ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

8 - حتى لا تصبح الكتابة مأزقاً

الكتابة مأزق في هذا الزمن العربي، في حين أنها كانت وينبغي أن تكون مدخلاً رحباً للخروج من كل مأزق على مدى الزمن، والكتابة مأزق فضلاً عن أنها في مأزق عبر زمننا هذا، لأنها بشكل ما عاجزة عن التوفيق بين ما يجب أن يقال وما يمكن أن يقال، وعاجزة عن اختراق جدار الصمت الذي يجعلها بنظر الكثيرين متهمة وهي في واقع الحال ضحية، وعاجزة عن التواصل الفعال والخلاق مع الناس، لأنها ينبغي أن تحرض فيهم الأسمى والأروع والأشجع من المشاعر والآفاق والمواقف والقيم والطاقات،أن تضع أمامهم صورة عن الواقع المعيش، والمفترض عليه من ذلك الواقع، وأن تضع البديل المطلوب أو توحي به أو تطلق العقال لتحقيقه، أن تغري بالتغيير وبتحمل تبعاته،لأن ذلك في صالح الناس وفي صالح الحياة، أنى مكان المجال الذي يتم فيه التغير والتحريض على التغيير.‏

وعجز الكتابة ليس ناشئاً عن عطالة ذاتية تماماً ، وإنما عن المجال والشروط الذي تمارس فيه وتنمو. فهي تعاني من مخافر عدة تبدأ في جمجمة الكاتب ولا نعرف أين تنتهي ، وحين يكون عليها أن تحرر من: جوع وخوف وتعجز هي عن أن تكون حرة الولادة تحت تأثير جوع أو خضوع أو خوف، فهي تولد عاجزة. ويواجه الكاتب حقيقة ذلك إذا ما دخل مجال الكتابة من خلال صدق مع الذات ومع الآخر، عند ذلك يشعر بالأزمة ، ويجد نفسه محاصراً بالمحرمات ، فإذا قاربها لم يأمن نتيجة فعلته تلك سواء رأت كلماته النور أم بقيت في جوف العتمة، وإذا ابتعد عن تأثير كل ما يدخل في باب محرمات هذا الزمان العربي ابتعد عن أكثر ما يهم الناس ويتصل بحياتهم وبما يعايشون ويعانون من مشكلات وهموم يومياً. وهذا الابتعاد لا يفقده التأثير فقط، وإنما يفقد كلماته الحياة، ويضعه في قفص الاتهام من قبل أولئك الذين يرون في الكلمة منقذاً وسلاحاً وموفقاً حيال الناس في الزمان، وهم محقون في اتهامهم لأنهم لا يعرفون ظروفه ولا ظروف الكتابة في هذا الأوان.‏

وعلى الكاتب ، وهو حيال هذا الوضع أن يختار، ولن يكون أمامه إلا الاختيار مما هو مر تماماً. فهو إما أن يصمت فيصدأ وتتآكل موهبته وتذبل، ويصبح مقتفياً لأثر الكلمة ومعارجها متحسراً عليلاً، ينظر للمحلقين في سمائها نظرة أسى. وإما أن يكتب ويدفن ما يكتب إلى أن يبعث من في القبور، وإما أن يناضل دون كلل لينفذ مما يكتب بعض ما قد ينفذ من خرم الإبرة ليرى النور، وبعد نفاذه يبقى لا هو يعبر عنه تماماً فيرضيه، ولا هو يحجبه تماماً فيبرئه مما هو فيه، وإما أن يلجأ إلى التعمية المؤدية إلى إبهام أو إغلاق أو الهرب إلى "موضوات" وقضايا ليس لها صلة بالواقع فلا تحرك شخصاً أو تهز ضميراً، أو أن يقتاد العمل في هذا المناخ المتاح ويتأقلم فيألف قفصه يوماً بعد يوم ويوهم نفسه شيئاً فشيئاً بأنه يعيش في عالم رحب، يخفق فيه بجناحين من شمع عبر أفق قفص محدود لا يصطدم رأسه بسقفه، ولا يشعر ، بسب من مرور الزمن والاعتياد، بأن قفصه يضيق به ويحده أفقه ويجعله يمضغ كلمات ومعاني ليس فيها ولا في مضغها جديد، وهكذا يتطامن وتتطامن كلماته ويدخل في تفاصيل مما يهم من أغرقوا في التفاصيل ولم يعد أي منهم يرى موقعه وموقع الآخرين من مستشرف يرتفع به وبنظرته إلى مستوى يسهم في صنع رؤية في الحياة وللحياة، ويسهم في بعث ربيع الأمل في النفوس ليزدهر العمل المثمر من أجل ربيع حياة متجددة، وإذا ما قيض لذلك المرتهن بجناحي شمع وفضاء قفص مس من شعاع شمس أو حرية ذاب جناحاه وأسقطه سقف القفص سقطة النهاية.‏

وفي كل موضع أو موقف أو حال يضع فيه الكاتب نفسه سيبقى أسير مأزق الكتابة في زمن ضاق فيه هامش الحرية والرؤية إلى حد يجعل كل خروج من مأزق صغير يضع المرء في أسر الحياة المأزق، حيث يدخل كل ما يجددها ويقومها ويمنحها قيمة وطعماً وفرادة.. في مأزق.‏

ولكن هل يستطيع الكاتب ألا يكتب؟! ربما نعم إذا غدا فيما يكتب غريباً عن نفسه وعن الحياة. إن الكاتب عندما يصل إلى هذا فإنه إنما يختار أن يكون شخصاً يعيش بصدق ، لا صورة مزيفة لا يقبلها هو ولا يقبلها الناس، ولا تفيد إلا في زيادة التفسخ والفساد في جسم الحياة وكيان الكتابة.‏

إلا أن حجب الكتابة أو احتجابها ، وغرقها أو إغراقها في دوامة الاجترار والتفاصيل غير المجدية ، وضياعها في متاهات التزلّف والتزييف وبعيداً عن كل ما يخدم الحياة والإنسان والوعي بالقيم وبالأهداف الكبرى لعمر عبر الحياة، كل ذلك يعود بأكبر الضرر على الإنسان والحياة والعلاقات، وعلى الفكر والسلوك ونظرة الإنسان لنفسه ولهدف ومبرر حياته.‏

فإذا كان أبرز ما يهم الإنسان في الحياة أمن من: جوع وخوف، أي شكل من أشكال الخوف، وإذا كان يهمنا جداً ألا يتحول الإنسان إلى مجرد جهاز هضم و" برغيِّ" في آلة، ويهمنا أيضاً أن يكون فيه وأن نجدد فيه ذلك الإشعاع المقدس في الروح والفكر والضمير تلك القيم الأخلاقية والملكات والمشاعر العليا، التي تعتمل في داخله وتحركه ليقولب الطبيعة ويسخرها على نحو، وليجعل حياته في مناخ ومعايير تجعلها متقدمة على نحو، وأن يكون قادراً على التعبير بعمق وفن عن مشاعره وأفكاره وتطلعاته، إذا كان يهمنا ذلك في الإنسان، فإن الكلمة هي الوسيلة، والكتابة لا تغدو عندها وسيلة فقط، بل ربما ترقى - عندما تصبح مجسده لإبداع الإنسان ومزاياه وتميزه وقيمه وأهدافه وحريته في الحياة- إلى أن تكون غاية، لأنها تحفظ الإنسان وتجدده وتجدد الحياة وآفاقها بنظره.‏

والكتابة لا تخرج من كونها مأزقاً إلا بتجاوز كل أشكال التشويه التي تلحق بها سواء كانت من الكاتب نفسه تحت ضغط مناخ وظروف وفقدان أمن من جوع وخوف، أومن سواه تحت ضغط ما سبق ذكره. وانطلاقة الكتابة انطلاقة للتعبير والتفكير بحرية تامة ومسؤولية واعية،‏

وذلك سيكون في صالح الناس على اختلاف مراتبهم واهتماماتهم وفي صال الحضارة والحياة عبر صيرورتهما. فهل تخرج الكتابة من مأزقها ، ومن كونها في هذا الزمن العربي مأزقاً؟!‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244