|
3 - العولمة ورأس المال
إن العَوْلَمَة تفسح المجال واسعاً أمام أصحاب رؤوس الأموال لجمع المزيد من المال على حساب سياسة قديمة في الاقتصاد كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق ربح وتوسيع هامش ذلك الربح ؛ بينما يتم الاعتماد في إمبريالية اليوم ـ العَوْلَمَةـ على المعرفة المضافة إلى المادة لتنتج فضل قيمة أو فائض قيمة يتجاوز بما لا يقاس ما حققته إضافة قوة العمل إلى المادة من فضل قيمة في العصر الصناعي ، كما يتم الاعتماد على تشغيل المال فقط من دون تحمُّل مغارم أو الدخول في مغامرات غير مأمونة العواقب من أي نوع للوصول إلى احتكار الربح باحتكار المال والسلع والسيطرة على السوق، التي غدا مجالها : العالم كله بعد توسُّعها وما تعِد به من آفاق مفتوحة. إنه الوضع الاحتكاري الرَّبَوي المستند إلى القوة الغاشمة المطلقة النفوذ الوحشية الأغراض في قمة تجسُّده ، وهو لا يُعْنَى، كما أن بعض المسلمين الضالعين مع رموزه لا يعنون، بأبعاد قوله تعالى : ( وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ(
الروم /الآية39؛ إنه نوع من تحويل المعمورة إلى مساحة إمبريالية جديدة و " إنشاء نظام من الطبقة السفلى داخل الديموقراطية الصناعية يتسم بالفقر وانعدام الأمل " كما قال الوزير الأميركي روبير ريتش"2" وهي مقولة تُلخَّص إلى حد ما بعودة " شايلوك " المرابي اليهودي التاريخي " محمولاً على أجنحة المعلوماتية والصواريخ البالستية في عالم مفتوح لسيطرة القوة المتغطرسة العنصرية الكريهة، المزركشة بمقولات إنسانية وتعالٍ مقيت ؛ وعودته تلك: المدججة بعلم وتقانة وقوة موظفة جميعاً لتخدم الخرافات والأساطير اللاهوتية والسياسية ، تبقي على الأهداف القديمة وتغير الوسائل والأساليب والأدوات ، وتعيد قولبة وتغليف القاعدة القديمة القائلة : إن القوي يأكل الضعيف : إلى قاعدة معدَّلة جديدة عصرية عولمية تقول " السريع يأكل البطيء " وسمك القرش المزوَّد بالطاقة النووية ومعطيات الحواسيب وغزو الفضاء والهندسة الوراثية وحمى الاستنساخ يستطيع أن يبتلع الأسماك الأخرى والصيادين الذين يغامرون في المضي إلى أبعد من المدى المحدد وشاطئ الانطلاق!!؟.
ومن منظور آخر لمعطيات في توجّهات العَوْلَمَة وخلفياتها نشير إلى حقيقة أن البلدان المتقدمة لا تريد أن تشغل نفسها بصناعات أولية ضرورية ومكلفة وإنما تريد أن تأخذ مكاسب هذه الصناعات وإنتاجها وأن تلقي أعباءها وما يرتبه ذلك النوع من الإنتاج على البلدان والمجتمعات النامية؛ إنها تستفيد من ذلك بدورها ولكن جزئياً وتجد نفسها مقبِلَة على ذلك ولو قسرياً ، بينما تذهب الفائدة الأكبر للمحتكر الأكبر وعملاق السوق ؛ أمَّا التفوق والتقدم وأنواع الفروق فسوف تكون هائلة جداً وستزداد الهوة اتساعاً بين الدول المتقدمة والنامية، لأن الأولى سوف تتفرغ لصناعة المعلومات والخدمات العليا والأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة وغزو الفضاء ... إلخ وتطويرها وستبقى متحكّمة بالإنتاج الآخر، الإنتاج "الترسو" الضروري، وبصناعاته، ذاك الذي سينتقل إلى مواقع أخرى ورعاية دول أخرى" نامية" حيث تتحمل تلك الدول أدواته وأوساخه ولكن عائداته والتحكم به /حجباً وتوزيعاً/ فسيكون من نصيب الدول الكبرى والاحتكارات العالمية بشكل تام؛ وهو ما ينتج عملياً حالة برمجة الأزمات وتوظيفها واستثمارها .
وللتقريب فإنه حين تتنازل الدول المتقدمة عن صناعة المحرك الانفجاري أو النفاث مثلاً فإنما تفعل ذلك لتتفرغ للصناعات النووية والفضائية والمعلوماتية وتشغِّل الآخرين أجراء في ما يمكن أن نسميه : الصناعات السوداء ، وتحفظ لنفسها فيها حق الاختراع والملكية ؛ كما تحافظ على العائدات وفوائد السوق التجارية منها ، وعلى ما يقدمه ذلك لها من فرص تجعلها تتحكم بالقرار السياسي للبلدان المنتجة ـ المستهلكة.
والشركات المتعددة الجنسية، وهي ( 4000 إلى 5000 ) شركة في العالم وربما أكثر من ذلك، تفترس الإنتاج والخدمات والناس والأنظمة عبر القارات؛ وهي تشغِّل نسبة 7% من التشغيل العالمي، وتؤدي ضرائب بنسبة 9% من الضرائب العالمية وتحتكر 80 إلى 90 % من التجارة الدولية؛ وهكذا فإنها تجني المكاسب والمغانم وتتجنب المغارِم والخسائر كما أسلفنا.
وتسيطر الأمهات من تلك الشركات على سياسات الدول وقراراتها وتجبرها على أن تكون في خدمة فروعها أو عروقها الممتدة في أجسام تلك الدول والمتصلة دوماً بالرأس والقلب والمعتمدة دوماً على ما يصدران من نبض وأوامر تتوقف عليهما الحياة .
إذن نحن نمضي ـ في ظل سيطرة العَوْلَمَة وشيوع عالمها وتضخُّم أدواتها وتنامي قيمها ـ إلى قبضة الاحتكارات المسيطرة على الدول، ونضع أعناقنا في أغلال أصحاب رؤوس الأموال ومعظمهم صهاينة أو مسيطرٌ عليهم من قبل قطاع كبير من أولئك الصهاينة كما أسلفت؛ وعلينا أن نتذكر دائماً : إمبراطوريات الإعلام - والسينما- والمصارف وبعض مواقع تجار السلاح والمخدرات والمافيات التي يملكها يهود أو يوجهها ويحركها صهاينة ومتصهينون.
إنه نمط من الاستعمار مغاير في الوسائل مطابق في الأهداف للاستعمار القديم والحديث ولأساليب الاستغلال عبر العصور!! مع وجود بعض الفروق تتمثل في أن الشركاء المتحالفين ضد الشعوب هذه المرة من جنسيات متعددة، وطنهم المال ولكنهم جميعاً من مصاصي دماء البشر في النهاية، يدربهم ويقودهم ذوو خبرة تاريخية في هذا المجال ويسخرونهم لخدمة مشروعهم وللسيطرة على العالم. وهم ممن يساهمون في استخدام كل أنواع الإبادة لخصوصيات البشر، ومنها الإبادة المعنوية والروحية التي تتركز على الهوية الثقافية وقيم العقيدة الدينية؛ وقد يكون تحقيق هذا النوع من الإبادة شرطاً رئيساً ومؤسساً للعولمة ولانتشارها، لأن إحداث تفسُّخ في الثقافات القومية والعقائد والخصوصيات ومنظومات القيم التي للشعوب والأمم يجعل شعور الناس فيها بهوياتها غائماً أو غائباً، ومن ثم يجعل دفاعهم عن خصوصية وهوية ودور ومكانة متهافتاً ، ويجبر الأمم والشعوب ضعفُها وضياعُها وانعدامُ وعيها بذاتها على السير وراء حاجات المعدة والغرائز، بينما يفتك بالقوة القومية ـ الوطنية أو يحيِّدها، ويسيطر على رموز يجعلهم شركاء في الربح والمصلحة أو أسرى مقاعد السلطة التي يضعهم فيها أو ينتزعهم منها؛ يقوم في الوقت ذاته بالقضاء على الطاقة الروحية التي تعززها القيم الخُلُقية.
وإذا ما تشكل وعي حقيقي بأبعاد المشكلة عن طريق المسؤولية المعرفية والثقافية عن العدالة البشرية والتمايز والحقوق والحريات،وأثر تأثيراً مباشراً في الناس ـ بعد أن يكون قد حقق استقلالية وخرج من ولاء للسلطات والشركات الظالمة ليكون موالياً للحقيقة والعدالة الاجتماعية والقيم السامية ـ فإنه سيؤسس لصراع من نوع جديد ، قد يكون صراعاً طبقياً بمعنى من المعاني الموضوعية ، ولكنه يملك سعة العالم هذه المرة ومشروعية عميقة وشاملة؛ قد يكون صعباً جداً ، فهو بين احتكارات متماسكة تسيطر على القوة في أنحاء المعمورة من جهة وبين بشر يصعب تنظيمهم وتنسيق جهودهم على مستوى المعمورة من جهة أخرى، ولكنه صراع يستنهض الناس بعمق للدفاع عن إنسانيتهم ومصالحهم وثقافاتهم في آن معاً .
|