|
10- الكتّـاب وثوابتــهم
انعقد المؤتمر العام العشرون للأدباء والكتاب العرب في دمشق /18-21/12/1997/ تحت عنوان: المثقف العربي ومقاومة التطبيع؛ وأتى اختيار هذا الموضوع بمحاوره الفرعية الثمانية، تأكيداً لثوابت انطلق منها الاتحاد بعد أن أقر ميثاقه في عمان /15 كانون الأول ديسمبر 1992/ ووضع برنامج عمل لمقاومة التطبيع على أرضية ذلك الميثاق في دمشق أقر في /أيار- مايو 1997 وهذا الاستمرار يعزز موقف الاتحاد - منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم -من الاعتراف بالعدو الصهيوني وتقديم التنازلات له على حساب حق الأمة وأرضها في فلسطين، ومن تطبيع العلاقات معه على أساس من ذلك الاعتراف، والتصدي له ولرموزه والعاملين في مجالات الدعوة له؛ حيث يرمي التطبيع فيما يرمي إليه، إلى تشكيل حاضنة لسلام الاستسلام، وتغيير قيم النضال والحق والثقافة التي تعززهما لكي يرين الماء على الغرقى، وتُمحى من الذاكرة والوجدان العربيين، معطيات الصراع العربي الصهيوني وأسبابه ووقائعه وكل ما يتصل به ويحل محل ذلك عصر صهيوني مزّين بالأعلام الأميركية يقول "بسلام" هو الاستسلام، وهزيمة تاريخية هي الاعتراف بحق تاريخي للصهاينة في فلسطين على حساب حق أهلها فيها، وتطبيع للعلاقات معهم على أرضية ذلك الاعتراف.
وحين يتشبث المثقفون العرب، وعلى رأسهم الكتاب والأدباء والشعراء، بالحقوق التاريخية والثوابت المبدئية والقيمية للأمة العربية، ويرفضون الهزيمة الروحية وبؤس الواقع الراهن ويتوجهون نحو الأجيال القادمة والمستقبل بعقل مفتوح وأمل كبير، فإنما يبنون موقفاً على منطق مستمد من معطيات واقع لا يفعّل ، ومن استقراء تجارب الأمم وتاريخ النضال وحقائق العقيدة والحياة معاً.
فالحياة التي هي حركة تأتي بالتغيير ولا تقبل سكوناً من أي نوع، لاسيما ذلك الذي يراد له أن يجسِّد وضعاً دولياً وعربياً راهناً يقدّم الولايات المتحدة الأميركية قطباً وحيداً سيداً قاهراً في العالم إلى أبد الآبدين، ويعطي الكيان الصهيوني خلوداً قدرياً وحضوراً تسلّطياً يدومان ما دامت الحياة ويبقيان معاً في حالة من الهيمنة والتوسع إلى المدى الذي يتوقف معه التاريخ أو يلغى؛ وهذا منطق متهافت يرفضه كل من يرفض أن يستقر تاريخ المنطقة على ذلك الحال الذي يقدم ويرسم لها، ويتطلع إلى مستقبل يقوم على منطق مغاير .
فدروس التاريخ وكفاح الأمم وقراءات معطيات الحياة، كل ذلك لا يشير إلى دوام سكون من أي نوع ،ووضع يقوم على القهر والقوة والعدوان والظلم مدى حياة الناس وحياة الأمم. فالشعوب كما الأفراد تثور وتغيِّر، والأمم تتحول في مدارات الحضارة والقوة؛ ومن يكون في أعلى حالات الاقتدار يأتيه زمن يجعله في متردى الضعف.
والمؤكد أن التغيير والتحول وتداول الدول والأحوال كل ذلك لا يأتي من فراغ ولا يتم من دون تفكير وتدبير وبذل جهد وإنضاج رؤية والقيام بعمل حسب برنامج من أجل الوصول إلى الحال الجديد وشرارة ذلك نراها في نور الوعي المعرفي وفي موقف الثقافة والإبداع: رفضاً للذل والهزيمة والاستكانة من جهة، وتأسيساً للنهوض على أساس من العلم والإيمان معاً لامتلاك قوة محررة وإرادة ثابتة على الحق قادرة على التضحية والأداء المتميز نصرة لذلك الحق.
من أجل هذا كان على الكتاب والأدباء والمفكرين وطلائع الأمة، من أهل الوعي والثقافة والانتماء الصادق لتاريخها وعقيدتها وشخصيتها الحضارية، أن يتخذوا موقفاً قوياً واضحاً من قضية رئيسة ومركزية في تاريخ العرب الحديث هي قضية فلسطين، ومن صراع هو الأشد والأطول في تاريخ صراعات هذا القرن هو الصراع العربي الصهيوني؛ وأن يكون ذلك الموقف مواجهة:
1- لتخاذل أنظمة وهرولتها باتجاه العدو الصهيوني: اعترافاً وتطبيعاً للعلاقات معه وتشجيعاً لمشروعه، الذي لم يتوقف عن التوسع والتشدد والتصعيد في الاستيطان والتهويد والتهديد للآخرين، الذين لا ينصاعون لشروط العدو ورغباته وأنموذجه المختار "للسلام" أنموذج أوسلو ووادي عربة.
2- ولغطرسة قوة احتلال، وقوة ترعى الاحتلال وإرهابه وتعزز تلك القوة وذلك الإرهاب ، لكي تفرض نوعاً جديداً من الاستعمار، ونوعاً من الحماية لمصالحها في الوطن العربي عن طريق قهر أبنائه وتخويفهم وابتزازهم باستمرار وإبقائهم في حالة فرقة وخوف حتى من بعضهم بعضاً لكي لا يقوم لهم قوام من أي نوع.
3- ولأنواع من الاختراق الثقافي والسياسي والاقتصادي والإعلامي تتم بأشكال مختلفة، وعلى أيدي "مثقفين عرب" ومراكز أبحاث وجمعيات وتجمعات تزعم أنها تعمل من أجل "السلام" وهي تخدم المشروع الصهيوني بدعم أميركي، وقد بدأت تنتشر في الجسد الاجتماعي والثقافي للأمة العربية انتشاراً سرطانياً، معززة بعودة الماسونية وسلالتها من أندية: الليونز والروتاري، وورش العمل التي تشرف عليها الصهيونية من خلال هيئات ومؤسسات ومراكز أميركية على رأسها منظمة "بناي بريت- أبناء العهد أو المتعاهدون" الصهيونية؛ وتقدم نفسها إلينا تحت واجهات إنسانية مثل واجهة جماعة "المبادرة من أجل السلام" وهي التي كانت مع سواها وراء ملتقى غرناطة للمثقفين 9-12/ كانون الأول/ ديسمبر 1993) ووراء تحالف "كوبنهاغن" / كانون الثاني/ يناير 1997 وما نشأ عنهما وتم في إطارهما من لقاءات ثقافية وإعلامية وتعاون وتحالف بين عرب وصهاينة يعملون على إحداث اختراق كبير في مجالات:
أ- التربية: لتغيير المناهج والقيم التربوية والتركيز على مواد: التاريخ والتربية الدينية والقومية وما يتصل من ذلك بحقائق الصراع الصهيوني والجغرافية المستقبلية للمنطقة، وبتكوين الأجيال القادمة واهتماماتها وذاكرتها ووجدانها.
ب-الإعلام: لزيادة التعاون بين الصهاينة والعرب في مجالات الإعلام الواسعة المؤثرة بغية توجيه الرأي العام نحو الاعتراف بالعدو والقبول باحتلاله وهيمنته، تحت ضغط الإحباط الذي يراد له أن يكرَّس ويضخَّم ويغدو يأساً من الذات ومن الأمة ومن المستقبل؛ وقد شهدنا إعلاناً عن صيغ من التعاون والبرامج والتحالفات في هذا المجال، نشرت بعد اجتماع ورشة عمل "أنقرة" للإعلاميين التي أتت بعد ورش عمل في مجالات ثقافية أخرى ، ونتجت عنها كتابات وبرامج مسموعة - مرئية وجهود في تقديم "الإسرائيلي" لنا بوصفه شريكاً متفوقاً متحضراً، وتصوير لقائنا له في منتصف الطريق أو أكثر على أنه "فعل حضاري" آن لنا أن نؤهِّل أنفسنا له ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين، قرن احتفال الغرب بأعياده والصهيونية بما تسميه "مرور ثلاثة آلاف سنة على بناء الهيكل في القدس"؟!
ولنا أن نتخيل إلى أين نمضي في هذه الزّفة المنكرة، وما هي نتيجة هذه المشاركة في عرس الغير الذي يقام احتفاء بقهرنا وتبشيراً بزوالنا، من حيث الإرادةُ والقرارُ والحضورُ الفاعلُ، تاريخياً وثقافياً وحضارياً؟!
حـ- السياسة والاقتصاد: حيث نرى صور الارتماء على "الإسرائيلي والأميركي" سياسياً واقتصادياً في الوقت الذي يستمر فتكهما بنا واستلابهما لنا، وتهديدهما لمقدساتنا وأرضنا ومستقبلنا.
في هذا الوضع، وفي هذا الزمن، وعلى هذه الأرضية السياسية والاقتصادية الثقافية والاجتماعية يأتي انعقاد المؤتمر العشرين للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب واختياره لموضوع "المثقف العربي ومقاومة التطبيع" موضوعاً رئيساً تدور حوله فعالياته الثقافية ، ليثبّت اختياراً، ويعلن موقفاً، ويتوجه نحو أداء مغاير، ابتداء من خطابه الثقافي وأساليب مواجهته وانطلاقاً من ذلك الخطاب.
ولنا أن نتفاءل قليلاً بمستقبل المواجهة، وبمستقبل العمل العربي المشترك وحتى الإسلامي المشترك، لاسيما بعد إشارات ثلاث ذات دلالة ومكملات لها تمت في هذه الفترة ، وهي:
* موقف العرب من قمة الدوحة الاقتصادية الذي أعطى إشارة أولى للصهيونية وللإدارة الأميركية في موقفها المنحاز كلياً إلى جانب "الكيان الصهيوني".
* موقف العرب، لا سيما دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، من موضوع توجيه ضربة عسكرية إلى العراق إثر خلافه مع فريق "الأونسكوم"، فِرق التفتيش الدولية؛ الأمر الذي منع توجيه تلك الضربة أو أخَّر حدوثها على الأقل.
* انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية الثامنة في طهران وحضور خمس وخمسين دولة إسلامية فيها، مع وجود تمثيل نوعي جيد، على الرغم من مساعي الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني" وضغطهما على دول عربية وإسلامية لكي تقاطع تلك الدول طهران والمؤتمر الذي يعقد فيها.
ونجاح ذلك المؤتمر لا سيما في إزالة خلافات ثنائية بين الكثير من البلدان العربية والإسلامية، وتقريب وجهات النظر حول قضايا عديدة ، والتوجه نحو تفاهم وتعاون أفضل بين الحاضرين، وتقوية أداء هذه المنظمة ضمن منظور معتدل واع لاختياره ولمعطى العصر ولأهدافه المرحلية والنهائية التي تتطلع المنظمة إلى تحقيقها.
وهذا كفيل بإنعاش الأمل في المستقبل، ولا سيما في ظل نظرة موضوعية سليمة للإسلام وسماحته وتطلعاته ولما يواجه من محاولات تشويه لصورته وللأداء في إطاره، ولمستقبل ذلك النوع من الأداء.
إن الكتاب والمثقفين العرب يمكنهم أن يعززوا مواقفهم وثوابتهم وتوجهاتهم، وأن يتفاءلوا بغد عربي وإسلامي أفضل، وأن يكونوا طليعة تعزيز تلك المسيرة بأداء إبداعي لا تنقصه الشجاعة والمسؤولية البصيرة ولا معطى العلم والإيمان والعمل بوحي منهما لامتلاك قوة منقذة في ميادين العمل والحياة جميعاً(1) .
(1) - نشر في الأسبوع الأدبي ـ دمشق في 14/12/1997.
|