ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

7- كثيرا ما طرح علي سؤال وجيه...

كنت أتوقف عنده قليلا ثم أتجاوزه إلى الموضوع الأساس، وأرى اليوم أن يكون هو الموضوع الأساس ، والسؤال هو:‏

إلى أي حد يمكن أن تكون الثقافة مسؤولة عما يحصل من ترد في الأوضاع السياسية والاجتماعية العربية ، وإلى أي مدى يمكن أن تكون منقذة أو قادرة على ممارسة دور منقذ ؟؟ وعلى جذع هذا السؤال تتفرع أسئلة ، والمدخل إلى الجواب عليه أسئلة وأسئلة ، منها :‏

هل الثقافة قادرة ، في الأوضاع العربية الراهنة أو في أية أوضاع أخرى، على أن تقوم بدور رئيس في صنع الحدث أو صنع القرار ، وبالتالي قادرة على ممارسة فعل بحرية يرتب عليها وعلى أهلها مسؤولية ؟! وهل تملك أصلا أن تخرج من حاشية السياسي لتكون مغايرة وذات موقف مغاير وفعل مغاير ، أم أنها محكومة بالرؤية السياسية وظلالها بشكل أو بآخر ؟!‏

وهل هي أصلا منظومة موحدة المواقف والأهداف والرؤى لتمارس فعلا يؤدي بها إلى أن تمتلك القوة وسلطة القرار وبالتالي سلطة الأمر والنهي ، أم أنها مجموعة حزم مشعة من الآراء والاجتهادات والمواقف والأفكار والرؤى التي قد تتضارب أو تتناقض أو تتقارب ، ولكنها لا تتطابق ولاتشكل كتلة مصلحية واحدة ـ مثل الكتلة التي تشكلها التنظيمات العسكرية ـ تكون لها وحدة موقف وشوكة خضَّادة؟!‏

وهل هي صاحبة قول فصل في الأمور أم أنها أقرب إلى أن تقف دائما عند حدود التوق والسعي والحلم والممكن والتمني ، من خلال صوغ الكلام وإعادة إنتاجه والنضال في ساحاته ومساحاته ، يتناوبها ، خلال ذلك ، الشك واليقين فيما تقول وفيما يمكنها أن تحقق مما تقول ، ويخوض أهلها معاركهم في مناخ السياسة وتحت وطأتها ، وبإيعاز ومباركة منها في كثير من الأحيان؟!؟ ويغلب ، في مجالاتها، أن يتوسل أهلها بوسائل شتى إلى أهل القوة ومالكيها ليكونوا مصدر تنفيذ الفكر والرؤية وأداة ذلك ، بعد اقتناع وتوافر مصالح وتشرب لشهوة التسلط أو عزف على أوتار تلك الشهوة في النفس البشرية ، وهي تواقة إلى سماع مثل ذلك العزف في الأغلب الأعم ، وعندما يصل أولئك إلى المواقع المنشودة يصبحون السلطة وتضمحل سلطة الثقافة فيعود أهلها إلى النشيد والنشيج من جديد؟!‏

مما لاشك فيه أن الثقافة مؤثرة ، ومؤثرة إلى حد بعيد ، في الفعل الحياتي، اليومي والبعيد الأمد ، وهي التي تقود القوة وتوجهها في حالات ، ولكن ذلك لا يتسنى لها إلا بعد جهد ونضج ووقت ، ولا يمكن أن يظهر تأثيره دون تنظيم تقيمه أو يكون قائما فيتبنى طروحاتها ، ويضع البرامج لما تقدمه من نظريات ، ولا تستطيع أن تضبط أداءها وتجعله ناجزا وناجعا دون الاعتماد على شرائح بشرية واسعة تتغلغل في الجموع وتؤثر فيها وتقودها إلى حيث تريد ، وهذا ما يحققه الإطار التنظيمي الذي يتبناها ، وهو إطار غير متجانس بالضرورة ، ولا يمكن أن يكون متمثلا للأفكار والرؤى والغايات بدرجة واحدة .‏

وعلى ذلك فان فعل الثقافة وتأثيرها يظلان مرهونين بمصداقيتها وانتشارها والاقتناع بما تقدمه، وكذلك بكون ذلك الذي تقدمه على تماس مباشر بشواغل الناس ومشاكلهم ومعاناتهم وتطلعاتهم، من جهة ، وبما يتبقى من مقولاتها ورؤاها وثوابتها ، بعد أن يرشح عبر أواني التنظيم المستطرقة ، ويواءم بينه وبين مصالح من "يتطوعون " لترجمته إلى أفعال وإنجازات ، من جهة أخرى .‏

ويتوقف الأمر من بعد على المناخ الملائم والقدرة على الإقناع والتأثير والتجسيد ، وعلى ردم الهوة القائمة حكما بين التنظير والتطبيق ، وعلى ردم ما ينشأ على هوامشها من فجوات بين الاعتناق والتجسيد ، المحكوم بدوره بأداء مشوب بدرجات من البيروقراطية ، وبما تحمله نفوس البشر من أدران وشوائب وأغراض وأمراض .‏

وكثيرا ما يتركز النظر والتفكير وينحصران ، عند الحديث عن الثقافة ، في الكتابة وما ينشأ عنها ، أي في عمل الكتاب والأدباء والمفكرين وأهل القلم وما ينتجون ، وهي عملية اجتزاء مشروعة ، عند من يقوم بها ، لا تريد أن توسع المفهوم ليشمل الثقافة بمعناها الواسع الذي يضم كل المتعاملين في الحياة مع منظومة العلم والمعلومات ومع دائرة الإبداع والتربية والتعليم ، بمراحله ودرجاته ومستوياته ، في إطار الوعي المعرفي ، إفادة واستفادة ؛ وهذا توجه له مبرراته ومؤيداته ومنطقه، لأن مرتكز الفعل الثقافي هو الفكر والرأي والرؤية ، في جدلية إيجابية مجدية مع الحياة ، في أثناء الانغماس الكلي في شؤونها وشجونها ، والحياة تحكمها القوة أو تتحكم بها ، فهل تحكم الثقافة القوة على نحو ما ؟؟‏

إن الثقافة في المحصلة قادرة على توجيه القوة، ولكنها لا تستطيع أن تزعم لنفسها القدرة على ضبط الأداء وضمان النتائج التي يمكن أن يسفر عنها فعل القوة وممارساتها ، ذلك الذي يتم عبر شرائح التوجيه والأداء الاجتماعيين وعبرأقنية التوصيل وأدوات الإنتاج البشري وغير البشري ، التي تشكل بمجملها جهاز ترجمة الأفكار والنظريات إلى سلطات وأفعال وممارسات ومنجزات ، كثيرا ما تغضب السياسة والثقافة معا ، ولكنها في مجملها تسفر عن إغضاب الثقافة أولا، ولذلك تتحول الثقافة بعد كل مشروع تقدمه أو تبشر به ، ويدخل حيز التنفيذ ، من النظر في مرآة الخيال التي تزينها الآمال ، إلى النظر في مرآة الواقع التي تقدمها الأعمال ، فتقف على معالم المشروع الذي حلمت به أو تخيلته ، وعندما تكتشف الهوة بين التصور والواقع ، تتناءى عن مشروعها وتتحول إلى منتقد له، معرض عنه ، متنصل منه ، ثم ثائر عليه ، وتشرع بالتفكير بمشروع جديد أو بتحضير نفسها للانقضاض على ما كان مشروعها.‏

هذا فعلها بمشروعها، أمّا إذا كان المشروع ليس مشروعها ،أي مما تعترض عليه وتناقضه أصلا ، فهي تدخل في خصومة معه منذ البداية وتعمل على تدميره دون هوادة .‏

وهكذا تبقى في عملية هدم وبناء نتيجة لخصوماتها أولما تصاب به من خيبات أمل أو ما يلحق بها من إحباطات ، وكذلك من جراء ما يكون من نقص في مشروعها أو من جراء مصادمتها لمشاريع سواها ؛ والثقافة على هذا تبقى فرسا شموسا وحصانا حرونا بنظر أهلها وغير أهلها ، أيا كانت الأسباب التي يصدر عنها فعلها ، لأنها دائما في اعتراض وحرد ، وتمرد ولدد .‏

ولنا أن نتساءل : هل هذا ناتج عن المدى الشاسع القائم أصلا بين التنظير والتطبيق، التخييل والواقع ؟! أم ناتج عن التعلم بالممارسة ، واكتشاف الخطأ بعد الاندفاع الصاخب في العمل ؟؟ أم أنه نضج يتم بالتدريج وهو من طبيعة الأشياء والأحياء في الحياة ، ولكنه يعلن عن نفسه بتظاهرات ثورية شديدة الصوت أو شديدة البطش ؟! إن كل ذلك ممكن ، ولكنه في المحصلة لابد أن يضعنا بمواجهة السؤال الأساس الذي انطلقنا منه في البداية : هل الثقافة العربية قادرة على التغيير في الأوضاع العربية الراهنة ؟!‏

أقول إن الثقافة العربية ، شأنها شأن كل ثقافة عريقة ناضجة ، قادرة على التغيير في كل الحالات والأوضاع ، وهي بالتالي قادرة على التغيير في ظل الأوضاع العربية الراهنة ، وكل استقراء لتاريخ الأحداث القريبة والبعيدة يفضي إلى ذلك ،ولكن على الثقافة العربية أن ترتب بيتها وأن تحدد أولوياتها ، وتضع برامجها ، وتختار أدواتها وأساليبها ، وتعرف بيئتها والمعطيات التي تحيط بها جيدا ، لتبدأ مسيرة التغييربثقة ودراية واقتدار .‏

والباب الذي يعلن عن أنه موصد في وجهها ، وأن إيصاده يصادر كل قدرة لها على التحرك ، أعني باب الحرية عموما وحرية التعبير بوجه خاص، هو باب يفتح بالوعي والمسؤولية والحكمة ، وتلك معطيات الثقافة وأدواتها . فلا يعترض أحد على ممارسة واعية لحرية مسؤولة تقوم بدورها خدمة للحق والشعب والوطن ، في ظل الانتماء والإخلاص والرغبة في البحث عن فعل إيجابي المردود والنتائج ، يتم قصده دون إثارات واستثارات، من جهة ، ودون تجريح أو استفزاز ، من جهة أخرى .‏

ولا تستطيع قوة ، على المدى البعيد ، أن تمنع الفكر ، عماد الفعل الثقافي وأساسه ، من الوصول إلى الناس والتأثير فيهم ؛ ويبقى الأمر منوطا بقدرة الفكر ذاته على الإقناع بأطروحاته ومنطقه ومشاريعه وتوجهاته ، وبالرؤية التي يقدمها ، والمصداقية التي يحملها ، وبالذين يختار التوجه إليهم ويضع في أيديهم مصير مشروعه ، وربما مصير مصداقيته .‏

وأكاد أجزم بأن نجاح أي مشروع تقدمه الثقافة يتوقف على السلامة الأخلاقية في المجتمع ، أو في الشرائح البشرية التي تقوم بمهام تنفيذ ذلك المشروع على الأقل ، فالأرضية الأخلاقية المتينة والسليمة تشكل ضمانة النجاح الأولى لأي مشروع نهضوي تتقدم به الثقافة أو سواها للمجتمع .‏

والثقافة العربية قادرة على الأداء الناجح في هذا المجال ، إذا أنضجت رؤيتها بالحوار البناء ، على أرضية الثقة والاحترام ، مع التيارات والفئات التي تشكل جبهة الثقافة ، إن صح التعبير وصح الوصف ، وتشكل جبهة الأداء والإنجاز . فهي ، في حالة صوابية الرأي وصدق الرؤية وسلامة النية والقصد، تدخل حالة من حالات نشوة الوعي وانتشاره بحماسة كافية لتحويل الاقتناع إلى إيمان عميق ، تبذل التضحيات من أجل تحويله إلى صرح من الإنجازات التامة، بإخلاص وحرص وحسن أداء ، تحقيقا للأهداف التي وجد من أجلها أصلا .‏

فهل تنجح الثقافة العربية في ترتيب بيتها ، وتحديد أولوياتها ، وإنضاج رؤيتها ، واختيار أساليبها وأدواتها ، لتتمكن من تقديم مشروع وتجسيده ، وصولا إلى استعادة المكانة والثقة في آن معا ؟! إن ذلك هو السؤال الذي تتوقف عليه الإجابة على السؤال الأساس.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244