ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

4- مواجهة الفساد

هل يمكن للمواجهة بين الفساد والخطأ ورموزهما من جهة وبين أولئك الذين يتصدون للفساد والخطأ من جهة أخرى، أن تتوقف عند حد، أن تجَمَّد أو تبدل وجهتها بتبدل المواقع والمصالح!؟ وهل هي مواجهة من أجل مواقع ومصالح أصلاً، أم من أجل إرساء معايير فيها صلاح أمر الناس والحياة، وتقويم الأشخاص والسلوك والأفعال بهدف بناء؟ وهل تتغير مفاهيم الفساد ومعايير الحكم عليه، وتنقلب المقولات والأحكام فيه من حال إلى نقيضه، بتغير الأشخاص وتداول الدول؟‍!‏

وإلى أي حد يمكن أن يقبل المرء تقويمات مشبوهة ذات ارتباط كلي بالوصولية السياسية ومناوراتها، وكيف يُطمأن إلى صلاحها ونظافتها، وهي لا تخرج عن كونها توظيفات لفن القول، ومفعولات الأحكام، واستثارات دائمة لتوجيه الرأي العام وجهة مقصودة من أجل الوصول إلى السلطة بأية وسيلة، وديدن أصحابها تشغيل اللسان والقلم بدافع عن حمى بلوغ الغاية، دون تمييز بين وسيلة ووسيلة، أو بين حق وباطل وصلاح وفساد، ودونما استشارة أو استثارة لضمير معافى؟! وإلى أي حد يمكن أن يقبل الشعب أحكاماً تقدم إليه على أنها أحكام قيمة لا يرقى إليها الشك ، تزوَّد بقوة تأثير وسائل الأعلام والاتصال الجماهيري، حيث تمرر عبرها بوسائل وأساليب متعددة، تصدر باسم " الوطنية" وتحت شعار ممارسة حقوق " المواطنة".‏

إلى أي حد يمكن أن يقبل الشعب مثل تلك الأحكام، عندما يخرج مفهوم الوطنية، عند مصدريها عن كل ارتباط بتاريخ الأمة وجغرافيا الوطن؟! وأية وطنية يمكن أن تقوم خارج حدود الجغرافيا والتاريخ في أي وطن وأية أمة وأي عصر عبر التاريخ؟!‏

أطرح هذه الأسئلة وأنا أتابع منذ أكثر من عشرين سنة، تقلبات في أحكام القيمة ومعاييرها، وفي مواقف " المواجهين" باسم " الوطنية" للفساد والخطأ، وتقلب معاييرهم وأحكامهم على الفساد والمفسد، الخطأ والمخطئ، بتقلب الهوى والانتماء وتغير الارتباط، وأرى إلى رسوخ اعتماد تلك الأحكام على أساس واحد، بل يكاد يكون الأساس الوحيد الذي يُحترم ويُراعى بدقة، ألا وهو أساس الانتماء إلى " العشيرة الحديثة"، وألاحظ أن الفساد الآتي من أبناء " العشيرة" هو بنظرها: فضيلة " نضالية" فرضتها الظروف، وأسلوب في القراع، ونوع من‏

"مواجهة" بالسلاح ذاته، و " مرونة" تؤهل للدخول في وسط الفاسدين بهدف كشفهم...يا عجباً عجاباً قم واركع لمنطق أقرع! أما خطأ مخطئ " العشيرة" لدى من يناط بهم أمر التقويم - أي لدى الشخص المعيار فيها - في " العشيرة" فهو الاهتداء بعد عناء للضالة المنشودة والحكمة المفقودة.‏

وليت هذه الأحكام المتقلبة تقتصر فقط على مواضيع مثل الفساد والخطأ وما يتعلق بشؤونهما، لكان في ذلك حرج لا قتل، ولأمكن أن تصنف على أنها من إبداع في " فن الكدية" برز فيه صنف من الناس بتوليد القول والمعيار على نهج " الشَّبيحة" والشطار، ولكنه للأسف ينسحب على مجالات أخرى ومقومات حيوية جوهرية في حياة الناس وتقدم البلاد، منها الحرية والمساواة‏

"الديمقراطية"، والمواطنة والحق والتقدم، فهي وسواها عرضة لتغيير مفاهيمها ومضامينها حسب الموقع الذي يشغله " الشخص" أو موقفه وموقعه والمهمة التي يتولى تنفيذها، أو الغاية المؤقتة التي تحكم كلامه وسلوكه توجههما، ولا يلبث أن يتغير القول والحكم بتغير الموقع والموقف والمصلحة والمهمة..!!.‏

ربما كان " من سعادة الإنسان أن لا يكون عند فساد الزمان، مدبراً للزمان. ولكنني لا أكف عن سؤال نفسي: كيف يمكن أن يكوِّن " موجهون" من هذا القبيل، جبهة نبيلة الغاية نظيفة الوسيلة فعالة الأداء، قادرة على رد الاعتبار للحياة والإنسان، وعلى أن تشرع أبواب الأمل وتحيي النفوس، وتجعل من العيش متعة؟! ذلك لأن فساد المعيار يفسد حكم ما يقاس عليه ويستند إليه، فعلى أي أساس يميز أولئك ما فيه صلاح أمر الناس، وأمور الحياة، ويختارون للخلق نظاماً حياتياً وسلوكاً يومياً؟! وإلى أي علم يحتكمون فيستبين لهم ما يستبين، وكيف يستقيم أمر بني على فساد الطوايا والظواهر ومنازعة الحق، ومنازع الحق مخصوم؟!‏

إنه ضيق الأفق فيما يبدو لي، أو محدودية الرؤية، وربما كان في أحسن الأحوال تسميم بالمعلومات يتم حسب خطة، لوضع طاقات وجهود في خدمة من لهم مصلحة ومأرب في ضياع المعايير والقيم والأصول، وبالتالي التوصيل إلى فساد الحياة الروحية والاجتماعية والثقافية لشعب أو أمة، وأمثلة ذلك في حياتنا كثير، وقد وقف الناس، ويقفون يومياً على حالات من التردي وانهيار المعايير، وكذلك على دعاوى مشبوهة ناتجة عن مثل حالات التسميم التي أشرت إليها، وسوف أسوق هنا مثالاً لحالات تغير الأحكام بتغير المواقع.‏

كان أحد الساسة المشهورين في العالم يطالب، وهو في صفوف المعارضة، بحرية الرأي وحرية الصحافة، ويشن حملات لا تهدأ كلما تعرض لشيء من الضغط في ذلك المجال، ويعتمد على قدرة الصحافة في تكوين الرأي العام وتحريكه اعتماداً كبيراً، ويرى أن ذلك أحد أركان الصحة في الحياة، ونعم بهذه النعمة الكبرى، نعمة حرية التعبير عن الرأي، وحرية الصحافة إلى أن وصل إلى سدة الحكم، عندها قيد الحريات وفي طليعتها حرية الصحافة، ووضع حكماً نافذاً يقول: " حرية الصحافة خطأ سياسي فاضح " ومنع كتَّاباً، كان يحترمهم، من التعبير عن آرائهم.!‏

فيالها من مفارقة، وكيف تكون حرية الصحافة ركناً للحريات العامة من موقع، ثم تغدو" خطأ فاضحاً" من موقع آخر للشخص ذاته؟! وهل يمكن أن يعتمد على مثل هذه النماذج من الأشخاص والمعايير والأحكام، وأن تقام على معطياتها وممارساتها ومقولاتها، أسس حياة وحضارة وبقاء للجنس البشري وصلاح لأموره؟!‏

وفي حالة الأنموذج السابق، أين كان الخطأ فعلاً، هل في حرية التعبير والصحافة التي أوصلته إلى حيث يتمكن من تنفيذ مشروعه ونظريته، أم في كون تلك الحرية ذاتها خطأ فاضحاً وفي مطالبته بتقييدها مع حريات سواها، وهي التي قد لا توصل سواه من حملة المشاريع والنظريات إلى حيث‏

وصل هو؟!‏

إن الاعتبار المصلحي الذاتي الضيق هو الذي يملي أصلاً مثل هذه المعايير والأقوال والمواقف، وما يمليه معيار ضيق أو فساد، يقدم حكماً لا يعتد به ولا يبنى عليه، فعلى أي أساس يميز أولئك ما فيه صلاح أمر الناس وأمور الحياة، ويختارون للخلق نظاماً حياتياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه، وإلى علم يحتكمون فيتبين لهم ما يتبين من " علم" وكيف يستقيم أمر بني على فساد الطوايا ومنازعة الحق مخصوم؟!‏

ربما كان ضيق الأفق، أو محدودية الرؤية، أو نقص في المعلومات والمحاكمة، أو في حسن التقديرات تسميم بالمعلومات محسوب ومدروس، يتم حسب خطة لوضع طاقات وجهود في خدمة من لهم مصلحة ومأرب في ضياع المعايير والقيم والأصول، وبالتالي التوصل إلى إفساد البنى الروحية والاجتماعية والثقافية لشعب أو أمة.‏

إن أول وأهم ما يصنع قيم ثقافة وحضارة هو احترام الآخر، الإنسان، ومعرفة ماله وما عليه واحترام عقله وحرياته ومشاعره، والتقيد بالمعايير وسلامة القيم التي يحتكم إليها وصلاحها، فلا يمكن أن يكون مفهوم مثل: الحرية أو المساواة أو العدل، متقلب الجوهر والمظهر، المعيار والمسبار، إلى هذا الحد، فيتزيا بزي مصالح وأهواء ومواقع الأشخاص، إذ أن المنطقي والصحيح هو أنهم وسلوكهم وأخلاقهم وقيمهم وما يفعلون ويقولون يقاس على المعيار المستقر الشامل الإنساني، وليس العكس، وهذا لا يعني بحال من الأحوال، دعوة إلى جمود المفاهيم والمعايير أو تجميدها، وإنما يعني تأكيد أهمية وضرورة وجودها أولاً ، واستقرارها الأجدر بأن يحكم الصراع الذي تخوضه القوى البشرية المتنازعة، حتى يمكن تحويل صراعها إلى تنافس بناء، وتوظيف طاقاتها، وجهودها، في خدمة مستقبل الإنسان والحضارة والحياة على الأرض، وإلا انقلب كل جهد بشري إلى قدرة تدميرية وفعل وحشي وفوضوية عارمة دونما مبرر أو غاية.‏

وربما غدت القوانين والمعايير والقيم التي تحكم ذلك التنافس وتمايز بين المتنافسين هي أساس التمييز والتفوق بما يحكمها ويوجهها ويستقطبها من سمو الغايات ونبل الوسائل وجلال التضحيات، فتميز بذلك إضافة حضارية عن أخرى وعطاء ثقافياً لأمة عن أمة.‏

إن قوانين العلم أدت إلى تطوره، ولا يمكن تحقيق تقدم علمي إلا باكتشاف القوانين واحترامها والانصياع لها، والنفاذ منها إلى مزيد من المعرفة التي تؤدي إلى نقضها. ولن تنقض إلا بقوانين تقوم على مزيد من العلم يؤدي إلى اكتشاف علاقات، ومعطيات وشروط جديدة لها قوة الإقناع بالتغيير والإيحاء بالعلاقات والمعادلات والإحداثيات الجديدة، التي تبرهن على قوانين وتسهم في تكوين مقومات صوغها.‏

وعندما ندعو إلى استخدام العلم، والعقل العلمي، والمناهج العلمية... الخ، وننادي بالتمسك بها لنحكم علاقاتنا وعملنا، ولننظم فيها جهودنا، فإنما نفعل ذلك ليكون ما ندعو إليه وما نفعله، صحيحاً ونافعاً وقادراً على إحداث النقلة التي نريد إحداثها.‏

والعلم هو العلم، أياً كان مصدره، وله منطقه وقوانينه ومناهجه ونتائجه التي لا تعرف الحدود الجغرافية والأيديولوجية والقومية. إنه هو هو ،يحمل سماته في حقول المعرفة، وميادين العمل والسلوك والإنتاج والاختراع والبحث جميعاً. أما محاولات المصادرة التي تتم باسم " العلم" والفكر العلمي، للعلم والمعرفة وقوانين الارتقاء بالتفكير والحياة، فأقل ما يمكن أن يقال إنها مجافية تماماً للعلم ومنطقه، وللمعرفة وخصائصها.‏

إن تلك المصادرة نوع من غرور أو جهل، وهما لا ينسجمان مع العلم والوعي بالذات وبالآخر، وتنطوي على فوضوية مدمرة لفعالية الجهد الإنساني المنظم؛ الذي يمكن أن يوظف ليؤدي إلى وعي معرفي متجدد.‏

في ضوء القيم الروحية والأخلاقية التي لم تستطع المجتمعات المتحضرة مجاوزتها في ضوء معطيات الوعي المعرفي بالذات وبالآخر، وبما هو حق مشروع ومحترم للكائن البشري، وفي ضوء المنطق والمنهج والتفكير العلمي، لا يمكن أن تكون الحرية مثلاً حقاً مشروعاً لي تقوم عليها كتلة بناء حقوقي كإنسان، ولا تكون تلك الحرية ذاتها حقاً مشروعاً لغيري الذي أتساوى معه في الشرط الإنساني والاجتماعي والقانوني، أياً كان ما يعتقد أو يفكر، لأن له حياة يعيشها في شرطها الإنساني والاجتماعي والقانوني على أرض وطن وأرضية انتماء هي ذاتها تلك التي لي ونحن متساويان تماماً، ولا يقيد حدود ممارسته لحريته" ويظهر فساد أو صلاح منطقه ومفهومه ورؤيته للحياة ولما ينفع الناس في حدود وطن لـه سياج من التاريخ والجغرافيا، أو في تحديد تلك الحدود وتقييدها لي أنا، كما لـه هو، إلا المصلحة العليا للوطن والجماعة والأمة، والتي تحددها وتبين ظلالها وأضواءها معايير وقيم وأصول تواضع عليها الناس، وثبت صلاحها، وأقرها منطق وعلم وإجماع،وأقامتها التجربة ودروس الحياة، وكل شيء في نهاية المطاف ربما في ذلك العلم ، هو لخدمة الإنسان والحياة في صيرورتها وديمومتها في آن معاً، ولتحقيق ما هو في صالح بقائه الأمثل والأكمل روحاً وجسداً، ومناخ عمل وعيش واجتماع وإبداع.‏

وذلك الذي يعطي لنفسه الحق في إصدار الأحكام واحتكار منح " الهويات" وبراءات التقدير، ومراتب التقويم، وصكوك الغفران وحسن السلوك، ولا يتورع عن تغيير معاييره وقيمه وآرائه ومواقفه بتغيير موقعه ومصلحته وارتباطاته والمهمة الموكلة إليه ومزاد ومصالح المرتبط بهم، لن يتمكن من فرض قوله واحترام حكمه وذاته على الآخرين، قد يفلح إلى حد ما، في رسم تصور خداع للعالم والعلاقات من وجهة نظره، ولكن وضع التصور في التداول سيكشفه تماماً ويبين عدم صلاحه للحياة، وعندها سيبدأ عملية المكابرة على الأرجح ويدافع حتى باستخدام القوة عن أنموذج أملاه الغرور وضيق النظر والبعد عن العلم وعن قوانين الحياة ومعاييرها السليمة.‏

فماذا ستكون النتيجة التي سترتكس عليه وعلى مشروعه وعلى الآخرين؟!‏

ضياع ورهق وهدر جهود وأموال وطاقات وربما دماء، لماذا؟! أمن أجل المكابرة والدفاع عن الخطأ، أو عن رؤية لم تقم على أسس علمية وأخلاقية سليمة. وهل تستدعي المكابرة والغرور كل هذا من شخص يزعم أن العلم وصالح الناس والحضارة هو الذي يدفعه لأن يفعل ويقول، ما يفعل ويقول؟! إن هذا يغدو غريباً وغير إنساني، فضلاً عن أنه لا يمت إلى العلم وسلامة المنطق بأية صلة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244