ثقافتنا و التحدي خطابنــا و خطــاب العصــر - الدكتور علي عقلة عرسان - دراســـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

5 - البعد الثقافي

لكن العَوْلَمَة ليست مجرد تهديد بالسيطرة على الدولة وقرارها وسياستها والتحكم بالاقتصاد من خلال التنافس على الأسواق؛ إن لها أهدافاً ونتائج موصولة بذلك ومبنية عليه تصل إلى أبعد من ذلك بكثير ، وهي تطال ثقافات الشعوب وهويَّاتها القومية والوطنية وتهدد مصالحها وخصوصياتها في الصميم، وترمي إلى تعميم ـ أو ينتج عنها تعميم ـ أنموذج من السلوك وأنماط العيش وفرض منظومات من القيم وطرائق التفكير والتدبُّر والتدبير، وتكوين رؤى وأهداف تعمل في خدمتها؛ ومن ثمة فهي تحمل ثقافة تغزو بها ثقافات ومجتمعات أخرى، وتؤدي إلى تخريب منظمات قيم وإحلال قيم أخرى محلها ليست بالضرورة أفضل من القيم التي لحق بها التخريب ، فضلاً عن كونها لا ترتبط بخصوصيات الأمم وثقافاتها." 4 " ولا يخلو ذلك من توجه استعماري جديد يتركَّز على احتلال العقل والإرادة وجعلهما يعملان وفق أهداف المستعمِر المستثمِر وفي إطار خططه ومصالحه، مع تحييد القوة / الدولة أو إنهاكها واستلابها وانتزاع مقومات حضورها وتأثيرها الاجتماعيين، وفرض نوع من الإدراك الواقعي ـ بالمعنى القهري للواقعية الانهزامية ـ عليها، مع إلحاق شلل بالوعي المنقذ والإرادة والقوة وطاقات الروح وبالإيمان وقدراته الخلاقة عند المؤمنين .‏

ويجعلنا ذلك نستعيد قول وزير الثقافة الفرنسي في مؤتمر المكسيك " إن هذا شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية لا يحتل الأرض ، ولكن يصادر الضمائر ومناهج التفكير واختلاف أنماط العيش.". " 5 "‏

لقد قال الرئيس الأميركي جورج بوش بعد حرب الخليج الثانية مباشرة ، وفي مُناخ الاحتفال بالنصر وفي ظروفه ـ ولهذا ما له من مدلولات ـ قال ما معناه : " إن القرن القادم سوف يشهد انتشار القيم الأميركية وأنماط العيش والسلوك الأميركي ". وفي هذا نزوع استعماري لغزو الآخرين ثقافياً ولمهاجمة الهويات الثقافية القومية وفرض التبعية عليها أو إذابتها ؛ ويؤكد هذا التوجه والمعنى اللذين أذهب إليهما قولُ المفكر الأميركي الذي كان مسؤولاً في مجلس الأمن القومي الأميركي صاموئيل هنتنغتون في دراسته : "الغرب متفرد وليس عالمياً." إذ يقول :‏

" إن شعوب العالم غير الغربية لا يمكن لها أن تدخل في النسيج الحضاري للغرب، حتى إن استهلكت البضائع الغربية، وشاهدت الأفلام الأمريكية، واستمعت إلى الموسيقا الغربية، فروح أي حضارة هي اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد ، وحضارة الغرب تتميز بكونها وريثة الحضارة اليونانية- الرومانية والمسيحية الغربية ، والأصول اللاتينية واللغات لشعوبها ، والفصل بين الدين والدولة، وسيادة القانون، والتعددية في ظل المجتمع المدني، والهياكل النيابية، والحرية الفردية.‏

إن التحديث والنمو الاقتصادي لا يمكن أن يحققا التغريب الثقافي في المجتمعات غير الغربية بل على العكس، يؤديان إلى مزيد من التمسك بالثقافة الأصلية لتلك الشعوب.ولذلك فإن الوقت قد حان لكي يتخلى الغرب عن وهم العولمة، وأن ينمي قوة حضارته وانسجامها وحيويتها في مواجهة حضارات العالم، وهذا الأمر يتطلب وحدة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ورسم حدود العالم الغربي في إطار التجانس الثقافي." " 6 " الذي يغيِّر الأسلوب ولا يغيِّر الهدف ، فهو يختار الصدام والصراع بدلاً من الاحتواء الاقتصادي ـ العسكري ـ الثقافي ؛ ليصل إلى الغاية بالقوة التي ترجح كفتها الآن لمصلحة الغرب بشكل واضح .‏

وهو كما نرى يؤكد على نوع من الأهداف التي يراها صعبة التحقيق عن طريق الاحتواء ويشير إلى اختيار وسائل أخرى لحسمها. وقد خالف الرئيس بيل كلنتون هذا التوجه الصِّدامي، نظرياً، لا ليلغي الأهداف التي يتابع العمل من أجل تحقيقها وإنما ليؤكد على كل الأساليب المؤدية إلى ذلك، وعلى رأسها الاحتواء والحصار وتعزيز التفوق والهيمنة ..إلخ .‏

إن الغرب / سياسياً وثقافياً واقتصادياً / يرمي إلى تحقيق تلك الأهداف بكل الوسائل الممكنة، ويضعها على رأس مشاريعه وسياساته، ويدعم ما هو قائم منها في المنطقة العربية : / المشروع الاستيطاني ـ الصهيوني في فلسطين المحتلة مثلاً / ومنها : فرض التبعية الثقافية من خلال الاختراق والغزو الثقافيين وتخريب قيم الآخرين واستقطاب الأجيال الصاعدة بدغدغة غرائزها وتوجيه ميولها والتركيز على ما هو في سطح الاهتمامات البشرية لديها، ليبقيها في حيِّز السطحي من الاهتمامات والمهام والتطلعات، مستفيداً من فاعلية تأثير التفوق والقوة والسيطرة والثروة التي لديه في هذا المجال للوصول إلى نوع من زعزعة الثقة ثم المحو لشخصية الآخر ومقومات ثقافته . ونحن نعرف أن من أهم مقومات الشخصية الثقافية لأمة من الأمم : اللغة بما حملت والدين وبقية السمات والعادات والتقاليد والأعراف ومكوِّنات الذاكرة التاريخية والوجدان الجمعي للأمة . فهل تنجح العَوْلَمَة في تحقيق أهداف كانت محور الصراع التاريخي بين الغرب من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى؛ منذ اكتسح العرب المسلمون الإمبراطورية الرومانية، ورد الغرب بالغزو الصليبي والاستعمار، وتوصل العرب والمسلمون إلى تحقيق نوع من الإجلاء للاستعمار المباشر؛ ومواصلة تصديهم الآن لهذا النوع من استعمار ما بعد الحداثة ؟!‏

ومن كلام بوش ونهج السياسة الأميركية، الذي يفسر خفاياه هنتنغتون، نستخلص أن للعولمة أهدافاً أبعد من الربح وأبعد من التجارة والحدود المفتوحة والأسواق الحرة؛ وأنها تستهدف ـ بصورة واعية أو بالنتيجة الحتمية للمارسة ـ الشخصية الثقافية، والتنوع الثقافي الذي فيه أساس غنى الحضارة الإنسانية ومن هنا منبع الخطورة . وهذا يجعلنا نذكِّر بالبعد العدواني الخطر الذي يسمى ثقافة العولمة، وهو يشكل اختراقاً لهويات الشعوب، وخرقاً للاتفاقيات الدولية ولحقوق الشعوب في المجال الثقافي، وخطورةً على الثقافات القومية ـ والعقيدة الدينية في صلب تكوين تلك الثقافات، لا سيما بالنسبة لنا نحن في الشرق وفي بلاد المسلمين ـ لا تقل عن الاحتلال المباشر ومحاولات إذابة الهوية وفرض التبعية واجتثاث العقيدة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244