والقدرة على تجديد أفقها بالوعي، من خلال تحري عقولنا وذواتنا من الحاجة والتبعية والعجز والخوف والولاء الأعمى، ومن قيود تحكّم الآخرين بكل ما نحتاج إليه حاجة حيوية في الدفاع عن أنفسنا، ومن أجل تحقيق تقدم في أي مجال من مجالات حياتنا ؟؟ وهل هيأنا أنفسنا معرفياً وروحياً لمثل هذه المهمة الصعبة والعاجلة؟!‏

إن المثقف العربي مطالب بامتلاك معرفة في هذا المجال، وبتحويل هذه المعرفة إلى وعي لدى الآخرين، وتحويل الوعي إلى قرار وموقف وسلوك وإنتاج وعلاقات عمل وأخلاق تعامل؛ وهذا يحتاج منا إلى عمل مضنٍ، ابتداء من مجالات التربية والتعليم والمناهج التي تحقق النقلة النوعية المطلوبة وانتهاء بمجالات الإعلام والسياسة ومعايير القيم والتفكير العلمي ومناهجه وأبحاثه واستثمارات تلك الأبحاث في التطبيق العملي.‏

ثانياً ـ التحدي السياسي - الثقافي - الاجتماعي والاقتصادي، الذي يطرحه الغرب الاستعماري والكيان الصهيوني المتحالفان، على أمتنا ووطننا وثقافتنا ومثقفينا، والذي يتجلى في :‏

1 ـ تفتُّت الأمة أو تفتيتها، وهزال كل أشكال التضامن والتفاهم والتنسيق بين أنظمتها وأقطارها وحكّامها وحتى مثقفيها، وجعل كل قطر عربي يسعى وراء مصالحه الخاصة مثقلاً بأعباء ضعفه وعجزه، وبنظرته الضيقة ومنفعته المرحلية وسياسته القطرية، تلك التي تكرس انعزاله وهزاله ومحدوديةِ نظرته وفعاليته على المدى البعيد؛ ولا تجعله يخدم، في نهاية المطاف، سوى مصالح أشخاص وفئات لا مصالح أمة ووطن، كما تكرس اعتماده على العدو الصهيوني والغرب الاستعماري في إقامة تحالفات أو تقديم تنازلات مهينة وأتاوات مذلة لحماية الأشخاص والأنظمة والمصالح الضيقة؛ وهو يقوم بذلك حتى لو تم على حساب الوطن والحق والانتماء والعقيدة والهوية ومصلحة الأمة وأجيالها ومستقبلها!؟.‏

2 ـ فرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية من خلال :‏

أ - تعزيز القدرة الشاملة للكيان الصهيوني ولا سيما في المجالات العسكرية : تسليحاً وتصنيعاً للأسلحة، وتطويراً علمياً لكل مجالات الحياة وامتلاكاً للتَّقَانَة، بكل أنواعهافي المجالات: الفضائية والجوية والنووية والبرّية والبحرية، وتقوية الأرضية الاقتصادية الحاملة للعبء المترتب على ذلك وما يقتضيه المشروع الصهيوني في مرحلياته المحددة؛ وضعف أو إضعاف قوة العرب وقدراتهم بالمقابل وفي كل تلك المجالات، وبقاؤهم في حالتي عجز وتبعية، ومحاصرتهم، ومنع بيع حتى الأسلحة التقليدية لهم، إلا في حالات ضمان كونها: لاستنزاف الثروة وليس لتحقيق أي حسم أو أي نصر في المعارك المصيرية، أو لضمان أنها لمحاربة بعضهم بعضاً. وكذلك منع حصولهم على، أو امتلاكهم لـ: أية أسلحة متطورة وتَقَانَة قادرة على إنتاج ذلك النوع المتطور من الأسلحة .‏

ب - تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني ورفع المقاطعة العربية عن "إسرائيل" وجعل عمقها الاستراتيجي اقتصادياً يمتد ليشمل الوطن العربي كله، واتخاذ أهل اتفاقيات: كامب ديفد وأوسلو بفروعها، ووادي عربة ـ المعاهدة الأردنية الإسرائيلية لاحقاً ـ جسوراً للامتداد في العمق العربي بصفة وكلاء ووسطاء " كمسيونجية " يخدمون من يحرِّكهم في تلك الاتجاهات، إلى أن يأتي وقت الاستغناء النهائي عن خدماتهم!؟.‏

والتوجه نحو سياسة ترمي إلى أن يصبح الكيان الصهيوني القوة المهيمنة في المنطقة والموجهة لسياستها، ومفتاح الازدهار الاقتصادي أو الكساد الاقتصادي، من خلال وقوف الغرب والدول الصناعية إلى جانبه، وتكوين الأحلاف بقيادته / الحلف التركي الإسرائيلي ـ الأميركي ـ الأردني /، وتواطئه مع الفئات العربية المنتفعة ببيع الوطن والقضايا الكبرى والقيم النضالية والأجيال والسلامة الاجتماعية للناس، لقاء البقاء والثراء والنفوذ الأوسع / تابع الوقائع التالية وتأثيرها المستقبلي: المنطقة الحرة في إربد: وهي منطقة صناعية أردنية ـ إسرائيلية مشتركة برعاية الولايات المتحدة الأميركية ـ العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية بين الكيان الصهيوني وكل من: قطر، عُمان ( بلغت قيمة التبادل التجاري بين الكيان الصهيوني وعُمان عام 1997 حوالي نصف مليون دولار أميركي )، تونس، المغرب، الأردن، مصر العربية، موريتانيا... ـ إقامة مؤسسة الإفساد الاجتماعي والروحي والنضالي في أريحا " كازينو الثورة الفلسطينية لصاحبه الكيان الصهيوني " ربما بتنسيق ومشاركة مع الصهاينة ـ وما أدت إليه المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية من نتائج سواء على المستوى السياسي القومي، أو في مجال الازدهار الموعود، أو على الصحة والسلامة العامتين للمواطنين الذين دخلت المياه المالحة الناتجة عن إفرازات اليهود في تكوين خلاياهم !!؟.‏

جـ - التوجه نحو فرض النظام الشرق أوسطي مالياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً وحتى ثقافياً، بما يحمله ذلك من تفتيت للشخصية العربية - الإسلامية ومقوماتها وقيمها وتدمير للمؤسسات الحامية لها، وما تضفيه الشخصية الشرق أوسطية من هوية وخصوصية على المنطقة وأهلها، وما يقود إليه غياب الإحساس بالتمايز، الذي تمنحه الهوية والشخصية القوميتان من صلات ومواقف، وما تحركه من تيارات تفكير وتدبير وتحرّر، وما تؤدي إليه جهودها إذا ما سارت في نهج حقيقي للتحرير .‏

وجعل أبسط الصلات والمؤسسات العربية القائمة اليوم، ومنها الجامعة العربية، بضعفها وهزال تأثيرها، أثراً بعد عين، إذ هي "جامعة الكراهية"، كما يسميها شمعون بيريس، تلك التي يجب أن تزول ـ حسب رأيه ـ لتحل محلها "الجامعة الشرق أوسطية، " حيث " لإسرائيل " متربَّع ومربع وربيع فيها وموقع قيادي تأسيسي، ونصيب وافر من الهيمنة الشاملة: أمنياً واقتصادياً وسياسياً. وإقامة تحالفات مع بعض الدول الهامة في المنطقة مثل تركيا، وهي تحالفات تهدد بملء السمع والبصر اليوم، وبشكل مباشر: كلاً من سورية ولبنان والعراق، وتشكل خطراً على إيران التي تعمل على امتلاك سلاح يحرر قرارها وإرادتها ويحمي مصالحها، وتفكر جدياً بمساعدة سورية إذا ما نشب قتال بينها وبين الكيان الصهيوني وتركيا. ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي ترعى هذا التحالف وتدفع الأردن قدماً للمشاركة فيه، وقد قطع أشواطاً على طريق تلك الشراكة، جعلت سفير تركيا في عمَّان السيد سها عمر يقول: " إن الجيش التركي والأردني جيش واحد ". .‏

د - تعزيز نمو قيم المجتمع الاستهلاكي في الوطن العربي، بعد انتشار ظاهرة الاستهلاك بكثافة ملحوظة فيه، مما يزيد من ضعف الإنتاج الأساسي، ومن تدهور العلاقات الاجتماعية والأسرية السليمة، ويفتك بقيم الفرد وبتماسكه الروحي وصلابته الوجدانية والخُلُقية والنضالية. ويؤدي ذلك إلى شيوع الفساد الاجتماعي وقيمه وأساليبه وعلاقاته ومناخه العام، الأمر الذي يقضي على الفرد والمجتمع، ويغير التطلعات والطموحات والاهتمامات والمعايير الأساسية لما هو جيد ونظيف ومبدئي ورئيس ومقدَّم في الحياة، ليغير التوجه إلى ما هو نقيض ذلك في النظرة الاجتماعية والخلُقية. ونحن نعاني اليوم من تفشي الفساد بكل أشكاله في حياتنا وأعمالنا وعلاقاتنا؛ صحيح انه ليس مفروضاً علينا، ولكنه نتيجة من نتائج الضعف والترهل والتشتت الذي وضعتنا فيه ظروف الاحتلال والتواطؤ الاستعماري مع الاحتلال، وما أدى إليه ذلك من إعلاء شؤون على شؤون، وترك أمور مهمة بغية الالتفات إلى ما هو أهم .‏

وفي ظل مجتمع متهالك متهافت منهار لا يسود إلا الانحلال والسطحية والجهل والتواكل والتخلف الروحي والنفسي، وموات الطموحات والتطلعات الكبرى؛ وهذا يؤدي إلى أن يستمر استنزافنا بإرادتنا، وجعلنا مجرد أفواه وسواعد، نخدم ونأكل، ونكون في خدمة الغير، وهو هنا العدو الصهيوني بالدرجة الأولى الذي يحتل مرتبة الرأس من الجسد، ويأخذ الاهتمامات العلمية والمعرفية والحضارية والتقنية العليا، بينما نبقى نلهث عند عتبة السلم في هذه المجالات، ونكتفي بدور عمال الصيانة عند المخترعين والمبدعين في أفضل الحالات.‏

فهل يستطيع المثقفون العرب استيعاب معنى هذه المخاطر والتحديات والتصدي لها، من خلال رؤية مستقبلية شاملة وجبهة ثقافية عاملة، وبرامج تربية وتثقيف وأداء سياسي واجتماعي واقتصادي، على أرضية علمية وعملية، بهدف تغيير الواقع والتحريض على السير في طريق:‏

الصمود للإغراء - مقاومة الصدمة - الابتداء من نقاط الانطلاق المفيدة والمجدية - ثم التقدم بثقة على طريق مجاوزة التخلف والاختلاف والضعف والإحباط، والانتقال إلى امتلاك: الإيمان والثقة والعلم والتَّقَانَة وكل الإمكانات التي تحقق مشروعاً نهضوياً منقذاً، وتضع حداً لمشروع الغير المناقض لمشروعنا والمضاد له ؟!‏

إن هذا التحدي ليس بسيطاً وقد يحتاج - بل إنه يحتاج فعلاً ـ إلى أن نعود إلى المدرسة وننطلق منها بقيم تربوية ومعطيات معرفية وعلمية ومناهج حديثة وسليمة، لنبدأ تكوين الإنسان المنتمي الصلب القادر على حمل مشروعه النهضوي ـ التحريري، أو التحريري ـ النهضوي، وعلى تحقيق ذلك المشروع.‏

ومن المؤكد أن المدرسة ليست مجرد جدران وإمكانات مادية وشعارات، على أهمية ذلك وضرورته أحياناً؛ وإنما هي المعلم والمدرس والأستاذ، المنهج والمادة العلمية المقدمة فيه والهدف التربوي ومستوى العلم والأداء العملي على أرضيته. إنها الإنسان القادر على صنع الإنسان والنهضة الحضارية الشاملة، التي يحتاج إليها، بثقة واقتدار. وهل يُبنى ذلك بغير الثقافة الجادة، والمعرفة العلمية العميقة والدقيقة، والإيمان بالحق والمستقبل والإحساس التام بالانتماء والمسؤولية التاريخية عن الأمة وحيالها؟! وهل يكون ذلك من دون توافر الحب الكبير للأرض والخلق، ومن دون التعلق بالحرية والحقيقة وقيم الإيمان وحقوق الإنسان!؟؟‏

أشك بإمكانية تحقيق ذلك من غير وجود الإنسان المؤهَّل، وأؤمن بقدرة الثقافة على المساهمة الكبيرة بتكوين ذلك الإنسان وتأهيله؛ وهذا التحدي الكبير فعلاً ملقى على الثقافة العربية وأهلها، وهم قادرون على التصدي لذلك التحدي، فهل تنهض وننهض بأعباء مواجهة استحقاقاته ؟ ! إنه سؤال مطروح بحدة ودقة وإلحاح وشدة.‏

ومن المسلم به أن رأس حربة التغيير الجذري في هذه المجالات وقاعدَتَه المتينة هو الفكر والإبداع والعلم، وما تؤدي إليه من ذلك: التربية والمناهج والجامعات والبحوث العلمية. ونحن نذكر أنه في بداية الستينيات من هذا القرن، وبعد أن حقق السوفييت تقدماً على الأميركيين في مجالات غزو الفضاء، قرع الرئيس كيندي ناقوس الخطر، وابتدأ بالمدارس والمناهج؛ وبعد عقد من الزمن تقريباً تقدَّم الأميركيون على السوفييت في هذا المجال. وهذا لا ينفي مشاركة الثقافة ودورها وتأثيرها في هذه المجالات جميعاً؛ ولكن لا بدَّ من مواجهة سؤال هام هنا وهو:‏

هل تستطيع الثقافة أن تؤدي دورها فتحرر بالوعي المعرفي، وتنقذ من الخواء الروحي والضلال والفساد والتآكل، وتدفع الإنسان إلى السير في طُرُق العلم والحضارة وامتلاك القيم والتقدم بأنواعه؛ من دون أن تنمو في مناخ من الحرية، ومن دون أن تقوم على أسس من احترام العقل والممارسة الديمقراطية؟!‏

هل يستطيع المثقفون أن يحرروا الوعي والإنسان، وأن ينيروا القلب ويخصبوا الروح، من دون أن يحرروا أنفسهم من التبعية بأشكالها ومن النفعية والإغراض المريض ومن الخوف واليأس، ومن كل خلل في سلم المعرفة والمعايير والقيم الخُلُقية والإنسانية السليمة؟!‏

أكاد أقطع بأن جوهر الإبداع والفكر هو: قيم رفيعة، وتعلُّق بالحرية والعدل والحقيقة والقيم، وشجاعة في المواجهة على أرضية رؤية متألقة مزدانة بالانتماء والمتانة الداخلية: متانة الأعماق الروحية والصلات الاجتماعية.‏

وأكاد أقطع أيضاً بأنه من دون إشاعة المساواة بين الناس، واحترام الحقوق والحريات العامة، لا سيما احترام حق الآخر في الاختلاف تحت سقف ثوابت الانتماء والمواطنة والوطن؛ لا تقوم لثقافة أمة ولا لمثقفيها قائمة يستند إليها المجتمع ونظام الدولة، فتحرر وتبني وتمارس وجودها الحيوي الذي تحتاج إليه الأمة والبشرية، ولا تتقدمان من دونه أبداً .‏

ولذلك فإن :‏

1 ـ قضية الممارسة الديمقراطية على أرضية الانتماء لواقع وثقافة وتاريخ، واحترام الحقوق والحريات العامة، وربط الحرية بالمسؤولية عن أمة في واقعها ومعطيات ذلك الواقع، وفي تطلعاتها ومشروعية تلك التطلعات، وما يرتبه كل ذلك من تبعات والتزامات؛ هو مما يطلب من المثقف والثقافة رعايتُه؛ مع التأكيد على أهمية جعل أفق الحرية مفتوحاً على مداه، يُجدِّدُه الوعي المعرفي باستمرار ويساهم هو في تجديد الوعي المعرفي وتعميقه باستمرار، من دون أي نوع من أنواع المصادرة أو الوصاية أو التضييق، وصاية مثقف على مثقف وتضييق سلطة على ثقافة. وإن التعمق في دراسة موضوع: السلطة والحرية، لا سيما في المجال الثقافي، والعلاقة بين السياسي والثقافي، من أهم الموضوعات التي تستدعي المناقشة والاهتمام والرعاية في هذا المجال، فكل تبعية عمياء للسلطة ـ بوصفها سياسة ـ مرفوضة وكل دعوة للنأي بالنفس عن صور أدائها واهتماماتها غير ممكنة وغير واقعية . وقد سادت، في فترة من الفترات، نظرةٌ تزعم أن الثقافة ينبغي أن تكون دوماً على خط مناقض أو مضاد للسلطة!؟ وقد جنينا الثمر المر لمثل هذا الاستيراد لبضاعة فاسدة كان لتصديرها أهداف ضارة، وما زال ذلك يفعل فعله في مجتمعاتنا وثقافتنا ومواجهاتنا مع العدو الصهيوني والغرب الاستعماري من جهة وفيما بيننا من جهة أخرى، وليس البديل هو تبعية الثقافة للسلطة وتحوُّل المثقف إلى مداهن لها ومسوغ لممارساتها المغلوطة، أو ممارسته دور الطبال والزمار في ركاب رجل السلطة؛ إن الموضوع يقتضي أن يُبحث وأن يُنظر إليه على أساس من التكامل في أطر معايير موضوعية تحكم الأداء السياسي والثقافي والعلاقة القائمة بينهما، انطلاقاً من حقيقة تكامل بنى المجتمع والدولة، ليتم تقدم وتعامل على أسس سليمة. ونحن نحصد نتائج العلاقة المريضة أو المختلَّة لذلك الوضع الذي استمر طويلاً، يوم كان المثقف تابعاً للسلطة أو سلعة في أسواقها، أو رافضاً لكل تواصل مع أدائها أياً كان ذلك الأداء تحت ذرائع شتى ؟!.‏

2 ـ مقاومة الاعتراف بالعدو الصهيوني وأشكال تطبيع العلاقات معه. ومن المفارقات التي يواجهها المثقف الملتزم بتلك المقاومة، في هذه الحالة: أنه يبدو وكأنه ضد السلام، أو يُراد له أن يبدو ضده، وهو يقدَّم على أنه كذلك، ومثل هذا الوضع ـ المفارقة التي يبنونها حوله ـ يجعله مرتبكا في بعض الحالات، لأن الثقافة المبنيّة على مسؤولية خُلُقية وقيم إنسانية هي تاريخياً مع السلام، فكيف يكون هو ضده؟!‏

والتحدي الذي يواجه المثقف العربي في مثل هذه الحالة هو القدرة على التفريق، والاقتناع والإقناع بذلك التفريق بين: السلام الصهيوني - الإمبريالي المفروض علينا نحن العرب والمرفوض منّا عقلياً ووجدانياً لأنه ليس السلام، وإنما هو " الاستسلام مزوقاً ومسوَّقاً بمهارة سماسرة السياسة والثقافة المتعاونين على الشعوب وقضاياها المصيرية العادلة"، إنه اتفاقيات إذعان تُفرض في حالة من انعدام القوى، بلْهَ التوازن الإستراتيجي، بيننا وبين العدو الصهيوني، " سلام في وضع مختل كلياً يؤدي إلى استسلام؛ وهو نتيجة لخلل في الموازين الدولية والعلاقات العربية ـ العربية جراء المتغيرات العربية والدولية ـ خلل لا يمكن أن يدوم على هذا النحو إلى الأبد حتى لو صوروه قدراً، ولن يتغير من تلقاء ذاته من دون عمل وقوة ومبادرات خلاقة من جانبنا نحن المتضررين من وجوده بالدرجة الأولى ـ خلل بين استسلام يُفرض بقوة القهر بوصفه سلاماً وبين سلام ينبع من إقامة العدل في المنطقة وإزالة العدوان وأسباب التوتر وبؤره فيها!؟ ولن يتأتى ذلك السلام الحقيقي العادل والدائم والشامل في المنطقة إلاّ باقتلاع الاحتلال الصهيوني من الأرض العربية والقضاء على أشكال العدوان ومظاهره وأنواع التبعية ونتائجها؛ وعلى رأس ما ينبغي القضاء عليه: قيام سيادة صهيونية في فلسطين العربية ليعود الشعب العربي الفلسطيني إلى وطنه التاريخي سيداً كامل السيادة على أرضه كلها. وعندها يختار بحرية تامة أن يسمح ليهود بأن يعيشوا ضمن دولته وفي ظل سيادتها حسبما يقرر هو ذلك؛ هذه هي الصيغة الحقيقية للسلام الحق في هذه المنطقة، ولن تحققها إلا قوة شاملة متكاملة، ونضال مر يجسد مقولة الشهادة أو النصر. وكل حديث عن سلام بمفهوم مغاير، يفرضه علينا اليهود الخَزَر وحماتهم، هو نوع من الوهم لأن الكيان الصهيوني لا يريد السلام إلا على حساب وجودنا، ولا يفهم السلام إلا هيمنة علينا وإبادة روحية أو جسدية روحية لنا، فكيانه ووجودنا التاريخي في أرضنا لا يتعايشان ولا يلتقيان إلا في ساحة صراع حتى الحسم النهائي لذلك الصراع. ولن يكون المستقبل إلا لنا في هذا المسار التاريخي الطويل ... ولكن...ولكن.... !؟.‏

وعلينا أن نوضح أن موضوع السلام ليس هو الموضوع الذي نقاومه، وإنما التزييف الفاضح والفادح لكل من مفهومي العدل والسلام معاً، وما يُفرض علينا من مفاهيم مزيفة وفاسدة بقوة "التفسير الدولي للقانون"، ذاك الذي تحتكره وتفرضه وتسوِّقه الولايات المتحدة الأميركية، بامتلاكها القوة وبسيطرتها على مجلس الأمن الدولي، وعلى القوة الدولية الضاربة: حلف شمال الأطلسي الآخذ بالتوسع!!.‏

فما يُفرض علينا هو اعتراف قهري بحق " تاريخي " لقوة معتدية غاصبة غاشمة، حق لها في الوجود فوق أرضنا على حساب وجودنا، وإقامة دولة وسيادة على حساب دولتنا وسيادتنا، ومشروع توسعي ـ استيطاني على حساب مشروعنا النهضوي واستقلالنا واستقرارنا في وطننا؛ ما يُفرض علينا هو إلغاء لقوة الحق التاريخي التي تتمثل في عروبة فلسطين تاريخياً، من قبل موسى واليهودية والصليبية المتجددة، وحق شعبها في العودة إلى كل شبر منها وإقامة دولته المستقلة وبسط سيادته فوق تراب وطنه، كل وطنه؛ ما يُفرَض علينا هو إقرار لحق القوة العدوانية في الوجود فوق أرض الغير بقوة ما تخلقه على الأرض من وقائع، وتمكين لها في الأرض بدعم غربي ـ استعماري غير محدود!؟!.‏

وعلى ذلك فإن مسيرة الاعتراف بالعدو الصهيوني، وتطبيع العلاقات معه، هي مسيرة مناقضة للحق والعدل والسلام، ولكل ما هو في مصلحة أمتنا على المدى البعيد، ومناقضة للمبدأ الخلُقي القيمي والإنساني العام، الذي تتعلق به الثقافة ويقوم عليه الإبداع الأدبي والفني والفكري؛ وهي مسيرة مكرِّسة للظلم والظلام والقهر ولسيطرة القوة علينا وتكريس الضعف فينا، وهو ما يتناقض مع نور الحق الذي تهدي إليه الكلمة وتهتدي به الثقافة. والنور والعدل والحق والحرية، سلام بل هي جوهر السلام، لأن ذلك يرسِّخ الأمن والاطمئنان والسكينة في نفوس الأفراد والجماعات، على أرضية خلُقية حقانية إنسانية دائمة ومستقرة.‏

فهل نحن قادرون، في المجال الثقافي بمفهومه العميق الشامل، الذي يضم المثقفين جميعاً،حسب ذلك المفهوم: من المعلم إلى العالم إلى ذوي الثقافة العامة والثقافة التخصصية ، وفي جبهة الثقافة المقاوِمة، ويحشدهم في ساحة المواجهة الثقافية الساخنة التي هي أسخن جبهات المستقبل وأشدها تأثيراً؟! هل المثقفون قادرون على مواجهة هذا النوع من التحديات الكبيرة الجارفة، وهذا النوع من التحريف للمفاهيم والتزييف للواقع والوقائع والمسلمات والرؤى والمعطيات والسياسات؟!؟ ذلك الذي تحشد للقيام به وترسيخه وسائل إعلام مسموعة ومرئية ـ مسموعة، منها فضائيات مشبوهة بالغة التأثير وأخرى معادية لنا تماماً لا تقل عنها خطورة في التأثير؛ ومراكز أبحاث غربية وصهيونية وعربية، وتقف وراء ه قوى وسياسات وأجهزة مختلفة، وتدعمه رؤوس أموال كبيرة وعقول خبيرة ؟!؟‏

هل يستطيع المثقفون العرب تكوين جبهة قادرة على العمل بجدية لتحقيق حضور في ساحة القرار السياسي العربي يلغي اتفاقيات الإذعان، ما كان منها وما هو آت ?!‏

وهل المثقف قادر على أن يصرخ في وجه السلطة الغاشمة، أياً كانت السلطة الغاشمة، حينما يكون معه الحق وحينما تمارس فساداً في الأرض وطغياناً وجوراً، وأن يمارس انتماء فعلياً للحرية المسؤولة وللمواطنة في تجلياتها المبدعة ?!؟‏

هل المثقف العربي مستعد لمواجهة هذا التحدي بقدراته الذاتية وإيمانه ووعيه التاريخي، ولأن يتحمل جرَّاء تلك المواجهة صعوبات وضائقات وملاحقات وتضحيات، تصل إلى حدود إسراج فتيل الدم نوراً عند عتبة الظلام والطغيان والظلم؟!؟‏

إن هذا الموقف المطلوب لا يتصل بالحق والعدل والانتماء الوطني والقومي فقط، وإنما يتصل أيضاً بترسيخ القيم ورفع الأنموذج الأفضل والأسمى، وفتح باب النضال الإنساني في الحياة على مصراعيه، ضد الظلم والعنصرية والعدوان والقوة القهرية والفساد والإفساد، ومن أجل ألا تشوه الحقائق وألا يزيَّف التاريخ والوعي. وهذا باب يُديم قيمنا ويبرر نشداننا للوعي والمعرفة والقوة، ويُديم العُرف والمعروف بين الناس، إذا ما فتحناه بجدية وجرأة وكفاءة !!‏

فهل المثقف العربي، المدعو إلى مواجهة هذا التحدي، جاهز للمواجهة وقادر على تحمل أعبائها وتبعاتها، والأحداث الجسام تقرع الأبواب ؟!؟ إن السؤال مطروح على القادرين على المواجهة والراغبين فيها، في آن معاً .‏

ثالثاً ـ ومن التحديات المتصلة بهذا الموضوع والمرتبطة به أو الناتجة عنه، قضية تشويه معنى المقاومة الوطنية للاحتلال وجعلها إرهابا وتخريبا. وهذا عدوان على الحق وتشويه للحقيقة واستهتار بالمعرفة البشرية وبالقوانين والأعراف الإنسانية والدولية؛ واستهتار فاضح بالتقدم العلمي والحضاري الذي أنتج تلك المفاهيم وأدى إليها، وبالتضحيات التي قدمتها البشرية حتى تبلورت هذه المفاهيم وتمايزت بعضها عن بعض، ورسخت رسوخاً ظاهراً.‏

فكل من يقاوم احتلال الصهاينة لأرضه اليوم من العرب، وكل من يفكر بالتحرر من السيطرة الإمبريالية الصهيونية وبمقاومتها، وكل من يوجه جهده لتحرير الأرض أو الإرادة أو القرار السياسي، أو يقاوم ويكافح للتخلص من أشكال التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية هوـ بنظر الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية ومن يواليهماـ مخرِّب وإرهابي وعدو للمجتمع الدولي ـ الذي يمثل الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" ودول الاستعمار الغربي الأخرى فقط - بعرف القائلين بمقاييسه وتفسيراته وأحكامه.‏

ومن يريد أن يعود إلى أصالة من أي نوع وإلى مقومات شخصية ثقافية وحضارية أو هوية قومية، أوإلى عقيدته ومقوماتها وقيمها وأصالة تعاليمها وسلامة تلك التعاليم، محكوم بتهمة الأصولية، بمفهومها السياسي، الغربي، المقدم صهيونياً والمروَّج أميركياً. وقد غدت هذه التهم الجاهزة: ( إرهابي - مخرب - أصولي..) تُلحق بكل من يرفع راية العروبة والإسلام، راية القومية والدين، راية التحرير والتحرر من التبعية للآخرين والتمسك بشخصية ثقافية وبهوية متمايزة ورؤية وقرار. ولا يدرك بعض العرب، وبعض المسؤولين من بين العرب على الخصوص ـ أو هم لا يريدون أن يدركوا ـ خطورة هذا الوضع وانعكاساته المستقبلية على المنطقة والأمة؛ بل يشاركون أحياناً في إيجاده وتضخيمه وتعزيزه وتعميمه، وفي إضفاء مشكلاتهم وأزماتهم الداخلية عليه، ليصبح فيما بعداً مسوِّغاً للممارسات العدوانية الغربية، مع ضمان سكوت بعض العرب أو مراوغتهم!؟ .‏

كما تشارك عناصر مدسوسة على العروبة والإسلام، أو مشوهة الرؤية لكل منهما، تشارك في ذلك الفعل، وتعطي للصهيونية العنصرية الحاقدة وللغرب المتواطئ معها، ذرائع ومسوِّغات للاتهام والعدوان وتشويه الصورة وفرض البديل.‏

ويترتب على الثقافة، أي على المثقفين العرب، بذل جهود كبيرة لتغيير تلك النظرة من خلال الرد على كل حملات التشويه والتشكيك الرامية إلى إبادة الوعي وزعزعة الثقة لدى المواطن العربي والأمة العربية، تلك الحملات التي تقوم بها الصهيونية والغرب الاستعماري.‏

ولا يكون ذلك إلا:‏

أ ـ بمراجعة صريحة وشجاعة ودقيقة للمفاهيم والمصطلحات والمواقف والاعتقادات، على أرضية من الفهم والعلم والانتماء والموضوعية، والنظرة المستقبلية الواعية لذاتها ولأهدافها ووسائلها، المتبصرة جيداً بتاريخها وعلاقاتها التاريخية مع الأمم والدول.‏

ب ـ بإقامة جسور التواصل البناء بين الثقافي والسياسي والاجتماعي في هذا المجال، بنجاح وتوازن وحكمة وبعد نظر ومسؤولية تامة عن الحاضر والمستقبل.‏

فهل ينجح المثقفون في هذا العمل، وهل هم وحدهم المعنيون به والمنوط بهم مثل هذا الأمر ؟؟!‏

هل يكونون قوة معرفية وجدانية قومية وإنسانية، تملك المصداقية والجرأة والقدرة، وتتصدى بكفاءة وجدارة للضخ المعلوماتي المشوَّه والمشوِّه الموجه إلى إنساننا العربي وثقافتنا ومواقفنا ونضالنا المشروع؟!هل يملكون أن يتعاملوا فعلاً بنجاح ومن موقع ثقافي ذي ثوابت مبدئية، مع أهم أدوات التنوير والتثوير والتحرير في هذا العصر: التلفاز والفضائيات خاصة ووسائل الاتصال الحديثة كلها، بحرية واقتدار، وهي التي تصنع الكثير ويمكن أن تغيِّر الكثير أيضاً. وكما قال تيموثي غارتون آش بحق " لقد كانت الوسيلة الحاسمة داخلياً وخارجياً للثورة ـ ثورة البلدان الاشتراكية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي على الاتحاد السوفييتي ـ هي التلفزيون. وفي أوربا في أواخر القرن العشرين أصبحت جميع الثورات متلفزة. ".‏

هل يملكون المقدرة على جلاء الثوابت القيمية والقومية والعقائدية التي تميِّز شخصية أمتنا عن سواها من الأمم، وتمايز ملامح هويتها عن الهويات الأخرى، وتجلو حقها وتزيل عنه ما أُلحِق به من شبهات، وتجعلها قادرة على المثاقفة بثقة واقتدار، وعلى تحقيق معنى الانفتاح على الآخر باعتزاز ومن دون خلل؛ فيصبحون قوة تدافع: بالمعلومة والفكرة والتحليل والمنطق والأسلوب ونوع الخطاب، عن كل تلك المقومات والقيم بعلمية وموضوعية وحماسة !? أم أنهم سيهابون الأحكام المسبقة والعصي الغليظة المرفوعة في وجه من يفعل ذلك، وأساليب التعتيم والتقزيم التي يلاحق بها الإعلام المشبوه والعربي المريض والجاهل، من يتوجه مثل ذلك التوجه، ويأسفون على شهادات حسن السلوك " الحضاري " التي سيتوقف الغرب عن منحها لهم إذا ما انحازوا إلى أمتهم وقضاياها العادلة بانتماء وموقف واضحين صادقين شجاعين ؟!؟‏

وهل سيصمد المثقفون العرب أمام الإغراء المالي والإعلامي، وأمام إغراء المكاسب وجوائز التلميع والتطويع، وأساليب التصدير والتسويق والتزويق والترويج العالمي، ذلك الذي تقدمه الجهات الإمبريالية والصهيونية والعربية المرتبطة أو السائرة في الركاب، لكل من يخرج من العرب والمسلمين على أمته وعقيدته وبيئته الثقافية، ويترك حقوقه ويزري بانتمائه لهذه المنطقة من العالم ولمقولاتها وحقوقها ومعتقداتها وتاريخها ونضالها وتقاليدها ومعاناة أبنائها وآلامهم وآمالهم وتطلعاتهم؟؟!‏

هذا التحدي مطروح على المثقفين العرب، ومطروح عليهم في الوقت ذاته التفكير بإيجاد الإمكانات والوسائل والأدوات، والإبداع في ذلك كله، لمواجهة أشكال التضييق والمنع والقمع التي تشارك بها جهات عدة، ابتداء من أجهزة مخابرات التحالف الدولي ضد الشعوب وانتهاء بعناصر السمسرة والميوعة الثقافية والإعلامية العربية وأعلامها وإمَّعاتها، الذين بدؤوا يدخلون " التاريخ " في عصر التطبيع، من خلال ادعاء الوعي الزائف والتسامح المحمول على حق العرب والمسلمين في أرضهم، وبمقولات الواقعية الانهزامية التي أخذت تضع بيوضها وأجنتها هنا وهناك، وتفرِّخ تراخياً وتسويغاً للهزيمة وفساداً وإفساداً، وانفلاتاً وانحلالاً وجهلاً، وحقداً مقيتاً يمليه ذلك الجهل وينميه، ويبثه ضد كل من يقاوم تياراً يدعون أنه لن يُقاوم، ومن يدعو إلى بناء الثقة بالذات وبالمستقبل للإبقاء على صلابة روحية واجتماعية وأخلاقية تغرس الأمل وتنميه وتحمي ما تبقى لأمتنا، وتؤسس لبناء أجيال وقدرات تمكن من استعادة الحق والدفاع عن الذات .‏

نعم قد لا ينجح جيل من المثقفين العرب المؤمنين بالتغيير في تحقيق غاياتهم، وقد يكون موج التطبيع والتطويع والتركيع والإذلال والابتذال أكبر منهم؛ ولكن كلماتهم ومواقفهم لن تموت وستبقى شعلة ومصباحاً، وزيتا يُمِدُّ ذلك المصباح من زيتونة مباركة نقية، استقرت في الوجدان النقي لعرب ومسلمين وبشر أسوياء يرون ميزة الإنسان في الدفاع عن العدل لا في التخلص من كل حمل يثقل وجدان الإنسان وذاكرته بسبب من هدم صرح العدل.‏

ولا بدَّ أن تهدي تلك الشعلة عقولاً وتنير دروباً، فتضيء من بعد ظلمة، وتصيب عدلاً من بعد يأس من تحققه، فالكلمة الطيبة نبتة طيبة لا تموت، وشجرة مباركة، ( زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء "النور"(25) ).‏

رابعاً ـ ومن التحديات التي تواجه الثقافة العربية والمثقفين العرب تحدي إعادة الاعتبار للكتاب والقراءة في ظل الانصراف النسبي عنهما، لا سيما بسبب مزاحمة أجهزة السماع والرؤية المتقدمة، في عصر القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الحديثة وزمن المعلوماتية المتدفقة كالسيل والعولمة الزاحفة على الخصوصيات والهويات القومية.‏

ولن يتأتى ذلك بمجرد لمسات تعالج سطح المشكلة، إنه يحتاج إلى مراجعة مضنية وقاسية وشجاعة للذات، لما نستند إليه من مستقرات، ولما نملكه ونقدمه من معلومات وأساليب أداء ومناهج بحث، وأسلوب خطاب، وطرائق توصيل وتعبير وتأثير، وما نعالجه من تجارب وقضايا ومشكلات وكيفية تلك المعالجة، وما نقدمه من نماذج بشرية في إنتاجنا الإبداعي.‏

إن جوهر المشكلة هو محتوى الكتاب، ومضمون ذلك الذي نقدمه عبر الكتابة وفائدته ومصداقيته وعمقه، ومواكبته للعصر والعلم، ومدى ريادته والحاجة إليه، وإمكانية تمثُّله في السلوك وانعكاسه إيجابياً في العمل والتعامل.‏

إنه هو الذي ينبغي أن يتوافر فيه ما لا يتوافر في تلك الأجهزة، وأن تبقى الحاجة إليه قائمة على الرغم من تطورها الهائل، يبقى لقيمة أصيلة ونبيلة فيه أصلاً لا تتوافر في سواه.‏

إن المصداقية التي تكتسبها الكلمة بالجهد والتحصيل والعلم والتجربة والغوص في المعاناة البشرية بعمق، على أرضية الثوابت المبدئية والقيم الإنسانية والخصوصيات القومية والبيئية، هي ما يشد الناس ويؤثر فيهم، وهي ما قد يكونون بأمسِّ الحاجة إليه.‏

إن لما تقدمه الكلمة المخلصة المنقذة من رؤية عميقة في الحياة وللحياة، وما تفيض به من مشاعر، في إطار خصوصية تفتقدها الوسائل والأجهزة المزاحمة وأفلاكها ومرجعياتها المعرفية، هو ما يمكن أن تنفرد به الكتب، والمستويات الرفيعة من إبداع الكلمة وأدائها الذي تتضمنه تلك الكتب.‏

وأسلوب الخطاب الثقافي العربي هو أكثر وأهم ما يحتاج إلى مراجعة وتدقيق وتغيير، ليكون موضوعياً من دون برود أو جمود، وعلميا من دون جفاف، وأصيلاً عصرياً ومستقبليا بلا ضفافً؛ يتصل بالحياة في واقعها من جهة ويفتِّق ببصر وبصيرة عوالم الخيال ومنافذ الأمل ويستشرف من جهة أخرى؛ ينغرس في طين الأرض ومعاناة البشر وأنسجة القلب، ويمتد رؤى وآمالاً وأجنحة نحو السماء لينير دروباً للروح تجعل قدرتها في تجدد لاستيعاب الواقع ومجاوزة الصعاب، وللانفتاح على غد آخر وفرح قادم وعمل مثمر. أسلوب يؤمن بقدرته على الخلق والتأثير والتغيير، ويقاوم من أجل الحياة والإنسان والحقيقة بعبقرية الإنسان وطاقته الخلاقة، ويتوجه إليه وينطلق منه، ويستند بالدرجة الأولى إلى مصداقيته وجوَّانيته، وإلى الكنوز القابعة في أعماقه، وأنهار الطاقة التي تحتاج إلى من يفجرها ويستثمرها.‏

فهل يستطيع المثقفون العرب دخول ميدان هذا الأداء باقتدار؟! وهل يعطون للزمن في هذه القضية حسابه الدقيق وأهميته البالغة الأهمية، وهو كما قيل سيف إن لم تقطعه قطعك ؟؟‏

إنه التحدي العصري الكبير الذي يتوقف على النجاح فيه إحداث نقلة نوعية في الأداء الثقافي والبشري، وفي مساهمة ذلك الأداء في التقدم الاجتماعي والمعرفي بشكل عام، ومجاوزة الواقع البائس نحو واقع يغري بالحياة والعمل على أرضية مشرقة من الأمل.‏

خامساً ـ وهناك تحد رئيس آخر يتصل بالبيت الثقافي العربي ذاته، ولاسيما بمن يتعاملون مع الكلمة بحثاً وتأليفاً؛ ويتصل ذلك التحدي بالتراتبية الثقافية، تراتبية الأشخاص والنصوص، فقد تأثر المشهد الثقافي العربي، ولاسيما في النصف الثاني من هذا القرن، تأثراً كبيراً بالمواقف والأحكام والانتماءات السياسية والأيديولوجية؛ وأصبح الحكم جاهزاً على الشخص والنص والمنتَج الإبداعي، من خلال الانتماء السياسي أو الرضا السياسي عنه والممالأة السياسية له؛ الأمر الذي رافقته أو انبعثت عنه حملات إعلامية و" نقدية " - مع الاحترام العميق للنقد السليم الذي كثيراً ما كان بريئاً من ذلك - تقوم على المدح أو القدح، على الإضاءة والتعتيم، التضخيم والتقزيم، بعيداً عن الموضوعية وعن القيم والمقومات الأدبية والفنية، والمعيارية السليمة؛ الأمر الذي أدى إلى إصابة ذلك المشهد بخلل كبير، حيث انتشرت في سمائه نجوم لا يصمد بريقها لامتحان الأصالة عند الجد، ولا يريك " سُهَيْلُها" القصد، وانتصبت في ساحاته تماثيل شمع لا تصمد لوهج الحقيقة وامتحانها، وأثقلت في موانئه شخصيات ونصوص وإبداعات بمراسي ثقيلة من العتمة والظلم ، فغرقت أو كادت تغرق في خضم الإيهام والتثريب والخصام، ولا أقول الاختصام؛ وأُبعِدت عن مساحات الرؤية والرأي بفعل الثقافة المصنَّعة، والجماهير المصنوعة، التي كانت تنقل من قاعة إلى قاعة، ومن ساحة احتشاد إلى أخرى، لتكون بديلاً عن الرأي الحق و"الجماهير" الحقة؛ ويُجسَّد بعد ذلك رأيها في الإعلام فيكوّن حقائق الإعلام، التي أتت في هذا العصر على كل أثر للحقائق. ومما يؤسف لـه، أننا في السياسة والثقافة والأدب نعيش عصر حقائق الإعلام وليس عصر الحقائق. وهذا الأمر، الذي ما زال تأثيره السلبي مستمراً، لا يمكن التأسيس عليه والبناء على أسسه الخربة .‏

وما لم يقم أهل الثقافة بإعادة ترتيب بيتهم بمسؤولية وشجاعة، على أسس سليمة، ومعايير دقيقة وواضحة وأصيلة، موضوعية وعلمية، يعرضون عليها الأشخاص والأفكار والنصوص ونماذج الإبداع، لوضعها في إطار تراتبية تقويمية صحيحة؛ ويقيمون، على أساس راسخ من الجدية والاحترام للقيم والمقومات والمعايير الأدبية والفنية والفكرية، أسس التذوق والفهم والتقويم والحكم والانتشار؛ فإن تأثير الخلل سيأتي على كل أسس البناء السليم لقيم الثقافة، وعلى دورها في الحياة وتأثيرها في الناس، وستلحق تلك الآثار ضرراً فادحاً بمناخ الثقافة وإنتاجها وتأثيرها، وبقدرة ثقافة الأمة على خوض معترك المثاقفة بثقة، وعلى البقاء في إطار الحيوية والفاعلية والتجدد .‏

فهل نرتب بيتنا قبل أن نزعم القدرة على ترتيب بيوت الآخرين، لا بل القدرة على ترتيب برامجهم الحيوية وأهدافهم ودواخلهم وتوظيف قدراتهم، حسب منهج واستراتيجية وبرامج وأهداف قومية وإنسانية عليا ؟!‏

إن ذلك التحدي مطروح بحدة، شأنه شأن ما سبقت الإشارة إليه من تحديات، وعلينا أن نواجه واقعنا وأنفسنا لتبدأ مسيرة مدروسة في ظل الظروف الصعبة، والتطورات السريعة التي تجتاح معارف العالم وقدراته وقاراته وخصوصياته وأممه ومجتمعاته.‏

إنني واثق من أن المثقفين العرب قادرون على مواجهة جادة وناجحة، وواثق أيضاً من أن المستقبل في هذا الصراع سيكون لنا إذا ما غيرنا أساليب أدائنا وعملنا. و ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.(.‏

صدق الله العظيم.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244