|
3- الوطن والثقافة
في وطن ترتكز فيه وحدة الثقافة على وحدة اللغة، وعلى تجذرها عميقاً في المعرفة الإنسانية والوعي والوجدان والتاريخ، وحملها لرصيد الذاكرة والخصوصية عبر العصور، وتتجذر فيه أيضاً التجزئة القطرية والنزعة الإقليمية وبعض الشعوبية والتبعية الثقافية، منذ قرون، وتواريخ أنظمة وسطوة سياسات، وطائفيات وأقليات، يصبح من الضرورة بمكان، بعد الذي صار والذي كان، أن نتوقف عند مصطلحات وتوجهات كنا نمر بها مرور الكاره المتجافي عنها، ونصدر عليها أحكاماً عارضة تبقى في حكم العابر من الأمور.
إن ما نقبل عليه من تحديات للثقافة العربية في هذا العصر يقتضي أن نتشبث، أكثر من أي وقت مضى، بما يؤكد هويتنا ووحدة توجهنا، وحرصنا على أن يكون أداء الفعل الثقافي المقاوم أداء متميزاً، في مرحلة لم يبق فيها إلا صوت الثقافة مؤهلاً للدفاع عن الثوابت المبدئية والقومية والأخلاقية، بعد أن اكتسح "الإمبريالي-الصهيوني" حدود السياسة العربية وأطاح بمحرماتها ومقدساتها وولاءاتها، وجعلها تركض في ركابهْ لاهثة وراء الاعتراف به، والإقبال عليه، وتطبيع العلاقات معه.
مصطلح "الثقافة الوطنية" من تلك المصطلحات التي تحمل تاريخاً، وتقوم على أساسه تقويمات "نقدية" هي أقرب إلى التصنيف السياسي منها إلى النقد الأدبي والموضوعية في التعامل مع الإبداع والفكر والمعطى الثقافي في إطار خصوصيته وانتمائه لأمة ولمقومات ولقيم وثوابت.
وقبل عهد المراجعة الشاملة الذي حل في أرض البشر بعوامل شتى ولأسباب شتى، كان المتمسكون بذلك المصطلح يرون أن من حقهم فرز الناس على "طبلية" ليكونوا قمحاً وزؤاناً: "منا، أو أعداء لنا"، فمن كان منا فهو "وطني" ومن "جسد الثقافة الوطنية"، ومن كان ليس منا ولا معنا فهو عدو لنا وليس "وطنياً". ولا توجد أنصاف حلول أو ظلال وأشباه ظلال ولا توجد ألوان عدا الأسود والأبيض.
وكانت الخيول الجامحة تسحق بحوافرها كل الأزهار والنباتات الغضَّة واليانعة، لأنها كانت تطلق بهدف تحقيق ذلك.
وكان مصطلح "الثقافة القومية" يحارب حتى في دار القوميين ذاتها، وفي مرتكزات وجودهم ومنابر التعبير لديهم، ويُعد "شوفينية" تجرّم، وذهبت عمليات غسل الدماغ إلى الحد الذي وصل فيه مسؤولون عن الثقافة القومية إلى حدود تبنيّ مفاهيم ومعايير المصطلح الآخر وتطبيقه على زملائهم ورفاقهم مع إبقاء "الكلمة-الشعار" دريئة معلقة في فضاء الكلام والحكم.
"الثقافة القومية" "شوفينية"، والثقافة الوطنية أوسع منها وأكثر دقة وإنسانية"
عندما ما تسمع هذا الكلام في هذا الوقت تنظر وراءك وأمامك غير مصدق لما يجري، وتتساءل ألم تحقق كل تلك النكبات والكوارث والمتغيرات ولو معطى واحداً يدخل إلى ساحة الحكم ليبرر إعادة النظر في القضية والأحكام المبرمة التي صدرت من "القضاة"!؟
أم أن العصمة مازالت تجرجرنا على الشوك، ونعتبره حريراً بدافع من الصبر والشجاعة والثبات على المواقف حتى لو كان من تلك المواقف، ما ثبت فيه الخطأ ويستدعي المراجعة؟!
في الوطن العربي، حيث تسود الثقافة العربية في جسم اللغة، الذي يظلل الجغرافيا والتاريخ منذ قرون عديدة، في هذا الوطن مصطلح "الثقافة الوطنية" يتعارض تعارضاً جذرياً مع الواقع الحي للثقافة العربية الواحدة، ومع التطلع القومي-الوحدوي، ومع النضال التحرري الذي نخوضه ضد أشكال التبعية والغزو الثقافي، ومع الفهم الصحيح والتطبيق السليم للوطنية ومقوماتها ومعاييرها. وهو مصطلح يرتبط بإيديولوجيا وتوجيه سياسي وينبع منهما، وهو بالتالي مقولة سياسية تستند إلى حكم وموقف مسبقين وتتعارض مع حقيقة ثقافية، فضلاً عن تعارضها مع توجهات شعبية عارمة تملأ الشارع في كل أقطار الوطن العربي، حيث السياسات
والأنظمة تريد أوطاناً ولا تريد وطناً، وتريد قطعاناً "وشلايا" ولا تريد أمة وشعباً موحد النسيج والأهداف والمصالح والسياسات، لـه وعي وموقف يفرضهما.
وعندما ندقق في مفهوم المصطلح "ثقافة وطنية" وأبعاده وتفسيراته، ورؤية بعض أهله له على أنه "يحتوي الثقافة القومية" ندرك أن "الثقافة الوطنية" حسب ذلك المفهوم تؤسس للاعتراف بثقافات قومية داخل القطر الواحد، وبتوجهات سياسية نحو ما يسمى بحق تقرير المصير للأقليات العرقية والطائفية. أي أنها تعمل على تعدد اللغات والثقافات "القومية" والنزعات الإقليمية داخل البلد العربي الواحد، وتجمع هذا تحت غطاء "الوطنية" أو ستارها، ليتم "تعايش" بين "الثقافات القومية" تحت سقف "المواطنة والوطن". وهذا يخفي توجهاً تقسيمياً لا يلبث أن يعلن عن ذاته عند اللزوم، وتوجهاً شعوبياً ضد اللغة والثقافة العربيتين، وضد القومية العربية التي نراها حلم الجماهير وتطلعها في الوطن الكبير.
وإضافة إلى ذلك فإن المصطلح ينطوي على حكم سياسي أخلاقي، تجريمي أحياناً، لاسيما حين يصنف الإنتاج الثقافي والإبداعي والمنتجين انطلاقاً من مسطرته الخاصة "السياسية- الفكرية- النقدية" إلى "وطني" و"غير وطني".
الوطنية بمفهومها القانوني والسياسي والاجتماعي والأخلاقي، تصبح عند ذلك عرضة للمنح والمنع من قبل شريحة تأخذ بيدها، وفي آن معاً، المعايير والأحكام والقضاء والوجدان الجمعي، وتمارس ممارساتها تلك ضد الآخرين اعتقاداً منها أنها على حق، وأنها تخوض نضالاً شريفاً و"وطنياً" ضدهم، وأنها معصومة بقوة "سحرية" لا يدرك أحد مداها.
وبعيداً عن الدخول في تفاصيل ذلك وأسبابه وما أدى إليه من خلل خطير جداً جداً في الحياة الثقافية بشكل شامل، فإن هذا النوع من الفعل لا يبني من جهة، ولا يقوم على قاعدة أخلاقية واجتماعية وقانونية أدبية- فنية- فكرية سليمة من جهة أخرى، كما أنه لا ينبع من أرضية ثقافية وتاريخية صحيحة، تتصل بجغرافيا الوطن وتاريخه وسلامة الانتماء إليه والإخلاص له.
من الصعب القبول بحكم "غير وطني" على مثقف أو مبدع أو مفكر لمجرد أنه يخالفك الرأي والاعتقاد والتوجه والإيديولوجيا، وينطلق من اجتهاد مغاير، في الوقت الذي يشاركك فيه المواطنة وواجباتها، ويدفع دمه عند اللزوم دفاعاً عن الوطن، وقد يكون أقرب منك إلى مفاهيم المواطنة الحقة ومعاييرها، وربما يحتاج هذا إلى متابعة.
|