ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

4 - هل الثقافة فعل مقاوم؟؟ وكيف تكون كذلك ؟!

الثقافة في أحد وجوهها فعل اعتراض، وحركة تحريض. اعتراض على القائم أو المستقر أو المطروح ، من واقع ورأي وفكر وعلاقات ليست سوية أو مريحة للناس ولا تحقق الأهداف على النحو الأفضل ، وتحريض على طرح السؤال والقيام بالعمل من أجل تغيير ما يُفترض أن يغير بالقول والعمل.‏

وسواء أنظرنا إلى حركة التغيير تلك على أنها دخول متجدد في تيار التغير النابع من تيار الحياة والمستند إليه ، أو نظرنا إليها كعامل تولده الثقافة وتطرحه ، فإن النتيجة تبقى في صالح حركة الحياة المتجددة والمستمرة.‏

" كيف تكون الثقافة فعل تغيير وفعل مقاومة؟!‏

الثقافة تصنع الوعي- وتسهم في تكوين مقومات الاعتراض.‏

والمثاقفة أصلاً نوع من منافرة منطقية ، وعلاقة يحكمها الجدل وتقيمها حالة الاعتداد بالنفس والاعتراضية المتبادلتين .‏

الثقافة نور يضيء أمام الإنسان سبل الحياة ، ويجعله يرى ، ماله وما عليه من حقوق وواجبات ، على مصباح الفعل وبوعي تام . ولأن الثقافة نور فإنه تصح الرؤية في مناخها وتدق، ويثبت الوعي حق الآخر ووجوده في مقابلة الأنا وماله وما عليه ، كذلك يضاء ما للسلطة عليه وما عليه للسلطة من حق وواجب.‏

الثقافة دعوة متجددة للمعرفة ، والمعرفة تقيم أسس الوعي، وبالوعي يتجدد، أفق الحرية، والثقافة على هذا فعل تثويري متعلق بالحرية ومبني عليها؛ فالثقافة هي" حصيلة التفاعل بين الإنسان والبيئة " كما يقول جون ديوي . ولكن هذا المعنى يبقى منقوصاً إذا لم ينطو على توظيف للوعي واستثمار للخبرة في تيار الصيرورة ، الذي يحمل الإنسان والبيئة معاً، ويحمل البيئة على جهد الإنسان ليعيد صوغها انطلاقاً من كشف قوانينها والتعامل العلمي مع معطياتها.‏

وإذا كانت الثقافة بهذا المعنى تكتنز قدرة خلاقة، أو تملك القدرة على تحويل الطاقة والقدرة إلى إنجازات وأفعال يتجلى فيها الإبداع والقصدية ، فإنها بهذا المعنى أيضاً تنطوي على إمكانية لمجاوزة الحتميات وعلى منهجية " قولبة " - على قوة لجم وضبط وربط - تواجه الطبيعة العشوائية ، بشرية وغير بشرية، والرغبة الجامحة ، والانفعالات ذات القوة العمياء .. إلخ لضبطها في قوانين وقواعد ، وإخضاعها لمعايير ومقاييس وقيم ، وإعادة صرف الطاقة ـ بعد تكثيفها واختزالها- في أمور أخرى ، بسيطرة العقل وقوانين العلم . وأحياناً توضع هذه القدرات والطاقات - لدى الفرد والجماعة والأمة ، الوطن والمواطن- في خدمة أهداف وغايات تتصل بالوجود ومقوماته المادية والمعنوية ، وبالحفاظ على النوع في حالة صحة وازدهار، وبالحفاظ على ما ترى أنه الأفضل في الحياة وللحياة ، ويحقق السعادة .‏

وربما صح قول إليوت بأن الثقافة " دين جديد من حيث دورها في تحسين الحياة " ولكن الدين أصلاً هو من أهم العوامل والمقومات التي تكوِّن الشخصية الثقافية لأمة من الأمم ؛ ومن ثم فالثقافة تقيم صلب " أو هيكل " الهوية ، وتركز جوهرها وتحافظ عليه .‏

وإذا عدنا قليلاً إلى النظر للفعل" الثقافي من زاوية إمكان التحقق وضرورته اشتماله بالضرورة على حدين لضمان التحقق وهما: القوة والوعي القصدي ، أو الغاية المختارة بالوعي المعرفي.) فإننا نجد أنفسنا نقف على فعل بشري عام في صورة مثالية علمية ، أو علم مجرد ؛ وهذه الحالة لا توجد إلا لدى أفراد قلة في المجتمعات ولذلك فإنه من الضروري البحث عن الفعل في حالة الانتماء الواعي والهادف، أي الفعل النابع عن فرد أو أفراد بتكليف من جماعة أو سلطة تمثل الجماعة ، أو ذلك النابع من مجموعة ضمن برنامج أو خطة تحقيقاً لهدف عام. ومثل تلك البرامج والخطط تأتي في برامج سلطة تمثل وطناً فيه أمم، أو سلط لأوطان تمثل أمة، ويكون الهدف من القيام بها تحقيقاً لأغراض خدمية أو دفاعية أو للإثنين معاً.‏

وهذا معناه أن الفعل الذي يقوم على الوعي ويبرمج الوعيُ لا نجازه، ويوفر من أجل ذلك القوة والمقومات والإمكانات ، هو فعل متصل بالهوية(1) ونابع منها، محافظ عليها ومطور لها في حدود التأصل والتأصيل، وهو أيضاً فعل مدافع عن تلك الهوية في أثناء التفاعل والتواصل مع الآخر. إنه فعل خاص في حالة الحيوية أو الإبداع في الحياة .‏

والهوية سواء أكانت لشخص أو لفئة أو لأمة فإنها لا تقوم إلا بالوعي لعواملها ومقوماتها وملامحها ، وهي على هذا الأساس معطى ثقافي بمجمله في تواصل الوجدان والعقل، تصنع أسسها في بوتقتين متكاملتين : في مناخ المعرفة والخبرة والطبيعة بشرية وغير بشرية) ، والعقل واستعماله للمعطى المعرفي- عن الذات والآخر، وبالآخر تعرف الذات وأحياناً يعرف الآخر من الذات - في إطار يحكمه إلى حد بعيد التاريخ والجغرافية في مدار الانتماء لأمة وأرض وبيئة ، وبما لا يلغي حقيقة التواصل والتفاعل ، لاسيما على الصعيد البشري- الإنساني- المعرفي بين :‏

الوجدان - وأكاد أقول القلب - في مناخ الخصوصية الفردية والجمعية ضمن حالة الانتماء لأمة في خصوصيتها وتجلي شخصيتها الثقافية، ولاسيما الجانب الروحي والقيمي والخلقي والاجتماعي من تلك الخصوصية ، في إطار التواصل والتفاعل مع الأمم والشعوب وثقافاتها من جهة ، ومع الطبيعة والذات في تيار التجربة الحياتية المحمول أصلاً في تيار الصيرورة والتطور البشري ، على امتداد الزمن في حالة الحياة.‏

وعلى هذا فإن الثقافة التي هي بمعنى من المعاني" عمل يبذله الإنسان لغاية تطويرية " كما يقول توماس هوبز، والتي هي" دم وجود الشعب" كما يقول هردر، تغدو في حالة الفعل وعلى جناحه حامل ومحمول في حالة تماهٍ تام، وفاعل ومنفعل في جدلية حالات: المد والجزر، الامتلاء الخام والتمثُّل ، أو الرفض و النبذ، الأخذ والعطاء، الحذر والثقة ، الكر والفر، الغزو والاستعمار.‏

"ولما كانت أحوال الأمم تتبع معارفها، كما يتبع المعلول العلة،" كما يقول محمد عبده، والثقافة تقوم بعملية" الارتقاء نحو الكمال الإنساني وتتم بتمثيل أفضل الأفكار التي عرفها العالم، وبتطوير الخصائص الإنسانية المميزة." كما يقول ماثيو أرنولد ، لمَّا كانت كذلك ، فهي عامل ارتقاء ودافع للارتقاء في حالة التفاعل، من جهة ، وهي عامل دفاع ومقوم للوعي بضروراته وأدواته من جهة أخرى ؛ ولذلك تغدو فعل تقدم وارتقاء وتصبح مقوماً رئيساً للفعل في حالتي : التقدم والارتقاء والتواصل البناء مع الآخر وبه، معرفياً على الخصوص.‏

الدفاع عن الهوية والخصوصية في حدود التاريخ والجغرافية إبان التواصل الطوعي مع الآخر والصمود بوجه التواصل المفروض ومقاومته.‏

إذن فالثقافة التي هي وعاء الهوية والمقوم الرئيس من مقومات الشخصية: الفردية والجمعية والقومية، هي موجِّه الفعل الذي تكمن فيه القوة ولا يتحقق إلا بها، ومن ثمة فهي محرك الإرادة بالوعي لحشد القوة والطاقة والإمكانية ولإنجاز عمل مقاوم على أساس فهم للمقاومة في منحيين :‏

1 ـ مقاومة أشكال التخلف والمحو والغزو وإلغاء الوجود الحي للذات فرداً أو أمة) في الوجود ، ولذلك سبله ومجالاته ووسائله. أي مقاومة في الإطار المعنوي من أجل البقاء والسلامة والتقدم والارتقاء، والمحافظة على وجود نوعي فعال في الوجود المتصل للحياة والناس على أرض البشر.‏

ـ ومقاومة أشكال التصفية والإذابة والإلغاء والاقتلاع والإبادة ، لوجود تاريخي حي يواصل حياته في حدود مفهوم للجغرافية : أرض تكونت عليها خصوصية بيئة صنعتها أمة عبر التاريخ . أو لوجود أمة بفاعلية‏

وجود ثقافي وتاريخي وبشري على أرض حمل التكوين البشري‏

طعمها ومؤثراتها ، ولا سيما حين تحمل معنى الوطن الذي تشكل الجغرافية حدوده الطبيعية والسياسية.‏

فهل ثقافتنا العربية تؤسس لفعل مقاوم ، أو بالأحرى تؤسس لفعل عربي مقاوم بالمعنى الدقيق للكلمة ، تضييقاً لحدود البحث ؟!؟ وهل تسند ذلك الفعل ويستند إليها ، فتكون قوته وعلة حدوثه ويكمن فيها من جهة ، ويذكي جذوتها بالتحقق من جهة أخرى ؟!‏

هل هي ثقافة مقاوِمة / بكسر الواو/ وهل هناك ثقافة مقاوَمة / بفتح الواو/ في الإنتاج الثقافي العربي ؟! إنني معني بتلمس إجابة في مجال السؤال الأول: هل ثقافتنا العربية فعل مقاوم؟! في حدود ما سبق وبينت؟!‏

إن نظرة عجلى نلقيها على الإنتاج الثقافي الذي تزخر به حياتنا سواء أدته الكلمة أم وسائل التعبير الأخرى، تجعلنا نقف على حقيقة أن الثقافة العربية تقوم بدور فعال في مجالات نشر الوعي وتقديم المعرفة واستقراء التاريخ وتحليل المعطيات الحياتية على اتساع شمول مجالات الحياة والتفاعل معها ؛ وهي بذلك تخلق مناخاً جديداً وتدفع بالتنوير إلى التحريض على التغيير وإلى الثورة وصولاً إلى تحقيق أهداف قطرية أو قومية أو إنسانية ، مرحلية أو استرتيجية ؛ وتملي أحياناً اختيار المقاومة- الإيجابية والسلبية- من أجل تحقيق أهداف التغيير والتحرير والتقدم . وهي إذ تفعل فعلها ابتداء من الذات وانتهاء بالحس الجمعي وتكوين الإرادة العامة للأكثرية الفاعلة في المجتمع ، فإنها لا تتوقف عن التجدد بتجدد المعطى الحياتي العام الذي يحملها في تياره ضمن مناخ تفاعل مع الآخر.‏

وهي تخوض حوارها مع كل ما يُطرح عليها ، سواء أكان ذلك الحوار ساخناً أم بارداً، وسواء أكان علنياً أو مستتراً، فإنه موجود ويطرح قضاياه باستمرار ، ولكنه لا يسفر بالضرورة عن تقدم حسب مسار واحد ينفذ في فراغه نفوذ السهم إلى الهدف ، وإلا لكنا وصلنا بطاقتنا البشرية والمادية والروحية إلى أقصى درجات الانعتاق من كل القيود . والإبداع من الأساليب والوسائل المجدية لإقامة مجتمع الحرية والعدالة والوحدة والحضارة المتقدمة ، وهو يفعل فعله في هذا الاتجاه منذ زمن . فالمسار الثقافي العربي ممتلىء بالقوى المتضادة وبالانحرافات والانعطافات والجيوب المضللة، وبالمقومات التي تخفض محصلة القوة على مسار الفعل المقاوم وتكاد تلغيها من خلال وجود جهد " فكري " تصادمي يؤدي إلى تشتت الطاقة الجمعية. فهناك شبه إجماع شعبي، وشعار ثقافي وسياسي عام، حول مقولات : التضامن ـ الوحدة- التحرير- التقدم الاجتماعي- الرقي الحضاري ، ولكن السبل إلى تحقيق ذلك تختلف ، والتيارات تتصادم بوضوح فتجعل الفعل الثقافي العربي يقف في مواجهة الفعل السياسي العربي، على ساحة العمل العربي ذاتها، ولا يتوجه الجهد نحو العدو ، أو نحو النهوض ، أو نحو خدمة الهدف العام ؛ الأمر الذي ينعكس سلباً على فعل المقاومة ومردوده وعلى الصراع العربي الصهيوني إجمالاً ، وعلى مجالات العمل التي نستشعر فيها التقدم .‏

ولكي أوضح ذلك أتوقف عند توجهات حديثة ومعاصرة في التاريخ العربي ومواكبته للصراع العربي الصهيوني:‏

هناك التيار القومي الذي يقوم على أرضية فكرية ويقدم إنتاجاً ثقافياً ويوظف المعرفة ويكون الوعي والأجيال على أساس رؤية للحلول العامة في ضوء المشروع القومي الذي يحدد أهدافاً رئيسة في شعاراته ، ويرتب حلقاتها على نحو مختلف بين فريق وفريق ولكنه لا يخرج عن تلك الحلقات التي يلخصها شعار: وحدة حرية اشتراكية. اشتراكية حرية وحدة... إلخ، وفي توجهه العام يأخذ منحى اليسار مع تفاوت في الدرجة، دون أن يلغي أهمية القومية والتاريخي والقيمي الروحي والديني من أبجديته السياسية والفكرية والاجتماعية. ولكنه لا يتفق ، حتى ضمن اتجاهه مع الفئات والأحزاب التي تشكله على موقف موحد من التاريخ ومن التراث الفكر الديني، والعقيدة، ومن مواقف وقضايا أخرى ، فضلاً عن اختلافه مع الاتجاهات والتيارات الأخرى.‏

وهناك اليسار بفئاته وتياراته وأحزابه وما بينها من خلافات استراتيجية وتكتيكية ، ونظرته إلى القومية والوحدة، ولكيفية حل الصراع العربي الصهيوني، ومواقفه من التراث والدين والقومية العربية والنظرة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، ولأولية الصراع الذي يخوضه المجتمع: هل هو الصراع الطبقي الذي يبدأ بانتصاره وعلى أساسه خوض الصراع مع الاحتلال ـ هذا إذا كان في استراتيجيته خوضه أصلاً ـ أم الوصول إلى تصفية هذا الأمر وسواه من خلال خوض صراع التحرير الذي سيحسم مواقف ويصفي وجود مواقع .‏

وهناك التيار الديني- الإسلامي الذي يضيق ويتسع من التعصب المرفوض إلى التسامح بلا ضفاف، وهو يكوِّن موقفاً من التيار القومي ومن اليسار. وينطلق من رؤية خاصة لكيفية حسم الصراع العربي الصهيوني، ويخوض نضاله من أجل التقدم الاجتماعي والحرية والتحرير اعتماداً على منطلقات مغايرة لتلك التي يعتمدها القوميون واليساريون بفصائلهم.‏

وهناك التوجه الذي يعتمد السياسة القطرية لتأكيد الوجود والهوية والوطنية، ويبني على ذلك وانطلاقاً من ذلك سياسة ثقافية واستراتيجية خاصة ومرحليات وبرامج . وهناك التوجه الذي لا يرى خلاصاً للجزء إلا في إطار الكل ، وأن أي شكل من أشكال تحقيق التقدم والتحرر والتحرير لا يمكن أن يتم إلا في إطار العمل العربي العام؛ وأن جهد التحرير وحسم الصراع العربي الصهيوني- سلماً أو حرباً- لن يقدَّر له أن يتم بنجاح إلا عبر منظور عربي عام ، وانطلاقاً من نظرة ونظرية التعامل الاقتصادي والاجتماعي والعسكري والسياسي للوطن العربي كله.‏

إن هذه التيارات والتوجهات ذات الأرضية الفكرية والأدبيات السياسية، والمعطى الثقافي ، مسيَّس وغير مسيَّس، وصاحبة الجهد التنظيمي والإعلامي والعسكري في الوطن العربي ، يتصادم فعلها جراء تصادم فكرها ومنطلقاتها النظرية ومقومات أيديولوجيتها، وينعكس ذلك في الأدب والفن خاصة وفي الجهد الثقافي عامة ، ذاك الذي يؤثر بفعالية في إطار اجتماعي معين ، ليخلق مقاومة أو فعلاً بناء أو مقاوماً باتجاه معين ، يتلاءم مع منظوره ومشروعه ومنطلقاته الفكرية ؛ وتتعاكس هذه الرؤى والمشاريع والمنطلقات أو تتصادم بماهياتها وبما ينتج عن تفاعل تلك الماهيات في الحياة ومع الآخر في معطاه الثقافي ، وبالتالي ينشأ لدينا " أفعال مقاومة" تعبر عن توجهات ثقافية متصادمة أو غير متفاهمة، تتصارع في الكيان العام للثقافة العربية فتكاد تلغي فاعليته وجدواه في ظهور وصوغ تيار ثقافي منسجم قلباً وقالباً، يصب جهده في برنامج حسب أولويات متفق عليها بغية تحقيق أهداف واضحة ومحددة.‏

وحين نسأل عن الثقافة العربية المقاومة، ينصرف السؤال ومفهومه، من وجهة نظرنا في هذه المنطقة من الوطن العربي، وفي عرف معظم التيارات في سورية ولبنان وبعض فلسطين وتوجهاتها ، إلى مقاومة العدو الصهيوني والمخططات الداعمة له والمحققة لأهداف أو لأغراض مرتبطة بهيمنته على المنطقة ، ويكون فعل المقاومة موجهاً ضد العدو بدعم وتأييد مشرقين ومستمرين لهذا الفعل هما : الانتفاضة الفلسطينية المباركة في الأرض المحتلة-والمقاومة الوطنية اللبنانية للعدو الصهيوني في جنوب لبنان وانطلاقاً منه.‏

وإذا توقفنا قليلاً عند حقيقة هذا الفعل المقاوم والدور القومي فيه، والقوة الثقافية العربية المحركة له والمؤثرة فيه والمحققة لوجوده، فإنه يمكننا بوضوح أن نسجل النقاط الآتية :‏

أن الجماهير العربية التي تعيش حالة الفرجة على هذا الذي يجري ، تؤيده وتتفاعل معه بتواتر يتباطأ في حالة ميل إلى التبلد، لعدم زجها فيه في مشاركة حية مباشرة ، ولو بالتظاهر المؤيد. ولهذا خلفياته السياسية والفكرية التي تختلف من بلد إلى بلد ولكن النتيجة واحدة وان تغير الأسلوب والحجة والسبب.‏

أن الصراعات الثانوية التي غطت الساحة ووجهت الأنظار إليها محتلة مكانة الصراع الرئيس مع العدو، عوَّقت فعل المقاومة لبنانياً وفلسطينياً) وأثرت فيه تأثيراً سلبياً. وقد تم ذلك ويتم تحت أغطية فكرية وأيديولوجية وثقافية، وتأكيداً لوجهات نظر تنطلق من أرضية ثقافية - سياسية عامة.‏

ويمكن الإشارة هنا إلى :‏

- الصراع اللبناني - اللبناني وتأثيره على المقاومة في الجنوب وهو صراع يتصل بمقومات ثقافية، وتذكيه معطيات ثقافية أيضاً ، وهو صراع في بعض تجلياته طائفي- سياسي ـ عقائدي..‍)‏

ويمكن التذكير ببعض محاور الصدام المؤثرة سلبياً على قضية التحرير وعلى فعل المقاومة ككل وعلى الثقافة بوصفها فعلاً مقاوماً.‏

. محور ثقافي- ديني- عنصري- استعماري تتشابك خيوطه بين الفئات المرتبطة بفرنسا" ثقافياً- عقائدياً" وبإسرائيل النمط العنصري- المعادي للعرب؛ وهو نمط يطرح معاداته لمقومات الشخصية الثقافية العربية: اللغة - والدين- والصفات والملامح والسمات العامة للمجتمع والأمة، ويخوض صراعه ضد الانتماء العربي ، وضد الذين يمثلون الشخصية الثقافية العربية؛ ويتعاون مع العدو في فعل مقاوم مضاد.‏

. محور ثقافي- ديني-) يخوض صراعاً داخلياً مع ذاته ومع الأخر أمل - حزب الله.)‏

. محور ثقافي- أيديولوجي..) يخوض صراعات على أسس مغايرة مع التيار الحليف له .‏

وكل هذه التشابكات تضعف قوة الفعل المقاوم الموجه للعدو ويأتي ذلك نتيجة لتصادم القوة الثقافية داخلياً بالدرجة الأولى .‏

- الصراع اللبناني- الفلسطيني- السوري‏

وما يقدمه من هدايا مرة للانتفاضة والمقاومة ، وما يفرضه على الساحة العربية المقاومة من تشتت وخور عزيمة وتصادم طاقات وضياع فرص. وكل ذلك نتيجة خلاف سياسي- ثقافي في إطار القومي والقطري- والقرار المستقل والمسؤولية القومية عن قضية فلسطين.)‏

- الصراع الفلسطيني- الفلسطيني‏

وهو صراع يقوم أيضاً على أرضية فكرية ورؤية سياسية ونظرة تاريخية لأهداف الصراع العربي الصهيوني ومراميه ووسائل حسمه مستنداً إلى معنى الحق الوطني الفلسطيني وحدوده وآفاقه ، في إطار منظور قومي للصراع- أو منظور قطري للحل القرار المستقل- الاعتراف بإسرائيل)، والصراع السياسي بين الفصائل ذات المشارب المختلفة حزبياً وعقائدياً اليسار: يسار ويمين ووسط - التيار الإسلامي بتشعباته - التنظيمات القومية بتشظياتها... إلخ.‏

. اقتحام الخلافات العربية السياسية والأيديولوجية والفكرية) لمساحة هذه الشريحة، وإذكاء روح الخلاف والنزاع لتحقيق وجود في مجال قضية فلسطينية، والتعبير عن وجهة نظر، وتغليب تيار على تيار، إما تحقيقاً لاقتناع أو تنفيذاً لمخططات وارتباطات ، الأمر الذي انعكس سلبياً على فعل المقاومة .‏

(1) الهوية هي الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شعوري." أبو البقاء الرندي/ الكليات عن الموسوعة الفلسفية العربية ص822‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244