ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

5- ثقافتنا ومعايير الحكم والاحتكام

في حياتنا الثقافية العربية عامة، والإبداعية منها بشكل خاص، خلل يظهر سلباً وإيجاباً في تراتبية الأشخاص والنصوص والأداء النقدي المتصل بها. ويتجلى ذلك الخلل أكثر ما يتجلى، في صناعة الأسماء وتلميعها وتصديرها عصياً غليظة وتضخيم تأثيرها وإحاطتها بهالات قداسة زائفة ليسهل الاستثمار بها والقتل بها.، ويتم ذلك جراء فعل إعلام محكوم بسيطرة الأيديولوجيا على شؤونه وتسلل عناصر من ميليشياتها إلى حصونه ، والعمل من هناك ، من الداخل ، خدمة لتفكير ومنهج مغرقين في تعصبهما وانحيازهما وتآكلهما وتحقيقاً لأهداف أبسط ما يقال فيها : إنها معادية ومضادة لكل ما ننشده من أهداف ، وتشكل تلك الميليشيات الثقافية ـ الإعلامية شبكة اتصالات وتنسيق وتعاون بين عناصرها وقياداتها ومراجعها على مستوى الوطن العربي لخلق حالة إعلامية ـ سياسية ـ اجتماعية ، سلبية أو إيجابية ، حول شخص أو نص أو قضية‏

أو تيار أو فكرة ، والعمل بما يحقق أهداف تلك المجموعات ، السلبية أو الإيجابية، على الصعد والمستويات جميعاً ، معتمدة مبدأ : " الغاية تبرر الوسيلة " في أدائها الموصل إلى غاياتها .‏

وإذا كان ذلك قد بدأ في الوطن العربي مع سيطرة الاستعمار وسعيه لتكوين الأعوان والعملاء ، فإنه تفاقم مع تسلل الشيوعية إليه على يد مؤسسين معظمهم من اليهود. ومع نشوب حرب بينها وبين الرأسمالية على أرضه، وبأيدي بعض أبنائه وعلى حساب مصالحه، ما زالت مستمرة منذ عقد الثلاثينيات من هذا القرن . وقد ترك ذلك الخلل تأثيره على الحياة الثقافية العربية بشكل شامل في التأصيل والتذوق والتقويم والتكوين ، ولم ينحسر بانحسار الأولى / الشيوعية / ولم يتوقف بانتصار الثانية / الرأسمالية / عليها ؛ وما زالت ميليشيا الطرفين تحصِبُنا صباح مساء بآراء تحمل قدراً لا يستهان به من الإرهاب، وتفتك بمقومات هويتنا وأصالتنا وتذوقنا وتقويمنا للإبداع ، وتشوه صورة الأداء والتلقي الناضجين الموضوعيين في مجتمعنا لمصلحة رموزها وعصيِّها وأهدافها وقضاياها وصراعاتها ؛ وحين يبرز توجه عربي ما للتأصيل الموضوعي ونبذ التبعية وترسيخ معيارية نقدية قويمة وسليمة على أساس من صحة الأداء وصدق الانتماء وسلامة المعايير، ويتجسد ذلك في أداء يسفر عن غاياته ونتائجه، فمن عجب أن التيارات المتعادية تتصالح عليه وتتعاون على حربه وتشويه صورته وأهدافه وتوحد صفوفها وتوجه سهامها نحوه ، فترميه عن قلب واحد وكأن ـ أو أن ـ الموجه واحد ؛ حتى لو لم يتناول ذلك التوجه أياً منها بالنقد ، واكتفى بأن طالب فقط بتصويب الرؤية وتصحيح المسار والانتماء وبإصلاح ما لحق بمناخ الإبداع والأحكام عليه من عطب .‏

وإذا ما رغب أحد بالتعرف على هذا التوجه فما عليه إلا أن يتابع ما يتم في الإعلام العربي من حملات تشجيع وتلميع لأشخاص ونصوص وأفكار وممارسات ، و تعتيم على أفكار أو أشخاص أو نصوص وتشويه لهم ولها ؛ حيث تُشهر خناجر " أبناء الأمة " على من يريد حماية ما تبقى من جثتها وهي في مراحل النزع ، بينما يُهتف بملء الصوت وفي أرجاء أرض العرب والعالم، من قبل الميليشيات جميعاً ، لمن يغمد سيفه المسموم أعمق في قلبها ليقضي على آخر ما تبقى فيه من نبض ؛ أما الذرائع فكثيرة ومثيرة ، وأما الدوافع فبغيضة وصغيرة ، وأما الأقنعة التي على الوجوه فحدث عن كثرتها ولا حرج؛ والمدهش في هذا ، من قبل ومن بعد ، جرأة ذلك النفر على الحق والعلم والصدق والأمة ، وإعلانهم الانحياز للغرب والصهيونية ، حتى وهم يتحدثون عن المدارس الأدبية ، واتهامهم لكل من يخالفهم الرأي بالتخلف والرجعية والتعصب " القومي " والتطرف بل والعنصرية حسب آخر صيحة من صيحات أحد دعاة " الحداثة وما بعدها " .. إلى آخر المعزوفة المعروفة جيداً والمحفوظة عن ظهر قلب التي تصلب على أنغامها قيمنا وهويتنا وانتماؤنا وتعبيرنا عن ذلك كله .‏

إن الحياة الثقافية العربية بأمس الحاجة إلى وقفة شجاعة مع الذات ، وقفة فكرية ونقدية واعية وعميقة وعلمية أصيلة ، يقوم بها مثقفون متمكنون من فنون الأداء ومن اختصاصاتهم ومناهجهم ، لا سيما في مجال النقد الأدبي والفني وفي مجالات الفكر الأصيل الذي لم يدمن تبعيته وتغربه ولم يعتد عليهما، ليقول أولئك القادرون كلمة حق وعدل وصدق وعلم تبدأ في المنهج وتنتهي بالتقويم العلمي السليم وإعادة الترابية ، على أسس موضوعية متوازنة تعطي لكل حقه ، وتنصف العدو والصديق ، وتعيد المصداقية للنقد والسلامة للذوق ، وتنهي الحالات التشنجية المستمرة منذ عقود وسيطرة " الحالة الإعلامية الدعائية " على القارئ والكاتب والناقد ، وعلى الرأي العام بشكل عام، الذي يردد ما يردده الإعلام ، ويروج أحكاماً وتقويماً من دون أن يقرأ أو يحاول التوقف عند مجرد حالة التأمل لزحف موج البرص هذا على ثقافتنا وإبداعنا .‏

إن ماعز السيد ماركس مثلاً لا تدع أخضراً ولا يابساً إلا قضمته حين تدخل كرماً لا يعود لصاحبها أو لأحد أعوانه وأتباعه ، وكذلك ماعز السيد‏

"حاييم" ، والسيد " سميث " ، فمتى نوقف زحف الماعز على كرومنا ليكون لنا من بعد كروم وعنب وخضرة وطل وزهر وندى وآيات جمال ، وحكم ومعايير احتكام ورأي ورؤية وثقافة واستقلال ؟!؟ إن ذلك يحتاج إلى بداية سليمة شجاعة ، وطريق الألف ميل تبدأ بخطوة(1) .‏

(1) - نشرت في جريدة المستقلة الأحد، 21 حزيران، 1998 الموافق الأحد، 26 صفر، 1419 .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244