ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

5 - المثقف العربي والتحديات الراهنــة

ما هي التحديات الراهنة المطروحة على وطننا وأمتنا، وعلى المثقفين أولاً من بين أبناء وطننا وأمتنا لتكون المواجهة على أرضية واقعية منطقية وموضوعية؟؟‏

1 ـ إن انتقال الأمم المتقدمة من عصر الحضارة الصناعية التجميعية الكبرى إلى عصر الفضاء والذرة والحواسيب والإنتاج القائم على سد الاحتياجات الناشئة في الأسواق المختلفة، حسب تنوع الأسواق والسلع، وحسب الجداول الزمنية التي تتطلبها تلك الاحتياجات، جعل العقل ينتقل من ساحة عمل على منوال معين إلى ساحة عمل ومنوال مختلفين .‏

وإذا كنا، حتى الوقت الحالي نفكر، بالانتقال من عصر الحضارة الزراعية والنمط الإقطاعي والاستهلاك المتصاعد للمنتجات الصناعية التي يقدمها الغير والصناعات البدائية أو الأولية التي تعلمناها، إذا كنا نفكر بالانتقال إلى عصر الصناعات الكبرى والمركَّبة والتجميعية المعقدة؛ فإن هذا يجعل الفارق المنظور بيننا وبين الآخرين فارقاً ضخماً يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم؛ لأن التقدم في مجالات الذرَّة وعلوم الفضاء والحواسيب يمكّن من تحقيق تقدم سريع جداً في حين يبقى التقدم حسب معطيات علوم وتطبيقات ما قبل ذلك العصر ضئيلاً ونمطياً ومحدوداً.‏

هل نستطيع أن نواجه الأمة بحقيقة ما يجري، وأن نشكل حالة من الوعي المعرفي والعلمي والقومي، تجعل الانتقال ممكناً من واقع المجتمع الاستهلاكي، والتفكير الصناعي الأولي، والحضارة الزراعية، إلى استيعاب علوم الذرة والفضاء ومعطيات الحواسيب وتطبيقات ذلك، مع امتلاك الحرية، من خلال تحرير ذواتنا من الحاجة والتبعية وقيود تحكّم الآخرين بكل ما نحتاج إليه حاجة حيوية في الدفاع عن أنفسنا، وتحقيق تقدم في أي مجال من مجالات حياتنا ؟؟‏

إن المثقف العربي مطالب بامتلاك معرفة في هذا المجال، وبتحويل هذه المعرفة إلى وعي لدى الآخرين، وتحويل الوعي إلى قرار وسلوك وإنتاج وعلاقات عمل وأخلاقيات تعامل، وهذا يحتاج منا إلى عمل مضنٍ، ابتداء من مجالات التربية والتعليم والمناهج وانتهاء بمجالات الإعلام والسياسة ومعايير القيم والتفكير العلمي ومناهجه وأبحاثه واستثمارات تلك الأبحاث.‏

2 ـ التحدي السياسي - الثقافي - الاجتماعي والاقتصادي، الذي يطرحه الغرب الاستعماري والكيان الصهيوني المتحالفان، على أمتنا ووطننا وثقافتنا ومثقفينا، والذي يتجلى في :‏

ـ تفتيت الأمة والقضاء على كل أشكال التضامن والتفاهم والتنسيق بين أنظمتها وأقطارها وحكّامها، وجعل كل قطر عربي يسعى وراء مصالحه الخاصة مثقلاً بأعباء ضعفه، وبنظرته الضيقة ومنفعيته المرحلية، التي تكرس انعزاله وهزاله ومحدودية نظرته وفعاليته على المدى البعيد؛ ولا تجعله يخدم، في نهاية المطاف، سوى مصالح أشخاص وفئات لا مصالح أمة ووطن، وتكرس اعتماده على العدو الصهيوني والغرب الاستعماري في إقامة تحالفات أو تقديم أتاوات لحماية الأشخاص والأنظمة والمصالح، ولو تم ذلك على حساب الوطن والحق والانتماء والعقيدة ومصلحة الأمة وأجيالها ومستقبلها .‏

ـ فرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية من خلال :‏

أ - تعزيز القدرة العسكرية الصهيونية: تسليحاً وتصنيعاً للأسلحة وتطويراً علمياً وامتلاكاً للتَّقَانَة، بكل أنواعها في المجالات : الفضائية والجوية والنووية والبرّية والبحرية؛ وإضعاف قوة العرب وقدراتهم في تلك المجالات، وإبقاؤهم في حالتي عجز وتبعية، ومحاصرتهم، ومنع بيع حتى الأسلحة التقليدية لهم، إلا في حالات ضمان كونها : لاستنزاف الثروة وليس لتحقيق أي حسم أو أي نصر في المعارك، أو لمحاربة بعضهم بعضاً. وكذلك منع حصولهم على أو امتلاكهم لـ : أية أسلحة متطورة وتَقَانَة قادرة على إنتاج ذلك النوع من الأسلحة‏

ب- رفع المقاطعة العربية عن "إسرائيل" وجعل عمقها الاستراتيجي اقتصادياً يمتد ليشمل الوطن العربي كله، واتخاذ أهل اتفاقيات : كامب ديفد ـ وأوسلو - ووادي عربة جسوراً للامتداد في العمق العربي بصفة وكلاء ووسطاء " كمسيونجية " يخدمون من يحركهم في تلك الاتجاهات إلى أن يأتي وقت الاستغناء النهائي عن خدماتهم.‏

والتوجه نحو سياسة ترمي إلى أن يصبح الكيان الصهيوني مفتاح الازدهار الاقتصادي أو الكساد الاقتصادي، من خلال وقوف الغرب والدول الصناعية إلى جانبه، وتواطئه مع الفئات العربية المنتفعة ببيع الوطن والقضايا الكبرى، لقاء البقاء والثراء والنفوذ الأوسع.‏

جـ - التوجه نحو فرض النظام الشرق أوسطي مالياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً وحتى ثقافياً، بما يحمله ذلك من نفي للشخصية العربية - الإسلامية ومقوماتها وقيمها، ولما تسبغه تلك الشخصية من هوية وخصوصية على المنطقة وأهلها، وما يقود إليه الإحساس بالتمايز، الذي تمنحه الهوية والشخصية، من صلات ومواقف وتيارات تفكير وتدبير وتحرير، وجعل أبسط الصلات والمؤسسات العربية القائمة اليوم، ومنها الجامعة العربية، بضعفها وهزال تأثيرها، أثراً بعد عين، إذ هي "جامعة الكراهية"، كما يسميها شمعون بيريس، تلك التي يجب أن تزول ـ حسب رأيه ـ لتحل محلها "الجامعة الشرق أوسطية" حيث " لإسرائيل " متربَّع ومربع وربيع فيها وموقع قيادي تأسيسي، ونصيب وافر من الهيمنة الشاملة: أمنياً واقتصادياً وسياسياً.‏

د - تعزيز نمو قيم المجتمع الاستهلاكي في الوطن العربي، مما يزيد من ضعف الإنتاج الأساسي، وتدهور العلاقات الاجتماعية والأسرية السليمة، والفتك بقيم الفرد وبتماسكه الروحي وصلابته الوجدانية والنضالية. ويؤدي ذلك إلى شيوع الفساد الاجتماعي وقيمه وأساليبه وعلاقاته، ومناخه العام، الأمر الذي يقضي على الفرد والمجتمع، ويغير التطلعات والطموحات والمعايير الأساسية لما هو جيد ونظيف ومقدَّم في الحياة، وإلى ما هو نقيض ذلك في النظرة الاجتماعية .‏

وفي ظل مجتمع متهالك متهافت منهار لا يسود عملياً إلا الانحلال والسطحية والجهل والتواكل والتخلف الروحي والنفسي، وموات الطموحات والتطلعات الكبرى . وهذا يقود إلى أن يستمر استنزافنا بإرادتنا، وجعلنا مجرد أفواه وسواعد، نخدم ونأكل، ونكون في خدمة الغير ـ وهو هنا العدو ـ الذي يحتل مرتبة الرأس من الجسد، ويأخذ الاهتمامات العلمية والمعرفية والحضارية والتقنية العليا، بينما نبقى نلهث عند عتبة السلم في هذه المجالات، فهل يستطيع المثقفون العرب استيعاب معنى هذه المخاطر والتحديات والتصدي لها، من خلال رؤية مستقبلية وبرامج تربية وتثقيف وأداء سياسي واجتماعي واقتصادي، علمية وعملية، تهدف إلى تغيير الواقع والتحريض على السير في طريق :‏

الصمود للإغراء - مقاومة الصدمة - الابتداء من نقاط الانطلاق المفيدة والمجدية - ثم التقدم بثقة على طريق مجاوزة التخلف والضعف والإحباط، والانتقال إلى امتلاك : الإيمان والثقة والعلم والتَّقَانَة وكل الإمكانات التي تحقق مشروعاً نهضوياً ومنقذاً، وتضع حداً لمشروع الغير المناقض لمشروعنا .‏

إن هذا التحدي ليس بسيطاً وقد يحتاج - بل إنه يحتاج فعلاًـ إلى أن نعود إلى المدرسة وننطلق منها بقيم تربوية ومعطيات معرفية وعلمية لنبدأ تكوين الإنسان الصلب القادر على حمل مشروعه وتحقيق ذلك المشروع، ومن المؤكد أن المدرسة ليست مجرد جدران وإمكانات مادية وإنما هي المعلم والمدرس والأستاذ ، إنها الإنسان القادر على صنع الإنسان ، وهل يُبنى ذلك بغير الثقافة الجادة، والمعرفة العميقة، والحب الكبير للأرض والحق والحرية والحقيقة والإنسان ؟؟ أشك بإمكانية تحقيق ذلك من غير وجود الإنسان المؤهَّل، وأومن بقدرة الثقافة على تكوين ذلك الإنسان وتأهيله.‏

وهذا التحدي الكبير ملقى على الثقافة العربية وأهلها، وهم قادرون على التصدي لذلك التحدي، فهل تنهض وننهض بأعباء مواجهة استحقاقاته ؟ ! إنه سؤال مطروح بحدة وشدة، ومن المسلم به أن رأس حربة التغيير الجذري في هذه المجالات وقاعدته المتينة هو التربية والمناهج والجامعات والبحوث العلمية، ونحن نذكر أنه في بداية الستينيات من هذا القرن، وبعد أن حقق السوفييت تقدماً على الأميركيين في مجالات غزو الفضاء، قرع الرئيس كيندي ناقوس الخطر، وابتدأ بالمدارس والمناهج، وبعد عقد من الزمن تقريباً تقدم الأميركيون على السوفييت في هذا المجال. وهذا لا ينفي مشاركة الثقافة ودورها وتأثيرها في هذه المجالات جميعاً؛ ولكن لا بدَّ من مواجهة سؤال هام هنا وهو :‏

وأكرر التساؤل هل تستطيع الثقافة أن تؤدي دورها فتحرر بالوعي المعرفي، وتنقذ من الخواء الروحي والضلال، وتدفع الإنسان في طريق العلم والحضارة والتقدم بأنواعه؛ من دون أن تنمو في مناخ من الحرية، ومن دون أن تقوم على أسس من احترام الممارسة الديمقراطية ؟! وهل يستطيع المثقفون أن يحرروا الوعي والإنسان، وأن ينيروا القلب ويخصبوا الروح، من دون أن يحرروا أنفسهم من التبعية والنفعية والإغراض المريض، ومن كل خلل في سلم المعرفة والمعايير والقيم الخُلُقية والإنسانية السليمة؟!‏

أكاد أقطع بأن جوهر الإبداع والفكر هو: قيم رفيعة، وتعلُّق بالحرية والعدل والحقيقة والقيم، وتوق لاتحاد عضوي بالأفضل والأسعد والأكمل والأجود. وأكاد أقطع أيضاً بأنه من دون إشاعة المساواة بين الناس، واحترام الحقوق والحريات العامة، لا سيما احترام حق الآخر في الاختلاف تحت سقف ثوابت الانتماء والمواطنة والوطن؛ لا تقوم لثقافة أمة ولمثقفيها قائمة يستند إليها المجتمع ونظام الدولة، فتحرر وتبني وتمارس وجودها الحيوي الذي تحتاج إليه الأمة والبشرية، ولا تتقدمان من دونه أبداً .‏

ولذلك فإن :‏

- قضية الممارسة الديمقراطية على أرضية الانتماء، واحترام الحقوق والحريات العامة، وربط الحرية بالمسؤولية عن أمة في واقعها ومعطيات ذلك الواقع، وفي تطلعاتها ومشروعية تلك التطلعات، وما يرتبه كل ذلك من تبعات والتزامات ... هو مما يطلب من المثقف والثقافة رعايته؛ مع التأكيد على أهمية جعل أفق الحرية مفتوحاً على مداه، يجدده الوعي المعرفي باستمرار ويساهم هو في تجديد الوعي المعرفي وتعميقه باستمرار، من دون أي نوع من أنواع الوصاية أو التضييق، وصاية مثقف على مثقف وتضييق سلطة على ثقافة. وإن التعمق في دراسة موضوع : السلطة والحرية، لاسيما في المجال الثقافي، والعلاقة بين السياسي والثقافي من أهم الموضوعات التي تستدعي الاهتمام والرعاية في هذا المجال.‏

ـ مقاومة الاعتراف بالعدو الصهيوني وأشكال تطبيع العلاقات معه. ومن المفارقات التي يواجهها المثقف الملتزم بتلك المقاومة، في هذه الحالة : أنه يبدو وكأنه ضد السلام، أو يراد له أن يبدو ضده، وهو يقدَّم على أنه كذلك، ومثل هذا الوضع ـ المفارقة التي يبنونها حوله ـ يجعله مرتبكا في بعض الحالات، لأن الثقافة المبنيّة على مسؤولية خُلُقية وقيم إنسانية ، هي تاريخياً مع السلام، فكيف يكون هو ضده؟!‏

والتحدي الذي يواجه المثقف في مثل هذه الحالة هو القدرة على التفريق والإقناع بذلك التفريق بين السلام الصهيوني - الإمبريالي المفروض علينا نحن العرب والمرفوض منّا عقلياً ووجدانياً لأنه ليس السلام، وإنما هو اتفاقيات إذعان تفرض في حالة من عدم التوازن الإستراتيجي بيننا وبين العدو، نتيجة لخلل في الموازين الدولية جراء المتغيرات، ذلك الخلل الذي لا يمكن أن يدوم أبدياً على هذا النحو، وبين سلام ينبع من إقامة العدل في المنطقة وإزالة العدوان وأسباب التوتر فيها؛ ولن يتأتى ذلك إلاّ باقتلاع الاحتلال الصهيوني والقضاء على أشكال العدوان ومظاهره، وعلى رأس ما ينبغي القضاء عليه: قيام سيادة صهيونية في فلسطين العربية‏

وعلينا أن نوضح أن موضوع السلام ليس هو الموضوع الذي نقاومه، وإنما التزييف الفاضح والفادح لكل من مفهومي العدل والسلام معاً، وما يفرض علينا من مفاهيم مزيفة وفاسدة بقوة التفسير الدولي للقانون، الذي تحتكره وتفرضه وتسوقه الولايات المتحدة الأميركية، بامتلاكها القوة وسيطرتها على مجلس الأمن الدولي . فما يفرض علينا هو اعتراف قهري بحق القوة المعتدية الغاصبة الغاشمة، حقها في الوجود فوق أرضنا على حساب وجودنا، وإقامة دولة وسيادة على حساب دولتنا وسيادتنا. ما يُفرض علينا هو إلغاء لقوة الحق التاريخي التي تتمثل في عروبة فلسطين وحق شعبها في العودة إلى كل شبر منها وإقامة دولته المستقلة فوق تراب وطنه المحرر، وإقرار وتمكين لحق القوة العدوانية في الوجود فوق أرض الغير.‏

وعلى ذلك فان مسيرة الاعتراف بالعدو الصهيوني، وتطبيع العلاقات معه، هي مسيرة مناقضة للحق والعدل ولمصلحة أمتنا وللمبدأ الأخلاقي القيمي والإنساني العام، الذي تتعلق به الثقافة ويقوم عليه الإبداع الأدبي والفني والفكري؛ وهي مسيرة مكرسة للظلم والظلام والقهر ولسيطرة القوة، وهو ما يتناقض مع نور الحق الذي تهدي إليه الكلمة وتهتدي به الثقافة والنور والعدل والحق والحرية، سلام بل هي جوهر السلام، لأن ذلك يرسخ الأمن والاطمئنان والسكينة في نفوس الأفراد والجماعات، على أرضية أخلاقية حقانية. فهل نحن قادرون، في المجال الثقافي بمفهومه العميق الشامل، الذي يضم المثقفين جميعاً،حسب ذلك المفهوم، من المعلم إلى العالم إلى ذوي الثقافة العامة والثقافة التخصصية ؟! هل المثقفون قادرون على مواجهة هذا النوع من التحدي الكبير الجارف، وهذا التحريف للمفاهيم، والتزييف للواقع والوقائع والمسلمات والرؤى والمعطيات ؟!؟ ذلك الذي تحشد للقيام به وترسيخه وسائل إعلام ومراكز أبحاث غربية وعربية، وتقف وراء ه قوى وسياسات وأجهزة مختلفة، وتدعمه رؤوس أموال كبيرة ؟!؟ هل يستطيع المثقفون العرب تكوين جبهة قادرة على العمل بجدية لتحقيق حضور في ساحة القرار السياسي العربي يلغي اتفاقيات الإذعان?! وهل المثقف قادر على أن يصرخ في وجه السلطة الغاشمة، أياً كانت السلطة، حينما يكون معه الحق، وأن يمارس انتماء فعلياً للحرية المسؤولة ?!؟‏

هل المثقف العربي مستعد لمواجهة هذا التحدي بقدراته الذاتية وإيمانه ووعيه التاريخي، وأن يتحمل جراء تلك المواجهة صعوبات وضائقات وتضحيات، تصل إلى حدود إسراج فتيل الدم نوراً عند عتبة الظلام ؟!؟‏

إن هذا الموقف المطلوب لا يتصل بالحق والعدل والانتماء الوطني والقومي فقط، وإنما يتصل أيضاً بترسيخ القيم ورفع الأنموذج الأفضل والأسمى، وفتح باب النضال الإنساني في الحياة على مصراعيه، ضد الظلم والعنصرية والعدوان والقوة القهرية، ومن أجل ألا تشوه الحقائق. وهذا باب يُديم قيمنا ويبرر نشداننا للوعي والمعرفة والقوة، ويُديم العرف والمعروف بين الناس، إذا ما فتحناه بجدية وجرأة وكفاءة !! فهل المثقف العربي، المدعو إلى مواجهة هذا التحدي، جاهز للمواجهة وقادر على تحمل أعبائها وتبعاتها ؟!؟ إن السؤال مطروح على القادرين على المواجهة والراغبين فيها في آن معاً.‏

ومن التحديات المتصلة بهذا الموضوع والمرتبطة به أو الناتجة عنه، قضية تشويه معنى المقاومة الوطنية للاحتلال وجعلها إرهابا وتخريبا وهذا عدوان على الحق وتشويه للحقيقة واستهتار بالمعرفة وبالقوانين والأعراف الإنسانية والدولية؛ واستهتار فاضح بالتقدم العلمي والحضاري الذي أنتج تلك المفاهيم وأدى إليها فكل من يقاوم احتلال الصهاينة لأرضه اليوم من العرب، وكل من يفكر بالتحرر من السيطرة الإمبريالية الصهيونية وبمقاومتها، ويوجه جهده لتحرير الأرض أو الإرادة أو القرار السياسي، أو يقاوم ويكافح للتخلص من أشكال التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية هو مخرب وإرهابي وعدو للمجتمع الدولي ـ الذي يمثل الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" ودول الاستعمار الغربي الأخرى فقط - بعرف القائلين بمقاييسه وتفسيراته.‏

ومن يريد أن يعود إلى أصالة من أي نوع وإلى مقومات شخصية ثقافية وحضارية أو هوية قومية، أو إلى عقيدته ومقوماتها وقيمها وأصالة تعاليمها وسلامة تلك التعاليم، محكوم بتهمة الأصولية، بمفهومها السياسي المقدم صهيونياً والمروَّج أميركياً وقد غدت هذه التهم الجاهزة : ( إرهابي - مخرب - أصولي..) تُلحق بكل من يرفع راية العروبة والإسلام، راية القومية والدين، راية التحرر من التبعية للآخرين والتمسك بشخصية ثقافية وبهوية متمايزة. ولا يدرك بعض العرب، وبعض المسؤولين من بين العرب على الخصوص ـ أو هم لا يريدون أن يدركوا ـ خطورة هذا الوضع وانعكاساته المستقبلية على المنطقة والأمة؛ بل يشاركون أحياناً في إيجاده وتضخيمه وتعزيزه وتعميمه كما تشارك عناصر، مدسوسة على العروبة والإسلام، أو مشوهة الرؤية لكل منهما، تشارك في ذلك الفعل، وتعطي للصهيونية العنصرية الحاقدة وللغرب المتواطئ معها، ذرائع ومبررات.‏

ويترتب على المثقفين العرب تغيير تلك النظرة من خلال الرد على كل حملات التشويه والتشكيك الرامية إلى إبادة الوعي وزعزعة الثقة لدى المواطن العربي والأمة العربية، تلك التي تقوم بها الإمبريالية والصهيونية. ولا يكون ذلك إلا :‏

ـ بمراجعة صريحة وشجاعة ودقيقة للمفاهيم والمصطلحات والمواقف والاعتقادات، على أرضية من الفهم والعلم والانتماء والموضوعية، والنظرة المستقبلية الواعية لذاتها وأهدافها ووسائلها، المتبصرة جيداً بتاريخها وعلاقاتها التاريخية مع الأمم والدول.‏

ـ بإقامة جسور التواصل البناء بين الثقافي والسياسي والاجتماعي في هذا المجال، بنجاح وتوازن وحكمة.‏

والسؤال القائم في هذا المجال: هل ينجح المثقفون في هذا العمل ؟؟! هل يكونون قوة معرفية وجدانية تملك المصداقية والجرأة وتتصدى بكفاءة وجدارة، للضخ المعلوماتي المشوَّه والمشوِّه الموجه إلى إنساننا العربي؟! هل يملكون المقدرة على جلاء الثوابت القيمية والقومية والعقائدية التي تميِّز شخصية أمتنا عن سواها من الأمم، وتمايز ملامح هويتها عن الهويات الأخرى، وتجعلها قادرة على المثاقفة بثقة واقتدار، وعلى تحقيق معنى الانفتاح على الآخر باعتزاز ودونما خلل؛ فيصبحون قوة تدافع، بالمعلومة والفكرة والتحليل والأسلوب ونوع الخطاب، عن كل تلك المقومات والقيم بعلمية ومنطقية وحماسة ? أم أنهم سيهابون الأحكام المسبقة والعصي الغليظة المرفوعة في وجه من يفعل ذلك، وأساليب التعتيم والتقزيم التي يلاحق بها من يتوجه مثل ذلك التوجه؟!؟‏

وهل سيصمد المثقفون العرب أمام الإغراءات المالية والإعلامية، وأمام إغراء المكاسب وجوائز التلميع، وأساليب التصدير والتسويق والترويج العالمي، ذلك الذي تقدمه الجهات الإمبريالية والصهيونية لكل من يخرج من العرب والمسلمين على أمته وعقيدته وبيئته الثقافية، ويترك حقوقه ويزري بانتمائه لهذه المنطقة من العالم ولمقولاتها وحقوقها ومعتقداتها وتاريخها ونضالها ومعاناة أبنائها وآلامهم وآمالهم وتطلعاتهم؟؟!‏

هذا التحدي مطروح على المثقفين العرب، ومطروح عليهم في الوقت ذاته التفكير بإيجاد الإمكانات والوسائل، والإبداع في ذلك كله، لمواجهة أشكال التضييق والمنع والقمع الذي تشارك به جهات عدة، ابتداء من أجهزة مخابرات التحالف الدولي ضد الشعوب وانتهاء بعناصر السمسرة، والميوعة الثقافية والإعلامية العربية وأعلامها وإمَّعاتها، الذين بدؤوا يدخلون " التاريخ " في عصر التطبيع، من خلال ادعاء الوعي الزائف والتسامح المحمول على حق العرب والمسلمين في أرضهم، وبالواقعية الانهزامية التي أخذت تضع بيوضها وأجنتها هنا وهناك، وتفرِّخ فساداً وإفساداً، وانفلاتاً وجهلاً، وحقداً مقيتاً يمليه ذلك الجهل وينميه، ويبثه ضد كل من يقاوم تياراً يدعون أنه لن يُقاوم، ومن يدعو إلى بناء الثقة بالذات وبالمستقبل للإبقاء على صلابة روحية واجتماعية وأخلاقية تحمي ما تبقى لأمتنا، وتؤسس لبناء أجيال وقدرات تمكن من استعادة الحق والدفاع عن الذات .‏

نعم قد لا ينجح جيل من المثقفين العرب المؤمنين بالتغيير في تحقيق غاياتهم، وقد يكون موج التطبيع والتطويع والتركيع والإذلال والابتذال أكبر منهم؛ ولكن كلماتهم ومواقفهم لن تموت وستبقى شعلة ومصباحاً، وزيتا يمد ذلك المصباح من زيتونة نقية، استقرت في الوجدان النقي لعرب ومسلمين وبشر أسوياء يرون ميزة الإنسان في العدل لا في التخلص من كل حمل يثقل وجدان الإنسان وذاكرته بسبب من هدم صرح العدل .‏

ولا بدَّ أن تهدي تلك الشعلة عقولاً وتنير دروباً، فتضيء من بعد ظلمة، وتصيب عدلاً من بعد يأس من تحققه، فالكلمة الطيبة نبتة طبية لا تموت، وشجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء "النور"(25).‏

- ومن التحديات التي تواجه الثقافة العربية والمثقفين العرب تحدي إعادة الاعتبار للكتاب والقراءة في ظل الانصراف النسبي عنهما، لا سيما بسبب مزاحمة أجهزة السماع والرؤية المتقدمة، في عصر القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الحديثة وزمن المعلوماتية المتدفقة كالسيل.‏

ولن يتأتى ذلك بمجرد لمسات تعالج سطح المشكلة، إنه يحتاج إلى مراجعة مضنية وقاسية وشجاعة للذات، لما نستند إليه من مستقرات، ولما نملكه من معلومات وأساليب أداء ومناهج بحث، وأسلوب خطاب، وطرائق توصيل وتعبير وتأثير، وما نعالجه من تجارب وقضايا ومشكلات، وما نقدمه من نماذج بشرية في إنتاجنا الإبداعي.‏

إن جوهر المشكلة هو محتوى الكتاب والكتابة، ومضمون ذلك الذي نقدمه وفائدته ومصداقيته، ومواكبته للعصر والعلم ومدى الحاجة إليه. إنه هو الذي ينبغي أن يتوافر فيه ما لا يتوافر في تلك الأجهزة، وأن تبقى الحاجة إليه قائمة على الرغم من تطورها الهائل. إن المصداقية التي تكتسبها الكلمة بالجهد والتحصيل والعلم والتجربة والغوص في المعاناة البشرية بعمق، على أرضية الثوابت المبدئية والقيم الإنسانية والخصوصيات البيئية، هي ما يشد الناس ويؤثر فيهم.‏

إن لما تقدمه تلك الكلمة من رؤية عميقة في الحياة وللحياة، وما تفيض به من مشاعر، في إطار خصوصية تفتقدها الأجهزة المزاحمة وأفلاكها ومرجعياتها المعرفية، هو ما يمكن أن تنفرد به الكتب، والمستويات الرفيعة من إبداع الكلمة وأسلوب الخطاب الثقافي العربي هو أكثر وأهم ما يحتاج إلى مراجعة وتدقيق وتغيير، ليكون موضوعياً من دون برود، وعلميا من دون جفاف، وأصيلاً عصرياً ومستقبلياً؛ يتصل بالحياة في واقعها من جهة ويفتق ببصر وبصيرة عوالم الخيال ومنافذ الأمل ويستشرف من جهة أخرى، ينغرس في طين الأرض ومعاناة البشر، ويمتد رؤى وأجنحة نحو السماء لتنير دروباً للروح تجعل قدرتها في تجدد لاستيعاب الواقع ومجاوزة الصعاب والانفتاح على غد آخر وفرح قادم وعمل مثمر؛ أسلوب يؤمن بقدرته على الخلق والتأثير والتغيير، ويقاوم من أجل الحياة والإنسان بعبقرية الإنسان وطاقته، ويتوجه إليه وينطلق منه، ويستند بالدرجة الأولى إلى مصداقيته وجوَّانيته، وإلى الكنوز القابعة في أعماقه، وأنهار الطاقة التي تحتاج إلى من يفجرها ويستثمرها. فهل يستطيع المثقفون العرب دخول ميدان هذا الأداء باقتدار؟! وهل يعطون للزمن في هذه القضية حسابه الدقيق وأهميته البالغة الأهمية؟؟‏

إنه التحدي العصري الكبير الذي يتوقف على النجاح فيه إحداث نقلة نوعية في الأداء الثقافي والبشري، وفي مساهمة ذلك الأداء في التقدم الاجتماعي والمعرفي بشكل عام.‏

- وهناك تحد رئيس آخر يتصل بالبيت الثقافي العربي ذاته، ولا سيما بمن يتعاملون مع الكلمة بحثاً وتأليفاً؛ ويتصل ذلك التحدي بالتراتبية الثقافية: تراتبية الأشخاص والنصوص، فقد تأثر المشهد الثقافي العربي، لا سيما في النصف الثاني من هذا القرن، تأثراً كبيراً بالمواقف والأحكام والانتماءات السياسية والأيديولوجية؛ وأصبح الحكم جاهزاً على الشخص والنص والمنتج الإبداعي، من خلال الانتماء السياسي أو الرضا السياسي عنه، الأمر الذي رافقته أو انبعثت عنه حملات إعلامية و"نقدية - مع الاحترام العميق للنقد السليم الذي كثيراً ما كان بريئاً من ذلك - تقوم على المدح أو القدح، على الإضاءة والتعتيم، التضخيم والتقزيم، بعيداً عن الموضوعية وعن القيم والمقومات الأدبية والفنية؛ الأمر الذي أدى إلى إصابة ذلك المشهد بخلل كبير، حيث تنتشر في سمائه نجوم لا يصمد بريقها لامتحان الأصالة عند الجد، وأثقلت في موانئه شخصيات ونصوص وإبداعات بمراسي ثقيلة، فغرقت أو كادت تغرق في خضم الإيهام والتثريب والاختصام، وأبعدت عن مساحات الر ؤية والرأي بفعل الثقافة المصنَّعة، والجماهير المصنوعة، التي كانت تنقل من قاعة إلى قاعة، ومن ساحة احتشاد إلى أخرى، لتكون بديلاً عن الرأي الحق و"الجماهير" الحقة، ويُجسَّد بعد ذلك رأيها في الإعلام فيكوّن حقائق الإعلام، التي أتت في هذا العصر على كل أثر للحقائق؛ ومما يؤسف له، أننا في السياسة والثقافة والأدب نعيش عصر حقائق الإعلام وليس عصر الحقائق وهذا الأمر، الذي مازال تأثيره السلبي مستمراً، لا يمكن التأسيس عليه والبناء على أسسه الخربة وما لم يقم أهل الثقافة بإعادة ترتيب بيتهم على أسس سليمة، ومعايير دقيقة وواضحة وأصيلة، موضوعية وعلمية، يعرضون عليها الأشخاص والأفكار والنصوص لوضعها في إطار تراتبية تقويمية صحيحة، ويقيمون على أساس راسخ من الجدية والاحترام للقيم والمقومات الأدبية والفنية والفكرية، أسس التذوق والفهم والتقويم والحكم والانتشار، فإن تأثير الخلل سيأتي على كل أسس البناء السليم لقيم الثقافة، وعلى دورها في الحياة وتأثيرها في الناس، وستلحق تلك الآثار ضرراً فادحاً بمناخ الثقافة وإنتاجها، وبقدرة ثقافة الأمة على خوض معترك المثاقفة بثقة، والبقاء في إطار الحيوية والفاعلية والتجدد. فهل نرتب بيتنا قبل أن نزعم القدرة على ترتيب بيوت الآخرين، لا بل القدرة على ترتيب برامجهم الحيوية وأهدافهم ودواخلهم وتوظيف قدراتهم، حسب منهج واستراتيجية وبرامج وأهداف قومية وإنسانية عليا ؟! إن ذلك التحدي مطروح بحدة، شأنه شأن ما سبقت الإشارة إليه من تحديات، وعلينا أن نواجه واقعنا وأنفسنا لتبدأ مسيرة مدروسة في ظل الظروف الصعبة، والتطور السريع الذي يجتاح معارف العالم وقدراته وقاراته، وأممه ومجتمعاته.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244