|
11- ما نحتاج إليه قبل كل شيء
ما بين حقول الألغام وياسمين الشام، المقاومة الوطنية وشبح السلام، قضى الأدباء والكتاب العرب سبعة أيام سمان يفضن رؤية وشجناً وصلابة، وهم يحاضرون ويتحاورون، يناقشون ويقررون ويعبرون عن آرائهم ومعاناتهم وتطلعاتهم ومواقفهم ورؤاهم، يَنْشُدون الأفضل لاتحادهم وأمتهم، ويُنْشِدون الشعر في ربوع الشام وساحل المتوسط وفضاء حلب.
ومن سفوح جبل الشيخ وتلَّيْ: أبي الندى والعرَّام، حيث القنيطرة شموخ في بقايا حطام، إلى سبتة ومليلة وجزر الجعفرية في المغرب و "حَنِيش" وأبي موسى والطُّنْبَيْن الكبرى والصغرى، امتد الهم الشاغل والاهتمام المسؤول الذي ما ترك المصلحة القطرية الضيقة تطغى على الرؤية القومية أو تشوهها.
كان الحصار المر الظالم المفروض على شعبنا في العراق وليبيا والسودان واستهدافه الأبعد غوراً والأشمل موضوعاً للأمة وقواها الحية وأهدافها النبيلة، يحاصر كل فرد منا بشكل أو بآخر، ويستمر كابوساً على قلبه وعقله، ولا تغيب عنا في ظل ذلك مظاهر ظلم الأخ الشقيق لأخيه وآلام الأسرى والمحتجزين رهائن لأغراض سياسية بينما أسرهم في الحزن والبؤس ليل نهار؛ والتهديد بالتهويد الذي يزحف على القدس وبقية فلسطين يضغط على كل نفس؛ والاعتراف البغيض بالعدو الصهيوني الأبغض، من قبل بعض الأنظمة العربية، وقيام تلك الأنظمة بتطبيع العلاقات معه ومن خلفها دعاة التطبيع والاختراق الثقافيين يغرسون خناجرهم المسمومة في قلب المقاومة ووجدان الأمة.
لقد نجح المؤتمر العام العشرون بتركيز الضوء على قضية من أخطر القضايا التي تهم مواطننا وأمتنا في الوقت الراهن وهي "المثقف العربي ومواجهة التطبيع" واستطاع اثنان وثلاثون باحثاً من أقطار الوطن العربي أن يقدموا وجهات نظرهم واجتهاداتهم وأبحاثهم حول هذا الموضوع الحساس وخرجوا بعد ذلك بتوصيات وتوجهات تعزز ميثاق المثقفين العرب وبرنامج مقاومة التطبيع اللذين تبناهما الاتحاد العام للأدباء مركزاً جهداً حولهما من
عام 1992.
لقد خرج الكتاب والأدباء العرب أكثر قوة وتماسكاً وقدرة على المواجهة، وأشد تصميماً على متابعة دعم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال وتعرية العنصرية الصهيونية وممارساتها في فلسطين وجنوب لبنان والجولان وفضح مشروعها التلمودي-الاستيطاني-الاستعماري والوعي بأهمية مواجهته وبضرورة تلك المواجهة.
وبدا واضحاً لدى كل ذي عقل ومسؤولية والتزام بالثوابت والحقوق المبدئية للأمة العربية أن تقدم المقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال على أنها إرهاب تضليل خطير تدخله بعض الأنظمة العربية وذوي الأغراض والارتباطات المشبوهة من العرب دائرة الملتبس والإشكالي من الأمور حين يماهون بينها وبين الإرهاب، حسب المطلبية الصهيونية-الأمريكية، ليستمر التشكيك بشرعية المقاومة وحجب نورها عن جماهير الشعب، وليصل التشويه المدروس إلى صورة العروبة والإسلام وكل من يتمسك بأرض وحقوق وكرامة ويحاول أن يتصدى للاحتلال الصهيوني وممارساته.
إن الأدباء والكتاب العرب الذين شاهدوا الممارسات العنصرية-الصهيونية في القنيطرة و"قانا" لبنان، والذين تابعوا المذابح والأطماع والبرامج الصهيونية ورأوا على أرض الواقع، وحشية العدو ولا إنسانيته تعززت لديهم قناعة فكرية بناء على رؤية واقعية تؤكد أنه لا تعايش مع العنصرية الصهيونية ولا تسويغ لشرعية الاحتلال، ولا مجال للنظر إلى الصراع العربي الصهيوني إلا بوصفه صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على حدود.
لقد خرجنا وخرج اتحادنا العام أكثر إيماناً بأهدافه وميثاقه وتوجهاته، وأكثر اقتناعاً بدور إيجابي للثقافة في مواجهة العدو وحالة الإحباط والتهافت التي تمر بها الأمة، وأشد إيماناً بالقدرة على الأداء المتميز وصولاً إلى نواة صلبة يشكلها الكتّاب والأدباء العرب لساحة ثقافية عربية متماسكة تعلي شأن القومي والمبدئي والمصيري والمشترك على كل مصلحة قطرية عابرة وضيقة.
لقد عزز الكتاب ممارسة ديمقراطية سليمة وموقفاً قومياً سليماً في كل ما تعرضوا إليه من مواضيع وقضايا تحتاج إلى قرارات وبيانات ومواقف؛ وأشعر أنهم أعمق وعياً، من أي وقت مضى، بمسؤولياتهم وواجباتهم والأرض التي يحرثون.
الكلمة مسؤولية وموقف وسلاح، وسواء أكانت نثراً أم شعراً فهي روح الحياة وجوهر الوعي معبراً عنهما بإبداع، ولا يكون إبداع بعيداً عن الأداء المبدئي والخلقي والانتماء القومي والإنساني؛ وإذا كان الشعر ربيع الروح، فالكلمة بكل أشكال أدائها ربيع الحياة؛ ويا حبذا يوم يقف فيه مبدعو الأمة شعراؤها وأدباؤها وكتابها وفنانوها على مشارف الزمن يجددون ربيع الحياة بإبداع ويؤكدون قدرتهم على تقديم الموقف والرؤية المنقذة.
ستون باحثاً قدموا أبحاثاً في هذا الملتقى المتميز ثمانية وعشرون منهم ركزوا اهتماماً على أدب الطفل بين التربية والمعلوماتية والإعلام، وهو اهتمام بالعصري والمستقبلي على أرضية العلم والتقانة، وأكثر منهم ركزوا جهداً حول موضوع راهن يعزز موقف الأمة ومشروعها ونظرتها نحو المستقبل، وكل أولئك تحاوروا مع زملائهم وكانت دائرة الحوار الأشمل تتسع لكتاب يربون على المئتين عدداً وإذا أضفنا إلى أولئك جميعاً ما يقرب من ثمانين شاعراً قدموا شعراً في إحدى عشرة أمسية شملت دمشق وثماني محافظات أخرى، واتصلوا بجمهور متنوع البيئة والاهتمام؛ أدركنا سعة دائرة التواصل التي تمت بين كتاب وأدباء من أربعة عشر قطراً عربياً من جهة وبينهم وبين جمهورهم العربي في سورية من جهة أخرى؛ وقد عزز هذا اللقاء بمستوياته المختلفة إيماننا بالمبدأ والموقف والمصير، وجعل الكثير من الأوهام والتصورات والإحباط تتهاوى تهاوي بيت العنكبوت تلامسه الإصبع الواعية.
من القنيطرة كنا ننظر إلى دمشق في لحظة من زمن المؤتمر وبدا السؤال فضاء قلقاً مقلقاً: خمسة وثلاثون كيلو متراً خط النظر بين موقع العدو المحتل لجنوب لبنان أو للجولان وبين العاصمة القلب للنبض العربي!!
ماذا يعني هذا؟! يعني بكل بساطة أن كل ما نسج من أوهام في الإعلام حول سورية وموقفها يتهاوى لمصلحة صمود سورية وموقفها!! وحين تستمع إلى العراقي أو اللبناني أو الجزائري تشعر أن المعاناة والدم والدمع في بيتك وفي قلبك وفي عينيك... أنت العربي المدّمى أينما اتجهت وأنت العربي المعنّى بأمتك وأنت مفتاح الفرج لها من كل ضائقاتها، وأنت سلاحها والمقتول بسلاحها أحياناً؟؟ من هنا يمر درب فلسطين: من القنيطرة إلى صفد؛ عبارة بقيت في الأذهان طوال أيام المهرجان، وعلى بعد ستين كيلاً بألف متر تقع الياقوصة حيث انتصر خالد بن الوليد في معركة اليرموك، وهذه الأرض المباركة امتزج فيها الدم العربي قديماً كما امتزج فيها أيام حرب تشرين: الدم السوري والعراقي والمغربي والفلسطيني واللبناني والأردني والسعودي!! من منا يقف فوق تراب ممزوج بدم الشهداء ولا يصحو فيه شيء من أمته وعقيدته وشهامته؟!
لقد استيقظ فينا ما كان خاملاً لبعض الوقت نحن الكتاب من أمة العرب، وعصفت بنا أسئلة مرة: كيف نصبر على العدو، وكيف نقبل من يزِّين لنا صورة الاحتلال وصورة التنازل عن فلسطين والقدس تحت مسميات "السلام" وواقعية الانهزام؟! لم يكن ذلك ليغيب عن الوعي لحظة، وحينما كان الشعراء ينشدون الشعر في أمسية القنيطرة كنت تشعر كأنما أرواح الشهداء تقول: هذا يليق وهذا لا يليق، هذا يحيي موات الأمة وهذا يدفن حياتها؛ فيا أهل القلم طفَّ الألم عن كل مكيال واحتمال والحرف ملزم بالوطن والشهيد والمجرّح العميد أينما كان وكيفما كان شكل معاناته.
الأمة تحتاج إلى أبنائها، كل أبنائها، تحتاج إلى الوعي والموقف والكلمة الطيبة، وتحتاج إلى بصيرة أولي البصيرة ونظر بعيدي النظر، ليخلصوها من بؤس تغلغل في العقل، وهمّ تغلغل في العظم، تحتاج إلى فكر يرد على فكر وعقل يرد على جهل، وانتماء يرد على هُجْنَة، وتغرُّب مدفوع القيمة ينخر الذاكرة والوجدان.
لقد صدرت إرادة ثقافية في بيانات وقرارات وتوصيات وهذا جيد ولكنه لا يكفي، ففي الوقت الذي يقول فيه الكتاب والأدباء العرب كلاماً نظيفاً معبراً عن الجماهير وحقائق التاريخ ومقومات العدل، بشأن فلسطين وشعبها وحقه في وطنه، كل وطنه، في الوقت ذاته، يصدر بلسان عربي وعبر وسائل إعلام عربية واسعة الانتشار كلام يقول: "مجرم من ينادي بفلسطين عربية!!؟! فكيف يستقيم الوضع في مثل هذا الشأن بين كلامين يقفان على عتبة السياسي ليختار تحت ضغط المتغيرات والمصالح وموازين القوى المختلّة اختياراً سليماً؟!
إن الكلام الذي يعبر عن وجدان الشعب وحقوقه ومبدئيته ومعاناته يحتاج إلى أنياب وأظافر، يحتاج إلى قوة تنبته في القلوب وعلى أرض الواقع، ويحتاج إلى جهد مضنٍ ليقف في وجه القوى الصهيونية الأمريكية الشرسة التي تغذي ألسنة عربية بالدولار وتنشرها في فضاء العالم وتلقنها هجوماً على العروبة والإسلام والحق والعدل تحت غطاء الحضارية والعقل المهزوم؟!
لقد عقد الكتاب والأدباء العرب مؤتمراً ناجحاً ورصوا صفوفاً، ومارسوا ديمقراطية محترمة مسؤولة، وأصدروا بيانات جيدة وقرارات موضوعية وتوجهات ممكنة التنفيذ ولكنهم يحتاجون إلى امتلاك حقولهم وأدواتهم ليبذروا فيها بذرهم ويحتاجون إلى إمكانات ومنابر مفتوحة وإلى من يساعدهم على تحويل الكلمة إلى جسد في كل جسد، وإرادة وقرار في كل وزارة ومؤسسة ومركز ومدرسة ودار، فهل نحن على استعداد لتحويل الكلام إلى سلاح، والسلاح إلى أداة تحرير وتنوير وتقدم بالوعي والحرية والمسؤولية؟! وهذا ما نحتاج إليه قبل كل شيء(1) . ,أحبُّ أن أثبت هذا هنا لأن ما قيل وما يقال أحياناً عن توجهات الكتاب العرب عموماً لا يعبر عن حقائق مواقفهم، وما يكون من نشاز من بين صفوفهم .. شخص هنا وشخص هناك ، لا يمكن أن يكون صورة لهم أو صورة معبرة عنهم بأي شكل من الأشكال.
(1) - دمشق في24/12/1997.
|