ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

1 - مدخل

أريد أن أنظر على النظام العالمي الجديد من مدخل القوة أي من حلف الأطلسي وقد أكد في إطار احتفاله بالذكرى الخمسين لتأسيسه /4نيسان 1949/ أكد حلف شمال الأطلسي على أهدافه المعلنة ووسع هوامش تفسيره لبعض الأهداف وتطبيقاتها، لا سيما ما يتصل من ذلك بحماية الأمن والمصالح، وإشاعة الاستقرار والسلام.‏

وحين يتوقف المرء عند حماية المصالح والأبعاد التي يمتد إليها مفهوم الأمن، لا سيما عند الإشارة إلى دول أو منظمات تمارس الإرهاب أو ترعاه، ودول تسعى إلى امتلاك أسلحة من شأنها أن تهدد أمن دول صديقة أو حليفة أو مصالح لأطراف الحلف في مناطق أو دول..‏

فإن المرء يتوقف عند احتمالات مخيفة وممارسات مرعبة قد يقوم بها الحلف، بعد أن ينجز مهمته في يوغسلافيا التي انطوت على شيء من المصداقية في الدفاع عن مضطهدين يتعرضون لإبادة عنصرية بشعة بصورة وحشية، وعلى شيء من تأكيد الحضور وتحقيق المصالح في البلقان، المعبر الاستراتيجي الهام جغرافياً وعسكرياً واقتصادياً إلى آسيا، والموقع الذي تتلاقى فيه ثقافات وعقائد وسياسات ومذاهب وتتصارع أو تستمر في صراعها الشديد منذ قرون.‏

لقد كان لافتاً للنظر تأكيد الحلف على أمرين، إضافة إلى موضوع توسيع دائرة تدخّله لحماية المصالح ومقاومة الإرهاب، والأمران اللذان أكد عليهما هما:‏

-أمن أوروبا‏

-وهويتها مع تكرار التأكيد في أكثر من موقع على موضوع الهوية.‏

وإذا كان موضوع حماية المصالح يتسع ليشمل المدى الجيو-سياسي لبلدان ومناطق وربما قارات تقوم فيها لأطراف الحلف مصالح وهي في توسع مستمر، ومن أبرزها مناطق النفط لا سيما في بحر قزوين، وأسواق آسيا الوسطى وهويتها، والمشروع الصهيوني ذو الأولوية الاستراتيجية، فإن موضوع الإرهاب والقضاء على كل من يمارسه أو يرعاه أو يحرّض عليه -حسب المفهوم والتفسير الغربي الصهيوني أو الصهيوني المتحكم في الغرب للإرهاب -سوف يكون ذريعة مفتوحة لتدخل الأطلسي الذي يرى في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي إرهاباً، ويرى في معارضة المشروع الصهيوني في مداه الاستراتيجي القائم على الاستيطان والتهويد والتوسع وفرض الهيمنة بكل أشكالها تهديداً والأمن والاستقرار ومعارضة للسلام، حسب المفهوم الأميركي- الصهيوني للسلام.‏

وعلى هذا فإن الاحتمالات قائمة لتدخل حلف شمال الأطلسي ضد دول مثل إيران وسورية على أرضية مقاومة رفضها للمشروع الصهيوني، أو سعيها لامتلاك أسلحة، أو على أرضية تهمة رعاية المقاومة التي يراها قائد الحلف الأميركي إرهاباً.‏

أما موضوع الأمن الأوربي، والهوية الأوربية فيقودنا إلى تدقيق في بعض الأمور التي تطفو على السطح من آن لآخر، وتستدعي التدخل من حلف شمال الأطلسي، ومن ذلك على سبيل المثال.‏

-حماية الديمقراطية بإزالة الديكتاتوريات من أوربا. وقد ذُكر هذا في تصريحات أعضاء الحلف في أثناء التدخل العسكري المستمر من أجل ألبان كوسوفا ضد ممارسات الصرب.‏

وإذا كانت عنصرية ميلوسوفيتش المتوحشة قد قدمت فرصة ذهبية للأطلسي لضرب معاقل أيديولوجية وممارسات طغيانية حقيقية تحت مظلة إنسانية مقبولة: فإن حلف شمال الأطلسي، الذي تأسس أصلاً لمقاومة المد الشيوعي في أوربا والخطر السوفييتي الذي كان يزحف عليها، سوف يستمر في العمل تحت ذرائع شتى لتصفية البؤر المعارضة لنظامه الرأسمالي العام الجديد ولأيديولوجيته ومصالحه، وحتى لمذهبيته الطاغية في بعض الحالات.‏

والأمن الأوربي في هذه الحالة سيأخذ منحيين:‏

- منحى التخلص من الأنظمة والأحزاب والسياسات المتصلة ببقايا الحرب الباردة أو بؤرها وأسبابها.‏

- منحى فرض مناخ الحوض الأوربي الواحد على أوربا كلها، بما في ذلك روسيا الاتحادية إن أمكن، تلك التي ما زالت تقلق بعض دول أوربا أو تشكل بعض عوامل عدم الاطمئنان في المستقبل.‏

ويتداخل موضوع الأمن مع موضوع الهوية عندما يتصل الأمر بالإسلام وبأقليات سكانية أو بدويلات ومناطق حكم ذاتي ذات أكثرية إسلامية في أوربا، "فأوربا آمنة" أخذ يعني، فيما يعني، بعد مدِّ العداء الغربي للإسلام فيها بتحريض من الصهيونية، خلو القارة من دول إسلامية مستقلة ومن وجود فاعل أو ناهض، وقد ظهر هذا التوجه من خلال:‏

- تخريب هوية ألبانيا الثقافية وإضعافها والقضاء على كل أمل لها في استعادة هوية أو قوة أو مكانة في محيطها أو جعلها مؤثرة في ذلك المحيط على نحو ما، وقد وقعت الآن تحت الاحتلال المباشر أو شبه المباشر جرّاء أحداث كوسوفا وما خلفته من مضاعفات.‏

- تصفية المسلمين في البوسنة والهرسك، واقتطاع ثلثي أراضي تلك الجمهورية، وجعلها الآن "جمهورية" ثلاثية الأطراف من حيث الحكم: صرب -كروات- مسلمون.‏

ومن ثمة فلا أمل لها في أن تكون جمهورية إسلامية في المحيط الأوربي.‏

- تصفية المسلمين وإطار الحكم الذاتي الذي كان لهم في كوسوفا. وتشريدهم في بقاع الأرض، وجعلهم يعودون جزءاً ضعيفاً تابعاً للصرب، أو محمية محتلة من قبل قوات حلف شمال الأطلسي. إنه من غير المنطقي القول: إن الحلف تسبب في كل ذلك، ولكنه استغل ذلك استغلالاً متميزاً ليوظفه في إطار أهدافه وخدمة استراتيجياته.‏

إن من أبرز مقومات الهوية الأوربية، كما أشير إليها في أكثر من مناسبة وتصريح وبيان وتجمع للحوار، هي:‏

-الدين المسيحي بمذاهبه‏

-الديمقراطية في الإطار العام مع تفاوت يراعي خصوصيات البلدان‏

-الثقافة الأوربية‏

-العلمانية‏

-التقاليد الأوربية في العمل والتعامل والسلوك ونمط العيش‏

وقد تم تأكيد التمسك بتلك المعطيات أو المقومات ومراعاتها عند وضع معايير الشراكة والتعامل مع الآخرين.‏

فلطالما ذكِّرت تركيا -وهي تطلب الدخول في المجموعة الأوربية- بأنها إسلامية وشرقية على الرغم من علمانيتها وتوجهها نحو أوربا واختيارها للحرف اللاتيني في الكتابة واعتمادها ديمقراطية يرضى عنها الغرب. وقد أعطيت بعد الحاح وهي العضو في حلف الناتو، بعض التسهيلات الجمركية من خلال دخولها في الاتفاقية الجمركية التي تحكم دول الشراكة الأوربية.‏

وكان رد قريب من هذا على محاولات دخول السوق الأوربية المشتركة لمن ترامى عليه من دول المغرب العربي، أما موضوع الشراكة الأوربية المتوسطية فهو مشروع آخر يضع دول المتوسط غير الأوربية في هوامش أو مدارات توابع أوربية في إطار مصالح متبادلة من غير أن يؤثر على مقومات الهوية. ويُحْكِم القبضة الاقتصادية ليتحكم بمفهوم الأمن والسلام، جاعلاً من "إسرائيل" جزءاً من هذه الشراكة ومركزاً فيها؛ حتى لَيَذْهَب المرء في القول إلى أن هذه الدعوة التي انطلقت في إطار المتوسطية من برشلونة، تشكل رديفاً للشرق أوسطية، والهم الأول للمشروعين فرض وجود "إسرائيل" والاعتراف بها والتعامل معها وتطبيع العلاقات بينها وبين العرب لتكون قطباً مقابلاً لكل العرب، المتوسطيين في شراكتهم مع الأوروبيين، وقد ظهر دليل بارز على هذا في شتوتغارت من (برشلونه 3) حيث اعترض شارون على مشاركة وزير خارجية سورية فاروق الشرع باسم العرب وشرق المتوسط في المؤتمر الصحفي، وأصر على أن يحضر طرفاً ثالثاً: أوربا -إسرائيل- والعرب الأمر الذي عطل المؤتمر الصحفي أو أدى إلى إلغائه.‏

والمرمى البعيد الأهم -وهو في الإطار الأوروبي المتوسطي- سوف يظهر ند إقرار وثيقة الأمن والسلام في إطار قمة (برشلونة 4) حيث تؤكد تلك الاتفاقية على حماية حدود وأمن واستقرار واستقلال كل الدول الأعضاء، وهو ما يجعل العرب جميعاً يوقعون على وثيقة يتعهدون من خلالها بحماية أمن "إسرائيل" بعد الاعتراف بها، وبإلغاء كل حق للشعب العربي الفلسطيني في فلسطين وللأمة العربية في المطالبة بأي جزء من فلسطين المحتلة.‏

إن موضوع "هوية أوربا" الذي أكد عليه حلف شمال الأطسي، وهو يتداخل مع موضوع الأمن فيها، يشكل مدخلاً لأنواع من التصفية والتهجير وربما التطهير العرقي، تحت ذرائع مختلفة، على رأسها مقاومة الأصولية الإسلامية، والإرهاب الذي توظَّف عناصر للقيام به في مناطق معينة عند اللازم، وإلحاق ذلك بالمسلمين بل بالإسلام ذاته وهو مدخل من مداخل النظام العالمي الجديد لفرض الهيمنة وتفصيل أدائها خدمة لمصالح أطرافه.‏

ونحن نتابع من آن لآخر، محاولات تشويه صورة الإسلام، والتهجم على رموزه وكذلك رفع الغرب للأشخاص والإنتاج الذي يمس الإسلام ورموزه في أي موقع ظهروا وبأية وسيلة عبّروا بأدائهم المبرمج والموظف جيداً لتحقيق اختراقات ثقافية تخدم هدفاً استراتيجياً على المدى البعيد.‏

على أن توجه الأطلسي لن يتوقف في عمله وتوجهاته وأهدافه عند منطقة معينة، بل سيعمل على خدمة مصالح أعضائه في البلدان والمواقع كلها.‏

وبتقديري أنه سوف يفعِّل ذرائعه وأداءه على خلفية تلك الذرائع بعد انتهائه من المواجهة في يوغسلافيا أو انطلاقاً منها. بل إن تلك المواجهة تعتبر بداية ولادة جديدة لحلف شمال الأطلسي بعد خمسين سنة، ولادة أهداف وتطوير أداء وتوسّع في برامج وزيادة في تطلعات وطموحات تزداد وضوحاً مع الزمن؛ وتشكل أبرز معالم النظام الدولي الجديد.‏

لقد استقر الآن في الذهن، أن الحلف يقوم وسيقوم بما يراه ملائماً، انطلاقاً من رؤيته هو ورؤية الولايات المتحدة الأميركية على الخصوص، المحكومة بأداء صهيوني إلى حد بعيد، رؤيته لما هو: إنساني وأخلاقي. وديمقراطي وعادل وشرعي، ويتوافق مع المفاهيم الغربية، ويحقق المصالح أو يؤدي إلى تحقيقها. وسوف يبيح "الأخلاقي" تدخلاً بالقوة لحماية: شعوب من حكامها، وحكام من شعوبهم حسب ما يخدم المصلحة الغربية- الصهيونية. والأطلسي الذي يعني أميركا أولاً يؤسس اليوم لنقلة نوعية في أدائه وأهدافه، ليصبح ركيزة نظام دولي جديد ينسف المرجعية الدولية الهشة والمريضة المتمثلة في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، بعد أن بقيت متعثرة وباهتة وعاجزة على مدى السنوات الماضية ومسيطراً عليها من قبل الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيات.‏

ولا أظن أن الأطلسي سوف يلغي المنظمة ومؤسساتها السياسية بل سيجعلها دميته المصْمَودَة في خزانة زاهية يحركها عندما يرى مصلحة له في ذلك.‏

أما التحرك على الأرض، وتنفيذ ما يراه في خدمة "الأمن والسلام والاستقرار والمصالح.. "الخ حسب مفهومه فسوف يأخذه بيده و بشكل مباشر بوسائل لينة أو قاسية حسب ما تقتضيه الظروف.‏

ولنا أن نسأل: هل في هذا خير من أي نوع لأطراف ليست في الأطلسي، أو لكل أطرافه؟!‏

وهل سيبقى هذا من دون رد عليه من دول العالم أجمع، أم أنه سوف يؤدي إلى ظهور تكتلات تواجه هذا التكتل؟! هل سيصبح حلف "العالم" باجتزاء جائر للعالم، أم أنه سوف يستفز العالم إلى أبعد الحدود، ويؤدي إلى تعدد أقطاب بالمعنى الدقيق للكلمة؟!‏

وهل تستطيع أطراف الحلف المتماسكة اليوم أن تحافظ على تماسكها وتطور أدائها ونمو رقعة انتشار الحلف وعدد الأعضاء المنضويين تحت لوائه، أم أنها سوف تستيقظ على خلافات جراء تداخل المصالح واستسلام العالم لقوة وحيدة كاسحة ليست مصلحة كل طرف من أطرافها هي مصلحة الآخر بل ومتعارضة معها؟!‏

إن المستقبل كفيل بالإجابة عن أسئلة تتراءى لنا فضاءات حياة الدول والشعوب في ظل فضاءاتها الممتدة اليوم على أجنحة القوة والمنتشرة بين نجوم السماء.‏

لكن بعض الركائز المبدئية والتجارب الماضية تؤدي إلى استنتاج غير مريح لنا، لا سيما ونحن في هذه المنطقة نحصد شرور الولايات المتحدة الأميركية، التي تدعم الصهيونية أو شرور الصهيونية التي تقود الولايات المتحدة وتتحكم في قرارها وأدائها. وهما الكتلتان اللتان تشكلان مركز الثقل في العولمة اليوم.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244