|
6 - المستجدات السياسية والموقف الثقافي منها(1)
نتطلع بأمل إلى أن تتعمق علاقة جدلية سليمة وصحية ومفيدة بين السياسة والثقافة في الوطن العربي ، يستطيع فيها الثقافي أن يبدي رأياً مسؤولاً ويقدم اجتهاداً مقبولاً في التوجهات والقرارات والممارسات السياسية ، ويكون له من بعد ذلك أمن من جوع وخوف ، وحضور في ساحة القرار السياسي ؛ وأن يتمكن السياسي من التعامل بموضوعية مع ما يقدمه الآخر الشريك في المواطنة والعيش والمصير والمعاناة والنتائج ، الناشئة عن كل فعل سياسي يمارس وعن كل قرار سياسي يتخذ ، بمعزل عن المواطن وإرادته الشرعية في حالات كثيرة.
وحين تقدم الثقافة رؤية سياسية مسؤولة من موقعها فقد تكون أقرب إلى الثوابت المبدئية والأخلاقية والتاريخية للأمة من جهة ، وبعيدة عن بعض الوقائع والمعطيات وعن ممارسة فن الممكن باقتدار السياسي المحنك من جهة أخرى ، ولابد ، والحالة هذه ، من أن تكون رؤية الثقافة مشوبة عندئذ بكثير من التطلعات والطموحات والأحلام التي تجعل تلك الرؤية مثلومة بالمثالية ، ومحكوماً عليها بالبعد عن الواقعية وعن إمكانية التحقق ، ولكنها مع ذلك تشد النظر إلى الشخصية العامة للأمة بمقوماتها الرئيسة ، وإلى حقوقها في الإطار التاريخي والاجتماعي العام ، وتشتد في التعبير عن السمات والخصائص والتطلعات العامة للشعب ، تلك التي تكرست من خلال نضال وتضحيات ودماء، ومراجعات طويلة على أرضية الواقع والوقائع ، وصراعات وحوار عبر الزمن ، مع الذات والآخر ، وأصبحت جزءاً من الهوية والخصوصية والوجدان الشعبي والمزاج الشعبي في آن معاً .
والسياسة ترى إلى ذلك من موقع مغاير هو موقع المفيد والممكن ـ النافع والمتحقق ـ في ظل توازنات القوة والمصلحة في وقت واحد ، وقد تكون رؤيتها مثقلة بالشخصي والآني وتفاصيلهما ومعطياتهما ، ومشوبة بما يداخل الفعل السياسي عادة من مؤثرات يصنعها المناخ العام ، وتتأثر كثيراً بالتسميم الإعلامي والمخابراتي المقصود ، الذي قد يخلق حالة من عدم توازن القرار المتخذ في ظلال الضغط والخوف والتشبث بالموقع أو بالرأي أو بالمصلحة الضيقة ، وكل ذلك يتفاعل في النهاية ، ويساهم في صنع القرار السياسي ، الذي قد يأتي مثلوماً هو الآخر على نحو ما ؛ وقد يستفيد السياسي من المعطى الثقافي والموقف الثقافي المتحرر نسبياً من التزامات السياسي ، إذا ما أخذه من زاوية ما يقدمه ذلك المعطى للسياسة ، وبالتالي للوطن ، من فائدة ؛ على أرضية الإخلاص ، ومن موقع الحرص والشراكة في المسؤولية عن الأرض والمصير ونوع الحياة المنشودة ومستواها في الوطن . ولا يعني هذا أن الثقافي مبرأ من عيوب الهوى والمصلحة والموقع الذي ينظر منه أو الموقع الذي ينظر إليه ، أو الارتباطات التي قد تحكمه ، ولكنه لن يكون بلا معطيات وبلا ظلال رؤية مفيدة بشكل مطلق .
ولأن السياسة فعل حياة وفعل في الحياة ، يؤثر بقوة وشمول في تكوين الناس وشؤونهم وعلاقاتهم ومصالحهم ومستقبلهم ـ وأحياناً في مصيرهم ووجودهم ذاته ـ كما يؤثر في وطن أو أمة أو منطقة من العالم ، أو في العالم أجمع في بعض الحالات ، فإن تأثر ذلك الفعل ـ السياسة ـ بالمتغيرات شديد وتأثيره على الناس والمتغيرات شديد أيضاً ؛ ولا يمكن لسياسة ما أن تغلق على نفسها وعلى الناس في مساحة نفوذها الأبواب وتسد المنافذ التي تهب منها رياح التنوير والتأثير والتغيير ، فسياسات الجدران الحديدية الكتيمة تهاوت ولا أظن أنها يمكن أن تعود أو تتجدد أو تصمد في عصر المعلوماتية المذهلة ، والعالم القرية ، والأقمار الصناعية ، والصواريخ العابرة للقارات ، وأسلحة الدمار الشامل ، وإمكانيات نقل قوات مقاتلة لخوض حرب من بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية إلى مواقع النفط في الخليج العربي خلال مدة أربعة أيام ، بعد أن كان ذلك يحتاج إلى أشهر قبل أربع سنوات ؟!؟
الثقافة والسياسة إذن هما في موقع التواصل والتكامل والمسؤولية والتأثر والتأثير ، أكثر من أي وقت مضى في هذا العصر ، وفي ظل معطياته وتقنياته وظروفه وتحدياته ؛ فهل تقوم جراء ذلك وبفعله وتحت ضغط واقعيته علاقة جدلية سليمة وصحية ومجدية بينهما ، هدفها خدمة الحق والإنسان والحضارة والحياة ، لا سيما في وطننا العربي وعلى أرضية المعطيات والمتغيرات الكبيرة والكثيرة فيه ، والتحديات التي يواجهها في المرحلة الراهنة المقلقة والمرهقة والممتلئة بالمخاطر ، والحبلى بكل أنواع التوقعات ؟! إن ذلك مطلب وأمل وواقع في آن معاً ، ولكن طرحه يرمي إلى إلقاء مزيد من الضوء ، وتحقيق قدر أكبر من التواصل البناء بين جهات مسؤولة وفاعلة ، في ظروف موضوعية ، بغية الوصول إلى نتائج أفضل في كل المجالات والمستويات .
في الوطن العربي ، لاسيما بعد حرب الخليج الثانية ، ومؤتمر مدريد ، واتفاقيات أوسلو ووادي عربة ، وطرح المشروع الشرق أوسطي ، وسقوط متبنيه سياسياً وغرقه في دماء الأبرياء في " قانا " ليخلفه اتجاه أكثر غطرسة وأشد إرهاباً ودموية وعنصرية يجتاح فلسطين المحتلة ، وبعد عقد قمة شرم الشيخ ، ثم قمة القاهرة العربية الأخيرة ، وبعد معطيات سياسية ومتغيرات دولية وعربية ، اقتصادية واجتماعية وإيديولوجية وثقافية كثيرة وكبيرة ، على رأسها انتعاش نظرية اقتصاد السوق وانتشارها ، وانهيار نظريات اقتصادية وسياسية شمولية أخرى كانت تزاحم بقوة وتتحدى بشراسة وتدعي احتكار العلم الكلي والصوابية المطلقة ؛ أقول : في الوطن العربي ، وفي ظل كل ذلك ، تتعاظم معطيات ومستجدات سياسية تطرح نفسها على الثقافة ، وتطرح عليها أسئلة ، وتنتظر منها أجوبة وآراء ومواقف .
فما هي أهم المستجدات السياسية التي تطرح نفسها على المنطقة وتشهر تحدياتها بوجه الثقافة العربية وأهلها بشكل خاص ، وتتطلب من أهلها رأياً واضحاً وموقفاً مبدئياً صلباً ؟!
أهم المستجدات وأبرزها ـ بتقديري ـ تلك المتصلة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني المنبثق منها والمستمر بسببها ، وهذا الموضوع يكاد يكون منبع الموضوعات الأخرى والمستجدات الكثيرة الضاغطة ، لأنه الموضوع الأساس الذي تدور حوله السياسات في هذه المنطقة من العالم منذ عدة عقود ، وما زال يستقطب الجهد السياسي ويوجهه ويحكمه ويحكم عليه وعلى أهله ، ويستحوذ على الاهتمام الثقافي ويضع الإنتاج والأشخاص والتوجهات في الميزان الذي يمسكه بيد تمتلك حساسية الجماهير العربية وحسها القومي والأخلاقي ، لأنه الموضوع الذي يؤرق وجدان الأمة ، ويكثف التحديات المطروحة عليها ، ولأنه المؤثر بقوة في وجودها ومستقبلها في هذا العصر . وعلى جذع هذا الموضوع تنبت الأسئلة حول المستجدات التالية التي يمكن وضعها في محاور عامة ، والوقوف عند كل منها وقفة عامة أيضاً ، حسبما يسمح به الوقت والمقام :
1 ـ عملية السلام : مدلولها ـ مفاوضاتها الثنائية والمتعددة ـ مصيرها ـ وما يترتب عليها ، والموقف الثقافي منها مرحلياً ومبدئياً ، وما الموقف السياسي العربي فيها .
لم يكن لمؤتمر مدريد ، الذي بدأت منه عملية السلام ، أن ينعقد ، ولعملية السلام ذاتها أن تبدأ بين العدو الصهيوني والأطراف العربية ، لولا حرب الخليج الثانية والانهيار الذي حدث في العلاقات العربية ـ العربية ؛ ومن المعروف أن ذلك تم على أرضية المتغيرات الدولية التي أدت إلى انهيار حلف وارسو ، وتمزق الاتحاد السوفييتي ، وتراجع النظرية الماركسية ـ اللينينية ، أو سقوطها عند من يحبذون استعمال هذا المصطلح في التعبير عما حصل .
وانتقلت السياسة العربية بشكل عام ، على أرضية قمة الدار البيضاء ، التي قالت بالحل السلمي للصراع العربي الصهيوني وتبنت النقاط الثمانية ـ إطار مشروع فهد ، ولي العهد السعودي آنذاك ـ انتقلت إلى تجسيد مقررات تلك القمة والسير على نهج موافق إلى حد كبير لنهج كامب ديفد بعد مؤتمر مدريد ؛ واضعة في الاعتبار حلاً للقضية الفلسطينية وإنهاء للصراع العربي ـ الصهيوني الذي نشأ بسببها ، يقوم على أساس قرارات مجلس الأمن الدولي 242 ، 338 ، ومبدأ الأرض مقابل السلام ؛ ثم أضافت إلى ذلك ، نتيجة المفاوضات الثنائية والمتعددة ، والصراع الدامي الذي ما زال مستمراً في جنوب لبنان جراء احتلال الكيان الصهيوني لذلك الجنوب ، أضافت إلى مرجعياتها القرار 425 . وهذه الثوابت السياسية العربية ، التي كثيراً ما ينتهكها العدو ، ويتجاوزها بتواطؤ كيدي مع بعض الأقطار العربية ضد أقطار عربية أخرى أحياناً، تؤدي في إطار تطبيقها النهائي ـ على أرضية الاحترام التام لها ـ إلى :
* اعتراف بحق تاريخي " لإسرائيل " في الوجود ، وإقامة دولة عبرية على حساب فلسطين العربية والحق التاريخي الذي للعرب فيها ؛ والنظر إلى اليهود المجلوبين إلى فلسطين المحتلة على أنهم شعب أقامته الصهيونية من الموت على أرضية التلمود والقومية ، وأعادته إلى " أرضه التاريخية ، أرض الميعاد ؟! " ليقيم فيها وطناً على حساب عرب كان لهم فيها وطن ؛ وليصبحوا، باعتراف دول المنطقة والأمة العربية وأقطارها وأنظمتها ، وفي المقدمة من أولئك يأتي الفلسطينيون، بما يمثلون من خصوصية حق ، وخصوصية نضال، وخصوصية انتماء إلى فلسطين ؛ دولة كاملة الحقوق والصلات الطبيعية في المنطقة؛ وقد حققت اتفاقيات أوسلو خطوات على تلك الطريق اعتبرها العالم نهائية . وبهذا تعطي السياسة العربية ، المحكومة بالضعف والفرقة والمتغيرات السياسية الدولية ، وبولاء الكثير من أنظمتها وحكامها للدولة الأعظم ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ تعطي " لإسرائيل " حقاً لا تملك أن تمنحها إياه ، لأنه ملك الأمة التاريخي وملك أجيالها القادمة ؛ والسياسة العربية تمنح ذلك خوفاً وخضوعاً ومراعاة للسائد من قوة البطش الأميركية ، التي غدت تسيطر على سياسة هذه المنطقة من العالم ، وتسيرها بالقوة عند اللزوم ، لما فيه خدمة المصلحة الصهيونية " وإسرائيل " ، تلك التي بلغ نفوذها في الولايات المتحدة الأميركية حداً جعل أحد أعضاء الكونغرس الأميركي يقول : " إن الكونغرس أرض محتلة من قبل " إسرائيل " ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك : و العالم كله يدرك معنا بالضرورة حقيقة أخرى ، تكرست في إطار المستجدات السياسية الدولية وسيادة الدولة الوحيدة القطب ، وهي حقيقة " أن مجلس الأمن الدولي أرض محتلة من قبل الولايات المتحدة الأميركية . " .
وعلى هذا فإن العملية السلمية ، عند نجاحها النهائي ، وبالشكل الذي تتطلع إليه الأنظمة العربية وترتضيه ، وما أكدته القمة العربية الأخيرة في القاهرة ، ستؤدي العملية أيضاً إلى تكريس الوقائع التالية المقبولة من السياسة العربية ، والمعترف بها رسمياً من قبلها :
* استمرار نزوع دولة عبرية ذات مشروع توسعي صهيوني ، تسيطر على معظم أرض فلسطين التاريخية ، استمرار نزوعها إلى التوسع على أرضية انتمائها ، في جغرافيتها السياسية ، إلى المنطقة ، وتكليفها بتحقيق وعد " الرب " لها ؛ وتمتعها باعتراف عربي يؤكد حقها في الوجود والبقاء ، وفي أنها جزء من النسيج الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والأمني للمنطقة ، وينبغي التعامل معها على هذا الأساس ، وتمتعها فوق ذلك كله وقبل ذلك وبعده ، بالتفوق العسكري على العرب والمسلمين مجتمعين ، وهو تفوق لا تسمح الدولة الأعظم والدول المتعاونة معها بأن يختل لصالح العرب والمسلمين أبداً، لأن مصالحها في هذه المنطقة تقتضي خلق ودعم دولة تقوم على أساس امتلاكها مشروعاً توسعياً " مباركاً من الرب " وموعودة هي به من دون الخلق ، وملزم به وبتأييد كل ما يقوم به من ممارسات ، كل من " يؤمن " بالمسيح وبوعد الرب ، على الطريقة الأسطورية ـ الخرافية ـ التلمودية ـ العنصرية المشوهة ، التي تقدمها الصهيونية وتروجها ، وتبتز العالم باسمها وباسم آلام اليهود ، وإلا فالتهم كثيرة ، وعلى رأسها معاداة الساميَّة !؟!
* بقاء ملايين من الشعب العربي الفلسطيني خارج وطنه ، محرومة من حق العودة إلى ذلك الوطن ؛ وهو الحق المعترف به دولياً ، والمنصوص عليه حرفياً في قرارات الأمم المتحدة ، والموقوف التنفيذ منذ عقود من الزمن ـ لأن قرارات الأمم المتحدة غير ملزمة لمن لا يلتزم بها ـ لصالح يهود يهجَّرون من أوطانهم بدوافع عنصرية واستعمارية واعتقادية ـ خرافية ـ أسطورية ، ليتخذوا من وطن الفلسطينيين وطناً لهم ، بحجة أن أحد أجدادهم ؟؟! ) مر بهذه الأرض أو حلم بها قبل ثلاثة آلاف سنة ، بينما الذي يعيش فيها منذ نيِّف وستة آلاف سنة واستمر بالعيش فيها إلى أن طرد منها بالقوة القهَّارة ، قبل خمسين أو ثلاثين من السنين ، وما زال يتطلع إلى العودة إليها ، ويقدم ضريبة الدم ، ويعيش دون وطن ؛ ينبغي أن يحرم من حقوقه البشرية والتاريخية والقومية والإنسانية والأخلاقية ؟!
* قيام حالة من التهديد وعدم الاستقرار والهيمنة والنهب والقمع ، تقوم بها القوة التي يُراد لها أن تكون القوة الوحيدة المتفوقة والمهيمنة والمتوسعة على حساب حياة الآخرين وأرضهم ومستقبل أجيالهم وسعادتهم ومكانتهم بين الأمم والشعوب .
ولما كانت السياسة العربية تتعامل مع موازين قوى ومتغيرات سياسية تضع الحق بيد القوة ، وهي لا تملك الآن قوة تقيم بها الحق ، وحقها دون صوت وربما دون لسان فكيف يُسمع أو يُصان ، فإن من حق الثقافة العربية ومن واجبها ، وهي التي تنتمي إلى الحق والعدل والثوابت التاريخية والأخلاقية والإنسانية ، وتعبر عن شخصية الأمة وحقوقها ، من حقها بل من واجبها أن ترفض ما يُجبر السياسي على قبوله ، فما يلزم السياسي لا يلزم الثقافي بالضرورة ، وأن تحافظ على الحق التاريخي للأمة حياً ومؤثراً في الذاكرة والوجدان على المستويين الفردي والجماعي ، وأن تصنع الوعي وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة ، وأن تغذي إرادة الشعب بما يقوي إيمانه بنفسه وبحقه ومستقبله ، وأن تلتزم بالدعوة إلى تربية ومعرفة وقيم ورؤية تكون قادرة على المساهمة الفعالة في تكوين الإنسان تكويناً علمياً وروحياً وعملياً عالياً يجعله قادراً على الوقوف إلى جانب الحرية والعدالة الإنسانية وحقوق الشعب ، وقادراً على انتزاع تلك الحقوق وفرض احترامها ، مهما طال الزمن واشتد الضغط ، واختلت الموازين ، وتشامخ ظلام الوقت وظلم الطغاة . وعلى هذا فالثقافة العربية مطالبة برفض الخيار السياسي العربي الذي لا يحقق العدل ولا يعيد الحق ؛ وهنا نتحدث عن الجانب الذي يهم الثقافة العربية بالذات وعن موقفها من قرار غير عادل ـ قرار الاعتراف بدولة إسرائيل ـ وهو قرار يؤدي في نهاية المطاف إلى زوال فلسطين لصالح قيام " إسرائيل " ، واستمرار تشرد الشعب الفلسطيني ومعاناته ، لصالح راحة العنصريين الصهاينة المجلوبين إلى فلسطين المحتلة وسعادتهم وأمنهم ، ولصالح الاستعمار الغربي الذي يهتم أولاً بتحقيق مصالحه على حساب نهب الآخرين وتعاستهم .
من هنا ، واستناداً إلى كل ذلك الرصيد من المعطيات والحقائق والثوابت المبدئية والتاريخية والأخلاقية ، وتشبثاً بالدور المنقذ الذي للثقافة العربية في هذه الظروف ، وأداء للرسالة والمسؤولية المناطتين بها وبأهلها ، فإن من واجبها أن ترفض كل شكل من أشكال الاعتراف " بإسرائيل " وكل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معها ، وهو ما ستسفر عنه عملية السلام ، والجهود السياسية العربية الراهنة ؛ وعلى الثقافة أن تتجه بأمل وثقة إلى المستقبل وإلى الأجيال القادمة ، وأن تراجع نفسها وأساليبها وأدواتها وخطابها لتكون قادرة على إكساب " لا " التي تقولها معنى ومصداقية ، ولتصل من بعد إلى تحقيق أهدافها ولو بعد قرن من الزمان .
الثقافة العربية في هذه الحالة حامل وعي معرفي وتاريخي ، وحامل حقيقة ورسالة عادلة ، تريد أن تنقلها من زمن غطرسة القوة وضعف الحق بضعف أهله ، إلى زمن تعمل على أن يقوى فيه الحق بقوة الوعي الذي يرفع شأن أهله ، ويقيم تقدمهم وتضامنهم ، زمن تتراجع فيه الغطرسة أمام قوة المنطق والوعي والعدل والحق والشعب . وقد تصطدم الثقافة مع السياسة في توجهها هذا ، لأن السياسة العربية لم تعتد على سماع من يرفع " لا " في وجهها ؛ ولكن شرف موقف الثقافة وصحة ذلك الموقف ، وقدرته على الاستشراف والمستقبلية وتحمل المسؤولية التاريخية وتغيير المستقر في الواقع والراكد في الذهن ، كل ذلك يستدعي أن تعلن موقفها وتدافع عنه ، وأن تتحمل تبعات ذلك ، وأن تكوِّن جبهتها القوية العريضة وتخوض معاركها العادلة والحاسمة ، وعليها من أجل ذلك أن تتخلص من كل أشكال التلوث والتردد والتبعية والخوف والوهن ، وأن تمتلك نور الوعي والمعرفة وقدرتهما بثقة واقتدار ، وأن تستخدم كل ذلك بشرف وحكمة وحنكة واقتدار أيضاً .
2 ـ قومية القضية الفلسطينية ، والبعد القومي للمسؤولية في كل من الحل واستمرار الصراع ، والموقف الثقافي من المواقف السياسية في الاتجاهات المختلفة والاجتهادات المختلفة حول هذا الموضوع ؛ لا سيما ما يتصل من ذلك بالحل القطري ـ الفلسطيني تحديداً ـ والموقف القطري المواكب لـه والمعزز لـه في أقطار عربية أخرى ، وكذلك السياسات القائمة على أساس القضاء على البعد القومي لهذه القضية ولكل قضية قومية ، للتَّخلُّص من الالتزامات القومية وما ترتبه من مواقف وتبعات ، والاحتماء بالقوى الدولية والقوى المعادية للأمة العربية ، وبالقانون الدولي والمؤسسات الدولية عندما ترى في ذلك مصلحة قطرية أو مصلحة أنانية للنظام القطري القائم ، يتحقق فيها استقراره واستمراره ، وإحكام قبضته على الناس والأمور ، ولو على حساب الأمة ومصالحها العليا وقضاياها المصيرية .
والثقافة العربية مطالبة ، في هذا المجال بالذات ، بتعزيز البعد القومي للقضية الفلسطينية ، وبالرد على كل من يحاول إضعافه وإلغاءه ؛ فالقضية الفلسطينية كان لها البعد القومي الشامل في كل مراحلها التاريخية ، وهكذا ينبغي أن تبقى ، وهي قضية كلفت الأمة الكثير من التضحيات فلولاها لما كان احتلال سيناء وقناة السويس والجولان وجنوب لبنان ، ولما سقطت عشرات الآلاف من الشهداء ، ولما كانت كل هذه الآلام والمعاناة ، لقد حدث كل ذلك على طريقها ومن أجلها ، بوصفها قضية شاملة لمجمل أوجه الصراع مع الاستعمار والصهيونية ، اللذين يتحالفان دائماً لتحقيق أهدافهما التي لا تتوقف عند احتلال الأرض ، بل تشمل كل ما يتصل بشخصية الأمة العربية وثقافتها وعقيدتها ومصالحها وخيراتها ومستقبل أبنائها .
وتأسيساً على هذا وانطلاقاً منه ، فإن كل تفرد في حل القضية الفلسطينية هو إضعاف لها ، وهو تجزيء لوحدة قضية يؤدي إلى الإخلال بها وبالتوازنات التي ينبغي أن تتوافر لها ، تلك التوازنات التي لا يستطيع قطر عربي بمفرده أن يحققها . والقضية الفلسطينية ليست ذات بعد سياسي محض ، وليست قضية قطر أو فئة ، وليست مسؤولية قطاع من مقاولي الأعمال السياسية بروح تجارية ، إنها قضية تتصل بشرف أمة وتاريخها ومستقبلها ومكانتها بين الأمم ؛ وعلى ذلك فإن الثقافة العربية مطالبة بموقف واضح وجاد من كل الحلول الجزئية ، أو تلك التي تأخذ بمبدأ الاستفراد بمجموعة عربية لتجعل العرب في نهاية المطاف مجموعات متقابلة في حالة تنازع وتهرؤ .
إن الثقافة العربية أرض مشتركة ، وما زالت هي الأرض الأكثر صلابة بالنسبة للعرب جميعاً عبر التاريخ وامتداد الجغرافيا ،على الرغم من إرادة بعض الحكام والأنظمة العربية الرامية إلى تجزئة هذه الأرض واقتسامها على أساس الجغرافية السياسية القائمة ، الأمر الذي يسهل فرض كل أشكال التبعية عليها ، وهذا يضعف دورها القومي كثيراً إن لم ينهه نهائياً ؛ وينبغي أن تأخذ الثقافة دوراً فعالاً في موضوع إعادة البعد القومي الذي للقضية الفلسطينية ، بكل المقاييس وعلى المستويات المختلفة ؛ وهذا يستدعي أولاً إنضاج رؤية مشتركة جديدة لأهل الثقافة العربية حول هذا الموضوع وتمسكهم بها وتماسكهم حولها ، وسبيلهم إلى ذلك الحوار بمسؤولية ووعي واحترام ، ثم مواجهة الموقف أو المواقف السياسية التي لا تحترم هذه الحقيقة العربية الناصعة ، وتحاول أن تعطي ظهرها لدروس التاريخ العربي المعاصر وعبره ، وهو الذي يصرخ ، في كل مفارق الوطن والزمن ، بحقيقة أن الفُرْقة كانت وبالاً على الأمة في صراعاتها مع أعدائها ، وبأنه ما حقق فلسطيني أو عربي قط مكسباً من تفرّده بخطوة أو خطوات على طريق الحلول المنفردة لهذه القضية ، بل ازداد ضعفاً وخسراناً وألحق الخسران والضعف بالأمة كلها ؛ وهاهو السادات مثل على ذلك، وهاهي أوسلو تضع عرفات ومن معه في سلة نتنياهو ، ولا تجعله أكثر من رئيس مخفر ـ كما كان مرسوماً لـه أصلاً ـ يلاحق الفلسطينيين الذين يرفضون صفقته الشائنة ، ويدافعون عن أنفسهم ضد طغيان العدو وعنصريته وبرامج الإبادة البطيئة التي ينفذها ضد الشخصية الفلسطينية والأرض والقضية؛ وها هو الملك حسين يقود الأردن بعد وادي عربة وبفضلها، إلى تحالف مع العدو الصهيوني ضد أمته وضد أقطار عربية منها بشكل خاص ، قاصداً إلى الاحتماء بالعدو ليحفظ عرشاً ويضيع أمة وتاريخاً ؟! فأية صفقة وأي تاريخ ؟! إن الثقافة العربية مطالبة بأن تتخذ موقفاً وتقول رأياً صريحاً في هذه المواقف والممارسات والقضايا ، وأن تدافع عن رأيها ورؤيتها بقوة واقتدار .
3 ـ دخول معطى جديد على مكونات الرؤية السياسية العربية ، ينعش تاريخاً ثقافياً وسياسياً مشتركاً مع أمم أخرى ، ويوحي برسم سياسة تأخذ بالاعتبار المنظور العربي ـ الإسلامي ، وما يقدمه ذلك من صيغ عمل وإمكانات تعامل ، ومشاريع ورؤى ، وما يفتحه من آفاق جديدة من جهة ، وما يرتبه من صراعات وتحالفات وممارسات للقوى المناهضة للأمتين العربية والإسلامية وللثقافة التي تحملانها وتمثلانها من جهة أخرى ، إذا ما قامت صلات وعلاقات تحيي هذا المشترك وتصونه وتستلهمه وتبني عليه ؛ وما يثيره ذلك من توقعات واحتمالات ، وما يستدعيه من تقليب للرأي وتبادل لوجهات النظر ، وفحص للمعطيات جميعاً في أثناء النظر إليه من زوايا مختلفة ، مبدئية ومصلحية ، مرحلية واستراتيجية .
وقد كان هذا المعطى موجوداً ، على الصعيد السياسي منذ تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي وقيام مؤسساتها قبل سنين ، ولكنه يدخل الآن بقوة أشد ، ويشكل حضوراً محتملاً في السياسة العربية ، بعد المتغيرات العاصفة التي حصلت ، وسعي العدو الصهيوني إلى تشكيل أحلاف مع دول عربية وإسلامية لضرب دول عربية ودول إسلامية أخرى بعضها ببعض ـ أقصد التحالف الإسرائيلي التركي الأردني برعاية أميركية ، حلف بغداد بلا بغداد ، الذي يهدد دولاً في مقدمتها سورية ولبنان والعراق وإيران ، ويخلق أوضاعاً غريبة ومريبة في المنطقة ـ ولا أظن أن هذه القضية لا تعني الثقافة بالقدر الذي تعني به السياسة ، ولكن المنظور الثقافي لها ما زال غائباً . وربما وجدت الثقافة العربية بعداً استراتيجياً ومناخاً حيوياً لتفاعلها وتواصلها مع ثقافات وشعوب تربطها بها وبالأمة العربية صلات تاريخية ومعطيات ثقافية ، أكبر وأصلب من أن تعبث بها القوى الأخرى وعوامل التغيير ؛ وقد طال انصراف الثقافة العربية عن الثقافات الشرقية بشكل عام ، وعن ثقافات الشعوب الإسلامية بشكل خاص ، وليس منطقياً ولا صحياً ولا موضوعياً أن يتجه نظرنا دوماً إلى الغرب ، وأن نكون في شبه تبعية ثقافية وغير ثقافية له ونحن نتطلع إلى التخلص من هيمنته ونشكو مر الشكوى من تشويهه المقصود لثقافتنا وقيمنا وعقيدتنا ، ومحاولاته الدائبة لممارسة كل أشكال الطعن والتثريب والتخريب ضد ثقافتنا ، والاستلاب الشامل ضدنا ؟!
إن انفتاحنا على الآخر ، وحوارنا مع الثقافات ، وتطلعنا إلى قوى تتفهم قضايانا العادلة وتناصر حقوقنا ونضالنا العادل والمشروع لاستعادة تلك الحقوق؛ كل ذلك يستدعي منا أن نبحث في كل الاتجاهات عن الغنى المعرفي والأصدقاء وعن القوى التي تناصرنا ولو قليلاً ، ونحن نتصدى لأشرس عدوان وأكبر تواطؤ غربي صهيوني ضدنا . ربما ترتفع أصوات لتقول في تلك الصلة، لقد انطبق علينا المثل : " وقع المعثر على خايب الرجا " ولكن المثل يقول أيضاً : " ضعيفان قد يغلبان قوياً " ؛ ونحن أصلاً لا نبحث عن تحالفات بقصد ممارسة الظلم والعدوان والاستقواء والاستعلاء واستعراض العضلات ، إنما نبحث عما يساعدنا في دفع العدوان والظلم عنا . والثقافة العربية الإسلامية، هي مستند الشخصية العربية الرئيس ومكونها الأقوى ، وليس في مصلحة العرب أن يكونوا ضد المسلمين أو ألا يستعينوا بهم ويتعاونوا معهم ، وليس في مصلحة المسلمين أن يكونوا ضد العرب أو ألا يستعينوا بهم ويتعاونوا معهم. والثقافة التي تقيم جسور التعاون مع الشعوب ، وتهمِّش خلافاتها وتذيب عداواتها بالمعرفة وبالتغلب على الجهل ـ والإنسان عدو ما يجهل ـ هي الأقدر والأجدر بأن تقيم هذا التواصل والتفاعل في إطار بناء من الاحترام والثقة المتبادلة .
4 ـ منظور الخيارات والوسائل والأدوات والأساليب المطلوبة لمواجهة التحديات القائمة للوطن العربي وفيه ، وعلى رأسها تحقيق التقدم العلمي والتقني كشرط لمواجهة تحديات القوة والتقدم والعصرنة المطروحة بقوة ، وتحدي الاحتلال وقدراته العسكرية وغير العسكرية ، وتحالفاته ؛ والتحالفات الأخرى المطروحة على الوطن والأمة من قبل الغرب بشكل عام ؛ ذلك كله يستدعي مواجهة أسئلة وخيارات منها :
* خيار المقاومة المسلحة للاحتلال الصهيوني ، وما يرتبه على السياسة والثقافة من تبعات ومسؤوليات ومواجهات ، مادية ومعنوية ، وما قد يخلقه ذلك الخيار من خلافات بينهما أصلاً في وجهات النظر ؛ والاحتمالات التي يطرحها والقضايا التي يثيرها ؛ ولا نرى أن الثقافة العربية يمكن أن تتنكر للمقاومة أو تنكر عليها حقها في ممارسة فعل التحرير بكل الوسائل والأدوات والأساليب المجدية ؛ والثقافة هي المسؤولة عن مواجهة أشكال الخلط المتعمَّد والمدروس بين المقاومة المشروعة ضد الاحتلال وبين الإرهاب ، وهي التي من حقها ومن واجبها في وقت واحد أن تستلهم فعل المقاومة وترفع راية أبطالها ومنزلتهم ، وأن تذكي نارها وتعلي شأنها ومكانتها في حياتنا اليومية عالياً ، فالمقاومة هي الشهادة بأنبل صورها ، والتضحية بأجلى مظاهرها . وإذا كانت بعض السياسات العربية قد استساغت ذلك الخلط بين المقاومة والإرهاب وسوغته لأغراض قطرية ضيقة ، فليس من مصلحة الثقافة ولا من مصلحة الأمة أن يتم وأن يستمر هذا النوع من الخلط ، حرصاً على الحقيقة وعلى روح التضحية ومفاهيم الوطنية والمفاهيم الثقافية والإنسانية السليمة ، وعلى الثقافة في هذا المجال أن تكون المقاومة وتشق طريق في شعاب الوعي لها ، وأن تدافع عن هذا الحق المشروع وتأخذ بممارسته .
فموقف الثقافة في هذا المجال ينبغي أن يكون واضحاً ، واختيارها معلناً ، ودفاعها مشرفاً فهي ثقافة المقاومة والمقاومة انطلاقاً من حصون الثقافة العربية، وعندما تفعل ذلك تنسجم مع طروحاتها واختياراتها ومواقفها ، وتعبر عن شرف الكلمة التي تنتمي إليها وتحمل رايتها .
* خيار الحوار مع الغرب من مداخل مختلفة : الإسلام والغرب ـ الحوار الإسلامي المسيحي ـ المشروع المتوسطي : ثقافياً واقتصادياً وسياسياً.. الخ ؛ وخيار مواجهة استفزازات الغرب وأحكامه الجاهزة المسبقة ، وكيله بمكيالين ، ومصالحه القائمة على نفي مصالحنا وبعض مقومات وجودنا ، وإضعاف قدرتنا على حماية تلك المصالح وعلى اتخاذ قرار أصلاً بامتلاك قوة العلم والعمل والتضامن للدفاع عنها . وتكاد تكون الثقافة هي خط المواجهة الأوسع في كثير من هذه الجبهات ، وهذا ما ينبغي أن تراعيه كل من الثقافة والسياسة العربيتين، لأنه يحتاج إلى تعاونهما وتكاملهما ، فحروب القرن القادم ومواجهاته ثقافية بالدرجة الأولى ، ولا مناص من أن تتحقق للثقافة العربية الإمكانات والأدوات والوسائل التي تمكنها من خوض مواجهة ناجحة ، وفي المقدمة مما ينبغي أن يتحقق لها مناخ العمل بحرية والإبداع بالتزام ، والثقة والقدرة على ممارسة دورها بشمول داخل الوطن وخارجه ؛ لأننا قد نجد ، في مجالات كثيرة ، أن مواجهاتنا مع الغير لا يمكن أن تحسم قبل حسم مواجهات داخلية تعوق الأداء الوطني والقومي والفردي بأشكال مختلفة ، وتشكل بذلك ظهيراً للعدو يعمل ـ عن وعي منه أو دون وعي ـ خلف خطوطنا الداخلية .
* خيار الحوار مع العالم الإسلامي واللقاء معه من خلال تعزيز المؤسسات القائمة والتفاعل في إطارها بوعي لأغراض الحوار وأهدافه ، ومردود ذلك على مجمل الحياة العامة من جهة ، ورد الفعل الذي يمكن أن ينشأ عنه من جهة أخرى . وهذا أفق مفتوح بأشكال مختلفة ، ومسدود بأشكال مختلفة أيضاً ؛ فلا يوجد توجه سياسي استراتيجي عربي في هذا المجال على الرغم من وجود مؤسسة الدول الإسلامية ومنظمة الأسيسكو ، ولا تمارس الثقافة العربية دوراً مبادراً ذا حضور ملحوظ في هذا المجال لأسباب عدة منها: الخوف ، وعدم الاعتياد ، وإرث السنوات الثقافية العجاف في ظل القوى المسيطرة إبان سنوات الحرب الباردة ، والاتهامات التي كانت تُتَبادل عبر الحدود ، ونهي الغرب عن ذلك النوع من التواصل في ظلال مآسي الحرب ، ذلك النهي الذي كان موعزاً به من قبل الكبار الذين حسموا الحرب لصالحهم ، وكان في طيات ذلك كله عداء ظاهر للإسلام ينعكس في فرض علاقات معينة على المسلمين ، ورغبة واضحة في عزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض، وقطع صلاتها أو إضعاف تلك الصلات بكل الأساليب والوسائل .
* حوار الثقافات والحضارات : الشرق والغرب ، الشمال والجنوب ، مع ما يقدمه ذلك من غنى وتنوع وسعة أفق من جهة ، وما يثيره من مشكلات بين الأديان والقوميات والثقافات والسياسات قد لا تنتهي ، من جهة أخرى . وهذا يحتاج إلى وقت وجهد طويلين ، وقد لا يساهم في حل الراهن والضاغط من المشكلات والأزمات والتوترات القائمة مما هو ملح . وتستطيع الثقافة العربية أن تلعب دوراً فضفاضاً في هذا المجال ، ولكن ينبغي أن تضع خططها وتأخذ استعداداتها لذلك كله . وهذا النوع من التحدي في ظل التطور السريع لوسائل الاتصال وأدواته ، يستدعي تهيئة الإمكانات والظروف والقدرات اللازمة لخوض هذا المعترك .
5 ـ التحالفات السياسية التي تمهد لمحاصرة دول وسياسات ومحاور ومصالح عربية ، وترتب ، انطلاقاً من منطقتنا ووطننا العربي ، لمواجهة احتمالات الصراع فيما بينها ، واحتمالات التحرك الشعبي ـ قطرياً ـ أو القومي عربياً لوضع حد لتدخلها واحتلالها ونهبها المستمر لخيرات الوطن العربي ، ولتعطيل تقدمه وإرادة أبنائه ، حكاماً ومحكومين . وهذه القوى المتضاربة المصلح والأهداف ، والمتربعة على عرش القوة العسكرية والاقتصادية والتقنية في هذا العصر قد تجد نفسها في عراك الديوك فجأة حول نفوذ ومصدر طاقة أو مكسب في موقع استراتيجي وحيوي في هذه المنطقة من العالم ؛ فما هو الموقف من ذلك ، وهل نبقى الكرة التي يتقاذفها اللاعبون إلى أن تتهرأ فيستبدلونها بأخرى ، أم ترانا نتطلع إلى دور اللاعبين، أم أننا لا نحلم بأكثر من دور المتفرج الذي لا يتاح لنا أن نحصل عليه ؟!
إن مثل هذا العبء الكبير يقع على كل من الثقافة والسياسة ويحزمهما معاً حزم السَّلَمَة ويضعهما على المحك في امتحان هو المحنة إذا ما تأزمت الأمور واشتدت . وهل يمكن فصل الأداء الثقافي المتميز في هذا المجال عن الأداء السياسي المتميز ، إذا أردنا أن نصل إلى فعل عربي متكامل ، وعمل عربي مشترك تؤدي فيه كل القطاعات المستهدفة دوراً بمسؤولية وفعالية ؟!
إن ذلك سؤال ملقى بثقل واتساع على أهل السياسة والثقافة في آن معاً؛ والثقافة تتحمل مسؤولية إثارة الموضوع والتنبيه إلى مخاطره ، ووضعه أمام صانعي القرار السياسي ، ولا يتوقف دورها عند ذلك ، بل عليها أن تتابع وأن تضغط لتوافر كل سبل المواجهة الناجحة ومقوماتها وأدواتها ؛ وعليها في الوقت ذاته أن تقوم بما يمكن أن تقوم به من فعل وجهد باجتهاد ، دون انتظار توافر الشروط المثلى لانطلاقة العمل في هذا المجال .
إن الإرهاصات والمؤشرات التي تَوِجُّ في سماء السياسة الدولية بين الأقوياء، وتشير إلى تحالفات محتملة ، وصراعات على مناطق نفوذ ومصالح، وما قد ينشأ بين الكبار من خصام فعراك فحروب ، للسيطرة على مواقع ، والحصول على منافع ونفوذ في منطقتنا ، وفرض هيمنة عليها ، ومحاولة الاستعداد لمواجهة ذلك ، والاستفادة من حصوله ـ إذا ما وقع ـ لجعله يخدم المصلحة القومية والقطرية العربيتين ، إن أمكن ، حسب الحالات والإمكانات والاستعدادات، كل ذلك يقع بجدية تامة في حدود الاحتمالات والتحديات التي لابد من التعامل معها ثقافياً وسياسياً . والثقافة العربية هنا تؤدي دوراً مواكباً للفعل السياسي العربي ومتمماً له ، ويتوقف ذلك على تواصل السياسي والثقافي، ولا يجوز للثقافة أن تسكت ، ولا يمكنها أن تسكت على مخططات ونوايا واحتمالات وتحالفات ضارة بمصالح الأمة أو مصالح بعض أقطارها ، ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك ، أياً كان الموقع والموقف والارتباط الذي لها مع سياسة قطرية في الساحة العربية التي يجري فيها مثل ذلك ، وأياً كانت التبعات التي يرتبها موقفها ذاك ؛ على أن تكون الجبهة الثقافية العربية متماسكة ومتعاونة وقادرة على حماية أجنحتها ؛ فكل فعل من أجل الأمة والمصلحة العربية العليا يتطلب مواجهة على أرضية المبادرة ومبادرة على أرضية المواجهة .
6 ـ المشكلات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية ، عربياً ، على مستوى الأقطار والأنظمة من جهة ، وعلى مستوى المؤسسات القومية العاملة في حقول ومجالات مختلفة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية.. الخ من جهة أخرى ، وكل ذلك ينعكس بدرجات متفاوتة على قدرتنا على مواجهة التحديات الخارجية وعلى أسلوبنا في تلك المواجهة ، ويطرح في الوقت ذاته تحديات داخلية على كل من السياسة والثقافة في آن معاً.
ومن تلك المشكلات والتحديات ، على سبيل المثال لا الحصر: الممارسة الديمقراطية النظيفة ، واعتماد الديمقراطية السليمة كأسلوب محترم ومحمي بالقانون المحترم هو الآخر ، أسلوباً لانتقال السلطة في الدولة القطرية ، بعد الاتفاق على مفهوم وأسلوب ملائمين ومتفقين مع خصوصيات ومرحليات يمكن النظر في أمر مراعاتها ، وهما مفهوم وأسلوب لا يفرطان بالجوهر وهو الحرية والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة والخاصة ، وكيفية ممارستها في حدود القانون باحترام لكل من الفرد والمجتمع والقانون والمصلحة العليا للوطن والشعب والإنسان .
ـ رفع المستوى المعيشي للمواطن العربي ، والتقليل من حجم الفوارق الاقتصادية بين الناس ، لا سيما تلك التي تخلقها حالات الكسب غير المشروع ، وحالات انتشار الفساد الإداري والاجتماعي ، وعدم مساواة المواطنين أمام القانون .
ـ تأمين مستقبل الأجيال ، وتحقيق فرص العمل لها ، وفتح آفاق الأمل أمامها ، والقضاء على البطالة بنوعيها : الظاهرة والمقنَّعَة ـ وهذه الأخيرة كثيرة وناتجة عن وجود كثرة من فئات العاملين لا تعمل بربع طاقتها ولا تنتج بجدية وجودة ، وتؤثر سلبياً على الإنتاج وفعالية الفرد في المجتمع بشكل عام ـ وإنشاء المرافق التي تؤمن تحقيق نقلة نوعية في التقدم العلمي والتقني على الخصوص ، لفئات القادرين على التفوق والعطاء من أبناء الأمة في المجتمع العربي ، ومواجهة ما يرتبه ذلك من مسؤوليات على كل من الثقافة والسياسة ، وما قد تخلقه المواجهة المحتملة بينهما ، على أرضية ذلك وبسببه ، من مواجهات وتحديات متبادلة وأوضاع ضارة ، ما زال الثقافي يدفع الثمن الأعظم فيها ، ويخاف من دفعه أكثر من السياسي ، الذي لا ينظر إلى الشراكة في المسؤولية والمواطنة والمصير نظرة تليق بالمساواة ، وبكون المسؤولية أمانة لا يجرح صاحبَها السؤال عن أدائه لها بحرص واقتدار .
إن للثقافة ولأهلها الدور الذي يسعى إلى القيام به الحريصُ القادرُ المسؤولٌ الفطن ، الذي لا ينتظر حثاً ولا أمراً ليقوم بواجبه ، ولا يضيره بأي حال أمر يصدر باسم الوطن والأمة لأداء واجب يساهم في النهضة والتقدم والدفاع عن الحق والنفس والحرية والعدل ، في وطن يحمي إنسانية الإنسان ويحترم حقوقه في العيش والعمل والحرية والكرامة ، في حدود المواطنة الكاملة وشروطها .
وبعد فقد توقفت بإيجاز عند كل موضوع من الموضوعات التي ذكرتها سابقاً ، متجاوزاً موضوعات وحالات وتحديات قد تنشأ ، ثنائياً بين بعض الأقطار العربية ، أو بين أقطار عربية وبلدان أخرى مجاورة أو غير مجاورة ، كما قد تنشأ جماعياً بين عدد من الأقطار العربية وعدد آخر منها ، أو بين مجموعة عربية وبلد أو مجموعة بلدان أخرى ، أو بين الأمة العربية ـ إن اجتمع أمرها يوماً ـ وقوى وتحالفات أجنبية ، تجاوزت ذلك ليس لعدم أهميته ولكن لأن المجال قد لا يتسع له ، وربما تسنح فرصة قادمة بالتوسع فيما يمكن التوسع فيه من تلك الموضوعات وسواها مما يقع في هذا المجال.(2)
ثانياً: المثقف والديمقراطية والعنف
1 - الوضع العربي المحزن
لا أماري في أن وضعنا العربي محزن ومؤسف إلى أبعد الحدود، وأن وطننا تغطي مساحته الخلافات والصراعات الداخلية والممارسات الفظة وأشلاء الحريات والحقوق العامة، وطن محكوم عليه لا محكوم له، ولا أشك لحظة في أهمية دور الثقافة، سلباً وإيجاباً، في المساهمة بصنع هذا الواقع والمساهمة بالخروج منه، وأنا أرى كما يرى سواي على الأقل، أي دور يعطي للثقافة العربية الأصيلة، من خلال الإمكانات المتاحة، في الحياة العربية على الصعد جميعاً، وأي ممارسات توجه إليها وإلى العاملين في حقولهم، وكيف يتم الاحتواء ، والانضواء والاكتواء في العلاقة القائمة بين منتج الثقافة والمسؤول عنها ومتلقيها، وفي شرائح كل فئة وفي ظل هذا الواقع أرى تركيزاً كبيراً يتم على ظاهرة قديمة تتنامى وتبرز كلما سنحت لها فرصة أو لاءم وقت، هي ظاهرة تأنيب الذات وإذلالها واتهامها بحجة الحرص عليها وتحت غطاء نقدها لتستيقظ وتوفي ما لها وماعليها، وتحت هذا البرقع الذي يراد به أن يستر الشمس، يتم التأسيس لتثبيت التيئيس، وتغذيته ، ولتعميق جذور عدم الثقة بالذات وإحباطها، وفصل العربي عن مقومات شخصيته الثقافية وأصالته ومجتمعه وواقعه المعيش، ليزداد غفلة، وانصرافاً عن استخدام المجدي والفعال والنافع من الأعمال والمعارف والمعايير والقيم وأساليب التفاعل والتواصل مع الذات والآخر..في شمول الاتصال : الأفراد والجماعات والأمم، أو في اتساع مداه " الداخل والخارج" ليكون المرء أولاً وليغني كينونته والكينونة الأخرى، وليزداد بالوعي حرية وبالحرية وعياً، وبالتالي حضوراً موفياً فاعلاً، وحرصاً على الحضور النوعي في عصر كثر فيه الشخوص أن نكون: نعم لأن نكون، ولكن أن نكون من وماذا وكيف ؟! هذا هو الأهم، قد ينهض قول : بأن الكائن يغنيه الاتصال ولا يلغيه، واتصال " الملغى" مفيد له أياً كان نوع ومدى الاتصال، وأنا أقول نعم لهذا في حدود معطيات وجود الكائن متمايزاً ومدركاً لما هو وما لديه ، وحياته في تربة ثقافية ومناخ اجتماعي يحميه ويعطيه ويواكبه في تناميه وفي تفاعله مع الآخرين، ولكن إذا كان " الكائن " فرداً ممحوقاً معزولاً محاصراً بالشك والاستلاب،- ولا يشعر بذلك بل يتعالى عليه - ويعيش تخيلات من نوع خاص ، ويرى أنه خلق لمهمات من نوع خاص أيضاً: نوع الأرفع والأفلح في جماعة يحكمها التخلف، وإنه المنذور والمنظور إليه ليتحمل مسؤولية نقل متخلفيه) إلى ساحة تقدمه ورؤياه، لأنه طليعة، ولا تنبع طليعته) إلا من حيث هو فريسة تامة لثقافة أخرى سحقته حتى العظم فامتثل لها وتمثلها وعاشها لهاثاً وتقليداً وتمجيداً، وأراد أن يكون ظلاً لها في أرضه .. وأن يكون أبناء جنسه على شاكلته.
إن الوضع العربي وضع لا يريح، ولا يرضي القاصي ولا الداني، وكل من يهمه أمر الأمة ومستقبلها ومصيرها مدعو إلى التفكير بصوت مسموع ليضيء ببصيرته ليل الطريق، فأمتنا حقيقة في صراع داخلي مثلما هي في صراع خارجي؛ بل قد يكون صراعها الداخلي أشد وأمض وأفتك، الأمر الذي يجعل قواها تتصادم ومقومات قوتها تتآكل، وفي مقدمتها تلك المقومات الثقافة. ومن الأهمية بمكان أن نسأل: كيف الخروج وأين المخرج، ولم هي كذلك على أرضية من معرفة الذات ومعرفة الآخر!؟ ومن أجل ذلك علينا أن نستقرئ التاريخ القريب والبعيد: تاريخنا وتاريخ الأمم، ونستبطن الواقع الاجتماعي والتكوين النفسي للناس في كل ساحة وقطر، وندرس مكونات القوة والأمن والسلامة على الصعد والمستويات جميعاً، غير متناسين أولاً وقبل كل شيء، أننا نفعل كل ذلك من أجل أن نكون نحن.. نحن في تمايزنا عبر التاريخ، وفي انغراسنا أزلاً وأبداً، في تربة أرض وتربة حضارة، تجعل منا هوية، وأننا نبذل الدم والجهد والتضحيات الجسام، من أجل أن تبقى لنا تلك الهوية التي تتجسد أكثر ما تتجسد في الشخصية الثقافية للأمة، في مقوماتها الرئيسة: اللغة والدين والتاريخ والسمات والقيم والعادات الخاصة، وأن نبدأ مسيرتنا المعرفية محتكمين إلى العقل والضمير ومعايير العلم، في ظل انتماء قومي أصيل وشروط مواطنة حقة..المواطنة التي إذا بقيت فينا حية متنامية أنقذتنا أو شدتنا إلى طرق الإنقاذ وأفعاله، وأن يكون وعينا ومعرفتنا وما نكسب وما نضيف من معلومات وإسهامات في الحضارة مبررة بوجود متمايز؛ وإلا فلنحمل إية هوية، ولنعش في كنف أي لغة وأي شعب، وعلى أية أرض، فما الذي يجعلنا نتمسك بهوية وشخصية وذات وندفع ثمناً لذلك في هذه الحالة!؟.
إذا كان الكائن) فرداً من هذا النوع، يرى خلاص أمته في انسلاخها عن جلدها وهويتها وشخصيتها وثقافتها، وتفصِّل جسمها على ثوب مجلوب، فإنه في هذه الحالة لا يزيد على أن يكون وأمثاله رؤوس حراب الغزو وعيونه وأعوانه، وطليعة موجاته وداعية من دعاة الاستلاب والخراب.
إن الوضع العربي وضع لا يريح، ولا يرضي القاصي ولا الداني، وكل من يهمه أمر الأمة ومستقبلها ومصيرها مدعو إلى التفكير بصوت مسموع، ليضيء ببصيرته طريق الخلاص، فأمتنا تتآكل ، ومن المهم أن نسأل كيف المخرج على أرضية من معرفة الحال ومعرفة الذات ، ولم هي كذلك؟
وأن نستقرئ التاريخ، تاريخنا وتاريخ الأمم، ونستبطن الواقع في كل قطر وساحة، وأن نبدأ احتكامنا إلى العقل والضمير ومعايير الوطنية والمواطنة الحقة وقيمهما، ونبدأ الإصلاح من أعماق الذات أولاً لنخرج من ليل أليل إلى مشارف الصبح. أما الاستمرارية في استيراد أدوية مسكنات إلى هذا الجسم فهو في النتيجة استيراد سموم تفتك به بدلاً من أن تداويه، فتلك نكبة الحاكم والحكم والمحكوم.
إن ظاهرة جلد الذات، خرجت من حدود دائرة النقد البناء إلى أحد طورين: إما الإحساس بالدونية والإثم، وهي في هذه الحالة مرض ، أو إلى التآمر من الداخل استكمالاً لمخططات خارجية لتعميق التيئيس وتوسيع دائرة الاستلاب، وهي في هذه الحالة أقرب إلى تحكَم بحكم التواطؤ والخيانة.
فكل مقومات كيان المرء من قوة وثقة ووعي، وكل الفاعليات الحيوية فيه تتراص وتتعاون لتواجه الضعف والمرض والانهيار، وأرانا مدخولين حتى العظم ، حيث تتسرب المخدرات والسموم واللقاحات الفتاكة المادية والمعنوية، إلى أعماق شخصيتنا وعقولنا وعلاقاتنا الاجتماعية وقيمنا الإنسانية والأخلاقية، ويتم التشكيك في كل مقومات الصحة والسلامة فينا، في أثناء مواجهتنا لهذه الظروف في أوضاعنا ومعطيات ظروفنا هذه.
وابتلاؤنا من الداخل يكاد يزيد على ما نبتلى به من الخارج، وربما كان من الأصح القول: إن من تمثلوا المخططات الرامية إلى إضعافنا وإتلافنا وجعلنا أمة تبعاً في كل شيء أو كانوا أول ضحاياها، هم الأكثر تأثيراً وإنجازاً لمخططات الأعداء من الأعداء أنفسهم، لاسيما أولئك الذين يتسللون إلى العقول حاملين مخططات الثقافات والسياسات المعادية عن طريق الثقافة والإعلام والتسميم المعلوماتي والتجربة السطحية والمراهقة الثورية والانفعالية المريضة، وإلى الثقافة والاقتصاد والمجتمع. وها قد أصبحنا ساحة مواجهة لسياسات وثقافات وعقائد ومصالح متضادة تتصارع على أرضنا وفي كيانها ذاته ونحن شبه ذاهلين عن ذواتنا من هول واستغراب وتخدير وضياع قوى وزوال رشاد.
ودائماً نجد أن وصفات " المعالجين" لأدوائنا تلح على تقديم ما من شأنه أن يضاعف المرض، ويفتت قوى الدفاع الذاتي. وسواء أوصفوا لأمتنا السلفية أو قطع كل صلة بها، الكتب الصفراء أو اللا معقول، استقراء التاريخ الذي يحتاج إلى إعادة قراءة وتفسير، أو لإعادة كتابة وتزوير... سواء أوصفوا لها نهج ديكتاتورية البروليتاريا وتأجيج الصراع الطبقي وإذابة الطبقات، أو نهج التعاطف العميق مع الغرب ورأسماليته المتوحشة: الآخر الذي يفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا..؟! على حد قول بعض دعاته، مع ما تحمله تلك العبارة من جدة لتجنب إثارة آلام وإحياء جراحات سابقة سببها لنا الاستعمار الغربي... فإنها في الأحوال جميعاً لا تترك لها حتى لحظة تخلو فيها إلى نفسها، لحظة راحة وتأمل لاسترداد النفس وإلقاء أسئلة على الذات، بَلْهَ التفكير في أمر صلاح أمرها على نهج ترتضيه.
وآخر اتفاق أتى من نطاسيين في "المعرفة" : " يحققون إمكان التعارف، تلك الحركة من الاتصال والانفصال في آن، و رؤية الذات خارج الأهواء وبخاصة الأيديولوجية، ومعايشة الآخر داخل حركته العظيمة ذاتها في لغته وإبداعاته وحياته اليومية "، ولاحظ جيداً على الخصوص في لغته وإبداعاته وحياته اليومية، وتثبت من: حياته اليومية، لأنها تشكل " مربط الفرس".
إنهم يفرون من منفاهم المختار، وفي الشرق أمثال لهم يكتبون بنار النضال في "أرض الغرية"، ويقودونك إلى النتيجة ذاتها، ولكن لأسباب ومعطيات ومنطلقات مضادة لتلك، هي أيديولوجية تماماً ومن رؤية طبقية ، استقرأت التاريخ المادي كله، منذ كانت الأرض كتلة نارية مشتعلة إلى آخر ما سوف يقرأ من التاريخ في ضوء المادية الجدلية والمادية التاريخية وتوابعهما الفلكية، وفي ضوء اجتماع المتناقضات في وحدة رغم أن النقيضين لا يجتمعان منطقياً؛ وقررت أن الوصفة العامة لخلاص أمتنا وكل أمة هو ديكتاتورية البروليتاريا التي تساوي في النتيجة غياب البروليتاريا وحضور ديكتاتورية الحزب الحاكم أو الحاكم الفرد؛ وهو ما نعاني منه وتعاني منه كل الأمم والأجيال، وهو ما أخرجنا منه الإسلام يوماً ما على هدى قول أصبح عملاً: لا فضل لعربي على أعجمي)، الناس سواسية..)، متى استعبدتم الناس..)، وأمرهم شورى بينهم.).
اتهاماً شوفينياً أو تخلفاً أو قوقعة أو عدم ثقة وعدم قدرة على التعامل المتحضر مع الآخر" أو يفسر على أنه" عدم إدراك لقيمة معرفة "الآخر" وعدم قدرة على استكناه العصر " المتحضر" بسبب عدم الانسياق المباشر إلى التعاطف العميق معه، ومناط القول هنا " التعاطف العميق" أكثر مما يتم الآن بصور شتى منها الاستسلام والتسليم والانبهار والتقليد..
على مبدأ لثم يد الجلاد ، أو على تطبيقات التبعية الدونية الموجودة عند من يملثونها ممن يعانون عقدة الزنوجة. إن هذه الدعوة التي يبدو أن ظاهرها الحرص ولحمتها وسداها جلد العربي لذاته بافتراض - حسن النية - إنه" الذات" التي تقتضي فهمها وإقناعها بأن تفهم نفسها والآخر، يقتضي نوعاً من النقد والمحاسبة والتأنيب والتجريم.
تركيز الاتهام للعربي، فهو محكوم قبل المحاكمة ومتهم على الهوية، ومحاولة تأكيد " غيابه معرفياً" وانعدام مشاركته إطلاقاً في استكناه معرفة عالم اليوم"، والذهاب إلى أنه غير موجود. وحصر عمليات الإنقاذ والتقويم والحكم والإبداع بمجموعة بشرية تتحكم في حياته اليومية وتفهِم المتخلفين الذين يعانون في أوطانهم، تفهمهم معنى " التعاطف العميق معه" لكي يتمكنوا من فهمه... وهي حالة تنطوي على استمرار مخططات قديمة جديدة تتوسل بوسائل شتى لتكريس التبعية وإلغاء الشخصيه الثقافية القومية.
- تأكيد دونية العرب، حيث لا يملك العربي من وجهة النظر تلك ذاتاً قادرة على معرفة نفسها لتعرف الآخر ، والآخر هنا هو الغرب حصراً.. ويتم ذلك أولاً بتأكيد غياب العربي معرفياً على الأقل.. وغياب الاهتمام المعرفي من حياته اليومية، وهو دونية في الاهتمام يرمي إلى توكيد الدونية العامة وذاك هو "مربط الفرس" كما يقال. وآخر اتفاق في التشخيص يطرحه غربيون وموالون للغرب يقول : " لا وجود لمعرفة عربية لها مشاركتها الخاصة، المتميزة في استكناه العالم الحديث أو صياغة أسئلة "، و" ثمة غياب معرفي عربي بهذا المعنى عن خريطة المعرفة الإنسانية اليوم.."!؟ وهذا استدعى السؤال الذي ينطوي على تأكيد بأن "الإنسان العربي نفسه غائب بمعنى ما.." وعلى أرضية الاتفاق.."على غياب الوجود الحيوي للإنسان العربي معرفياً على الأقل.."يتوجه التوكيد على ضرورة معرفة الذات التي لا تتم إلا بمعرفة الآخر، ولأن ذلك الآخر .." والغربي على الخصوص " يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، ولأن معرفة الآخر" تقتضي الاتصال ، وتعاطفاً عميقاً " مع موضوع الاتصال حتى نعرف أنفسنا ونكوّن حضوراً معرفياً لما في عصرنا ولعصرنا، يتوجب أن نزيد من وتيرة " الاتصال بالآخر.." وأن نعلي شأن " التعاطف العميق" معه، وعلينا أن نفعل ذلك من دون طرح السؤال بشكل آخر مثلاً: هل الغرب " تعاطف معنا تعاطفاً عميقاً" عندما اتصل، وبينما يتابع الاتصال، بنا بهدف تعميق معرفته للآخرـ أي نحن ـ وتكوين " معرفة عميقة تؤدي إلى رؤية أشمل؟ ومتى فعل ذلك وكيف؟ هل تم ذلك في فترة الاستعمار المباشر أم الاستعمار غير المباشر، أم إبان العدوان والتهديد المستمر والضغط المستمر وفرض أشكال الحصار؟! وهل يفعل ذلك " بتعاطف عميق" حقاً ولغرض الحصول على المعرفة بالآخر وبالذات من دون أهداف وغايات وأغراض استعمارية: اقتصادية عسكرية - ثقافية .. وتحقيق أشكال من الغزو!؟
- يبدو أنه علينا ألا نطرح مثل هذه الأسئلة أو نفكر بها مجرد تفكير لأن ذلك ينعكس في النتيجة انعكاسات سلبية، وقد يذهب إلى مدى التشكيك في أهمية الولاء لـ " البروليتارية" البوابة الخلفية للغرب، وإلى أفعال تعزز منطق ديكتاتورية الطبقة الحاكمة.. من الحزب الحاكم إلى الحاكم الفرد. وهو ما ورثناه عن جزء من الغرب أو بواباته الخلفية، وما نعاني منه، وتعاني منه كل الأمم والأجيال. ولم يجدنا أن تراثنا هو غير ذلك وأن الإسلام أخرجنا من تلك الدائرة بهدي أقوال أصبحت منهجاً وأفعالاً من مثل: " لا فضل لعربي .. أصبحت قيماً ومعايير الحكم على الأعمال من مثل: لا فضل لعربي على أعجمي... " و" الناس سواسية.." و" متى استعبدتم الناس...".. إلخ .
الحظ العاثر يلازم دائماً - فيما يبدو - أولئك الذين يرتبطون بالأرض والوطن والتربة الثقافية للأمة العربية وتاريخها وواقعها المرير.. أولئك الذين يعيشون معاناة الأرض والشعب.. إنهم وحدهم " الذين لا يصلح ما يقدمونه ولا يصلح ما يفعلونه للخروج بالأمة من " حالة الغياب" إلى حالة " الحضور"..
وأسوأ ما يطرحونه مما يُرى أنه أكثره مجافاة للعقل والمنطق- منطق التاريخ والمنطق المطلق- وروح العصر والوعي، هو التمسك بمقومات شخصية ثقافية للأمة العربية تجعلها متمايزة عن سواها وتمكنها من اختيار طريقها باستقلالية ووعي!؟ وربما كان أسوأ ما في هذه المقدمات، بنظر فريقي الإنقاذ "المعرفي" ، الإشارة إلى الدين والتراث والقيم ومقومات عربية اكتسبها أفراد الأمة عبر التاريخ وكونتها معطيات معرفية ذات خصوصية عربية!؟
ويسوقنا القهر الروحي إلى السؤال: ما هو العمل مع الوصفات المستوردة الجاهزة أو المجهَّزة لهذه المنطقة من العالم، ولمن يبتلعونها ابتلاع العصفور للحب ويطيرون بها طيران الدعاء الصادق للرب!؟..
فليهنأ الذين في " الوطن" لأنهم ينعمون بالجهالة ، بينما يشقى سواهم في النعيم. ولينظروا _ إذا استطاعوا النظر ـ في أمر التعاطف العميق ، أو التبعية التامة لمنطق يرى أنه " العلم" المطلق ، ولا يضيره ألاّ يأبه به العلمُ والمنطق ، ذينك اللذين قد يخرجانهم من حالة " الغياب" إلى حضور المعاصرة. لكن الشرط القائم والمطلب القاتم في كل من الأمرين هو أن تنسى أنت العربي ما أنت ومن أنت ، لتكون ما يريدون.. إنها حالة غسل دماغ طوعية باسم المعرفة والحضور في العصر والتقدم، فهل يقبل اللاهثون على مخرج من طوق الضيق والرهق في الوطن الرحب؟
هل يقبلون هذين الحلين الجاهزين، أم أن بقية من ثقة ورؤية وبصيرة ورغبة في البحث تشير إلى حل ثالث، فيه التمايز والخصوصية ويحقق الحضور الحيوي في عصر المعارف، ومعرفة العصر؟! إن الزمن لا ينتظر والرهان قائم ، وخسارة الرهان هي خسارة وجود أو جزء من حيوية الحضور والوجود.
2 - الديمقراطية لمن؟! والديمقراطية كيف؟!.
قضيتان هامتان في سؤالين كبيرين، بدأ اندياح دوائرهما يمتدّ وإلحاحهما يشتد، بعد أن انتفخت أوداج باللجوء إلى العنف وصولاً للإنصاف، واحمرت أنوف وأعراف وهي تنادي باستباحة دم من يلجأ إلى العنف في مجتمعه ويهدد الديمقراطية والتعددية والناس.
وتزداد حرارة كل من المناخين المتناقضين ارتفاعاً في بعض الساحات العربية، ويوغل كل فريق من الفريقين في طريق الخصومة، ويرتفع في فضاء الوطن، باسم ذلك كله، سيف وينفتح وريد ، فيمتزج الدم والحقد وتتدحرج منهما كرة تكبر كتلتها كلما ازداد تدحرجها، فتلوث الساحة العربية، وتلطخ الأحياء والقرى ، في أكثر أقطار الوطن العربي كثافة سكان، بالدم والقار والعار.
إذ.. من يقتل من؟! وفي أي زمن ولأي غرض ، وفي ظلال أية أوضاع، اية سياسات؟!.. من يقتل من والمخططات الغربية- الصهيونية سافرات تتقدم ، وعار الكارثة في الخليج لمّا يزل يندلق قروحاً وحروقاً وندوباً ومهلاً، في وجوه وقلوب ونفوس وضمائر، وسخامه يعرّش في سمائنا ويتشمرخ في ساحاتنا، وينشر ظلامه وآلامه فوق شعبنا؟!.
من يقتل من.. ولأي غرض..؟
وفي أي زمن؟!. و" إسرائيل " تعربد من شمال ما احتلته من أرضنا إلى جنوبه، ومن دار سياسية عربية إلى أخرى، فتزوبع الدم والسياسات، وتعيد جمعها في نسق جديد، بمساعدة أميركا، لتمهد لوجودها " الشرعي" القهار، ولاستمرارها قوة نافذة الرأي والقرار في هذه الديار؟!.
من يقتل من؟!. ولأي غرض.. وفي أي زمن؟!. ونحن كلنا في سلة الإمبريالية الأميركية القادمة إلينا في حلة حقد أسود جديدة، وفي جوع يشتد ووجه يسودّ، لتنفيذ استراتيجية لم تعد خافية على أحد، ولتجعل النموذج الثقافي والسلوك الأميركي، والقيم الأميركية تسود عالماً تسوطه بقوتها وغطرستها؟!.
من يقتل من؟!.. ولأي غرض.. وتحت أية ذريعة؟!. ولن ينتج عن ذلك إلا أن تدور عجلة الحقد والدم داخل كل قطر عربي ، ثم عربياً- عربياً، ثم عربياً- إسلامياً ، ليصبح المناخ الذي يريده الغرب وتريده الصهيونية مهيئاً لفتكة كبرى بالأمتين العربية والإسلامية / تصنعها أكثر ما تصنعها أيدي أهلها، وينفذ الغرب جراء ذلك أهدافه وسياساته وأحقاده.
- فيستنزف المال ليحل ضائقاته الاقتصادية ومشكلاته الاجتماعية.
- ويسيطر على الطاقة النفطية والثروات الطبيعية ليستمر في برامجه الصناعية، وصناعاته العسكرية، وتقدمه التقني، وتطوير أسلحة الدمار الشامل التي يرعب العالم بها.
- ويخرب الثقافة والشخصية والقيم الأخلاقية في هذه المنطقة، ليسود أنموذجه، وليصل إلى ما وعد بتحقيقه في القرن القادم: " انهيار العروبة والإسلام".
- وينشئ مجتمع الألف دولة والألف خوف والألف حقد، والألف حرب، في ديار العرب والمسلمين حتى لا تقوم لهم قائمة أبداً، وحتى تقام" إسرائيل التوراتية" فتسيطر على المنطقة بتنسيق غربي- صهيوني مشترك.
من يقتل من.. ولأي غرض .. وفي أي زمن .. وتحت أية ظروف؟!.. وكلنا خراف إبراهيم في عيد الأضحى.. كل خروف يثغو وينتظر دوره أمام سكين الجزار التي تلمع في عينيه!..
صحيح أن الأحلام العدوانية لا يمكن أن تتحقق كلها كما نتصورها ونتوهم تحققها، ولكن المدهش المؤلم في آن معاً، أننا نحن نتمثل ، قوة فريدة التحرك والانضباط ، لتحقيق أحلام أعدائنا، بتسخير قوانا لتفتيت قوانا ولا ضعاف كياننا كله.
في الجزائر يقتل بعضنا بعضاً، وفي مصر تدور عجلة الفتنة ويقتل بعضنا بعضاً، وفي الخليج يشع الجمر عبر الرماد، وتتهيأ صراعات عربية- إسلامية لتتفجر من جديد/ مصر وإيران وبعض دول الخليج وإيران/ وتركيا والأكراد/ وتركيا وبعض البلدان العربية والإسلامية.
وبقية هذا العالم يعج بالمآسي من سيراييفو إلى الصومال، ومن كشمير إلى بلاد الأفغان. وتاجر السلاح يقف على الباب ليبيع ويقبض، ويمسك بيد طرف الفتيل، وبالأخرى عود الثقاب، وحيثما انطفأت الفتنة يشعلها، لأنه يريد أن يشغل معامل السلاح ، ويريد أن يربح ويروي جشعه الذي نفخته جداً تجارة الحروب والدم البشري البريء ونحن البسطاء ندفع ونركع، ندفع ونركع، فإلى متى يستمر ذلك؟!. ومتى نحسم بأسلحتنا ووعينا حرباً مع أعداء الإنسان والحرية والحياة؟!.
الديمقراطية لمن؟!. والديمقراطية كيف؟!. منطلق السؤال الذي يراد له أن يكون لغزاً؟!.
الديمقراطية لمن؟. والديمقراطية كيف؟ هل يمكن أن نطرح هذا السؤال على بساط سداه التمييز ولحمته المخاتلة ، وفي هذا الزمن، بعد أن انهار الأنموذج الذي كان يجاهر بصلف ويقول:
الديمقراطية لي وحدي وليست لأعدائي.. أعداء الشعوب؟!.
وبعد أن اتضح أنه كان عدواً للديمقراطية ولنفسه ولما تريده القوميات - الشعوب، هل يمكن أن يتم ذلك؟!.
بكل البساطة الممكنة: الديمقراطية للجميع، في إطار التعددية الفكرية والحزبية. والديمقراطية: حرية ومساواة في قرن واحد، لجميع الناس أمام القانون، وتحت سقف الوطن. وليس لأحد أن يجرد أحداً من وطنيته أو إخلاصه أو حقوقه أو من دينه بذريعة ما يتوهم أنه سيكون عليه، أو بحجة أنه لن يتيح له ممارسة الديمقراطية إذا ما وصل إلى الحكم، أو بحجة أنه غير مؤتمن بريء على الوطن والعقيدة والثقافة والناس؟!.
كل مواطن بريء حتى تثبت إدانته ، وكل مواطن مخلص للوطن حتى يثبت العكس، وكل من يضع فيه الشعب ثقته أهل لتمثيل الوطن وقيادته إلى أن يثبت العكس، والمصادرة المسبقة للرأي والموقف، أو على الأشخاص والمواقف، هي دليل خبث طوية وسوء نية، وهي صورة تخلف واضح المعالم، علينا أن نتجاوزه بوعي وسرعة وثقة وإصرار.
لا يجوز " للإسلامي أو الإسلاموي أن يحرم الآخرين من ممارسة الديمقراطية تحت أي شعار أو ذريعة ، كما لايجوز للآخر " ماركسياً كان أم قومياً، أم ليبرالياً، أو ملتحفاً بأي لحاف، ومتخفياً تحت أي أسم"، أن يحرم " الإسلامي- أو الإسلاموي من حقوقه الدستورية والقانونية ، ومن الانتفاع بالديمقراطية، والوصول من خلالها إلى حيث تؤهله ثقة الناس به، بحجة ما سيكون عليه أمره وحكمه وفعله إذا ما استلم أمر الناس ، لأن ذلك نوع من المصادرة على الديمقراطية ذاتها، ونوع من إدعاء التمييز والعصمة والوصاية على الآخرين، فكرياً وقانونياً وأخلاقياً، وهو ادعاء لا تقره أو تسنده التشريعات والشرائع والطبائع البشرية السوية بأي سند.
الديمقراطية للجميع إذن الديمقراطية للوطن . والديمقراطية تصقلها الممارسة وينضجها الوعي، ويصلح مسارها الاستسلام المطلق لصحة اختيارها كمسار للحكم ولسوس الناس.
والديمقراطية لن تكون إلا بفتح الباب أمام الناس للتعبير عن آرائها بحرية وموضوعية، من خلال صناديق الاقتراع التي تفتح دروباً للناس حسب أصول دستورية وقانونية منظمة ومقرة ديمقراطياً أيضاً ، ممن يسند إليهم الشعب حق اتخاذ قرار بهذا الصدد. أما اللعب على كل حبل ينصب باسم الديمقراطية أو الحرية أو التقدم أو الإسلام أو الفريات السياسية والبدع الدينية، فلن يقود إلا إلى الخسران الاجتماعي والديمقراطي والفكري والسياسي، وبالتالي إلى خسران الأمة ككل، لوقتها ونضالها وقدراتها ولإبداع أبنائها في ميادين الحياة والحضارة والدفاع عن الذات، وتطويرها لتلاقي الذوات الأخرى باندفاع حيوي سليم، ومثاقفة نوعية راقية، تغني مسيرة الحضارة والإنسان، وتغتني بها الحضارة كما يغتني بها الإنسان.
لقد آن الأوان تماما لتسقط أقنعة كثيرة، وترفع ستر عن وجوه وشعارات وممارسات في الوطن العربي، فليس لدى الأمة ما تضيعه أكثر مما ضيعته ، وليس لأبنائها أن يضيعوها في لعبة الضياع المفروضة عليهم أو لعبة التضييع التي يقودهم إليها بعض أبناء الأمة، سواء أكانوا واعين مرتبطين، أم مندفعين تأخذهم الحماسة من شعورهم.
إن العنف والعنف المضاد داخل وطن وبين أبناء أمة للوصول إلى السلطة، تحت اسم الحق أو الديمقراطية أو التطهير والتطهرّ، هما طريقان موحلان، مفروشان بالدم والنار والعار والقار، ولن يؤثلا مجداً، ولن يصنعا قوة. وآن لأبناء أمتنا أن يوقفوا استخدام العنف ضد بعضهم بعضاً ليحكموا العقل والضمير والشرائع والتشريعات ، وليأخذوا برأي الناس- الأكثرية الصامتة المحروقة المحرومة من الكلام- لتكون هناك طريق أكثر سلامة وأماناً، توصل الأمة إلى الصحة والعافية والقوة والتقدم والكرامة.
ولا أظن أن الطريق أصبحت مسدودة تماماً أمام جميع التيارات في الوطن العربي، حتى لا تجد إلا طريق العنف والعنف المضاد حلاً سبيلاً إلى الحل.
إن العدو يتربص بنا، والآتي من المرارات والشدائد أعظم، وعلى الذين يصعّدون موجات العنف : سواء أكانوا سلطة أم معارضة، و تقديري أنهم قد أخذوا في دوامة الفعل ورد الفعل، وأصبحوا ، على نحو ما، دافعاً لعجلة الغرب الذي يريد أن تدور عجلة العنف والدم والنار، ليقطف ثمراتها مالاً وقوة وسطوة ونفوذاً له، وفقراً وضعفاً وتمزقاً وانهياراً لنا.
فالله.. الله في أنفسنا وأوطاننا وقيمنا ومجتمعاتنا وثقافتنا وصلاتنا ومستقبل أجيالنا، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.صدق الله العظيم.(3)
3 - عنف مسكوت عنه في بيتنا العربي
ما الذي يجري في الجزائر في ظل صمت عربي محايد، وتدخل أجنبي مرفوض ومشبوه، وغياب موقف ثقافي يستدعي أكثر من سؤال؟! منذ سنوات والموت يغزو البيوت والشوارع في مدن وقرى ومساحات من الأرض التي قدمت مليوناً ونصف المليون من الشهداء لتحصل على الاستقلال والاستقرار ومنذ سنوات ونحن نتابع بأسى بالغ سلسلة مرعبة بين سلطة مسلحة ومعارضة مسلحة تتباريان في مناقع الدم على كسب المعركة، وتخسران ويخسر الإنسان وتخسر الجزائر باستمرار هذا اللون من ألوان "الحرص" على الوطن!! وخلال كل تلك السنوات ونحن نسمع ونزداد إدراكاً بأن العنف يشكل مناخاً يستشري فيه العنف، ويفتح مجالاً لتدخل غير مباشر من قبل قوى لا تريد بالجزائر خيراً ولا تريد بالأمتين العربية والإسلامية خيراً؛ ويزداد إدراكنا واقتناعنا، يوماً بعد يوم ومذبحة بعد مذبحة بأن طريق الدم لا يورث سوى الحقد والدم، وأن الأعداء يزدادون قوة ونحن نزداد بفعل ذلك ضعفاً، والقضايا المعلقة على حد اللسان والسيف لا تحل لأننا لا نعمل فيها الحكمة بتجرد ونترك أنفسنا فيها لحالات الفعل ورد الفعل التي يتصيَّدنا من خلالها الأعداء فيثخنوننا جراحاً ويتفرجون على موتنا شامتين مشهرين الإدانة في وجوهنا.
في الجزائر، وفي أماكن أخرى أقل حدة مما في الجزائر، يستمر العنف وتستمر فرجة العرب عليه، حزانى ولكن محايدين، فهل هذا وضع مقبول بأي مقياس!؟! لقد ارتفع السؤال في فضاء الوطن أكثر من مرة: من يقتل من، في الجزائر؟!
والسائد أن تياراً من الإسلاميين لجأ إلى العنف بعد إلغاء انتخابات ديمقراطية كادت توصله إلى السلطة، وكان وصوله إلى السلطة لا يرضي تياراً في الجزائر ولا يرضي الغرب الذي يدافع عن الديمقراطية، فتدخل الجيش وألغى الانتخابات، وبدأ غزو الموت لمساحات الحياة والأمل، ولكنّ ذلك لم يتوقف عند حدود تلك الخلاصة التي تشكل بداية لانطلاقة مسيرة الدم، فقد تشابكت الأمور، وكثر أصحاب الخناجر والفؤوس والحراب والسكاكين والبنادق والقنابل والسيارات المفخخة، وتعقدت القضايا، ودخلت على الخط قوى وأجهزة وجهات لها عند الجزائر كلها ثأر قديم ولها صراعات تصفيها على أرض الجزائر وتدفع تكاليفها الجزائر.
ويكاد يرتفع، في هذا المدى القاتم من استمرار العنف ليلاً دامياً، يكاد يرتفع سؤال يقول: ما الذي يراد الآن في الجزائر فعلاً، وما الذي يريده سدنة العنف ومضرمو ناره في نهاية المطاف؟!
هل هو السلطة فقط، وصولاً إليها أو محافظة عليها؟! أم أن الجزائر الأم هي المستهدفة... جزائر الاستقلال والهوية والانتماء والثروة والمكانة والتأثير في مناخها وفي قضايا أمتها؟!
لقد كانت السلطة مطلباً في البداية، أو أسلوب الوصول إلى السلطة، ولكن السلطة وسيلة أو أداة للوصول إلى أغراض أبعد وغايات أعمق تتصل بما هو جوهري في مجالات الثقافة والعقيدة واللغة والاقتصاد والعادات والانتماء النهائي للجزائر.
هل هي عربية -إسلامية، أم إسلامية لا علاقة لها بالعروبة؟! هل هي فرانكوفونية أم فرانكوفينية، وبينهما فرق ما بين اللسان والقلب والعقل اللذين يحركان اللسان؟! هل هي رصيد الفرنسي خاصة والأوربي عامة أم أنها مجال توسع لأبناء العم سام وأهل الأنغلوفون الاقتصادي الذي يلهث وراء امتلاك النفط واحتكاره، وفتح أسواق لشركاته العابرة للقوميات، والذي يقاتل في عالم مفتوح ضد أعداء موجودين ومحتملين؟! وهل للجزائر دور تلعبه، وهو دور مؤثر وخطير؛ في زمن تصفية القضية الفلسطينية وفرض سلام الاستسلام على العرب المحتلة أرضهم والمهدورة قضيتهم والمنهوبة قدسهم وقدراتهم على الدفاع والتحرير، أم أنها يجب أن تُحرم من كل دور وتأثير، ويُفرض عليها أن تنكفئ على نفسها وتنشغل بقضاياها وتلعق جراحها وتشغل جوارها العربي بهموم ناتجة عن همومها وبمخاطر قد تجرها عليها تلك الهموم؟!
كل الأسئلة مطروحة لأنها مفتوحة على وقائع الحاضر واحتمالات المستقبل؛ ونحن نلاحظ أنه منذ قمة مدريد والوطن العربي يطعن هنا وهناك، ويشغل بموته وبؤسه ويأسه: هنا وهناك أيضاً.
الجزائر تحصد موسماً مراً، والعنف يزداد شراسة هذه الأيام، فهل يستطيع العرب أن يفعلوا شيئاً للجزائر ومن أجلها سواء أكان ذلك من خلال الجامعة العربية، أم المؤسسات والمنظمات والاتحادات القومية، أم من خلال تفعيل دور الاتصالات الثنائية بين دول ودول، ومنظومة مؤسسات عربية وأخرى إسلامية ليتم إطفاء بعض بؤر الحريق تمهيداً للوصول إلى رؤية سليمة على أرضية الأمن والاستقرار والشراكة الحقيقية في المواطنة والمسؤولية عن الوطن والأمة والهوية والعقيدة؟! إن على المثقفين العرب أن يلعبوا دوراً إيجابياً في مقاومة هذا العنف، فالمثقف والعنف قضية مطروحة؛ ولكن لا بد أولاً من خوض الحوار في منطقة الحرائق ذاتها، وعلى أرضية من الرؤية الواقعية والموضوعية، وبتماس مباشر مع المعنيين؟! فهل يتاح ذلك لأهل الثقافة أكثر مما يتاح لأهل السياسة؟! والكل مسؤول شاء ذلك أم أبى، فوطن الأمة يعني الأمة، وروح الإنسان ومصيره وأمنه مما يتوقف عليه تحقق الشرط الإنساني والمصير الإنساني الذي يجمع أبناء البشر فكيف بمن يجمعهم انتماء مشترك لأمة وثقافة وعقيدة ومصلحة ومصير؟!(4)
4 - اللغة العربية تعلم الإرهاب !
" اللغة العربية تعلِّم الإرهاب ، وعلى الجزائريين ، ومن ثم على العرب والمسلمين ألا يتعلموها وألا يعلموها لأبنائهم حتى لا يصبحوا إرهابيين " ؟!
لا تعْجَبَنْ أيها القارئ العربي الكريم مما تقرأ ، نعم أفرك أذنيك واعرك عينيك ثم أعد القراءة وستجد النص القصير ذاته من غير أدنى تغيير أمام عينيك : العربية تعلِّم الإرهاب . هكذا سمعتها من محدِّث لي في الجزائر اقتحم عليَّ دائرة الصمت وهو يسألني : ما ذا بشأن تسييس التعليم لوضع حد للإرهاب ؟! وعندما استفسرت عن قصده بدقة قال : تعليم العربية والتربية الدينية في المدارس هو الذي يكوِّن الإرهاب .
لا يكفي أن تدافع عن الإسلام وسماحته، وعن اللغة العربية وحضاريتها ، ولا يكفي أن تقول لمحدثك : إن العالم لم ينس بعد الخمسين مليوناً من البشر ، ضحايا الحرب الأوربية الثانية ـ " العالمية الثانية خطاً " ـ أولئك الذين أُبيدوا بفعل اللغات الأوربية على هذا الأساس من التفكير والمنطق ، والتي هي بهذا المقياس تعلِّم الإرهاب والعنصرية وإبادة الجنس وأنواع التدمير الشامل بأسلحة الدمار الشامل. لا يكفي أن تقول ذلك، لأن الأساتذة الاستعماريين الذين يريدون غرس هذه الفكرة في الأذهان قد هيؤوا لها مناخها . ولكن كيف يريد أولئك الأساتذة الذين يلقنون أتباعهم هذا النوع من التلفيق والتزوير أن ينسى العالم جرائمهم ، وأن نصدق نحن العرب ، أهل العربية والإسلام ، أكاذيبهم ؟!
بهذه الصورة تتجلى بعض أشكال التدخل الأجنبي في الجزائر ، وهكذا يُراد للشعب الجزائري وللمعنيين في الجزائر أن يعرفوا وأن يعملوا ليتوقف "الإرهاب" ، أي أن يكفوا عن أن يكونوا عرباً ومسلمين ، وحين يكفّون عن تدريس أبنائهم العربية ، لغة القرآن الكريم ، وتنقطع الصلة بين الأجيال القادمة والدين ومناهله وأصوله ، تنتهي المعركة ويقترب الأمن وتصبح الجزائر "فرانكوفونية ، أو أنغلوفونية " ، و " يجلوا عنها العرب المستعمرون الغزاة "كما سمعت اللفظ تماماً ، وهم يحملون معهم لغتهم والقرآن ؛ المهم إذن أن يختفي وجهها العربي ويليه اختفاء وجهها المسلم ؛ فمن يخطط ليتم تجاهل العربية ليتم تجاهل الإسلام يصل إلى الغاية التي يُريد أن يصل إليها .
ما أشبه اليوم بالأمس، يوم احتل الإنجليز مصر وسيطر مثقفو الغرب من رموز الاستشراق الاستعماري أمثال : وليم ولكوكس وسلدون ولمور وغيرهما على القضاء الشرعي والتربية وعلى مجلة الأزهر الشريف، وأرادوا أن يقطعوا صلة المصريين بالعربية، ليتبع ذلك انقطاع صلتهم بأصول الدين الإسلامي ومنابعه ، مقدمين لهم الحرف اللاتيني واللهجة العامية لتكون لغة علم وأدب !
هذا هو اليوم منطق فئات في الجزائر، تسعى بغطرسة واقتدار على أرضها الطاهرة ، التي ضُمِّخت بدم مليون ونصف مليون من الشهداء تحت راية العروبة والإسلام ، لتكون الجزائر حرة مستقلة سيدة عربية ومسلمة.
حتى لا تصبحوا إرهابيين، وحتى تتخلَّص الجزائر من الإرهاب ينبغي هجر العربية وهي مقدمة لهجر الإسلام. هكذا أيها العربي ـ المسلم الذي تقرأ الآن يقدم الغرب وتقدم الصهيونية خطابهما المسموم بلغة أهل البلد وعلى ألسنة بعض أهلها لأبناء البلد ؛ وهكذا تصبح مسيرة الدم مصدِّقة لما بين أيدي الناس من قول!! قد يكون في ذلك من الوقاحة ما فيه ومن التطاول ما فيه ، وقد يكون " العلاج " غريباً والطبيب مريباً، ولكن من يلوم الذئب على مكره والمستعمر على غدره ؟! هذه الوصفة تلوكها بعض الألسنة في الجزائر وترتفع بها أصوات علناً، ويسعى بها سعاة مستفيدين من ظروف المحنة ـ الامتحان الذي تمر به البلاد العزيزة هناك ، في ظل سبات من أمتها طال مداه .
من طبائع الاستعمار والذين يحنّون إلى أيام الاستعمار وفوائده، والذين يرتبطون به ارتباطاً عضوياً، أن يعتقدوا بذلك وأن يقولوه ويعملوا من أجله ، ومن الطبيعي أن يقولـه من ارتبطت مصالحهم وأوجه نفوذهم الاجتماعي والسياسي، بالفرنَسَة وبالأمرَكة. ولكن ما هو حق المتضررين من ذلك كله والمستهدَفين كلياً " هوية ووجوداً" بمده ونموِّه وازدياد قوته ، وما هو واجبهم؟!
الكلمة الأولى في قاموس الحق والواجب في مثل هذه الحال هي : أن يقاوموا .. أن يتصدوا للمؤامرة ، أن يوقفوا التدخل الأجنبي المتخفي بأشكال مختلفة عند حد ، وأن يضعوا للغزو الثقافي الذي يحمل رياح الموت ويزحف عليهم ، أن يضعوا له حداً !؟ ولكن إذا كان التدخل الأجنبي قد امتطى صهوات الرقاب وعشش في قلوب وعقول وحرك سواعد وألسنة جزائرية وتلفَّع بألف برقع وبرقعٍ ، وأكثر من الأقنعة ، وحمل هوية الجزائري وجنسيته وأصبحت له حقوقه وحرياته ، فكيف العمل ؟! ومن يفرز القمح عن الزؤان في بيدر يحل عليه الظلام ؟! وما هي الطريق إلى الخلاص ؟!
أهو سلوك طريق العنف والعنف المضاد ، والعنف يفتح طريق الدم ، والدم يجر الدمع والدم ويقود إلى الظلام والجريمة والدمار ؟! أم هو سلوك طريق الحوار في ظل فساد مناخ الحوار وارتفاع شبح بلطة وخنجر وبندقية وأنواع من فقدان الأمن من جوع وخوف حيث يشكِّل ذلك كله لحمة نسيج المناخ وسداه ؟! المعادلة صعبة ، والسبل شائكة ، ولكن لا بد من سلوك سبيل للخلاص ولا بد من رؤية ينفتح عند أفقها الفجر ؛ وقد لمست في الجزائر ثقة وإيماناً وتصميماً على الخلاص وعلى العمل من أجل بلوغه .
وهاهو فريق من المثقفين والكتاب والمبدعين والمجاهدين والساسة يتقدم الصفوف بأمل وينادي أمته والناس من أجل وضع حد للمحنة ؛ فهل تراه يلقى صوتاً وأذناً وساعداً مساعداً (5) ؟! .أسأل الله سبحانه أن يُخرج الجزائر من محنتها، وأن يثبِّت هويتها وانتماءها لأمتيها : العربية والإسلامية ؛ إنه على كل شيء قدير.
5 - من أين نبدأ الكلام العربي
حكمة في الكتاب الكريم تقول : من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً . شدتني تلك الحكمة واستغرقتني وأخذت تريني ذاتها في صور الحياة و لا تقتصر على التجلي في قدرة الإنسان على العدل وبعث الحياة في النفس أملاً وعملاً وكرامة وحرية وإرادة حياة . وكان أن وقفت طويلاً عند ملتقى النيلين في الخرطوم ، تستبد بي مشاعر من نوع لم آلفه من قبل على وقع ذلك القول الكريم ، وتلح علي أسئلة كانت تؤرقني من قبل وما زالت حول الحياة والإنسان وأحوال أبناء الأمة !!
وقفت طويلاً أرقب انسياب الماء وتجليه خضرة ونضرة وحياة تتألق على مشارف الجوع والفقر والموت ، تلك التي تزحف أشباحها علي من بعيد عبر أرجاء القارة السوداء ؛ وقفت أرقب الماء وتمازجه ، تنافره ثم ائتلافه ، نزقه وتحديه وعصيانه ثم انصياعه لقانون الطبيعة وقانون الحياة ؛ فولادة النيل من منحتين سماويتين ليست سهلة ، وهي تجدد معناها في كل لحظة لتجدد معنى الحياة وتوكده في كل لحظة من جهة ، وتقدم دروساً لأولئك الذين يعيشون على ضفتي النيل عبر امتداده ليروا ما تحتاج إليه الحياة وما تفرضه وما يصنعها ويحفظها ويبنيها من جهة أخرى.
رأيت النيل الأزرق بصخبه يجتاح المجرى الرئيس ويمضي مهيمناً إلى مدى ، وهو في عمقه وغزارة مياهه وشدة تدفقه وسرعة ذلك التدفق يخلِّف النيل الأبيض وراءه هزيلاً على الرغم من امتداده العرضاني الهائل وإيحاءاته التي لا تنتهي بأنه الأقوى والأعظم. وتساءلت عن سر ذلك السكون الواثق فيه، ولم يكن الجواب أكثر من القدرة على العطاء واستشعار المنفعة الممتدة للناس، من منبعه حتى نقطة التقائه بالنيل الأزرق وولادة النيل الأعظم منهما؛ فهو الذي ينتشر كثيراً وطويلاً في الأرض ويروي الزرع ويسقي الناس والماشية وينمي الضرع ، ويبحث في الأمكنة التي يجتازها عن محتاجين لمقوِّم الحياة الرئيس: الماء ، فيزودهم منه بالقدر الذي يريدون ، وكأنه راع مسؤول عن رعيته يدق عليها أبوابها سائلاً عن أحوالها ، ويسير متطامناً فاتحاً صدره للحياة بغير علوٍّ أو غلوّ ؛ لا يدعي لنفسه القوة ولكنه يعتز بأنه يقدم عناصرها لأكبر عدد ممكن من الكائنات الحية ، ويصنع في جريانه الأرض الخصبة التي تجدد الحياة وتغنيها ، وهو في جريانه المتطامن ذاك لا يجرف التربة بشكل مؤذ فيجعل من شدته تهديداً للخصوبة في بعض الأماكن والحالات بل يحفظ سر تكونها حقولاً من العطاء المتجدد .
ومن بعد تكوُّن النيل الأعظم من صُرَعَةٍ يشتد على الحياة أحياناً في سيره ويدعوهم إلى الاستفادة من درس الشدة ، ومن متكاسل في مشيته يترك للكسالى فرصة التقاط خيره ؛ نجد أمامنا من مفترق التشكل في الخرطوم إلى المصب المتشعب قرب الإسكندرية على المتوسط ، استمراراً لمسيرة الحياة والتقدم والحضارة يصنعها انسجام هذا النهر العظيم الذي استوقفني بحكمة وتقدير ، ليطرح على سؤالاً أو ليجعلني أسترجع طرح الأسئلة : ما الذي يجعل فرعين من ماء، يحيي فرعين من أمة العرب في انسجام بعد اختلاف وصخب ، ويجعل فرعين من أمة العرب جمعهما الإسلام على حكمة الكتاب وحكمه ، وقدم لهما النيل ويقدم كل يوم دروس الحياة والانسجام والوحدة والعطاء، ما الذي يجعلهما يبتعدان أحياناً عن بعضهما في نزق وصخب، وكأنما يريدان فلْق النيل المتحد إلى نصفين وقد قضت حكمته وحكمة الطبيعة التي أوجدته أن في وحدته قوته، وفي ذلك كله استمرار الحياة والخير والازدهار ؟!!
في السودان شعب يحب مصر وفي مصر شعب يحب السودان ، وفي البلدين قدرات لا نهاية لحدودها إذا ما أحْسِن استثمارها ، وفي البلدين أيضاً احتياجات لا نهاية لحدودها إذا ما نظرنا إلى مطالب السكان وإمكانيات الازدياد واحتياجاته ؛ وهناك مخاطر تلف السودان وتستهدفه : عروبة وثقافة وعقيدة وهوية وصدق انتماء ، من جرَّاء حرب تستهدف وحدته وحتى عقيدته واختياراته السياسية منذ سنوات ، وهي حرب منهِكة يغذيها أعداء الأمة وأعداء العروبة والإسلام ، وتتصل بأهداف صهيونية واستعمارية غربية ؛ وقد خلَّفت وما زالت تخلِّف وراءها مآس ومجاعات ومخاطر ، ونقصاً في مكونات الحياة، ولا نتكلم عن مقومات التقدم والازدهار . وفي مصر حاجات بشرية لا يسدها حتى مشروع توشكي العظيم المرتقب وتسدها حكماً مساحات الأرض السودانية الخصبة ، حين يقوم اتفاق وتعاون على استثمارها في إطار متين من الثقة المتبادلة واعتبار لوحدة المصير ؛ وفي وجه مصر تنتصب تحديات كبيرة بحكم الموقع والموقف والانتماء . فلِمَ لا يقوم مثل ذلك التعاون الخلاق الذي يقدم النيلُ العظيم أنموذجه ، وتفرضه الطبيعة وتنبه إلى مخاطر الاستخفاف به !؟ ولم لا تمتد يد الأمة المقتدرة إلى أرضها ومصادر ثروتها وخيراتها لتستفيد منها ولتؤسس جدياً لحمايتها من الطامعين بها ؟! ولماذا نستهين بالخطر القادم الذي يتشكل حول المناطق القريبة من منابع النيل في جنوب السودان ، حيث التبشير الغربي على أشده والحرب الهادفة إلى تمزيق السودان أرضاً وشعباً ، على أشدها هي الأخرى ؟!
ومن موقع نظر آخر يشدني إليه وقوفٌ وتفكيرٌ على أرض السودان وفي مشاكله ومصير منابع الخير والعطاء فيه ، أتساءل عن معنى شعارات الوحدويين العرب من جهة و شعارات المسلمين من جهة أخرى ، وعن ترجمة تلك الشعارات وتجسّدها على أرض الواقع ؛ والأمة تفتقد إلى طرق نظامية : برية " سكة حديد وطرق دولية للسيارات " وطرق بحرية ، تربط بين معظم أقطارها وتحقق تواصلاً عملياً وليس شعاراتياً وخطابياً بين تلك الأقطار ؛ فأية وحدة يمكن أن تقوم بين شعبين من دون أن يكونا قادرين على التواصل الفعال بينهما انطلاقاً من شبكة مواصلات واتصالات تقيم مصالح الناس وتوطد تلك المصالح ، التي يقوم بها التقارب والتعاون اللذين يمهدان عملياً لكل تفكير وتدبير وحدويين سليمين .
لماذا لا تُشق طريق لسكة قطار حديث يربط بين ليبيا والسودان بدلاً من الأغاني والاتهامات والتباعد والتقارب في الإذاعات ، وتلك مساحة جغرافية مهمة في إفريقيا العربية ؟! ولماذا لا تستثمر أموال عربية وإسلامية في مشاريع زراعية وصناعية في تلك الأرض المهملة على خصبها وكثرة خيراتها وفي سواها من أرض العرب والمسلمين؟
ولماذا ينحصر استثمار معظم الأموال العربية والإسلامية في بلدان الغرب، حيث ينتفع هو منها ويتحكَّم بها ويستخدمها في قهرنا واستغلالنا بدلاً من أن ننتفع نحن بأموالنا في صنع تقدمنا ومقومات حماية وجودنا ؟!
أعرف أن هناك معطيات وظروفاً ومناخ عمل ومقومات ثقة وأمن وأمان يمكن الحديث عنها والتفصيل الكثير فيها ، وهو مما لا يتسع له المجال هنا ، ولكن كل ذلك يبقى من العقبات والمشكلات التي يمكن التغلب عليها ، ومما يبقى أهون بكثير من التضحية بالأهم خوفاً من عدم تحقق المهم ؛ لكي نبدأ الكلام العربي الصحيح .
وقد يكون لي عودة إلى هذا الموضوع بعون الله تعالى(6) .
(1) - نشر في الفكر السياسي - ع: 6- ربيع 1999.
(2) ـ نشر هذا الجزء من مادة هذا الفصل في دمشق في 5 / 7 / 1996
(3) ـ نشر هذا الجزء في جريدة الأسبوع الأدبي العدد /338/ الخميس 19 تشرين الثاني 1992م.
(4) ـ نشر هذا الجزء في 29/4/1998
(5) ـ نشر هذا الجزء في دمشق في 6/5/1998.
(6) - دمشق في الجمعة، 14 ربيع الثاني، 1419 الموافق : الجمعة، 07 آب، 1998 ـ عكاظ
|