ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

2- مقاربات في الفكر القومي

هل القومية العربية وما انبثق عنها وبُني عليها واشتُقّ منها وأوحت به وعمَّق إيحاءاتها من فكر قومي ومشاعر شعبية وتوجهات نظرية وتنظير وتنظيم وعمل، كانت مجرد وهم نمّيناه وابتلعناه فتورّم في أعماقنا وأصبحنا بسبب من ذلك خارج حدود التاريخ ومعطى الواقعية بتياراتها ومذاهبها كما يحاول أن يشيع أصحاب العداء المقيم للعروبة؟!.‏

وهل هي مشروع مستورد كما كانت تقول تنظيمات حزبية في الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن ـ صدَّره الإنكليز ـ أم أنها نبت أصيل في أرض الأمة وتربتها الثقافية تعود جذوره إلى تاريخ أبعد من تاريخ أية أمة من الأمم ، لهج به دعاتها في مطلع القرن وفي " مجلس المبعوثان " العثماني بالذات ؟!.‏

وهل التطلع الوحدوي العربي، الذي يعتبر أهم أقانيم الفكر القومي والعمل القومي وأبرز أهدافهما هو خرافة ونوع من أساطير تُبنى عليها سياسات أو تتقنع بها سياسات، في حين لا تمتد لذلك التطلع أية جذور في الواقع المعيش، ولم يكرَّس بقاء تلك الجذور عندما تحقق له بعض الوجود؟!‏

هل القومية تنفي الدين وتتعارض معه، أم أن الدين ينفي القومية ويرى فيها نوعاً من عصبية مرفوضة تقف في وجه تسامحه وأمميته واتساع مداه الإنساني ؟! في علاقة القومية العربية بالإسلام هناك تكامل تام وعلاقة عضوية، فلا هوية ولا شخصية للعروبة إذا ما استلب منها الإسلام أو ابتعدت عنه، وروح الجماهير التي تعمل العروبة من أجلها ومنظومات قيمها ومشاعرها العميقة مستمدة من الإسلام ومنسجمة معه، وأي وضع للعروبة في مقابل الإسلام، وللإسلام في مقابل العروبة يضعف كلاً منهما. ونظرة الإسلام التي كونت الشخصية القومية وأكدتها ولم تنفها رفعت الانتماء القومي فوق علاقة الدم واللحم ليكون معطى معرفياً رفيعاً محكوماً بمنظومات العقيدة وقيمها، وتأكد ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو حديث صحيح :‏

" أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد، ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم ؛ العربية لسان ، فمن تكلم العربية فهو عربي ." وعلينا أن نذهب في أبعاد فهم مغزى هذا الحديث إلى مكانة اللغة العربية بما حملت في كل من العروبة والإسلام لندرك المغزى العميق للعلاقة والأبعاد المستمرة للرؤية التي نحتاج إلى تعميقها وتجسيدها .‏

هل القومية العربية نوعٌ من " شوفينية" ظاهرة أو باطنة ، فاعلة أو كامنة، يرى فيها أعداء التعصب " نظرياً " ومن يمارسونه على أسوأ صوره عملياً، خطراً على الآخرين ونزوعاً مؤذياً يؤدي إلى تصاعد النزاعات والحروب ؟!‏

إن هذا يستدعي فتح ملفات ضخمة تتصل بالحروب ومشعليها والقوميات ونزوعاتها، والتعصب وتاريخه ودعاته وممارساته ، والخوض في نقاش وتحليل حول القوميات بشكل عام ومواجهة عللها بوجه خاص : هل يمكن القضاء عليها أم من المستحسن أن تقوم بينها جسور ثقافية ومعرفية ليزيل التعارف جهل الحقد وحقد الجهل، ولتتأكد هوَّيات روحية للقوميات لا تجعلها مجرد جشع مادي وقسوة تسلط وهيمنة من أي نوع .‏

وفي مسارات الأسئلة :‏

هل العرب أمة حسب المعايير التي وضعها المنظرون لوجود الأمم وتطورها وحضورها الفاعل في التاريخ ، أم أنهم ما زالوا بنظر من لا ترضيهم القومية العربية بالذات مشروع أمة ومشروع قومية على الرغم من توافر المقومات جميعاً !؟! ومن المؤسف أنه حتى في مجال التطبيق العلمي للمعايير تبدو ازدواجيتها ظاهرة ومتطرفة في معاداتها للعرب.‏

وهل " التشنج" القومي هو السبب في رفض عرب اليوم دخول أبواب‏

"سلام اليوم" الذي يقدمه للمنطقة : الصهيوني والمتصهين والإمبريالي الذي يرقِّط جلده بوشم الشعارات الإنسانية ويلغو بحقوق الإنسان والحريات العامة وهو يزري بها في كل آن ؟!‏

وهل القومية العربية لا تقوم إلا على أسس علمانية، وعلى نفي الدين والتنازع مع الإسلام : فإما هي وإما هو؟!، ولا يمكن أن تكون تقدمية وعصرية ومرضياً عنها إلا إذا زوّرت هويتها وأهدافها وتنازلت عن ثوابتها وحقوقها التاريخية وغيرت تاريخها وبنية مجتمعاتها ، وارتدت ثوباً مفصَّلاً على الطريقة اليهودية لحل مشكلة مجتمعية: اقتصادية وسياسية ، أو لخلق مشكلات لكل المجتمعات تعيشها وتعاني منها ليفرغ اليهودي لمشروعه الصهيوني وعبثه بقوميات الآخرين وعقائدهم ومقدساتهم ؟!‏

إن مفهوم العلمانية في هذا المجال يحتاج إلى تمحيص وتدقيق، فمن يريد أن يقدم إلحاده في ثوب العلمانية وينفي حق المؤمنين والمعتقدين بإله في أن يمارسوا حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير يستطيع أن يحوّر ما يشاء وأن يقدم مفهومه كما يشاء، ولكن تاريخ المصطلح ومنطلقه لا يتعارضان مع الدين والإيمان والاعتقاد ، وإنما يجعلان حاكمية ذلك لله وليس لسلطة بني البشر من خلال تأثيرها على السلطة الزمنية واستخدامها لتلك السلطة استخداماً تعسفياً ضد الناس.‏

وبعد، هل القومية العربية أفلست ، وعليها أن تلملم أوراقها وتنسحب خارج التاريخ والحاضر لأنها حكمت على مستقبلها بالموت من وجهة نظر من يطرح هذه المقولات، وذلك بعد أن تحمّل نفسها مسؤولية كل ما حدث للأمة خلال هذا القرن الذي يلفظ أنفاسه؛ وأنّ على التيار القومي بكل تشعباته وفروعه واجتهاداته وتناحراته أن يخلي الساحة لسواه بعد أن يعلن إدانة نفسه، ويكتفي من الغنيمة بالإياب؟.‏

وهل أفلست طروحات ذلك التيار ونظرياته، ووصل إلى درجة من الجمود لا تجدي معها المراجعة ونقد الذات وتصحيح المسارات؛ أم أنه يرى ما له وما عليه، ومازال حضوره في ساحة العمل والنضال هو الأساس لتحقيق أهداف الأمة ، وأن مساحة المستقبل مفتوحة أمامه ؛ ولكن وصوله إلى حالة من الأداء المطلوب تحتاج إلى وقفة شجاعة ودقيقة مع الذات يخرج بعدها أكثر تعافياً وأشد تواصلاً مع أصوله وركائزه ، التي حاولت تنظيمات وتيارات أخرى أن تهزها وأنّ تدخل من خلالها إلى بنية أمة لا يمكنها أن تقبل التهجين، والدخيل، والرافض لمنظومات قيمها وأصالتها وحقوقها وعقيدتها ومعطى هويتها وتاريخها الحضاري العريق ، تلك التي يرمي إلى نفي وعيها وتفتيت تماسكها لنقض بنيانها من الداخل ومن ثم الانقضاض على حقوقها ووجودها ؟!.‏

أسئلة نطرحها ونحن على أبواب نيسان، الذي انبثق في السابع منه قبل واحد وخمسين عاماً تنظيم قومي استلهم حس الجماهير العربية وحاجتها وجسّد تطلعاتها ورفع شعاراتها ، ولم يلبث أن انتشر فكره وحضوره في أنحاء الوطن العربي ، وعياً قومياً ، ومقاومة للاستعمار والصهيونية ، ودعوة لتحرير فلسطين من الاحتلال، وتوجهاً للوحدة وصولاً إلى القوة والحرية للوطن والإنسان ، وتحريراً للقرار السياسي والإرادة القومية تأسيساً للتقدم والعدالة الاجتماعية ؛ تنظيم قومي أو تيار قومي يعد وريثاً واستمراراً بشكل ما لنضال وأفكار وجهود وتوجهات قومية سابقة تصدى لحملات التتريك وقاوم الاستعمار والاستيطان ومحاولات إذابة الشخصية العربية وتهجينها؛ ولم يكن اختياره لعلَم الثورة العربية الكبرى /1916/ ومناداته بوحدة الأرض والشعب العربي من المحيط إلى الخليج ومن طنجة إلى طوروس، مجرد مصادفة أو اندفاعات انفعالية وحماسة عاطفية عابرة وإنما هي رؤية ذات بعد تاريخي عريق ودفع واقعي وتطلعات مستقبلية متكاملة للخلاص والتقدم وامتلاك القوة المنقذة.‏

وطرح هذه الأسئلة يرمي إلى التحريض على التفكير في الواقع والأهداف والحالة العامة التي يعيشها الوطن العربي، وتعيشها التيارات الفكرية والسياسية الرئيسة فيه من جهة ، والتعامل مع ما تقدمه المتغيرات في وطن العرب والعالم من معطيات ذات تأثير وحضور، لتتم مقاربة الأجوبة وتلمّسها في ضوء ما يُطرح على هذا التيار من قضايا وأسئلة وتحديات وما يخوضه من صراعات داخلية وخارجية وما يواجهه من قوى الاحتلال ومؤامرات حلفائه وحماته وأعوانه ، في إطار من الموضوعية والروح العلمية والواقعية العملية التفاؤلية؛ مقاربة تضع كل أمر في موقعه الصحيح لا سيما في الوضع العربي الراهن مقروءاً ومستقرأً بوعي في ضوء وقائع تاريخنا وتاريخ الأمم من جهة أخرى.‏

ويبدو من شبه المؤكد أنه ما من نظرية توضع موضع التطبيق، إلا وتصاب بشروخ أو تظهر شروخها الكامنة فيها أصلاً ، قبل أن تُعْرَض على التطبيق. وما من شعار يُدفع إلى ساحة التنفيذ، إلا وتظهر هوة بينه وبين الممارسة المؤدية إلى إنجازه، لأسباب عديدة تتصل: إما بسلامة الفكر والرأي والرؤية. أو بالعنصر البشري القادر على التمثّل والأداء وترجمة المطلوب إلى ملموس منجز. أو بسبب الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة ودرجة النضج والاستعداد البشريين ، وما قد يعترض ذلك أو يُنصب لـه من معوقات وتحديات خارجية.‏

وهذا الذي ينطبق على معظم - إن لم نقل على كل - النظريات والشعارات في البلدان والأزمان المختلفة ينطبق على الفكر القومي والعمل القومي العربيين.‏

فليس بدعاً ولا غريباً أن نلمس فجوات ونستشعر نواقص، وتنهض في وجهنا صعوبات وتحديات، وأن يقال لنا : هناك تقصير وعيوب وأخطاء وممارسات مؤسفة، الخ.. وأن نطالب بمراجعة وتصحيح من خلال ممارسة النقد والنقد الذاتي، ولكن محاولة النفي للأصل جملة وتفصيلاً ،وجعل الفكرة القومية ذاتها موضع الشك وموطن الوهم وسبب الخلل والعجز ، ونفي مقومات الأمة ومعطيات القومية عن العرب وعن التوجه القومي الذي يتخذه تيار كبير منهم ، مستلهماً وجدان الشعب كله ومعطى تاريخه العريق ؛ ومطالبة القومية بالتنحي بعد اتهامها، هو الغريب المستغرب الذي لا يمكن أن يسوّغ على أرضية مقبولة معقولة .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244