|
9 - الانتشار والتواصل الثقافيان
- أ -
في الوطن العربي جامعة عربية ومنظمة للتربية والثقافة والعلوم، ومنظمات قومية ذات طابع نقابي أو سياسي عام، وهناك أحزاب وتنظيمات ترفع شعارات عربية، إ لى جانب العديد من المعاهد ومراكز البحث والتجمعات الانتاجية التي تحمل الهم القومي، وتدعو إلى حمله بوعي لينتج ذلك شيئاً مفيداً، وتأتي فوق هذا الكيان التنظيمي العام مؤتمرات قمة عربية واجتماعات وزراء ومديرين وخبراء، أنتجت كماً لا يستهان به من القرارات والاتفاقيات والمعاهد في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، وفي مجالات الأمن العربي على الصعد جميعاً، وكل ذلك يتم تحت شعارات الوحدة والتضامن والتعاون والنضال المشترك والتوجه القومي للبناء والتحرير والتنوير، ولكن مقاربة بسيطة للواقع المعيش، من المحيط إلى الخليج تشير إلى نوع من الفصام أو الازدواجية المرضية التي تنعكس على الجماهير العربية وعلى كل ما يتعلق بحياتها ومصيرها وعلاقاتها مع بعضها بعضاً ومع تاريخها الطويل وطموحاتها العريضة، ففي مجالات السياسة والقمم المتتالية ينفض الملوك والأمراء والرؤساء، وبالتالي الأنظمة العربية، ينفضون أيديهم بأشكال مختلفة من القرارات التي يتخذونها، وتبقى على الورق نصوصاً معلقة بخيوط إلى بعض الضمائر، أما على الأرض فينفذ شيء مغاير، شيء يضمن تماماً سيطرة كل حاكم عربي على أرضه وشعبه ومصادر ثروته وقوته، وعلى حدوده وقيوده ليبقى محافظاً على كيان دولته التي يشعر أنها له وإن الآخرين يزحلقونه عن عرشها ليقضم كل منهم جزءاً منها ويصبح هو في خبر كان..
وبالرغم من دنو أنواع الخطر الخارجي، وتهديدها للجميع واستنزافها قدرات الجميع وابتزازها لهم إلا أنهم يستطيعون فعل الغريب عنهم ، ولا يرضون بأن يغض أحدهم الطرف عن هفوة أو نزوة قريب..
على صعيد السياسة كل قرارات القمم لم تؤد إلى تغيير واقع الاحتلال أو إلى وقف الترامي العربي على الاستسلام وتطبيع العلاقات مع العدو، ومنذ زيارة السادات للقدس، ونهج كامب ديفيد ينمو بأشكال مختلفة، وها نحن نقف اليوم على أبواب آفاق تطور جديد لحلف كامب ديفيد ونسله الكريه، بعد أوسلو ونتائجها المهلكة ، ووادي عربة وما تمثله من خسران مبين.
ولقد بدأ ضعف القرار العربي جلياً في كل الحروب والصدامات والأزمات التي تعرضت لها الأمة، وكان أشدها جلاءً .. الموقف إبان غزو العدو الصهيوني للبنان وحصاره لبيروت، وحملاته الهمجية على هذا البلد العربي المقاوم الذي تحمل الكثير في سبيل القضية المركزية ، قضية فلسطين ، وما زال يدفع الثمن في قصف واحتلال ومذابح، من أكثرها قسوة وبشاعة مذبحتا : " صبرا وشاتيلا ، وقانا". ويزداد الضعف العربي " تجلياً" في أنواع الخلافات والصدامات العربية، ليعلن لنا بوضوح أن الاثنتين والعشرين دولة التي وجدت على جثة الأمة، وجدت لتبقى ضعيفة متنافرة محكومة بالولاء للغير ومحمية بنظام الجامعة العربية وضعفه من جهة ، وبارتباطاتها بدول استعمارية من جهة أخرى، دول لا يهمها سوى أن تحمي " بساتينها" في الشرق وتزيد من حجم تلك البساتين، لتقطف الثمار وتضمن بقاء السوق الاستهلاكية لبضائعها وأسلحتها وأفكارها مفتوحة تماماً ومحمية تماماً وممولة على نحو ما من المستهلكين أنفسهم!؟..
وفي مجالات الاقتصاد نجد التعاون العربي يكاد يكون مشلولاً أو معدوماً، وفي الوقت الذي تسعى فيه دول عربية إلى الانضمام للسوق الأوربية المشتركة، نجد دولاً عربية أخرى تبيع بضائعها لتلك السوق لتعود دول عربية أخرى فتشتريها منها!! أما السؤال عن العملة العربية الموحدة، وأشكال تعاون الجوار لا الأخوة مع بعضهم بعضاً، فهذا من أوهام الحالمين في وطن تلذَع النار أفئدة أبنائه، ولا تصل بين عواصمه بَلْهَ مدنه وقراه خطوط مواصلات برية أو بحرية أو حتى جوية..معقولة، ولا تربطه شبكة اتصالات تجعل الإنسان فيه قادراً على الاتصال بالإنسان، وتشمخ عند مداخل حدود كل بلد من بلدانه مع البلد الآخر، مخافر قادرة على إذلال البشر والحجر، وتقدم الإهانات بسخاء.. تنقع الناس في عرقهم في حر الشمس، وتذيقهم ألم الامتهان في شدة البرد، حتى ينسوا أن بين أقطار الوطن العربي طرقات واتصالات ولغة مشتركة وتاريخ وذكريات ومدناً تزار ومصالح تقضى بين الأشخاص.
ونجد في المجالات الثقافية والأدبية والفنية نهجاً عربياً لا يختلف عن المجالين السياسي والاقتصادي، وربما كان منعكساً لما يجري فيهما، وعلى الرغم من أن هذا المجال يتمتع بخصوصية في الحياة العربية، إلا أنه بدأ يخضع لما أخضعت له الأنظمةُ حياةَ الناس في الوطن العربي المجزأ من قرارات وسياسات ومعاناة..
وفي الوقت الذي يعتز فيه الكتاب والأدباء بانتمائهم إلى وطن حدوده اللغة العربية وتاريخه يضرب في أعماق الزمن إلى ما قبل الجاهلية بزمن، ويرون في لغة الأمة وأدبها أرضية صلبة واحدة موحدة تستعصي على التفتيت والتجزئة، نجد أن الأنظمة والاتجاهات الإقليمية والمحلية والطائفية تفعل فعلها لتقيم من اللهجات لغات، ولتبرز سمات لأدب ولشخصية ثقافية قطرية، فتتكلم عن أدب سوري ولبناني وجرائري وكويتي وعراقي... الخ.. في نهج يرمي إلى أن تطال التجزئة الشخصيةَ الثقافية للأمة، تلك التي مازالت تستعصي على الحكام والأنظمة وتعلن عن وجودها العربي في تماسك يكاد يترنح تحت الضربات ويزعزعه الزمن وشدة تلك الضربات..
وتفرض الأنظمة العربية سيطرتها على انتشار الكلمة وتواصل المثقفين، بعد أن أحكمت سيطرتها على الحدود والسلع وتنقلات الناس ووجيب القلوب؛ وتريد أن تخضع خطرات الرأي وتواصل الأفكار وتفاعلها، عبر اللغة الواحدة، تريد أن تخضع ذلك لمشروع الخلاف العربي المتنامي، الذي لم يفلح في إنجاز تنمية أكثر نجاحاً من تنمية الخلاف والولاء للغير، على امتداد الساحة العربية.
وعندما نستعرض الإشكالات التي يتعرض لها الكتاب أو الدورية الجادة / أدبية أو فكرية أو فنية/ حينما يراد لها أن تصل إلى القارئ أو المهتم العربي لتقوم عملية تبادل وتفاعل بنَّاءة بين أبناء الأمة الواحدة، نجد أن تلك الإشكالات تبدأ بالفكر والسياسة، وتنتهي بالشحن والتوزيع مروراً بالجمارك والمصارف ودوائر الأمن ومعتصمات الأمان..
- ب -
إن وضع المجلات الأدبية والثقافية في هذا القطر العربي أو ذاك على سبيل المثال، يشير إلى مشكلة معقدة ويحتاج إلى مراجعة جادة، ووقوف صادق مع النفس، وإعادة نظر ببعض القرارات التي تحكم أو تتحكم بعملية التوزيع والشحن وتحديد السعر وضمان الحقوق للمشاركين في إنتاج السلعة الثقافية، لتحقيق التواصل مع القراء والكتاب العرب بشكل سليم.
وحين نتكلم عن مجلات أدبية وثقافية جادة يتبادر إلى الذهن عدد غير قليل منها، وهي تهتم بموضوعات فكرية وسياسية وثقافية وأدبية وفنية..إلخ تهم القارئ العربي والحضارة العربية.
ولكنها لا تكون بمتناول القارئ العربي بشكل منتظم أو شبه منتظم. ومما يسترعي الانتباه أن هذه المجلات لا تحقق تواصلاً يتلاءم وأهميتها في الوطن العربي وقيمتها العلمية، ومن ثمة فهي تفقد كثيراً من فاعليتها وتأثيرها ودورها في الحياة الثقافية العربية، وتترك الوضع الثقافي في حالة من الفقر والمعاناة، على الرغم من وجود المادة التي تغني وتفيد.
فالكاتب العربي في المغرب يبحث عن كتاب أو دورية تصدر في المغرب أو في الشرق خارج قطره، فلا يجدها في حين يعرض عليه إنتاج الغرب والشرق بيسر وإغراء، وكذلك الأمر بالنسبة للكاتب أو القارئ في المشرق، وحين يسأل المعني نفسه أو غيره من المسؤولين والمهتمين عن سبب ذلك أو جدواه، بعد أن أصبحت وسائل الاتصال الحديثة قادرة على نقل المعلومات إلى أقاصي المعمورة، ولا تجعل من يريد أن يعرف قادراً على اقتناص الخبز والمعلومة الممنوع من ذلك وغير الممنوع، لا تجد إجابة وتجد شكوى وتسأل نفسك بمرارة أشد من المسؤول إذن ولمصلحة من يتم هذا؟!
ولا يلبث أن يصلك الخبر اليقين أو تقع عليه حين تعرف أن هم الأنظمة العربية الأول أصبح منصرفاً إلى تثبيت القطرية، وجعل الناس في كل قطر يشعرون بخصوصيتهم في التبعية، والانتماء لحاكمهم الفرد الفذ، وإن كل تلاق ثقافي أو فكري يشكل بنظر القطرية خطورة لأنه يخرج الإنسان إلى حيز الرؤيا والفهم والإدراك بأنه قوي بالعربي الآخر الموجود، والذي يعاني ويحلم ويتطلع إلى وضع أفضل من ذاك الذي هو فيه..
إن إقامة أي شكل من أشكال التواصل الثقافي الحي والفعال والجاد تجعل الروح في حالة تجدد وانطلاق وتجعل الفعل في حالة تجسُّد والإرادة في نمو والضمير في حالة استيقاظ ولا يريد الحاكم العربي -بعد أن نجح في تحويل البشر إلى قطيع - أن يعاني من مشكلة وجود آخرين يطالبونه بالحرية أو المساواة أو بممارسة الديمقراطية أو باحترام أية حقوق.
ومن المؤسف فعلاً أن نصل بعد سنوات عديدة من الانتشار والتأثير الإيجابي نسبياً، إلى مرحلة انحسار وتراجع في التواصل الثقافي العربي تتواكب مع حركة الانكفاء القطري، والقوقعة الإقليمية، التي تفرضها السياسات العربية وحساباتها التي لا ترقى إلى تلبية والطموحات والتطلعات القومية للجماهير.
وفي الوقت الذي ندرك فيه جيداً أن اللغة العربية، والفكر والثقافة القوميتين، والمد الوحدوي، والنفس العروبي، والتواصل الثقافي والأدبي الجاد في وطننا، يتعرض لمخططات وحملات ترمي إلى إضعافه وتفتيته؛ نسهم نحن المسؤولين عن نشر المادة الثقافية وتسويقها -عن قصد منا أو عن غير قصد- في حركة الإضعاف تلك، وفي إحداث هوة في مجال التواصل الفكري والثقافي، ومن ثمة في حركة الوعي القومي الوحدوي ومردوده النضالي والنهضوي على جماهيرنا وقضايانا المصيرية وازدهار حياتنا وتفاعلنا الحضاري مع الآخرين.
فها هي أرقام توزيع مجلاتنا وصحفنا ومنشوراتنا تشير إلى ذلك التراجع المرعب. وفي حين أنه قد يعود السبب أو جزء منه إلى مضمونها ومستواه وإلى نوع ما تطرح من أدب ورأي ، إلا أنه يعود أيضاً إلى مؤثرات وعوامل خارج هذا النطاق. وهي عموماً منشورات مطلوبة في الوطن العربي؛ والقراء والكتاب والمهتمون يبحثون عنها ويسألون عن سبب عدم وصولها إليهم، وأرقام التوزيع السابقة كانت تشير إلى انتشار جيد لها، ولكن السبب يعود إلى قرارات سياسية واقتصادية تحكم عملية التوزيع أو تتحكم بها، وبالتالي فهي تحكم عملية التواصل الثقافي العربي وتتحكم بها.
ونجد أنفسنا حيال هذا الوضع في حالة "مضكية" فنحن نتحدث عن القومية والعروبة والوحدة والتواصل مع الجماهير والنهضة المعرفية، ولا نيسر وصول آرائنا وأفكارنا وأدبنا والمادة الثقافية والعلمية والمعرفية العامة إلى جماهير الكتاب والقراء والمهتمين العرب، الذين تشدهم إلى بعضهم بعضاً أرضية الانتماء الواعي للغة والموروث الأدبي والثقافي والحضاري العربي ولكل ما يمثله وما يمليه ذلك من مواقف والتزامات، كما تشدهم ضرورة مواكبة العصر إلى المعرفة.
وندفع مبالغ طائلة، ونقدم تضحيات ودماء في سبيل الدفاع عن الأرض والحق وحضارة شعبنا ووجوده، ولا تقدم للجبهة الثقافية وأتفه المبالغ التي تؤمن شحن الإنتاج وتوصيله إلى القارئ العربي بله ترجمته وايصاله إلى الشعوب الأخرى.
ونحن نصرف الملايين على رياضة البدن، ونحجب حتى الهواء عن رياضة العقل والروح، ولا ندفع شيئاً من أجل خلق مناخ ثقافي عربي الرابح الأول فيه هو الثقافة العربية والحضارة العربية، تلك التي خلدتها الكلمة أكثر مما خلدتها "الكرة" على مر العصور.
إن معالجة مسألة انتشار المجلة الأدبية والثقافية والكتاب مسألة لم تعد تحتمل التأجيل، وخطرها كبير على مستقبل الحركة القومية والوحدوية والنضالية من أجل التحرير والتحرر والحرية في الوطن العربي، وتستدعي أن تواجه بحزم وسرعة وشجاعة، وأن تخرج عن حيز التأثر المباشر بالخلافات السياسية العربية لكي تبقى الأرضية الجماهيرية العربية واحدة، ولكي تبقى الثقافة والأدب واللغة أرضية صلبة تستعصي على القطرية والإقليمية والطائفية، فهذه الجبهة: جبهة الثقافة واللغة والأدب، هي الوحيدة التي ما زالت تنهض متحدية دويلات الشرذمة العربية، ومخططات الصهيونية والإمبريالية في التقسيم، وهي التي تقاوم أشكال الغزو الثقافي بأقل القليل، وتصمد فئات كثيرة على هذه الجبهة في وجه الإغراء وعمليات الإفساد وسوق الاتجار بالكلمة والموقف التي تمارسها بعض الأنظمة العربية وكثير من الأجهزة المعادية لأمتنا وثقافتنا ولغتنا.
- ج-
إن المؤسيات والمؤسفات كثيرة في هذا الزمن العربي الرديء ، وظل الصمت يشدنا إليه حتى كدنا نقع على عتبة اليأس، ولما كان إيماننا العميق ينطلق من اقتناع بأنه لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس، لذا نرى أن قضية الانتماء للأمة ولقضاياها وتاريخها وثقافتها تقتضي من كل مهتم ومسؤول أن يجهر برأي وأن يتخذ موقفاً لصالح عملية التواصل الأدبي والثقافي عربياً، فقليل المال الذي سيبذل على هذا هو الذي يثمر أكثر من سواه، ويستثمر أكثر من سواه.
وذلك الذي تفعله الأنظمة العربية يضر ضرراً بالغاً بمستقبل التكوين الثقافي للأجيال، وبمستقبل نظرتها للوطن وللأمة وللنضال من أجل مصيرها ووحدتها وتحررها، ويجعلها تطلق شعارات وتبني " استراتيجيات" مناقضة لممارساتها وبالتالي يجعلها تعيش فصاماً أو ازدواجية مرضية تعمق الهوة بين الواقع والطموح، الشعار والممارسة، القول والفعل، وتضع كل مسؤول على درب نفاق لا يريده ولا يستطيع الفكاك منه، ويقدم من خلاله غذاء فاسداً للناس فيؤذي القيم والأخلاق، وكل ما يقيم الشخصية الثقافية السليمة للفرد والجماعة والأمة، وعندما تفسد القيم والأخلاق وروح الجماعات، ما الذي يبقى ليصنع المستقبل والتقدم، ليقوم بالتحرير ويعلي صرح الحرية والحضارة ؟!
فهل ننسى الحديث الشريف، الذي يلخص رسالة ويلخص هدف حياة الإنسان على الأرض، ويقيم في الوقت نفسه أسس حياته على سلامة" عندما لخص رسالته بقوله: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.."؟! يبدو أننا ننسى كل شيء في هذا الزمن العربي الرديء وننسى أننا أمة لا تحفظ شخصيتها إلا بتواصل أجزاء كيانها تواصلاً فعالاً وحيوياً على المستويات والصعد جميعاً..
إن أي كاتب أو مواطن مهتم بالعمل الثقافي في أي قطر عربي يعاني من صعوبات الاتصال مع الآخر في المجالات الثقافية، فلماذا لا يتاح لي أن أقرأ بيسر ما يكتبه العربي في مصر، ولماذا لا يتاح له أن يقرأ ما أكتب بيسر أيضاً، ولماذا لا يتاح للسوري أن يقرأ العراقي، والعراقي أن يقرأ السوري... وهكذا بالنسبة للجميع، أي ضرر يمكن أن يحدث، والإذاعات تنقل اللائق وغير اللائق من قول وعمل...!؟
إن السؤال متصل - فيما يبدو- بجذر عميق لا يريد أن يبحث عنه أحد من المعنيين، جذر احترمه الإسلام وأعلى شأنه، واحترمه العرب وأعلوا شأنه، وتحترمه كل الأمم في فترات الازدهار والانتعاش ويتمسك به المفكرون والمصلحون والمثقفون الذين يدركون قيمة الثقافة في صنع الوعي، وقيمة الوعي في الحياة وفي تجديد آفاقها، والاستمتاع بدقائقها التي تمضي دون ما عودة، قطرات تهرق من زجاجة محدودة المخزون، إنه متصل بحقوق الإنسان في وطننا العربي ، وباحترام تلك الحقوق، وما لم نتوصل إلى تثبيت هذه الحقوق على أساس مما نصت عليه الشريعة والقوانين النافذة في أقطارنا، ما لم نتوصل إلى فرض احترام الإنسان وحقوقه والقوانين والشريعة، فإننا نبقى خارج الدرب المؤدي إلى التقدم والرقي، في عصر يسبقنا الناس فيه مراحل على طريق التقدم والرقي، ويسرعون فيه حسب متوالية هندسية في حين نقف خارجه لنكون ممن يرضى عنهم مالكوهم، وما عرفت عقيدتنا أو حياتنا حراً يملك، بل عرفت أقوالاً ثبتت الحق بالسيف ، وثبتها الحق بالسيف، من مثل: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.."!!.
د
حاجة قصوى للصناعات الثقافية
منذ سنوات والصرخة ترتفع في أرجاء وطننا، وفي كل قطر من أقطاره للاهتمام بالصناعات الثقافية، اهتماماً يمهد لمواجهة من أي نوع وعلى أي مستوى لبعض مشكلات الأمن الثقافي العربي ومتطلباته ولو من بعض الجوانب، ومنذ سنوات أيضاً. والمشكلات تتفاقم والنداءات تتلاشى أو تنقلب إلى معاناة وإحباط، ولا نجد في الساحة الثقافية حضوراً نوعياً، في مستوى تحديات العصر لحل مشكلات يفرضها العصر.
وخلال ذلك لا تكف عجلة الزمن عن الدوران، ولا يكف العالم. عن تحقيق تقدم ملموس يتصاعد حسب وتائر عالية جداً لا سيما في امتلاك التقنيات وتقدم الصناعات الثقافية المتطورة، بدءاً بصناعات المنشور والمقروء وانتهاء بالمسموح والمنظور، ومروراً بكل متطلبات ذلك وتقنياته وأدواته اللازمة له، وتتطور أيضاً التجهيزات والمعامل التي تصنع التجهيزات على مستوى العالم، بتعاون دولي وتواصل تقني بين الخبرات العلمية والفنية العاملة في تلك المجالات.
وفي وطننا الذي يمتلك خامات أولية، ويحتاج إلى مواد مصنعة للإنتاج الثقافي بكميات كبيرة، لا تنتج تلك المواد فضلاً عن عدم وجود إمكانات لتصنيع التجهيزات وتطويرها، ولذلك يعاني من النقص ومن الخضوع بأشكال مختلفة لتحكم السوق الخارجية، وتنعكس أزماته الاقتصادية على الوضع الثقافي أكثر مما تنعكس على سواه. ونرى أن الأمور تسير باتجاه مغاير للاتجاه المنطقي الذي يجب أن يسود، فبدلاً من أن يخصص دعم ما لي أكبر للقضايا الثقافية ولمواجهة احتياجات هذا القطاع عموماً، نجد أن التضييق والترشيد والتشديد يشمل الساحات الثقافية أولاً ويتمركز فيها، ولا يكاد يتعداها إلى سواها.
وإذا كان مجال الصناعات الثقافية واسعاً وشاملاً لكثير من المواد والتجهيزات والأدوات. فإنني سأتوقف عند أحد أهم المواد التي تحتاج إليها صناعة الكتاب والدورية كما تحتاج إليها المدرسة والجامعة والدائرة، وصناعات أخرى ومجالات حياة عملية واسعة، أعني مادة الورق.
فالوطن العربي عموماً لا يصنع أكثر من 35% من حاجته من مادة الورق، بصرف النظر عن الجودة والأنواع. وهذه الكمية تجعله يلهث وراء استكمال النقص الحاد اللازم لاستهلاكه الضروري من هذه المادة الحيوية جداً. ومعنى وجود نقص في حدود 65% من هذه المادة يشير إلى أن هذه الصناعة الثقافية في مجال واحد ومادة واحدة، يصنع قسم منها، هو أمن مهدد بنسبة 65% فما الذي نقف عليه إذا فحصنا حالة المواد الأخرى، بله الصناعات الثقافية الأخرى والتجهيزات اللازمة لها؟!
إن الإمكانات الموجودة في بلد عربي واحد مثل السودان على سبيل المثال تكفي لتطوير إنتاج مواد خام تكفي حاجتنا لصناعة الورق اللازم للوطن العربي، إذا ما أخذ بالاعتبار تنمية زراعات معينة والاستفادة المثلى من ثروات طبيعية، ومن وجود إمكانية لتطوير تلك الثروات.
أما حال السودان فيكاد يكون كحال الأقطار العربية الأخرى بل أردأ بكثير بالنسبة لتوفر مادة الورق، عصب صناعات النشر والتعليم في الوطن العربي، فهو الغني (إمكاناً) الفقير واقعاً. وأنا أشير هنا إلى السودان بالنسبة إلى إمكان إنتاج مادة خام واحدة هي مادة الورق من مواد إحدى الصناعات الثقافية، وهي صناعة النشر. وأشير إليه في إطار نظرة عربية للتكامل في مجال الصناعات الثقافية مستقبلاً.
أما حاجته لمادة الورق فهي تماثل حاجة كل قطر من الأقطار العربية لهذه المادة التي نستوردها بالعملة الصعبة.
وحين أشير إليه في إطار نظرة عربية للتكامل في مجال الصناعات الثقافية مستقبلاً، فإنما أدعو لتثبيت حقيقة مفادها أن رسم خطط لإيجاد حلول وتطوير صناعات على المستوى القطري لمعالجة هذا النقص أو ذاك في أوجه حياتنا عموماً العربية وحياتنا الثقافية خصوصاً أمر غير ممكن، لأن الإمكانات القطرية وكذلك سياساتها التصنيعية والاستهلاكية، أو برامج التطوير والتنمية فيها ودخولها لميدان المزاحمة في الكم والنوع في عالم القرن الواحد والعشرين أمر لا يمكن أن يتحقق إلا بالإمكانات العربية المتكاملة على الصعد جميعاً.
وإذا جاز لنا -انطلاقاً من ملاحظة الواقع العربي المعيش اليوم- أن ننظر إلى ما نطمح إلى تحقيقه نظرتنا إلى أحلام جميلة تفقدها اليقظة سحرها وحتى وجودها، فإن ضغط الحاجة ومتغيرات العالم وأساليب عمله وإنتاجه وعلاقاته، والتوجه السائد إلى قيام التكتلات والتجمعات الكبيرة صناعياً، وتجارياً واقتصادياً وسياسياً، في أرجائه المختلفة، إن كل ذلك سيفرض نظرة أكثر واقعية على الأقطار العربية، وسيجعل من غير الجائر، بل ومن غير الممكن للعربي أن يبقى أسير النظرة القطرية القاصرة، والحلول الآنية التي توفرها إمكاناتها وسياساتها.
وعلى ذلك فإن تلمس ما تعاني منه صناعات النشر وحدها في كل قطر عربي من احتياطات ومشكلات وصعاب، سواء في توفر المواد الأولية اللازمة للطباعة، أو وجود المطابع المتطورة والطاقات البشرية والخبرات الفنية اللازمة لتطوير هذه الصناعات وإيصالها إلى أدنى مستوى عالمي مطلوب ومقبول، إن ذلك يوقفنا على حالة من العجز وعدم التوازن والفقر وسوء التوزيع، وعلى انتشار قدر غير قليل من الفوضى وسوء التخطيط وانعدام التعاون، الأمر الذي يجعلنا جميعاً، في مجال صناعة النشر في الوطن العربي، نقع تحت ضغط التبعية شبه التامة للآخرين، ولا سيما الغرب الصناعي، ونتعرض لمخاطرها باستمرار، فالمواد الأولية وقطع الغيار والأجهزة، وزمام التقنيات الحديثة في تطورها، والأساليب الفنية التي تحقق صيانة أفضل، واستخداماً أجود، ومردوداً علمياً وإنتاجاً مجدياً، كل ذلك يتوقف على استيراد مادته وخبرته من الآخرين ودفع تكاليف ذلك بشكل مرتفع.
ولا أتكلم هنا على الاستقلالية وانطلاقة الإبداع والتطور التقني الذاتي، تلك الحاجات التي ينبغي أن ينشأ مناخها وشروطها وظروف قيامها ونموها في أرضنا، وأن يتملك مهندسونا وفنيونا وعمالنا تقنيتها تماماً. وأن يسيطر الشعب فيها على قراره، وأن يتحكم بها بالقدر الأكبر وبالشكل الأمثل في هذا المجال بحرية، ويحفظان له قدرته على الحركة بثقة واطمئنان.
والانتقال من عالم الأحلام المستقبلية إلى عالم الواقع، حيث قسوة الظروف والمعاناة والحاجة المباشرة، نجد أن وضع النشر في قطر عربي هو سورية يعيش حالة معاناة حادة منذ سنوات، بسبب مادة الورق على الأقل، ولا تقوم هناك إمكانات حقيقية لإنتاج هذه المادة محلياً ولو بنسبة ضئيلة، بله التفكير في إمكان الاكتفاء الذاتي، وبالتالي فإن توافر نسبة الأمن الثقافي من الناحية المادية في مجال مادة خام واحدة هي الورق في إحدى الصناعات الثقافية وهي النشر، نسبة ضئيلة جداً. ولا توجد إمكانية على الإطلاق للاكتفاء الذاتي قطرياً، لا في سورية ولا في غيرها من الأقطار العربية، إذا ما اعتمدت السياسات القطرية لحل هذه المشكلة، لإيجاد صناعات ثقافية، وإنتاج المواد الأولية اللازمة التي تخفف من نسبة الاعتماد على الغير، وبالتالي تضييق هامش الأمن الثقافي في مجال الصناعة المنفتح على المتن بغير حدود.
وهذا يقتضي تفكيراً جدياً من موقع المسؤولية، بالعمل العربي الموحد الجاد لمواجهة هذا الأمر الذي يهدد مستقبلنا كله.
وإذا تأملنا قليلاً في معاناتنا اليومية من أجل تأمين مادة الورق للكتاب المدرسي والجامعي، وللصحافة، ولمؤسسات النشر في القطاع العام فقط، وقفنا على مقدار الحاجة وضخامة التهديد، ومدى الضرورة للتفكير في قضية الأمن الثقافي عموماً وأمن الصناعات الثقافية على وجه الخصوص.
إن تأخر صدور منشوراتنا الثقافية ودورياتنا أو انحسارها يؤثر تأثيراً كبيراً على فعالية الجبهة الثقافية وعلى دورها وعلى قدرتها على الاستمرار فضلاً عن التطور والنمو والانتشار، كما يؤثر الكم الضئيل الذي نطبعه من الدورية أو الكتاب- بسبب نقص مادة الورق والحرص على الاستمرار- يؤثر ذلك على مدى التواصل العربي وانتشار المادة الثقافية المكتوبة ووصولها إلى المهتمين بها وإلى من ينبغي أن تصل إليهم.
ويأتي تحكم الأسواق الأجنبية بهذه المواد، وارتفاع الأسعار، والأزمات الاقتصادية وموجات الغلاء التي شملت كل شيء، يأتي كل ذلك ليضاعف تكلفة الإنتاج الثقافي المنشور، أي سعر الدورية والكتاب، الأمر الذي يجعل
القارئ العربي عامة وفي القطر العربي السوري خاصة في أزمة حقيقية
مع الكتاب والدورية.
إذ أن القارئ الجاد والمهتم بالثقافة والمحتاج إليها هو في أغلب الأحيان قارئ فقير أو ذو دخل لا يساعده على اقتناء الكتاب المرتفع الثمن، وحين يكون الكتاب مستورداً بسعر على أساس السعر التجاري للدولار مما يجعل ثمنه فاحشاً، ولا يمكن شراؤه وحين يكون منشوراً في قطاع تجاري فإن سعره يكون مرتفعاً أيضاً لأن التكلفة تحسب في ضوء السعر التجاري للدولار.
أيضاً وهو سعر مرتفع قياساً لليرة السورية.
أما سعر الكتاب أو الدورية أو المنشور الذي ينتج من قبل القطاع العام وما في حكمه فإن ثمنه يكون أقل من ذلك المستورد أو المنتج في السوق التجارية الداخلية، ولكنه يبقى مرتفعاً قياساً لدخل المواطن في سورية.
الأمر الذي يجعل المادة المعرفية علمية أو تقنية أو فنية، والمادة الثقافية التي تحملها الكلمة المنشورة في دورية أو كتاب بشكل عام مادة يعكس التواصل معها أزمة، أو تدخل والمتعامل معها والمحتاج إليها في أزمة، تنعكس شئنا أم أبينا على الثقافة عموماً وعلى المواطن والوطن في النهاية.
فالغلاء يجعل الكتاب والدورية (أدبية أو ثقافية أو علمية.. الخ) في متناول الغني الذي لا يقرأ ولا يشتري- باستثناء أغنياء الفساد الذين يزينون بيوتهم بالكتب- وبعيدة عن متناول الفقير الذي يقرأ والمتعلق بالمعرفة أو المحتاج إليها، والذي يشكل اقتناء الكتاب بالنسبة له أزمة مالية في ظل ظروفه المعيشية ودخله الضئيل.
والدولة التي ينبغي أن تحرص على الثقافة حرصها على الوجود، والتي تعمل للتنمية غير آخذة بحقيقة: أن أساس التنمية، في كل المجالات، هو الوعي، وأساس الوعي، هو المعرفة، وجزء كبير من المعرفة يحصل عن طريق الثقافة، أقول الدولة لا تأخذ هذا الموضوع بالرعاية والدعم كما تدعم الخبز والسكر والأرز والشاي مثلاً، ويبدو أنه شاع في زماننا الاهتمام بملء الفم وتشغيل القدم بالركض، أكثر مما شاع أو ينبغي أن يشيع ملء الرأس والروح بزاد يوجه القدم والساعد والفم ويستخدم الجسم كله بما فيه المعدة لخير الإنسان ولخدمة معنى أن يأكل الإنسان ليعيش لا أن يعيش ليأكل.
إن صاحب الكلمة المكتوبة، وكذلك المؤسسة المعنية بنشر الكلمة المكتوبة، ممن يعتبر أن ذلك رسالة ومبرر وجود، أصبحا في حالة ضنك، يعانيان من مرارة الحال معاناة أشد مرارة من السؤال. فكيف السبيل إلى الخروج من ذلك؟! وكيف السبيل إلى درء خطر رهيب مخيف يكمن في تصورنا- مثلاً- لتأخر مادة الورق اللازم لطباعة الكتاب المدرسي والجامعي والصحف، أو لعدم قدرتنا على تأمين ذلك، أو فرض حصار معاد يمنعنا من تحصيل ما نريد؟! ألا يوقعنا ذلك في أشد المواقف حرجاً، ويعطل مدارسنا وأجيالنا؟!
إن الدولة تقدم -مشكورة- الكتاب المدرسي والجامعي بما يشبه المجان، ولكننا نحتاج حاجة فعلية إلى أن نلتفت لأمر الكتاب الثقافي عامة، وإلى تأمين المواد اللازمة للصناعات الثقافية في مجال النشر، تجعل أمر نشر الكتاب ميسوراً، وتسهم في دعم المواد اللازمة للطباعة، وعلى رأسها الورق، حيث يصبح سعر التكلفة مقبولاً وأمر اقتناء الكتاب ممكناً، وهذا علاج للقريب من الوقت وللعاجل من الأمر، وللقطري من زاوية الصورة العامة للمشكلة على صعيد الوطن العربي، بتكامل بين أقطاره، وبإقامة صناعات ثقافية عامة، وصناعات نشر على وجه الخصوص، وتأمين المواد اللازمة لهذه الصناعة عن طريق إنتاجها من الخامات المحلية في الأرض العربية وبالخبرة والمال العربيين، وإقامة سوق متكاملة لسد احتياجات السوق العربية من هذه المادة الحيوية جداً، بل أكاد أقول لأهم الصناعات الثقافية التي تلعب دوراً رئيساً في مواجهة المستقبل وإعداد الإنسان له.
إن الاستراتيجية العربية في هذا المجال لا بد أن ترسم على أساس قومي مسؤول، وفي إطار التكامل العربي التام، وتلبية الاحتياجات السريعة، والمستقبلية على مدى منظور التطور الذي نخطط له، ولا بد من مباشرة ذلك بسرعة فائقة لأن إنجازه سيتطلب وقتاً غير قصير.
أما تلبية الاحتياجات اليومية، فهي من الضرورات التي لا يمكن مجاوزتها أو الصبر عليها، فلا بد أن تعمل مطابعنا وأن تخف معاناتنا لتأمين الورق لصالح توفير جهدنا ولتحسين شروط الإنتاج الأخرى وشروط الإبداع، وليس هذا من الأمور السهلة في ظل الظروف والضرورات التي نعرفها، ولكنه ليس مستحيلاً، فضلاً عن أنه أمر لا يقبل التأجيل، وهو ضرورة قصوى للثقافة، التي هي الحاجة الأسمى للبشرية.
|