|
6 - احذروا "مشروع ماريشال" ثقافي
فليحذر المثقفون الذين يعنيهم مستقبل الأمة العربية مما يحاك ضد شخصيتنا الثقافة وعقلها المدبر من خطط وليحذروا من الاستيعاب الذي يتم بأشكال مختلفة بالقدرات الثقافية في مشاريع لها الطابع الثقافي العام ولكنها ترمي إلى امتصاص طاقاتهم وتوظيفها في برامج وتوجهات ثقافية مسيطر عليها تماماً، من قبل مركزية توجيه صنعت خصيصاً لمثل هذه الغاية، وتعمل منذ زمن في وطننا، ولكنها تنشط منذ عام لتحقيق أهداف " إسرائيل " في سلام حسب مفهوم إسرائيل للسلام، وحسبما تقتضيه مصالحها فقط.
إن " كامب ديفيد " الذي غرب الآن سياسياً، يحتاج إلى رعيل من المروجين "والمطيَّباتية" ممن يأخذون على عاتقهم امتصاص نقمة الجماهير وتطويعها وتهيئتها للصيغة الجديدة، القادمة بثوب الأمر الواقع، وتحت مقولة: و "ليس بالإمكان أفضل مما كان".
وذلك الرعيل من المثقفين المطلوبين، حسب مواصفات معينة، مطلوب منه أن يمهد للتطبيع بكل صوره، وأن يلغي مقاومة الوعي لمخاطر التطبيع على الجبهة الثقافية، وهناك رموز "ثقافية" تقوم بعملها من أجل تحقيق هذه الغاية، وتنشط بأشكال مختلفة وتحت شعارات ومسميات متنوعة، لتؤثر بقوة في أوساط المثقفين ولتستقطبهم في أطرها المتنوعة الموضوعة لتلك الأغراض، ابتداء من نشر الكتب والدراسات والبحوث إلى تشكيل مجموعات العمل الميداني، وهي تحشو أفواههم بما يسكتها، وتحشو أدمغتهم بما يجعلها تعمل في الاتجاه الذي يريدون لها أن تعمل فيه.
إن الصهيونية تتقدم نحو معاقلنا وحصوننا المتينة بجلود العرب والأميركيين والأروبيين الذين يعملون لخدمة أهدافها من مواقع تبدو بعيدة، وتحت مظلات وشعارات وتجمعات تبدو زاهية ونظيفة وإنسانية وحضارية.
إن الأهداف الرئيسة لأولئك الذين يتقدمون نحو معاقل الشخصية العربية بكل قيمها ومقوماتها، ويشتد سعيهم لاحتلال العقل العربي وإفساد الوجدان، بتعطيل فاعلية الكلمة الواعية الشريفة، أو باستئجارها أو بتشويهها وإلغاء دورها الإيجابي، تتجلى على نحو واضح في:
- جعل العقل العربي يقبل- وهو في واقع الحصار السياسي والاقتصادي والعسكري- يقبل بواقع أن لابد من التسليم بوجود إسرائيل تحت هيمنة أميركا، وبأنه لا فائدة على الإطلاق من رفع الصوت بمقاومتهما، بل إن الجهد ينصب على تحميل المثقف مسؤولية تاريخية جسيمة، إذا ما نادى برفض الاعتراف بإسرائيل ورفض التعامل معها، لأنه "يورط الأمة" في سلسلة مواجهات وحروب تكون نتائجها سلبية عليها، ويدعو إلى تضييع "فرص" لن يجود التاريخ مثلها.
- جعل المثقفين العرب يمارسون دوراً إيجابياً في الضغط من أجل إيجاد حلول، وتقديم "مبادرات" على تلك الطريق انطلاقاً من اعتقاد بأن الشجاعة الأدبية تقضي بأن يعبر العقل عن حضور واقتناع بما في الحياة والمجتمع، وبأن يعمل على تجسيد ذلك الاقتناع.
- احتلال الإرادة العربية من الداخل، وجعلها تتصرف بما يخدم المشاريع والمخططات التي استقطبتها، بما يشبه عملية غسل دماغ عقلية ووجدانية عن طريق استخدام الوعي المعرفي وتسخيره للتعبير عن شجاعته بقبول ما يمليه الواقع الحالي من معطيات، وبإغرائه لإغلاق كل أبواب الأمل أمام الأمة، ولإهمال قراءة التاريخ واستقرائه بوعي قومي تحرري سليم ينير طريق الخلاص وطريق المستقبل الكريم.
- الوصول بالأمة ككل- سياسياً وثقافياً وعسكرياً واقتصادياً . - إلى حال من الاستسلام للمشروعات التي تتقدم تحت جنح "ظلام السلام". والانخراط في تلك المشروعات للخروج من الضائقات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الأمنية، القائمة.
وينصب الجهد الرئيس على إحكام الحصار حول الإرادة والثقافة العربيتين بكل الوسائل، وصولاً إلى خلق مناخ اليأس أو إيصال الواعين من أبناء الأمة العربية إلى حال اليأس وإلى بث التيئيس من كل إمكانية لرفض "إسرائيل" على أرضية منطقية من خلال المعطيات العربية والدولية الحالية. وبتعاون العالم على تطويع العرب للقبول بالأمر الواقع، كما يتعاون بعض العرب مع أعداء أمتهم على البحث عن منافذ ملائمة للدخول إلى حصني العقل والوجدان العربيين والعمل فيهما من الداخل، وتفتيت قدرتهما على إنقاذ الأمة وتصليب مواقفها.
فهل نسمي أولئك جواسيس الثقافة، أم نسميهم طلائع الواقعيين الجدد الذين سوف يباركهم السادات من قبره لأنهم يبررون خيانته ويزينون للأمة الطريق التي سار فيها منذ سنوات، وأدت اليوم إلى إعطاء الضوء الأخضر للعابرين ليمروا على تلك الطريق، وليصلوا إلى الأهداف ذاتها التي وصل إليها السادات وأوصل مصر والعرب إليها؟؟!.
إن ذلك ليس هو موضوع الاهتمام الآن، وليس المهمة العاجلة للمثقفين والمهتمين من أبناء العروبة.
إن المهمة العاجلة الملقاة على عاتق المثقفين الذين يتفلّتون من الحصار، ويروغون عن الضربات الموجهة إليهم في متاريسهم الوطنية والقومية، الذين ما زالوا يستخدمون وعيهم لكشف التسلل المستمر الرامي إلى إفساد الوعي الثقافي وتشويه الرؤية أمامه، إن تلك المهمة تنحصر في تماسك الصفوف- صفوف المثقفين والمهتمين بمصير الأمة وقضاياها - بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية واختلافاتهم الفكرية وتنظيماتهم- ليشكلوا وحدة موقف مبدئي يرفض الاعتراف بالعدو الصهيوني وكل أشكال التطبيع معه وفي مقدمتها التطبيع الثقافي، ليقوموا بانبعاثهم من رماد اليأس والهزيمة، ومن موقعهم ذاك، وبقوتهم التي توافرها لهم وحدة الموقف والصف- بالتصدي الحازم الواعي لكل المشاريع والمبادرات والتحركات التي تتخذ لنفسها مسميات كثيرة، وتتسرب إلى الثقافة العربية ومنها إلى الناس، بأشكال مختلفة، والتي ترمي إلى تسويغ الاعتراف بالعدو، والتمهيد لقبوله في نسيج المنطقة في كل مجال، وتخلق المناخ الملائم والمستمر لنجاح زرع جسم غريب هو "إسرائيل" في جسم الوطن العربي وعلى حساب الصحيح والسليم من ذلك الجسم، متخذة من "التيئيس" و"التعقل" و"الواقعية" السياسية والاجتماعية.. مداخل إلى ذلك، ومستفيدة من غياب اهتمام الأنظمة العربية بالثقافة، ومن حاجة أهلها لمقومات العيش، وكذلك من فقدان المناعة الداخلية أو من ترديها لدى البعض حيال الإغراء المادي والمعنوي لتشغّل أولئك لحسابها، وتوجد لهم "مشروع ماريشال" ثقافي بفروع ووجوه مختلفة تلهيهم به، أو تغرقهم فيه، ليتم لها تحقيق أهدافها النهائية المتمثلة في تثبيت الوجود الشرعي لـ" إسرائيل" في الوطن العربي، وحمايتها وضمان تفوقها القاهر على العرب مجتمعين، وتهيئتها لتحقيق المرحلة القادمة من المشروع الصهيوني، مرحلة "إسرائيل الكبرى" بتوافر اليهود المستوردين" والمال اللازم لإسكانهم وعملهم، والسلاح غير التقليدي، والصناعات الحربية وغير الحربية، والأسواق المفتوحة في إطار من الأمن والأمان. فهل نسارع يا ترى، مثقفين ومهتمين- من كل الاتجاهات السياسية والفكرية، ومن كل الساحات العربية- إلى تكوين جبهة مواجهة صلبة واعية، ثقافية أولاً ثم جماهيرية ثانياً، تدفع عنا وعن جماهيرنا وأوطاننا الخطر الداهم ؟؟!. وهل ترانا نستيقظ قبل فوات الأوان، ونحاصر المتسللين إلى معاقل الثقافة العربية، أولئك الذين يضخون في شرايينها اليأس، والاستعداد للتطبيع مع العدو الصهيوني والاستسلام لمفهومه للسلام، والذين يروجون لشرعية وجود ذلك العدو على أرضية المستقبل الزاهر، والعقلانية "المزيفة الاستسلامية" أقول نحاصرهم ونوقف تخريبهم، ونكشف أشكال تحركهم ومشاريعهم، ونوقف فتكهم بالإرادة والشخصية والأخلاق والبنى الروحية الفوقية لمجتمعنا القومي؟!.
إن ذلك من المطالب العاجلة والملحة ولاسيما ونحن نقف على أبواب نهاية الجولة السابقة التي قد تحمل بنذر المواثيق والاتفاقات والمعاهدات والبيانات، ونتقدم من بعد ذلك على أضواء "البيت الأبيض" المزدهية برئاسة جديدة، أو بتجديد للرئاسة الحالية، إلى جولات أخرى قد لا يبقى لنا فيها أو بعدها ما نحس بخسرانه، لأننا قد نموت بشكل ما فلا نحس بأية جراح.
وليس ذلك هو بالضرورة قدرنا، ولا يمكن أن يكون ذلك مصير الأمة العربية(1) .
(1) - جريدة الأسبوع الأدبي العدد /336/ الخميس 5 تشرين الثاني 1992م.
|