|
7- كثيرا ما طرح علي سؤال وجيه...
كنت أتوقف عنده قليلا ثم أتجاوزه إلى الموضوع الأساس، وأرى اليوم أن يكون هو الموضوع الأساس ، والسؤال هو:
إلى أي حد يمكن أن تكون الثقافة مسؤولة عما يحصل من ترد في الأوضاع السياسية والاجتماعية العربية ، وإلى أي مدى يمكن أن تكون منقذة أو قادرة على ممارسة دور منقذ ؟؟ وعلى جذع هذا السؤال تتفرع أسئلة ، والمدخل إلى الجواب عليه أسئلة وأسئلة ، منها :
هل الثقافة قادرة ، في الأوضاع العربية الراهنة أو في أية أوضاع أخرى، على أن تقوم بدور رئيس في صنع الحدث أو صنع القرار ، وبالتالي قادرة على ممارسة فعل بحرية يرتب عليها وعلى أهلها مسؤولية ؟! وهل تملك أصلا أن تخرج من حاشية السياسي لتكون مغايرة وذات موقف مغاير وفعل مغاير ، أم أنها محكومة بالرؤية السياسية وظلالها بشكل أو بآخر ؟!
وهل هي أصلا منظومة موحدة المواقف والأهداف والرؤى لتمارس فعلا يؤدي بها إلى أن تمتلك القوة وسلطة القرار وبالتالي سلطة الأمر والنهي ، أم أنها مجموعة حزم مشعة من الآراء والاجتهادات والمواقف والأفكار والرؤى التي قد تتضارب أو تتناقض أو تتقارب ، ولكنها لا تتطابق ولاتشكل كتلة مصلحية واحدة ـ مثل الكتلة التي تشكلها التنظيمات العسكرية ـ تكون لها وحدة موقف وشوكة خضَّادة؟!
وهل هي صاحبة قول فصل في الأمور أم أنها أقرب إلى أن تقف دائما عند حدود التوق والسعي والحلم والممكن والتمني ، من خلال صوغ الكلام وإعادة إنتاجه والنضال في ساحاته ومساحاته ، يتناوبها ، خلال ذلك ، الشك واليقين فيما تقول وفيما يمكنها أن تحقق مما تقول ، ويخوض أهلها معاركهم في مناخ السياسة وتحت وطأتها ، وبإيعاز ومباركة منها في كثير من الأحيان؟!؟ ويغلب ، في مجالاتها، أن يتوسل أهلها بوسائل شتى إلى أهل القوة ومالكيها ليكونوا مصدر تنفيذ الفكر والرؤية وأداة ذلك ، بعد اقتناع وتوافر مصالح وتشرب لشهوة التسلط أو عزف على أوتار تلك الشهوة في النفس البشرية ، وهي تواقة إلى سماع مثل ذلك العزف في الأغلب الأعم ، وعندما يصل أولئك إلى المواقع المنشودة يصبحون السلطة وتضمحل سلطة الثقافة فيعود أهلها إلى النشيد والنشيج من جديد؟!
مما لاشك فيه أن الثقافة مؤثرة ، ومؤثرة إلى حد بعيد ، في الفعل الحياتي، اليومي والبعيد الأمد ، وهي التي تقود القوة وتوجهها في حالات ، ولكن ذلك لا يتسنى لها إلا بعد جهد ونضج ووقت ، ولا يمكن أن يظهر تأثيره دون تنظيم تقيمه أو يكون قائما فيتبنى طروحاتها ، ويضع البرامج لما تقدمه من نظريات ، ولا تستطيع أن تضبط أداءها وتجعله ناجزا وناجعا دون الاعتماد على شرائح بشرية واسعة تتغلغل في الجموع وتؤثر فيها وتقودها إلى حيث تريد ، وهذا ما يحققه الإطار التنظيمي الذي يتبناها ، وهو إطار غير متجانس بالضرورة ، ولا يمكن أن يكون متمثلا للأفكار والرؤى والغايات بدرجة واحدة .
وعلى ذلك فان فعل الثقافة وتأثيرها يظلان مرهونين بمصداقيتها وانتشارها والاقتناع بما تقدمه، وكذلك بكون ذلك الذي تقدمه على تماس مباشر بشواغل الناس ومشاكلهم ومعاناتهم وتطلعاتهم، من جهة ، وبما يتبقى من مقولاتها ورؤاها وثوابتها ، بعد أن يرشح عبر أواني التنظيم المستطرقة ، ويواءم بينه وبين مصالح من "يتطوعون " لترجمته إلى أفعال وإنجازات ، من جهة أخرى .
ويتوقف الأمر من بعد على المناخ الملائم والقدرة على الإقناع والتأثير والتجسيد ، وعلى ردم الهوة القائمة حكما بين التنظير والتطبيق ، وعلى ردم ما ينشأ على هوامشها من فجوات بين الاعتناق والتجسيد ، المحكوم بدوره بأداء مشوب بدرجات من البيروقراطية ، وبما تحمله نفوس البشر من أدران وشوائب وأغراض وأمراض .
وكثيرا ما يتركز النظر والتفكير وينحصران ، عند الحديث عن الثقافة ، في الكتابة وما ينشأ عنها ، أي في عمل الكتاب والأدباء والمفكرين وأهل القلم وما ينتجون ، وهي عملية اجتزاء مشروعة ، عند من يقوم بها ، لا تريد أن توسع المفهوم ليشمل الثقافة بمعناها الواسع الذي يضم كل المتعاملين في الحياة مع منظومة العلم والمعلومات ومع دائرة الإبداع والتربية والتعليم ، بمراحله ودرجاته ومستوياته ، في إطار الوعي المعرفي ، إفادة واستفادة ؛ وهذا توجه له مبرراته ومؤيداته ومنطقه، لأن مرتكز الفعل الثقافي هو الفكر والرأي والرؤية ، في جدلية إيجابية مجدية مع الحياة ، في أثناء الانغماس الكلي في شؤونها وشجونها ، والحياة تحكمها القوة أو تتحكم بها ، فهل تحكم الثقافة القوة على نحو ما ؟؟
إن الثقافة في المحصلة قادرة على توجيه القوة، ولكنها لا تستطيع أن تزعم لنفسها القدرة على ضبط الأداء وضمان النتائج التي يمكن أن يسفر عنها فعل القوة وممارساتها ، ذلك الذي يتم عبر شرائح التوجيه والأداء الاجتماعيين وعبرأقنية التوصيل وأدوات الإنتاج البشري وغير البشري ، التي تشكل بمجملها جهاز ترجمة الأفكار والنظريات إلى سلطات وأفعال وممارسات ومنجزات ، كثيرا ما تغضب السياسة والثقافة معا ، ولكنها في مجملها تسفر عن إغضاب الثقافة أولا، ولذلك تتحول الثقافة بعد كل مشروع تقدمه أو تبشر به ، ويدخل حيز التنفيذ ، من النظر في مرآة الخيال التي تزينها الآمال ، إلى النظر في مرآة الواقع التي تقدمها الأعمال ، فتقف على معالم المشروع الذي حلمت به أو تخيلته ، وعندما تكتشف الهوة بين التصور والواقع ، تتناءى عن مشروعها وتتحول إلى منتقد له، معرض عنه ، متنصل منه ، ثم ثائر عليه ، وتشرع بالتفكير بمشروع جديد أو بتحضير نفسها للانقضاض على ما كان مشروعها.
هذا فعلها بمشروعها، أمّا إذا كان المشروع ليس مشروعها ،أي مما تعترض عليه وتناقضه أصلا ، فهي تدخل في خصومة معه منذ البداية وتعمل على تدميره دون هوادة .
وهكذا تبقى في عملية هدم وبناء نتيجة لخصوماتها أولما تصاب به من خيبات أمل أو ما يلحق بها من إحباطات ، وكذلك من جراء ما يكون من نقص في مشروعها أو من جراء مصادمتها لمشاريع سواها ؛ والثقافة على هذا تبقى فرسا شموسا وحصانا حرونا بنظر أهلها وغير أهلها ، أيا كانت الأسباب التي يصدر عنها فعلها ، لأنها دائما في اعتراض وحرد ، وتمرد ولدد .
ولنا أن نتساءل : هل هذا ناتج عن المدى الشاسع القائم أصلا بين التنظير والتطبيق، التخييل والواقع ؟! أم ناتج عن التعلم بالممارسة ، واكتشاف الخطأ بعد الاندفاع الصاخب في العمل ؟؟ أم أنه نضج يتم بالتدريج وهو من طبيعة الأشياء والأحياء في الحياة ، ولكنه يعلن عن نفسه بتظاهرات ثورية شديدة الصوت أو شديدة البطش ؟! إن كل ذلك ممكن ، ولكنه في المحصلة لابد أن يضعنا بمواجهة السؤال الأساس الذي انطلقنا منه في البداية : هل الثقافة العربية قادرة على التغيير في الأوضاع العربية الراهنة ؟!
أقول إن الثقافة العربية ، شأنها شأن كل ثقافة عريقة ناضجة ، قادرة على التغيير في كل الحالات والأوضاع ، وهي بالتالي قادرة على التغيير في ظل الأوضاع العربية الراهنة ، وكل استقراء لتاريخ الأحداث القريبة والبعيدة يفضي إلى ذلك ،ولكن على الثقافة العربية أن ترتب بيتها وأن تحدد أولوياتها ، وتضع برامجها ، وتختار أدواتها وأساليبها ، وتعرف بيئتها والمعطيات التي تحيط بها جيدا ، لتبدأ مسيرة التغييربثقة ودراية واقتدار .
والباب الذي يعلن عن أنه موصد في وجهها ، وأن إيصاده يصادر كل قدرة لها على التحرك ، أعني باب الحرية عموما وحرية التعبير بوجه خاص، هو باب يفتح بالوعي والمسؤولية والحكمة ، وتلك معطيات الثقافة وأدواتها . فلا يعترض أحد على ممارسة واعية لحرية مسؤولة تقوم بدورها خدمة للحق والشعب والوطن ، في ظل الانتماء والإخلاص والرغبة في البحث عن فعل إيجابي المردود والنتائج ، يتم قصده دون إثارات واستثارات، من جهة ، ودون تجريح أو استفزاز ، من جهة أخرى .
ولا تستطيع قوة ، على المدى البعيد ، أن تمنع الفكر ، عماد الفعل الثقافي وأساسه ، من الوصول إلى الناس والتأثير فيهم ؛ ويبقى الأمر منوطا بقدرة الفكر ذاته على الإقناع بأطروحاته ومنطقه ومشاريعه وتوجهاته ، وبالرؤية التي يقدمها ، والمصداقية التي يحملها ، وبالذين يختار التوجه إليهم ويضع في أيديهم مصير مشروعه ، وربما مصير مصداقيته .
وأكاد أجزم بأن نجاح أي مشروع تقدمه الثقافة يتوقف على السلامة الأخلاقية في المجتمع ، أو في الشرائح البشرية التي تقوم بمهام تنفيذ ذلك المشروع على الأقل ، فالأرضية الأخلاقية المتينة والسليمة تشكل ضمانة النجاح الأولى لأي مشروع نهضوي تتقدم به الثقافة أو سواها للمجتمع .
والثقافة العربية قادرة على الأداء الناجح في هذا المجال ، إذا أنضجت رؤيتها بالحوار البناء ، على أرضية الثقة والاحترام ، مع التيارات والفئات التي تشكل جبهة الثقافة ، إن صح التعبير وصح الوصف ، وتشكل جبهة الأداء والإنجاز . فهي ، في حالة صوابية الرأي وصدق الرؤية وسلامة النية والقصد، تدخل حالة من حالات نشوة الوعي وانتشاره بحماسة كافية لتحويل الاقتناع إلى إيمان عميق ، تبذل التضحيات من أجل تحويله إلى صرح من الإنجازات التامة، بإخلاص وحرص وحسن أداء ، تحقيقا للأهداف التي وجد من أجلها أصلا .
فهل تنجح الثقافة العربية في ترتيب بيتها ، وتحديد أولوياتها ، وإنضاج رؤيتها ، واختيار أساليبها وأدواتها ، لتتمكن من تقديم مشروع وتجسيده ، وصولا إلى استعادة المكانة والثقة في آن معا ؟! إن ذلك هو السؤال الذي تتوقف عليه الإجابة على السؤال الأساس.
|