ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

الفصــل الثـالث: الثقافة العربية: أعراض وأمراض وآمال

1- المناخ الفكري العربي‏

يمر العرب بمرحلة من أكثر مراحل تاريخهم الحديث صعوبة، وربما كانت فريدة، من حيث بؤسها وتناقضاتها وخصب مناخها وغزارة معطياتها، وآمل أن تكون حافلة باستعدادهم لرؤية أنفسهم وواقعهم وحقائق أوضاعهم وصلاتهم، وحقائق العالم ومتغيراته من حولهم، بما يمكنهم من استنفاد طاقة هذه الفرصة لإعادة النظر في أمور ومواقف وقضايا، ولترسيخ ثوابت واحترامها والإجماع عليها، والاستعداد والإعداد لتبقى الثوابت المبدئية ثوابت، يحميها أقوياء، يعرفون كيف يحفظون حقوقهم ومصالحهم وكرامتهم.‏

إن العالم من حولنا يتغير لصالح نظام تقوده دولة وحيدة، وهو عالم محكوم بقوة قرار مجموعة من الدول هي التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، ومازالت تملك وحدها حق النقض، وهو عالم يريد أن يقيم علاقات وصيغ عمل وتعامل جديدة تحفظ للأقوياء فيه وجوداً ومنافع وحقوقاً، وتجعل الباقين، وما أكثرهم، مجرد زحوف من أفواه وسواعد تستهلك ما يصنعه الأقوياء وتنتج ما يبتغون، والعرب يضيعون في دوامة العلاقات الدولية الجديدة التي لا تكاد تحفظ لهم حقاً بالجلوس في ظلال مؤتمر دولي لمجرد الحوار مع عدوهم، ولا أرى مخرجاً لهم مما هم فيه، على كثرة ما يملكون من مال ومقومات قوة اقتصادية وبشرية، إلا في احترام الإنسان وحقوقه وحرياته، ومشاركته في القرار على أرضية من المسؤولية التامة عن الوطن والمستقبل والمصير، وعلى أرضية المساواة التامة في الحقوق والواجبات، وأمام القانون وأحكامه، وفي تسلم السلطة وممارستها، وفي صنع القوانين ومراقبة تطبيقها، باحترام تام للكفاءة والمقدرة والتراتبية القيمية والأخلاقية، وبحرص على صلاح أمر الشخص ليقوم به صلاح أمر المجتمع، وكذلك في خروجهم من الجهل المتنامي، والتخلف الذي يفرض عليهم بأشكال مختلفة لتجاهل حقيقة ما يراد أن يسود عقولهم وأوطانهم من تجهيل في الميادين العلمية والتقنية على وجه الخصوص، وتعطيل لملكة المبادرة وحرية الإرادة والقرار.‏

وإذا أتيحت لنا نحن العرب في ظروفنا الراهنة، فرصة مراجعة الذات ومحاورة الآخر باحترام تام لـه بوصفه الشريك في الوطن والمصير وحمل الهوية والمسؤولية، في إطار حوار يقوم بين المثقفين والمسؤولين، وبين التنظيمات السياسية القومية والقطرية، وبين ذوي الاتجاهات والرؤى السياسية والعقائدية، على أرضية من الثقة والاحترام، فإن ذلك سيمكننا من ترتيب مقومات القوة حسب أولويات في برنامج عمل مشترك، ويؤسس للسير على طريق سليم تحكمه معيارية أخلاقية وقيمية وقانونية واجتماعية، تعلي شأن الوطن بوصفه جزءاً من الأمة، وتصون حرية المواطن وحقوقه ومناخ العمل الديمقراطي الذي يحميه من جهة، ويمكنه من الإبداع وتحمل المسؤولية من جهة أخرى، وترفع جملة من المبادئ والثوابت والمصالح والقيم فوق كل خلاف سياسي أو تنظيمي أو عقائدي ليكون صالح الأمة ومصلحة مجموع الناس في أي قطر، وحماية الأسس التي تقيم للدولة والأمة قائمة، فوق كل خلاف وكل اعتبار.‏

إن الثقافة تلعب دوراً مهماً في موضوع الحوار وفي موضوع مقاومة أشكال الغزو وأشكال التفرقة، ولكن حتى يكون للثقافة ولجبهة المثقفين مثل هذا الدور الإيجابي المؤثر لابد من حوار جاد بينهم، يجعل جبهتهم تتماسك، وفق ثوابت وبرامج عمل وأصول تعامل ومقومات تقويم وتحرك.‏

ولن تفرض الجبهة الثقافية حضوراً واحتراماً في ساحة العمل العربي المشترك، ولن يتاح لها أن تفرض رأياً وتعمل على صنع قرار، والتحريك باتجاه تحقيق رؤية ومشروع نهضوي، مالم تعمل باحترام لعلاقة الثقافة بالسياسة من جهة، وبرفض لتبعية الثقافة للسياسة من جهة أخرى.‏

ولن يتاح لها ذلك ما لم تر الثقافي أرضاً مشتركة لكل العرب وعامل تواصل وتأصيل واستشراف للمستقبل، تفرضه استراتيجية قومية للعمل، لها معاييرها المستمدة من الثوابت العربية- الإسلامية، والقومية العقيدية، التي تملي ضرورة فهم وعمل للقطري في إطار القومي، وللخصوصية الإقليمية في إطار الهوية القومية، وللمصلحة الاقتصادية الضيقة في إطار تكامل شامل، لا ينقذ الأمة إلا هو.‏

وحين تصل الثقافة إلى فرض مقولات جبهتها، باحترامها أولاً لتلك المقومات وسلامتها، وبعدم توزعها على الخلافية السياسية العربية، وتبنيها للعابر من المواقف والآراء، وللآني من الرؤى والتحركات والمصالح؛ حين تفعل ذلك تضعنا على بداية طريق الريادة والعمل المثمر، وتأخذ مكانة حقيقية بالدفاع عن الإنسان والحرية والعدالة، وعن الثقافة ومكانتها، وعن شخصية الأمة ومنزلتها، وإن تماسكاً في مثل هذه الظروف لهو أحوج ما نحتاج إليه، فهل نفعل شيئاً على طريقه؟‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244