|
7 - نحو روح خطاب ومناخ جديدين
الحرف مغموس بماء الورد، ويحمل وجيب القلب ولون الانفعال عند العاطفيين، والريشة عندهم شعاع يسطر على صفحات النسيم وأديم الماء والسماء، قصة الشوق والترنح على أعتاب التوق، واندفاعة المحب، وثورة الغاضب.
والحرف مغموس بالدم وألم الروح على الثائرين والمقاومين ومعهم، إنه وعاء الألم وسطوع الغضب وصوت الضمير القادم على جنح النضال، ودفق الأمل في جسد المتعبين ، والريشة رصاصة أو خنجر، تحفر على وجه الزمان وقائع سجلتها مواقف الإنسان المنذور لقيمه وحريته ووطنه، وتثبِّت تغييرات أملتها إرادته الواعية، وتحدو مسيرة تواصل السير والصيرورة إلى هدف أسمى، عند المسكونين بهم الوطن وقضاياه، بالانتفاضة ودمها.
والحرف مغموس بالدمع ويحمل مرارة الصبر، ولمع سراب صقيل كحد السيف مصلط فوق لهاة الواقف في رمضاء الزمان على مفارق الأحداث، عند الفقراء والمساكين والمظلومين والمتعبين والمحرومين، إنه وعاء المعاناة وبيانها، ولسان الأمل بحق وعدل وقوة تحمي الحرية، وميزان عدل ينتصب في الضمائر والمعتقدات ، ينسكب صلاحاً وبلسماً وشفاء. والريشة معول يهدم الحواجز والمستحيل، ويهد عروش الظلم والطغاة الجبابرة، ويكسر سطوة الإنسان على أخيه الإنسان... الحرف تألق يبني كما يبني جن سليمان حصوناً وقصوراً ويصنع أنواع العدد والعتاد.
والحرف يكون.. ويكون.. ويكون.. بألوان تتعدد بتعدد الأرواح والرؤى والاهتمامات والهموم. وهو مدعو في زماننا وأوطاننا اليوم إلى أن ينهل من قلب المحب وجرح الثائر وعزم المنتفض وصبر الفقير، ويصنع حلم الجماهير في الاكتفاء والتحرر والتحرير والارتقاء والتطوير؛ ففي أرضنا اليوم واقع جديد يفرض على كل منا أن يتعامل معه تعاملاً نوعياً مختلفاً عن كل ما سبق من تعامل. هناك في تربتنا الاجتماعية والنضالية دعوة مغرية لاستنبات الكلمات والمواقف والموضوعات في حرارة الواقع ومصداقية الوقائع، بعيداً عن الأبراج العاجية وتأثيراتها، وعن الشطحات الكلامية وصبواتها، والارتباطات المشبوهة وانعكاساتها؛ تربة ليس الكتاب أرضها وسماءها ولا الخيال بانيها على فجوات من حلم ووهم، إنها الانغماس في عمق الصراع والصعوبات والأزمات والتناقضات والإشكاليات والمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، متداخلة تداخلاً عضوي التكوين والتأثير مع الانتماء والتطلع إلى الأفضل والتعلق بالحقيقة والنظافة الخلقية والنقاء الثوري؛ إنها الغوص عميقاً في تكوين نفسي وقيمي وروحي وخُلُقي، وطني وقومي وإنساني، غدا مضطرباً ومتوثباً وشكاكاً، يدفعه إلى التفاعل والتغير وإعادة التكوين والتشكُّل معطى جديد في حياة الناس ليس الاستهلاك وقيمه ومظاهره إلا عاملاً من عوامله، معطى يحمل نزوع المتناقضات إلى الاشتجار والاعتراك في النفس والشارع، ويشرع في فضاء الروح سيف الرعب من الآتي، مستقياً نسغاً من خبرة كوَّنها الزمن القريب في قلب وضمير كل غبي وأريب.
وهذا الواقع الذي خلق مناخاً خاصاً حتَّم ولادة دعوة خاصة في مناخ لا يمكن أن يتجاوز أولئك الذين يخوضون طريق الدم من زيتونة إلى زيتونة ، ويضيؤون أرواحهم لينيروا طريق أمتهم؛ دعوة موجهة إلى كل من يعنيهم شأن الوطن والحرية والإنسان، وإلى رواد تلك الدعوة.. إلى ذلك الذي يستنبت الحرف في الجرح المَلِحِ.. وفي تربة الواقع وتوتر المواجع وتعنيه الحقيقة قبل أن يعنيه الظهور باسمها ولو على جسدها، إليه أقول: أيها الحامل ضوءاً وتوهجاً وضوع عطر ونوع رؤى وقولاً يبذر عقلاً وينبت عملاً، ويُشرع في مدى الآفاق أملاً، أيها الناشد حقيقة تشفي، ومصداقية تعطي للقول والعمل والوجود والحوار معنى، ولما تقدمه من رؤى وآراء غنى، تعال افلح أرضاً تحتاج إلى من يحرثها ، وارتبط، أخذاً وعطاء، بأناس يحتاجون إلى من يعطيهم بإخلاص ويترجم عنهم بحيوية وإخلاص أيضاً؛ تعال خذ حياة الحرف من حياة طفل يحميك في الوقت الذي تعرف فيه الدنيا أنه من واجبك أن تحميه بلحمك ودمك، تعال افلح تربة الظرف الراهن ومعطى الدم والنضال التي يقدم لها غيرك دماً وتكاد لا تقدم لها حبراً مضاء بوهج الصدق والموضوعية والانتماء، تعال عش ظرف من يموتون ليمنحوك وطناً حراً وحرفاً ساخناً ودفئاً في صقيع المكان والزمان ولتحكم بعض بني الإنسان أو تتحكم بهم على نحو ما، تعال افلح أرضاً بكراً .. وليدفع حرفك الإنسان إلى الحياة بتفاؤل وأمل، في عصر ضياع القيم واضطراب المعايير وازدواجية المكاييل ، ونكوص العربي عن قوميته، والمثقف عن قضيته، واتهامه لأمته بـ " اللاسامية" وهي تنحر بأيدي النازيين الجدد الذين يقدمون أنفسهم للعالم على أنهم ضحايا النازية، ويتجرون بتهمة اللاسامية في طول الأرض وعرضها. تعال ثبِّت شراع المركب الذي يقل الجميع في خضم العاصفة الهوجاء؛ وإلا فلا حاجة لحرفك وغنائك وبكائك بعد حين ، لأنه لن يكون هناك من يسمعك ولا من يحتاج إليك، ولن يكون في غنائك ما يطرب لبعده عن الأفئدة الحية وعن الحياة ذاتها.
تعال ضع حرفك في مناخ يختلف عن كل ما عرفت وما شكل مناخ عطاء لك في السابق، بانتحاءات فكرية مريضة أو متعالية على الوطن ومتدنية في تبعية دونية للغير، فوطننا اليوم يحتاج إلى حركة تطوير وتثوير وتنوير من أجل المواجهة والتحرير، وتجري في أحشائه تغيرات جديرة بأن تشهد ولادتها وتصنع مستقبلها. فما عاد حرف اليوم في واقع اليوم قادراً على أن يكون حرف الأدب الجميل إذا ما اكتفى بأن ينشد جمال الأسلوب والتركيب والصورة، وتحتشد فيه العواطف والمواقف على شفاه لا تعرف طعم ما يسيل عليها؛ فعوامل حياة الأدب اختلفت مع اختلاف اهتمامات الناس وشواغلهم في حياتهم ومقومات تلك الحياة، وعوامل ما يرغبون فيه وما يؤثر فيهم من مقوماته، وحياة الأدب اليوم في حياة الشهداء والمناضلين والخيرين فيه وهم يبنون ويعانون من الفاسدين والمتاجرين بالكلام وبالشعارات البراقة .
علينا أن ننغرس اليوم مع حروفنا في ساحات نضالنا وتفاصيل أوضاعنا، وفي أسواقنا الوطنية .. في تراثنا الحي وما يشكل جوهر هويتنا.. في بيئتنا المدماة ومدننا القديمة وأحيائها الأثرية التي تحمل روحها وخصوصياتها ورونقها، وأن نتنفس مع سكانها لنتأصل في تربة الأصيل، وألا نكتفي بأن ننظر إلى القرار المحسوب والتراث المكتوب نظرة مصلحية أو عابرة أو متعالية؛ لا بد من أن ندخل دائرة التفاصيل التي ينبغي أن تعنينا، بموضوعية كافية، لنعرف أكثر ونحكم أفضل ونكتب أدق وأصدق وأجمل وأكمل، ولكي يتسنى لأدبنا أن يحمل روح الأمة وهويتها وحرارة ما يهم الأحياء فيها. لا بد من دخول تفاصيل القرارات والتوجهات والقضايا والموروثات والمعاناة ... من المدن والأحياء القديمة والمواقع الآثارية والقلاع والحصون والخانات، والبيوت الشرقية الآسرة والعلاقات الأسرية الحميمة ، إلى جبهات القتال ومواقع الجنود والمقاومين والمنتفضين المدافعين عن الأمة بكل ما يملكون؛ نستمد منها شيئاً ونعطيها أشياء، نستمد منها حيوية ونمنحها حياة في الذاكرة والوجدان، لأن الغزو والاستعمار العنصري الصهيوني البغيض يريدان أن يمحوا كل هذه المعالم والصلات والعلاقات، ويغيرا الذاكرة والوجدان إن استطاعا، ويجتثا منا الجذور، ويدخلا إلى حصوننا من نفوسنا.
لا بد من معايشة الفلاحين ومشاكلهم والتعرف على شؤونهم وشجونهم التي تمتد من فِلاحة البادية حتى السماد الآزوتي والمبيدات الحشرية وصعوبة الحصول على الغراس والبذور، ومن التعرف على هموم الذين يستصلحون الأراضي ومعاناتهم إلى هموم ومعاناة الذين تستملك أراضيهم الخصبة، التي تزرع منذ مئات السنين؛ من مشاريع تؤدي إلى تلوث البيئة، إلى مخاطر البيئة الملوثة، إلى تلوث كثير من المواقع والنفوس والمفاصل الحساسة بالفساد والمفسدين... ومن هموم العمال ومعاناتهم إلى هموم الجنود ومعاناتهم، وحتى إلى ما يقوله الطفيليون في مجتمعنا عن " معاناتهم"، حيث يشعرون بوجود بؤر حياة نظيفة في المحيط لم يجهزوا عليها بعد وهم يحسبون دخلهم بعدد ليترات الويسكي " سكوتش " التي يبتلعونها يومياً، من هذا كله تستمد الكتابة موضوعاتها ونسغ حياتها ويجب أن تستمد منه نسغ الحياة، لا بد من أن تأخذ وتعطي وتتفاعل في مثل هذا المناخ ، لأن ما يجري هناك هو الذي يصنع صورة الحياة وصورة الفن ومن ثم صورة المستقبل؛ والأدب لا يريد، ولا ينبغي له، أن يكون بعيداً عن الحياة إذا ما أراد لنفسه أن يؤثر ويعيش ويتسامى ويرتقي بالإنسان.
إن أرضنا خصبة أيها العزيز الذي تفلح الروح وتبذر الكلمات والأفكار والقيم، والمناخ ملائم لعطائنا، ولكنه لا يقف عند حدود ما ذكرت، فهناك كل النازحين والمهجَّرين والمشردين والمهددين بضياع أحلامهم في المخيمات والقرى، وهناك الذين يعانون بين احتلال "إسرائيل" للقنيطرة وتدميرها، ومعسكر أنصار ومعتقل الخيام وقصف غزة وحي " أبو سنينة " في الخليل، واستمرار الاحتلال لفلسطين وممارسات العدو الصهيوني النازية التدميرية، التي لا توفر البشر ولا الشجر ولا الحجر، بين أولئك الذين هدمت بيوتهم ومزارعهم بجرافة ودبابة، أو من اقتلعوا من بيوتهم باستعمار أو قهر أو ظلم أو فساد وطغيان وسواه.
إن قرابة حرفنا خصبة ومكلفة يا حامل الحرف ، وليس هناك ما يبرر أن نبقى في أرض بعيدة مهما عزت تلك الأرض علينا، ومهما وجدنا فيها من صنوف الراحة وحلاوة الاستقرار و" نعمة" الاجترار لذكريات؛ هناك دم حي يُبذل.. دم أطفال ونساء ورجال يموتون من أجلنا بكل معاني الانتماء ونفقد انتماءنا لهم بكل معاني الفقد،، وهناك نضال يومي يُخاض في وطننا ضد العدو والمحتل والطاغية والظالم والفاسد، وضد من توطن في نفوسهم ورؤسهم الغزو والثقافي والتبعية والدونية وشهوة العدوان والاستسلام للعدوان، حتى غدا القتل عملاً يومياً عند البعض والسكوت عليه عادة يومية، وغدت جموع الأبرياء والبسطاء هدفاً لكل من يحمل بندقية لا يحكمها وعي أو ضمير أو عقل.
تربة حرفنا خصِّبت كثيراً، وشرف الكلمات موفور لمن يريد لكلماته الشرف، والواقع يقدم أكثر بكثير مما يحلم به واقعي يريد للأدب أن ينغرس في حياة الناس. يراد لبلادنا أيها الناشر شراع الأمل ، أن تترك نهجها ونضالها ومبادئها ومواقفها التاريخية وقضية جماهيرها، ويُراد لها أن تكون مطية لتحقيق أحلام ومشاريع وصفقات لا تمت لجماهيرنا وتاريخنا ومبادئنا وثقافتنا بصلة، ويُراد لها أن تغير وجهها الذي كوَّنته وحملته مدى الدهر بفخر لترتدي جلداً آخر، أيَّ جلد لا يهم ..!! وأن تغير هويتها لتحمل هوية أخرى غير هويتها، أي هوية لا يهم!! المهم أن يكون جلدها غير عربي، المهم ألا يكون عربياً وألا يكون مبدئياً، أن يكون عصرياً بمفهوم خاص ومهترئاً يستنعم الملامسة المشبوهة، وأن تكون هويتها فاقدة لكل سمة وفكر وأصالة، يُراد لها أن تكون ذلولاً لراكبها وأن تنعزل عن محيطها العربي وتهجر نضالها القومي وتاريخها النضالي، وتواصلها مع تراثها وموروثها وجماهير أمتها!! فما يكون الحرف ومن يكون حامله إذا كان بعيداً عن ذلك المعترك، وعن مواجهة الاستلاب، الذي يُراد له أن يحل ببلاده بدءاً من تحويل الناس إلى أفواه مستهلكة واردات مشلولة وعقول مستوطَنة بالغزو والاستلاب والاستسلام، وطموحات مريضة وعلاقات وقيم فاسدة في مجتمعات فاسدة، إلى تحويل البيئة والإنتاج وبنية الوطن والمواطن، الروحية والجسدية، إلى بنية اتكالية متآكلة؛ بدءاً من ذلك كله وانتهاء بإفساد مصداقية الكلمة والقرار على كل مستوى وصعيد.
إن الذين يحاصروننا ويتهموننا ويخططون لتركع بلادنا وشعبنا لا يهمهم أمر إنساني أو قيمة روحية أو خلية، وهم يجدون من يلعبون به وما يلعبون به، كما يجدون من يلعبون عليه. ولذلك فهنا على أرضنا وقائع ومعطيات جديدة ومفيدة لمن يريد للكلمة مواقف ومواجهات ورسالات مشرفة ، ولمن يريد الحرف هادياً ويريده مشعلاً في ليل بهيم ، وشراعاً في عاصفة هوجاء، وأملاً في دياجير الإحباط والبؤس واليأس، ومحرضاً للإرادات على خلق مناخ يؤدي بالإبداع رسالة، ويؤدي فيه الإبداع رسالة.
qqq
الفصل السادس:
حوار الحضارات وصراع الثقافات
1 - ضرورات الحوار ومناخه
2 - نحو معيار حضاري
3 - حوار الثقافات أم صراعها
4 - اكتشاف الشرق
5 - نحن وَإخوتنا وَالشّرق
6 - سورية الثقافة والحضارة
خاتمة : رؤية مجرحة
1
ضرورات الحوار ومناخه
تتنامى الدعوة إلى تعزيز التضامن العربي، والحاجة إلى العمل العربي المشترك والسوق العربية المشتركة، وضرورة تنسيق الجهود، وحشد الطاقات وتنقية الأجواء، ورص الصفوف، كلما حلت مصيبة وتصاعدت موجة هجوم على الأمة أو على قطر من أقطارها، وكلما ازداد العدو صلفاً وبالغ حماته في ازدراء الإرادة العربية وبعض مواقع القرار؛ ولا تلبث تلك: الدعوة- الموجة- الضرورة، أن تنحسر وتدخل حالة من السبات إلى أن تقع واقعة أخرى فتعيد الحياة للكلام القديم وتضاعف رصيده على الورق.
وعلى الرغم من أننا ذقنا حلاوة التضامن ومردوده لفترة قصيرة من الزمن لم تتجاوز ستة أشهر /أكتوبر 1973- إبريل 1974/ وجنينا ثماراً طيبة منه على هشاشته فإن المآسي لا تعيدنا إلى أحضانه والانهيارات لا تقربنا منه، والتبعية البغيضة المنهكة تزيده عنا بعداً وتزيده فينا هزالاً؛ لقد تناءى عنا في حرب الخليج الثانية على نحو واضح، بوصفنا أمة، وتهاوى بيننا مضرجاً بالجراح في معارك "السلام" فحصد العدو القمح وحصدنا الزؤان، وهاهو يجر أذيال الخيبة بيننا على أعتاب مؤتمر الدوحة وانتهاك الكيان الصهيوني لحرمة القدس، وإقامة التحالف التركي- الإسرائيلي- الأميركي أحزمة الأمن على حساب الأمة وأقطارها ويهدد بالمزيد من التهديد والعدوان.
حتى المظاهر المختزلة، والتجمعات الواعدة، التي تفاءلنا بدور إيجابي لها في مجالات التعاون والتضامن العربيين مثل: مجلس التعاون الخليجي و "إعلان دمشق" لا تكاد تخرج من أزمة أو سبات حتى تدخل في أزمة وسبات، وحين نمعن النظر في الأوضاع العربية الراهنة وفي الوقائع والأسباب والنتائج، نتبيّن، في ضوء ما تبقى في فتيل سراج الوعي والبصيرة، أن السياسة العربية محكومة على نحو ما بمناخ عدم الثقة بين الأنظمة والحكام، وبمصالح قطرية ضيقة تعلو على المصالح العليا للأمة، وباتفاقيات ثنائية وعلاقات دولية وحسابات أمنية وشخصية تجعل كل قطر رهينة على نحو ما، وتجعل كل أمل سفينة مخروقة على نحو ما أيضاً.
بعد حرب الخليج الثانية، وحتى في أثنائها وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الإشتراكية وانتهاء الحرب الباردة والتبشير بعالم جديد وحتى " بنهاية التاريخ"، ارتفعت أصوات تدعو إلى الحوار بين المثقفين وأهل الوعي وممثلي التيارات الفكرية والسياسية الرئيسة في الوطن العربي لاكتشاف المشترك وتعميقه والانطلاق منه، والعمل على أرضية ذلك المشترك وتعزيزه ليتشكل رأي عام ثقافي عربي؛ ومصداقية وتأثير وبعد جماهيري لذلك الرأي يشكل حضوراً في ساحة القرار السياسي العربي وقوة إيجابية تقرّب المسافات بين المتباعدين والمتعادين، وتدفع باتجاه استعادة التضامن والتعاون والمصالح المشتركة العليا؛ وازداد الصوت ارتفاعاً وازدادت الحاجة إلحاحاً بعد مؤتمر مدريد وحرب "السلام" وتهاوي أقطار وسياسات في التطبيع وأشكاله، وفي مناقع اتفاقيات الذل ومستنقعاتها. وكان أن بدأ الحوار بين بعض التيارات الثقافية -السياسية، الفكرية والتنظيمية، في الوطن العربي، وأخص بالإشارة ما جرى ويجري بين التيارين القومي والإسلامي من حوار ومراجعة واكتشاف لمواقع اللقاء ومواطن الخلاف؛ وتم لقاء بعض أولئك في وطن المقاومة ومصهرها، وفي حال من الإنهاك والتهديد والوعيد تعرض كل منهم له من الصهيونية والغرب المتصهين يوم علا صوت حاييم هرتزوغ من إسبانيا يطالب باجتثاث الأصولية الإسلامية والأصولية القومية، ويوم قال لسان الغرب والصهيونية معاً: "كما شهد القرن الحالي سقوط الماركسية والشيوعية سوف يشهد القرن القادم سقوط العروبة والإسلام!؟! وياله من تهديد ينطوي على حقد ووقاحة لا حدود لهما!!
وقد أسفر الحوار الذي دار في ندوات ومؤتمرات ولقاءات ومن خلال كتابات ووسائل إعلام، عن إنشاء مؤسسة المؤتمر القومي- الإسلامي التي عقدت دورتين حتى الآن وقطعت شوطاً في بلورة رؤية؛ وقرَّب الحوار بعض اليساريين من حقائق الدين والقومية والوطنية، وجعل بعض " الليبراليين" يكتشفون خطط الغرب واهتماماته الفعلية ورسيس الحقد الصليبي المستمر في معاقل فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية، تنمي حقدها ومصالحها على حساب أمتنا ووجودها وعقيدتها ومصالحها، وتدعم تيار الصهينة وتيار التخريب القيمي والثقافي في وطننا وثقافتنا على أرضية "الواقعية الانهزامية"، و " ثقافة السلام" و " التطبيع والتضبيع".!!.
ولكن معظم شرائح الليبراليين واليساريين بقيت موالية لمشروع وافد، وعصموية متعالية، وإلحادية تتخفى بنوع من العلمانية، وبادعاء يحتكر التقدم ويدين الانتماء والتمسك بالحقوق التاريخية للأمة وبثوابتها، ويزري بمقومات الهوية والأصالة وبقيم العقيدة والتراث في بعض الأحيان.
وانطلاقاً من حقيقة أن الوطن للجميع وأن المستقبل ينتظر الجميع ويستحق أن يساهم في تكوين ألوان طيفه كل قادر على ذلك، وتأكيداً لحاجة الأمة إلى طاقة أبنائها جميعاً وإبداع كل فرد منهم في الأداء على أرضية من احترام حق الاختلاف في إطار المسؤولية والانتماء، وخضوع الأقلية للأكثرية، وتراجع الخطأ لمصلحة الصواب، والعزة بالإثم لسمو من موقع المعتز بنصرة الحق، نقول بضرورة تعزيز مناخ الحوار بين مثقفي الأمة وتياراتها الفكرية والسياسية والتنظيمية على أساس من:
- الحرية المسؤولة عن الأمة في واقعها، وعن المستقبل بكل ما يلقيه علينا من تبعات.
- احترام الآخر وحقه في الاختلاف، على ألا يكون الآخر من خارج التاريخ والجغرافية، منتمياً لمشروع الغير ومخفياً لخناجره تحت الثوب والإبط.
- الاستعداد للانتقال من المواقع إلى حيث يرى الحق والخير وترى مصلحة الأمة. والخروج من حالة التراشق بالكلام والاتهامات من مواقع مسبقة ومتاريس محصنة بعصموية يغذيها الوهم؛ فلا عصموية لبشر من خطأ، ولا احتكار لعلم من فريق دون فريق؛ ولا حاجة لأحد لبطاقة حسن سلوك أو بطاقة "تقدمي" أو "وطني" من أحد.
- الدخول في مناخ الحوار على أرضية الاستعداد لمراجعة الذات والمعطيات والمواقف في ضوء ما يسفر عنه الحوار ويقود إليه الوعي ويوحي به المنطق أو يفرضه.
- الخروج من شرانق التبعية والانهزام والأحكام المسبقة والتعالي، الذي لا يليق بالمناضلين والمؤمنين والعلماء؛ ونبذ صيغ نفي الآخر أو تغييبه، والاتهام الذي لا تسنده وقائع ومسوغات، والاستبعاد المسبق لتيار أو اتجاه إلا بعد ثبوت اليأس منه ومن إمكانية الحوار معه.
فهل نحن فاعلون قبل فوات الأوان، والحاجة تدعو إلى ذلك ومصلحة الأمة تقتضيه وتفرضه؟ إنني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما فيه الخير، إنه على كل شيء قدير(1) .
2
نحو معيار حضاري
إلى أي مدى يمكن لمجتمع ما، في دورة زمنية، أن يحقق تقدماً " حضارياً " متميزاً على أي صعيد، في ظل غياب أو فساد المعايير والقيم وأصول الأحكام ومبادئ الأخلاق والإفلاس الروحي العام؟!
وهل التقدم التقني - أيّ تقدم تقني- هو حضارة أم معطى حضاري من معطياتها بشكل عام ومجرد، أم أنه يكون كذلك بمقدار ما يخدم الرؤية الشاملة لأهداف الحياة ولأهداف الإنسان في الحياة ويحققهما؛ في إطار مفهوم متكامل لهذه الأهداف وغايات الوجود وما وراءه؟!.. سؤال يواجه المرء كلما فكر وتأمل في عالم اليوم، وتواصل مع ما قدمه وما يقدمه للبشرية من معلومات وتقدم تقني وثورة صناعية ومعلوماتية غيرت شكل العلاقات الإنسانية ومحتواها، وجعلت الإنسان أكثر معرفة واطلاعاً على ما يجري في الأرض، وأعمق إدراكاً لبعض قوانين الطبيعة والكون، ولكنه في الوقت ذاته أكثر بؤساً وربما مهدداً أكثر من أي وقت مضى!! وما يرافق ثورة العلم وفورة المعرفة وتطبيقاتهما من مخاطر تحيق بالإنسان وبالحياة على الأرض تجعل من التقدم التقني المذهل سلاحاً ذا حدين فهو من جهة امتلاك لقوة هائلة يتحكم بها الإنسان، ويحقق من خلالها اكتشافات مذهلة وانتصارات مدهشة، وهو من جهة أخرى مصدر خطر وقلق، بل مصدر تهديد بدمار وفناء للحياة وللأحياء على الأرض. فإذا نظرنا إلى ما حققته أبحاث الذرة والهندسة الوراثية وصناعاتهما، أو ما أنجزه الليزر من تقدم، وما وضعه ذلك كله من طاقة تدمير واحتمالات إفناء بحوزة الإنسان، لعشنا الذهول والأرق والرهق، إلى جانب نشوة المعرفة والاعتزاز بالإنسان.
ولا يخفى في عالم اليوم، أن الاستخدام الأكثر للذرة وللطاقة النووية مثلاً هو ليس للأغراض غير السلمية، وأن الطاقة المصنعة لأغراض عسكرية أو شبه عسكرية من ذلك السلاح تكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، الأمر الذي أصبح يؤرق البشرية، ويجعلها تعيش تحت تِأثير كابوس مستمر هو كابوس الخطر النووي والأسلحة الكيمياوية والبيولوجية ذات القوة التدميرية الشاملة .
ويكفي أن نتذكر آخر الحوادث التي أثارت الذعر حادثة تشرنوبل أو الأسلحة الجرثومية المعتمدة على تطوير الجينات مثلاً لندرك مقدار التهديد والخطر، ومقدار الحرمان من الأمن والسعادة الذي يجره ذلك على البشرية، الأمر الذي يطرح قضية ارتباط العلم بالأخلاق، والتقدم التقني بالمفهوم الإنساني وبالمعنى الحضاري، وبمنعكسات التقدم أو الحضارة : / إيجابياً: أمناً وحرية ورفاهاً وإحساساً بالأمن والسعادة/ على الإنسان خلال فترة مد حضاري ما ، وما يتركه ذلك من إيجابيات على التفاعل البناء للإنسان مع الماضي والحاضر، بكل غنى الماضي والحاضر، لتحديد آفاق المستقبل والإقبال على الدخول فيه بطموح وأمان واستمتاع.
وإثارة السؤال تهدف إلى محاولة إثارة موضوع " مكانة الخُلُقي والإنساني في تحديد معيار" الحضاري" من منجزات البشرية: المدينية والتقنية، ومن مقومات السلوك الفردي والجمعي للناس أنى كانوا، وتمثل ذلك السلوك وتمثيله لقيم الحضارة.
لا شك في أن العلم يحمل قيمة خالدة لا يتطرق إليها الشك، ولا جدال في رقي المكانة التي احتلها في عالم اليوم ولدى إنسان العصر؛ ولكن توظيف العلم والأبحاث والمخترعات والإنجازات العلمية: نظرياً وعملياً، لخدمة الإنسان والحياة والمعرفة والحضارة، وجعل ذلك كله ينعكس إيجابياً على حياة الإنسان وكيفية العيش ومستواه، ونوع الأعلى والأمثل فيه، وعلى بقاء النوع وسلامة البيئة و الطبيعة والعلاقات الناظمة للكون، بما لا يؤثر على ديمومة البحث والاكتشاف والتطور من جهة والحياة والأمان والسعادة من جهة أخرى، هو ما ينبغي أن يدخل معيار قيمة، أو قيمة معيارية، لتحديد ما هو " حضاري" أو ما هو فعل حضاري يرتبط بالوعي المعرفي وبوعي الإنسان لوجوده وأهداف الوجود ومكانته مما يوجد ومسؤوليته حيال ما يوجد، وينتج عنهما؛ وما هو غير حضاري حتى لو كان إنجازاً علمياً كبيراً، إذا ما وضع في خدمة أهداف ضارة بالإنسان والحياة والحضارة.
ومما يؤسف له أشد الأسف في عالمنا، أن التقدم العلمي والتفوق التقني والتطور المؤهل لعصر ثورة المعلومات والعلوم والهندسة الوراثية، لم يوضع في إطار يحقق ما يمكن أن نسميه " تقدماً حضارياً" حقيقياً بالمعنى الإنساني والخُلُقي.
ففي هذا العصر حيث يموت الملايين جوعاً وتُهدَّد البشرية بكاملها، وتفترس أمراض كثيرة جماعات من البشر، ولا يتحقق للأطفال أمن من جوع وخوف ؛ في هذا العصر تصرف ملايين الدولارات في كل دقيقة لأغراض الحرب والدمار وعسكرة الفضاء، وتخرب البيئة؛ ويتم اغتيال حقوق الإنسان وحريته وتستخدم سلعة وتوظف لخدمة المصالح؛ ويسحق الضعفاء والفقراء ، ويفترس القوي الضعيف، وتموت الروح بموت القيمة والأخلاق والنزوع الإنساني، لترتفع معطيات أخرى هجينة وسقيمة، رغم الضجيج الضخم الذي يحيط بها فكرياً وإعلامياً، تلك التي لم تعطِ الإنسان أدنى درجة من درجات الكرامة في عالمه، وخربت روحه وتاجرت بكل شيء فيه وحولته هو وحقوقه وحرياته وثقافته وعقائده إلى سلعة في السوق الرَّبوي المتضخم ، ولاحقته بالرعب والأرق فلا هو آمن من جوع وخوف ولا هو قادر على أن يأكل ليعيش وليحقق في العيش أهدافاً وغايات تنقذ الروح والحياة دنيا وآخرة؛ بل حولته إلى ما يشبه بهيمة الأرض ، إلى كائن يعيش ليأكل ، إلى مجرد معدة، تغذي نوعاً من الرّوبوت الذي يزرع الرعب أينما حل، ليحمي نفسه من الرعب الذي يلاحقه؛ ذلك أن معيار الحضارة الإنساني وانعكاسها الذي ينبغي أن يكون كذلك قد غابا أو غيبا في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا حضارة ومنظومات القيم والعقائد سلعاً ووسائل تكتيكية لخدمة التضخم المالي والهيمنة الاستعمارية، التي تتقن استخدام السلاح لإخضاع الإنسان وتهديده وتجريده من هويته وتميزه وفرادته.
وكل تقدم في المعيار الُخُلقي والحضاري السليم الذي يخدم الإنسان والحياة يكثفه محمد بن عبد الله عليه السلام حين لخص رسالته بقوله " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، فجعل لكل شيء يعيش له وعليه من علم وعمل في خدمة هذا الهدف النبيل؛ وقد بدأ رسالته بـ " إقرأ " مفتاح المعرفة، وهو يوظفها للمحافظة على سلامة الحياة وتوازنها، لأن الإنقاذ والبقاء والصلاح يكون بذلك؛ ولا يقبل فصلاً بين القول والفعل، الشعار والممارسة فـ " الدين المعاملة " .
3
حوار الثقافات أم صراعها
الحوار بين الثقافات لا ينقطع ، وينبغي له ألا ينقطع ، لأنه كتيارات الماء والريح توفر للأجواء النقاء بالحركة ، وتحقق التفاعل بالتداخل ، وتكسب الوجود تنوعا وغنى ، والحوار يجعل الثقافة تفيض جدة وتجدداً ، ويسبغ على الحياة لوناً من المتعة ، ويعطي كل ما حوله جرعة من الأمل ودفقة من الحيوية.
وحوار الثقافات يؤدي إلى تواصل وتفاهم أفضل بين الشعوب ، إذ تفضي المعرفة المتبادلة إلى تعارف أعمق وأشمل يزيل ما يعلق بالأذهان من أوهام وما يتكوّن في النفوس من ضغائن ينميها التباعد ، ويؤسس الحوار للصداقة ويزيل بؤر التوتر والعداوة ، التي غالباً ما يغذيها الجهل والذاكرة العامرة بترسبات الأفكار السلبية عن الآخرين ، وبأحداث التاريخ المثقل بالخصومات وتراكم مخلفاته والمواجهات التي يحفظ تفاصيلها ؛ وطالما قدمت المعرفة المشوهة عن شعب أو ثقافة أو شخص رصيداً لسوء الفهم والشك والخوف والحقد ، وأسست بالتالي للبغضاء والعداوة والحرب .
إن مراجعة بسيطة مثلاً لصورة الإسلام التي رسمها له رجال الدين المسيحي في العصور الوسطى وقدموها للشعوب الأوربية ، على أرضية من الجهل به وبرسالته ورسوله ، ومن التحامل الواضح عليه وعلى معتنقيه والطمع بأرضهم وخيراتهم والرغبة في قهرهم ، تبين لنا كم أسس الجهل للحرب والحقد ، وكم استفاد المستغلون والمغامرون من انقطاع جسور التواصل بين الشعوب ومن غياب الحوار البناء بينها ، وكم أثّر ضمور الوعي المعرفي سلبياً على حياة الناس وعلاقاتهم .
أخلص من ذلك إلى أن الحوار بين الشعوب والثقافات ضرورة حياتية وعلمية وإنسانية ، لأنه ينمي وعي الإنسان بمقومات الحياة وقيمها ، ويعمق المعرفة بالآخر الشريك في الظرف والمصير الإنسانيين ، ويقيم أسس التقدم الحضاري للبشرية ويزيده عمقاً واتساعاً، ويقرّب الصلات بين الجماعات والأفراد ، ويزيل كثيراً من الأوهام والأمراض والمخاوف ، ويمكّن من تبادل المصالح والمعارف بين الأمم والدول والأشخاص على أرضية من الثقة والاحترام المتبادلين ، ويشكّل الأرض المشتركة التي يقف عليها بنو البشر جميعاً بأمان ، ويستشرفون منها مستقبلهم ويصوغونه باطمئنان .
ومن القضايا التي أراها ملحة أكثر من سواها لتكون موضوعاً للحوار بين ممثلي الثقافات في عصرنا أذكر :
ـ الخلافات بين الأديان والمعتقدات والشرائع والمذاهب ، وصولاً إلى معرفة معمقة بالحدود التي يقيمها كل منها ، وبنقاط الالتقاء والافتراق وبالحقوق التي يرتبها كل منها للفرد والواجبات التي يفرضها عليه ، تجاه الحياة والآخر فيها ، وتحديد مكانة الشخص / ذكراً أم أنثى، صغيراً أم كبيراً / في الأسرة والمجتمع والدولة ، ومعرفة ما له وما عليه ، حسب نصوصها الأصلية وروح تلك النصوص ، لمعرفة ما يفرق الناس وما يجمعهم ، بكل دقة وعمق ووضوح.
ـ استمرار الاستعمار الحديث ، المباشر وغير المباشر ، مهيمناً على سياسات دول ومكوّناً لاستراتيجياتها البعيدة ، الذي تشكو منه كثير من البلدان والشعوب ، وما يتصل بذلك أو ينتج عنه من تبعيّة واستغلال ونهب لثروات الأمم ، الأمر الذي يترتب عليه تفشي الفقر والجهل والمرض في كثير من البلدان ، وبقاء قطاعات بشرية كبيرة خارج حدود المعرفة والحرية والسعادة والشراكة الفعلية في الحضارة والتقدم والعيش الكريم، وهو ما يشكل حقولاً خصبة ينمو فيها العنف والتعصب والحقد وربما الإرهاب ، على أرضية الحرمان والجهل والشعور بالامتهان واستمرار العدوان ؛ ويقود كل ذلك إلى عدم الاستقرار والتطرف والمناداة بالحلول الدموية ، داخل حدود الدول وخارج تلك الحدود ، وهذا يثير الأحقاد ويكوّن بؤر الحروب ؛ ويقتضي الحوار حول ذلك ، بالضرورة ، تحديد مفاهيم ومصطلحات ، بموضوعية ودقة علمية، بعيداً عن تأثير القوة وهيمنتها وإيحاءاتها ، وفي ضوء الشرائع والتشريعات والقانون الدولي والمنطق الذي يرسخه العقل وتمليه المسؤولية ويرسخه الحوار وينضجه، مثل مفاهيم الإرهاب ، والمقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال والاستعمار وأشكال القمع والقهر المنظمين ، والأصولية باختلاف مفاهيمها ومرجعياتها الدلالية والتاريخية في ثقافات الشعوب ، لاسيما عند الغربيين والمسلمين ـ إذ هناك اختلاف جوهري لا يراعيه الإعلام الذي يروّج مفاهيم الغرب عن ذلك المصطلح في العالم ، ويحمل معطياته التاريخية الغربية ودلالاته على الآخرين دون تمييز ـ وغير ذلك من المفاهيم والمصطلحات المتداولة في الثقافة والسياسة والإعلام في عالمنا اليوم .
ـ عملية المثاقفة السليمة بين الأمم والشعوب ، بعيداً عن أشكال الغزو والتخريب الثقافيين ، وعن التعصب والانحياز الأعمى ، على أرضية من الاحترام والثقة وتوافر الحد الأدنى من الإمكانيات والموضوعية والديمقراطية الفعلية الصحيحة ، وبعيدا عما تفرضه القوة المهيمنة ـ وحيدة الطرف أو متعددة الأطراف ـ أو تحدثه في مجالات السلم أوفي مجالات الحرب ، من خلل في مناخ الحوار ، وما تضفيه على الثقافات والشخصيات ، وبالتالي على الشعوب والدول ، من صفات وظلال تقود إلى كثير من الغبن والخطأ والضلال.
ـ التنمية الاقتصادية في البلدان التي تعاني من الدخل المتدني ، ومن كثافة سكانية كبيرة تترافق ونسبة مواليد عالية ، وما ينتج عن ذلك من مشكلات لا تنحصر، ولا يمكن أن تنحصر ، في نطاق جغرافي ضيّق ؛ واستمرار الدول المتقدمة صناعياً ، والمسكونة ، تاريخياً ، بالرغبة في استغلال الآخرين ومحو قسمات وجوههم وخصوصياتهم الثقافية والقومية والحضارية وفرض الهيمنة عليهم ، استمرارها بممارسة النهب والتضييق ومصادرة القرار أو السيطرة عليه ، وإقامة أنواع من الحصار على الآخرين ، وتعميق سياسات الإلحاق والتبعية وازدواجية المكاييل التي تعاني منها تلك المجتمعات والدول .
ـ المصادرة الكلية لحق بعض الدول في امتلاك العلم والتقنية المتطورة وتحويل ذلك إلى مقومات قوة تمتلكها لتدافع بها عن أرضها وشعبها وثقافتها ومصالحها وحقها في الوجود ، دون تهديد للآخرين أو عدوان عليهم ، ودون خضوع لعدوان الآخرين واستغلالهم وقهرهم ؛ إن حق الإنسان في تطوير قدراته وملكاته وأدواته وطاقاته في كل مجال من مجالات العلم والعمل والحياة هو حق مشروع وينبغي احترامه وصيانته وتمكينه من ممارسته بحرية تامة دون إيذاء للغير ، وكذلك حق الدول والشعوب والأمم ، فلماذا يكون لدول عدوانية ، تحتل أرض الغير بالقوة وتطردهم منها وتشردهم في الأرض ، مثل " إسرائيل " ، لماذا يكون لها حق امتلاك السلاح النووي وأسلحة التدمير الشامل الأخرى وحق تطويرها ، بمساعدة وتغطية شاملتين من الغرب ، ولا يحق لسواها من المكتوين بعدوانها واحتلالها وعنصريتها البغيضة حق امتلاك الأسلحة التقليدية للدفاع عن أنفسهم وحقوقهم؟ ولماذا يفرض على دول العالم، بأشكال ووسائل مختلفة ، الانضمام إلى المعاهدة التي تمنع انتشار السلاح النووي ، وتفرض مراقبة على من يمتلك ذلك السلاح، وتوضع " إسرائيل " خارج نطاق تلك المعاهدة وخارج حدود المراقبة ، ويُحمى إصرارها على موقفها ذاك ، بل يدعم موقفها واقتصادها وقدراتها من أجل الوصول إلى المزيد من الإنجازات النووية والأعمال العدوانية؟
ـ قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان ، وحماية الأفراد والأسر والمجتمعات من التفتيت والتخريب والانحلال ، وكذلك حماية القيم والتقاليد الإيجابية والخصوصيات الإثنية التي تحقق الغنى الحضاري من خلال التنوع .
أمّا أطراف الحوار في تلك الموضوعات ، وسواها مما لم أشر إليه ، فهم:
ـ رجال الدين والمثقفون ثقافة دينية وقانونية كافية من ممثلي الديانات والثقافات المختلفة في العالم ، ومن يهتم اهتماماً كبيراً بهذه الموضوعات وبنتائج الحوار فيها وبانعكاسات ذلك على الحياة والناس .
ـ المفكرون والكتاب والأدباء والشعراء والفنانون والإعلاميون ممن يشكلون الوجدان والرأي ويساهمون في تشكيل الرؤى المستقبلية ، ويمثلون الثقافات الرئيسة والمؤثرة في العالم ، مع عدم إغفال حق مشاركة ممثلي الثقافات الأخرى جميعاً في مراحل من الحوار ، وأرى التركيز على ممثلي الثقافة الأوربية كطرف رئيس مع ممثلي الثقافات الأخرى لاسيما العربية ، لأن الثقافة الأوربية شكّلت وتشكّل مركزيّة ذات تأثير على الآخرين ، منذ عصور الاستعمار المباشر حتى الآن ـ مع خليط من مشاعر الدونية والانبهار لدى بعض المستعمَرين أو الذين كانوا مستعمَرين ـ ويترافق ذلك مع إحساس بالفوقية والتفوق من ممثلي تلك الثقافة ، ينتج عنهما ما يشبه العزوف عما لدى الآخرين من ثقافة وإبداع ، وشيء من الاستخفاف في النظرة للشعوب الأخرى وثقافاتها ومعتقداتها وتقاليدها وقضياها ، مع ما يرتبه ذلك التعامل من جهل بما لدى الآخرين أو تجاهل له لا يلبث أن يؤدي إلى تكوين المواقف والأفكار على أساس من الخطأ والظلم المتعالي، والاستلاب " المشرعن" .
ـ الساسة ورجال الاقتصاد والقانون ، والمسؤولون عن التنظيمات المهنية والسياسية التي تقود المجتمعات وتؤثر فيها ، وتصنع القرارات وتساهم في وضع السياسات ، سواء كانوا سلطة أو معارضة .
ـ الحكومات والمنظمات الدولية المعنية .
ولا يعني شمول المسؤولية والشراكة في الحوار هنا تضييعاً للموضع بتوسيعه وتعميمه ، بل يعني الأخذ بالاختيارات النوعية التي تغطي جوانبه المختلفة ، والتركيز على أولويات حسب برنامج تستدعيه القضايا الأكثر سخونة وإلحاحاً .
وأرى أن الثقافة الغربية ، والأوربية منها على وجه التحديد ، مدعوة إلى القيام بمبادرات نوعية في هذا المجال لما لها من قدرة وتأثير من جهة ولما يُتوقّع منها من عدم اهتمام كاف بالموضوع من جهة أخرى نظراً لمواقفها المسبقة من ثقافات الآخرين . وليس وهما محاولات الغرب المستمرة لفرض وصايته وهيمنته على ثقافات الغير ونهبه لكنوزها وتشويهه لتاريخها وتنكره لعطاءاتها الكبيرة لفترات طويلة من الزمن ؛ فكثير من سبق العرب والمسلمين ـ على سبيل المثال ـ في مجالات علمية ومعرفية أهمله الغرب ونسب الفضل لنفسه ولمن أخذ علوم العرب ونسبها لنفسه من أبنائه، وقد بدأت مسيرة الإنصاف من بعض علماء الغرب تشق طريقها وطريق الناس إلى الحقيقة منذ بعض الوقت .
أمّا نظرة الغرب للعرب والمسلمين ، المشوبة بالتعصب المغطى بقشور " موضوعية وحضارية " ، والمكشوفة في عدائيتها " وازدرائها في بعض الحالات فلا يمكن تجاهلها ولا تجاهل تأثيرها السلبي على الحوار معه أو على جديته في ذلك الحوار الحوار . وليس ذلك ضرب من الأوهام أو التخرُّصات أو الشكوك ؛ فما يوجه للعرب والمسلمين يومياً من اتهامات واستفزازات لا يمكن القفز فوقه ـ نقول هذا لنتبنى الحوار ونُقبل عليه بواقعية ومعرفة واضحتين ـ فهاهو الرئيس الأمير كي الأسبق ريتشارد نكسون يقول بعبارة واضحة وصريحة : " يميل كثير من الأميركيين إلى تصور المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين ، غير النظيفين ، وغير العقلانيين ، وعلى الغالب لا يلفت انتباهنا فيهم سوى أن بعض زعمائهم لهم الحظ السعيد في أنهم يحكمون أقاليم تحتوي في باطن أرضها على ثلثي الاحتياطات المؤكدة من النفط في العالم . " ويتابع قوله " ليس هنالك من شعب ، حتى ولا الصين الشعبية ، له صورة سلبية في ضمير الأميركيين بالقدر الذي للعالم الإسلامي . " وعندما وقع انفجار أوكلاهما سارعت أجهزة الإعلام الأميركية والصهيونية إلى اتهام العرب والمسلمين جرياً على العادة ، وكلما حدث عمل إرهابي في مكان ما من العالم سارع الغرب وإعلامه وسياسيوه إلى توجيه أصابع الاتهام إلى العرب أو المسلمين ، وكل ما يقوم به المقاومون العرب ضد الاحتلال الصهيوني هو بنظر الغرب إرهاب وتخريب وليس دفاعاً مشروعاً ضد الاحتلال وذوداً عن النفس والحق والوطن .
ونحن نعرف جيداً نظرة اليمين الأوربي لنا ، ممثلاً بهنري لوبين ، كما نتذكر جيداً ما فصّله في هذا المجال رئيس تحرير جريدة لوموند الفرنسية ومن نحا ذلك المنحى من سياسيين ومثقفين غربيين وأتباع لهم مسحوقين تحت " ظلالهم العالية " ، ولاسيما بعد نهاية حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة ، إذ ارتفعت في الغرب أصوات الباحثين عن شيطان جديد ، وأعداء جدد يوجهون إليهم قواهم وصواريخهم العابرة للقارات ، وقاموا بنبش الحقد القديم المستديم فاختاروا العالم الإسلامي والإسلام عدواً ، وحملت أغلفة بعض المجلات تصريحات تحريضية كذلك الذي كان لإدوارد جيريجيان على غلاف " الأيكونمست " ، وكتلك المقولات التي كان أبرزها " أنه كما شهد القرن الحالي ـ العشرون ـ انهيار الماركسية والشيوعية سيشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام " ، وكتلك الصرخة الشامتة المتباهية بقوتها وغطرستها التي أطلقها ساسة غربيون وصهاينة أعداء تلك التي تقول " وداعاً للقومية العربية ، وداعاً للوحدة العربية " هذا عدا سيل تحريضٍ وافتراءاتٍ صهيونية يومية ، ضد دول عربية وإسلامية ، يأخذ منحى التعميم على العرب والمسلمين ، يتهمهم بالإرهاب والتعصب وغير ذلك من الاتهامات التي تغذي الحقد عليهم وتستنفر الرأي العام العالمي ضدهم .
إن كل هذا يجعل الحوار الذي لابد منه ، صعباً ومحفوفاً بالشكوك ، ويجعل من يخوضونه ويتصدون لمشكلاته ، مثقلين بالقيود والأحكام والمواقف المسبقة ، يتحركون في مناخ موبوء يحتاج إلى تنقية من كثير من الشوائب والعَكر الغليظ .
فهل يملك الناس الشجاعة وتتسع أمامهم نوافذ الأمل لخوض معترك الحوار الثقافي بنجاح ، في الوضع الراهن ، مع أصدقاء وأصدقاء محتملين ، ومع مَن تقوم بينهم علاقات طبيعية ، ومصالح مشتركة على أرضية الثقة والاحترام المتبادل ، وليس مع عنصريين ومحتلّين لأرض الغير بالقوة ، وذابحين للأسرى والمصلين والأطفال ، ومشردين للشعوب من أوطانها شأن الصهاينة العنصريين آمل ذلك من كل قلبي، وقد تفتح أمامي منافذ مشجعة جراء مبادرات محمودة تقتضي الأمانة الإشارة إليها ، مثل تلك التي يقوم بها علماء ومثقفون شجعان في الغرب وبعض المسؤولين ،إذ يسعون إلى تحقيق شيء من الإنصاف والتعامل بموضوعية واحترام مع الثقافات والشعوب ، وقد كان للثقافة العربية ـ الإسلامية وللعرب والمسلمين ، نصيب من تلك اللفتات الطيبة المشجعة التي لجمت فيض الحقد وتصعد مد الاتهام العشوائي ، تأتي على رأسها محاضرة ولي عهد بريطانيا عن الإسلام ، وتروي كلنتون في بداية أحداث أوكلاهما ، وبعض جهود ناشئة لسياسيين ومفكرين غربيين مما يستحق الأمر معه ركوب المركب الصعب لخير البشرية والحضارة ومستقبل الأجيال القادمة(2) .
4
اكتشاف الشرق
من يمعن النظر في اهتماماتنا الثقافية العربية وشواغلنا يجد أن جل اهتمامنا ينصرف إلى الغرب منذ عقود بل منذ قرون من الزمن، فنحن نعيش تبعية لـه أو نقاوم تلك التبعية، وننظر إليه بانبهار وإعجاب واستغراب، أو نتحصن من تأثير ذلك فيما تبقى حياً فينا من مقومات شخصيتنا الثقافية وتطلعاتنا القومية وقيمنا الإسلامية؛ ولا أدري لماذا ننظر دائماً إلى حيث تغرب الشمس وننسى مواطن شروقها وما يشمله ذلك الشروق وما يعنيه وما يوحي به؛ ولماذا نعطي ظهورنا للشرق الذي ننتسب إليه ونفاخر بقيمه وقدمه وعراقته وغناه الحضاري والروحي !!
وعندما يصبح العالم، بفضل التقدم الهائل لوسائل الاتصال الحديثة في عصر تطور العلم والمعلوماتية، عندما يصبح العالم طبقاً حياً متسعاً تكاد تدركه البصائر وتراه الأبصار، يواجهنا، أكثر من أي وقت مضى، السؤال الدفين أو نواجه أنفسنا به : ماذا عن الشرق، ولماذا لا يشد اهتمامنا بالقدر اللائق والكافي ونحن منه وفيه ؟! لماذا لا يسترعي انتباهنا ما فيه من تنوُّع ثقافي وتجارب طويلة وغنية ومفيدة، وما تعرَّض له من مآس وتصدى له من تحديات وواجهه من محن وامتحانات ؟ لماذا لا يكون تحت الأضواء، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، بالنسبة لأبنائه والباحثين عن مخارج لما يعانون من مشكلات وأزمات فيه، ممن ينتمون إليه ويعيشون تحت سمائه ويكتوون بنار معاناته ؟ هل هو الجهل أم اليأس أم الطمع أم الخوف ؟! وإذا كان ذلك كذلك فلماذا تكتفي الضحية بأن تنظر بعيون دامعة إلى الجلاد وسوطه وسكينه، ولا ترفع عينيها عنه وعن أدوات التعذيب التي يشهرها ؟! هل هو الطمع في الرحمة والعفو، أم تراه الخوف الذي يقطع الأنفاس ويشل التفكير !؟ وهل صحيح أن الشرق لن يقدم ما يفيد وما ينقذ وما يُشْرِع أبواب الأمل أمام من يفتشون عن الأمل والإنقاذ ؟ وهل لا يجمعنا بالشرق ومن فيه إلا الهم والغم حتى الآن، تصديقاً لقول أمير الشعراء: كلنا في الهم شرق ؟!
لا أشك مطلقاً في أن الغرب خطف الأضواء والألباب قرون عدّة، ولا أنسى أنه حكم البلاد والعباد في الشرق من اليابان إلى شرقي المتوسط وما زال له الكثير من النفوذ فيه وفي سواه من بقاع هذا العالم؛ ولا يغيب عن ذاكرتي أن الغرب شكل وما زال يشكل، منذ ثلاثة قرون على الأقل، القوة العلمية والتقنية والعسكرية والإعلامية المرعبة، وأنه يتوارث إمبراطورياته، التي تكاد تغطي العالم، حرباً بعد حرب وتحولاً في القدرة والقوة بعد تحوُّل، ولكن في الشرق ما يستحق الاهتمام والدراسة، علمياً وتقنياً وسياسياً واجتماعياً، وفيه أيضاً ما يستدعي التأمل واستخلاص العبر، فلماذا نبقى يا ترى رهن محبسي الشعوب الفقيرة : الاستعمار والجهل ؟! من المؤكد أن ذلك ليس قدراً وإنما هو غياب للقدرة من كل نوع.
في الشرق الكثافة البشرية المذهلة التي تحل مشاكلها الكبيرة وتنظم حياتها إلى حد مقبول، فتجربة الصين الشعبية ممتلئة بالدروس والعبر، وهي دولة متقدمة في مجالات تقنية كثيرة، وتعالج مشكلات سدس سكان الكرة الأرضية تقريباً. وفي الشرق اليابان : المنتصرة رغم الهزيمة والمتفوقة رغم الضغوط والمزاحمة، وفيه النمور الأربعة، والتجربة الكورية، والملحمة الفيتنامية؛ فيه الهند وباكستان وإندونيسيا بما تحققه كل منها من تقدم في بعض المجالات وما تملكه من قدرات خاصة، وفيه تركيا و بلدان آسيا الوسطى والوطن العربي، وفيه البترول والممرات المائية الحيوية، وفيه.. وفيه.. وفيه.. !! فلماذا ندير ظهورنا إليه حتى معرفياً ؟ ولماذا نتجاهل ما فيه رغم حاجتنا للمعرفة وللمادة ورغم كمون إمكانات كبيرة فينا وفيه، قد تغنينا وتغنيه؛ أو قد تخفف عنا وعنه ما نعانيه جميعاً من مَلِكِ الظلم ومالك القهر وسيد الرعب : غرب الاستعمار والاستغلال والحروب الكونية والمادية الطاغية على كل ما سواها ؟!
وإذا رغبنا عن صلات ببعض بلدان الشرق قد لا تغني ولا تنقذ ولا تفيد، فما الذي يجعلنا راغبين عن معرفة إخواننا في العقيدة وتوائمنا في الثقافة والحضارة من مسلمي الشرق ؟! لماذا لا نكاد نعرف شيئاً عن بعضنا بعضاً، مع أن واجبنا والاستهداف المشترك المركز علينا يقتضيان شيئاً من التواصل والمعرفة والتنسيق والتعاون لحماية ما تمكن حمايته من المشترك المهدد والمستهدف، بشرياً وجغرافياً وثقافياً وروحياً وعَقَدِياً واقتصادياً، في آن معاً من قبل الغرب الاستعماري ؟ ! هل يمنعنا من ذلك استعداد نفسي واجتماعي وروحي لتقبل الظلم والاضطهاد والعذاب والسكوت على ذلك والاستسلام له، وتاريخنا وعقيدتنا يحثان على نبذ ذلك والتعلق بكل ما سواه ؟! أم هي القابلية للاستعمار التي سبق وعبر عنها المرحوم مالك بن نبي، وقد نمت وتطورت وتعمقت ؟! أم ترانا نخاف من أن يضبطنا الوصاة الغربيون متلبِّسين بالاتصال بأخوتنا في العالم الإسلامي وفي الشرق الفسيح، فتذهب بهم الظنون كل مذهب، ويصلون إلى الحد الذي يستبيحون معه أوطاننا ودماءنا وأرزاقنا وبلداننا من جديد ؟! وهل تراهم لا يفعلون ذلك الآن بأشكال متعدِّدة !؟ وما دام الموت واحداً مهما تعددت الأسباب، والقهر يطحننا بسبب الاستعمار من كل باب، فلم الخوف ومن أي شيء لا نعيشه ولا نراه، وانتظاراً لأي تغيير في نفوس طغاة جشعين لا يتغيرون إلا بتغير الآخر من ضحية إلى نِدٍّ، ومن مستسلمٍ إلى مقاوم، ومن ذليل خانع بجهله اللهَ وحدودَه وفروضَه وفيوضَه إلى كريم خاشع معرفة لله وقوة بالله وفضلاً من الله.
أياً كانت الأسباب والعوائق والمخاوف التي حالت دون تواصلنا البنَّاء وتفاعلنا الخلاَّق مع الشرق، فإنني أرى أننا تأخرنا كثيراً في الالتفات بجدية واحترام إلى شعوب الشرق وثقافاته، وأنه آن لنا أن نعيد استكشافه؛ لأغراض معرفية خالصة من جهة، ولصلات وانتماء وأهداف يجب ألا يقطعها الخوف أو الخبل أو الاستغراق في حضن التبعية، أو استمتاع بمازوشية تتملك بعض العرب حيال الغرب، من جهة أخرى.
ولا أريد أن يفهم من دعوتي هذه، على الإطلاق، أنها دعوة ضد الغرب أو لإحداث قطيعة معه، ولا أنها دعوة للانغلاق على الذات، فذلك أبعد ما يكون عن بغيتي وعن توجهي وتفكيري، فأنا من القائلين بالمثاقفة في شروطها الصحية ودائرتها الواسعة وعلى أسسها المكينة القائمة على الحرية والوعي والثقة بالذات، إن دعوتي تتجه حقيقة إلى نشدان عمق المعرفة وغناها وشمولها، وإلى الرغبة في الخلاص من كل أشكال التبعية للغرب وأنواعها، تلك التي تستمر وتتضخَّم عندنا بأشكال مختلفة، وتحجب عنا رؤية الآخر ورؤيتنا الموضوعية للآخر وحتى رؤية الآخر لنا، كما تشوه الرؤية الشمولية وتلك التي عبَّرت عنها بالدائرية، إن صح تعبيري؛ إنها دعوة لاكتشاف الآخر القريب، ومن تجمعنا بهم، أكثر من سواهم، وحدة الثقافة والعقيدة والمعاناة والمصير، هي دعوة لاكتشاف الشرق الذي لا يكل الغرب عن تجديد اكتشافه والتعمق في ذلك الاكتشاف، ليوظف المعرفة العميقة في خدمة مصالحه الحيوية ومشاريعه الاقتصادية والاستعمارية. فهل يحرَّم علينا أو نحرم على أنفسنا المعرفة ومحاولة استخدامها بحصافة ووعي للدفاع عن الذات ولتعميق المعرفة بالذات؟! وهل يحرَّم علينا أو نحرم على أنفسنا اكتشاف الذات من خلال اكتشاف الآخر الذي تتعمق باكتشافه معرفتُنا لذواتنا، وتنجلي بذلك بعض ملامح مستقبلنا باتساع رؤيتنا ونضجها وشمولها ؟! إن السؤال مطروح على الذات العربية أولاً وعلى الآخر الشريك في شرط الشرق ومستقبله ومصيره ثانياً، وعلى جميع الشركاء في الشرط الإنساني والمصير الإنساني على أرض البشر ثالثاً وأخيراً(3) .
5
نحن وَ إخوتنا وَالشّرق
لفت انتباهي ما أشار إليه الدكتور عبد العزيز كامل في حديث له مع أحد كبار المسؤولين المسلمين في الشرق الأقصى، حيث قال له ذلك المسؤول:
"عند استقلالنا نظرنا إليكم، فوجدناكم تنظرون إلى غيرنا في الغرب، فاضطررنا إلى أن ننظر إلى غيركم. وعندما نظرتم إلينا، كانت أنظارنا هناك. وقد آن الأوان أن ينظر بعضنا إلى بعض" وربما لخّص هذا علاقة عامة بين الأمة العربية من جهة، وبقية البلدان الإسلامية من جهة أخرى في جميع المجالات وعلى الصعد كافة. ولكن التدقيق في العلاقات الثقافية يكشف عن صورة أشد قتامة، ويضع المهتمين والمعنيين أمام وضع يستدعي التفكير والتدبر والمعالجة.
إذ أنه في الوقت الذي تستند فيه الثقافة العربية-الإسلامية إلى قاعدة عقيدية مشتركة بين العرب والمسلمين، قوية ووطيدة، هي الإسلام، وتنهل قيمها من مصدر رئيس فيها هو القرآن، وتستمد تلك القيم والأفكار والتعاليم من حمولة اللغة العربية التي تنهض بذلك بكل اعتزاز وجدارة، نجد أن التواصل والتفاعل الثقافيين بين العرب والمسلمين محدودان ويكادان يكونان معدومين، ونلمس ذلك أكثر ما نلمسه في مجال الأدب بوجه عام.
فلمعظم الأقطار علاقات موصولة، بل وراسخة، مع بلدان أوربا وأميركا وحتى مع اليابان والصين، ولكن ليس لهذه البلدان علاقات مماثلة مع باكستان وبنغلادش وإندونيسيا وماليزيا وتركيا والهند والفلبين من دول آسيا، وليس لها علاقات بالدول الإسلامية في أفريقيا أيضاً.
ونلاحظ أنه حتى لو قامت بعض العلاقات التجارية والسياسية، فإن العلاقات الثقافية تبقى محدودة أو معدومة. وكأنما هناك شبه اقتناع بتنفيذ ما غرسه الاستعمار وأسس له ونما وجوده في بعض النفوس، من إحداث قطيعة بين العرب والمسلمين، والوصول إلى ضرب عرب بمسلمين، ومسلمين بعرب كلما لاحت الفرصة، وليست حرب العراق وإيران ببعيدة عنا، ولا نتائجها بخافية علينا، ولا أغراض الاستعمار والصهيونية وأعوانهما الرامية إلى وضع العروبة في مقابل الإسلام لأضعافهما معاً، بغائبة عن الموقفين وصادقي الانتماء للأرض والتاريخ والحضارة والعقيدة في وطن العروبة والإسلام. فالعمل المنظم والحثيث لتفتيت الأرضية الثقافية المشتركة وإضعافها، من أجل التأسيس لإحداث فراغ ثقافي يملأ بالثقافة الغازية التي أعدت لها العناصر البشرية القادرة على القيام بتلك المهام، سواء من المستشرقين بانتماءاتهم أو من تلامذتهم من ذوي الولاء التام للثقافة الأوربية، غربية كانت أم شرقية، ذلك العمل كان ومازال مستمراً.
ومنذ بدأت حركة تقهقر مد اللغة العربية والثقافة العربية في القرن الثامن عشر وبلغت تلك الحركة أوجهاً في النصف الأول من القرن العشرين، بنبذ كثير من الدول الإسلامية للحرف العربي في الكتابة، وولادة دعوات استعمارية، حملها عملاء وتلامذة للاستعمار، ومبهورون بقوته ونفوذه، متمثلون وممتثلون لسيادته وسطوته، دعوات لنبذ اللغة العربية الفصحى، والكتابة بالعاميات واعتماد الحرف اللاتيني في الكتابة، أقول منذ ذلك الوقت، والوطن العربي منصرف إلى ثقافة الغرب، متتبع لها مأخوذ بها، ومقلد، في أكثر الأحيان، لمذاهبها ومدارسها وأساليبها وأعلامها، ومستهلك للغث والثمين من إنتاجها. وهو، إبّان ذلك وبتأثير منه، يتناءى عن تراثه وتاريخه العظيمين، وعن واقعه ومحيطه وبيئته الحضارية الغنية، وعن صلاته ومجالات تفاعله المثمر، مع التربة الشاسعة التي تشكل عمقه الاستراتيجي في المجال الثقافي، إن صح التعبير، أعني العمق الاجتماعي والسكاني للمسلمين. وهو في تنائيه ذاك كان مسبباً لضعف قوة تأثيره في مناخه الثقافي الإنساني، ولانصراف الشعوب الإسلامية إلى التعلق بثقافة الاستعمار، وأيديولوجيا القحط الروحي والإفلاس الفكري، التي ذرت قرنها في أرجاء عالمنا لفترة من زمن، وألحقت خراباً بالقيم والعقائد والنفوس والعقول، الأمر الذي انعكس سلبياً على ثقافتنا العربية ومداراتها الواسعة، وعلى أولئك الذين كانوا يسهمون على مدى التاريخ في غنى هذه الثقافة، والذين مازالوا إمكانية رائعة وأكثر من محتملة، لإغنائها. وكأن ثقافتنا العربية التي حققت بالإسلام وله "انتصاراته الباهرة من خلال ثورة ثقافية أعطت هدفاً جديداً للحياة، وأعطت حياة جديدة للكتل البشرية التي كانت تسكن الإمبراطوريات المضمحلة، ذلك الوقت- وقت انتشاره" كما يقول روجيه غارودي، كأن تلك الثقافة تنازلت عن دورها، وارتاحت من "عناء" المجد لفترة طالت، وجرّت على العرب وثقافتهم والمتعلقين بتلك الثقافة تخلفاً وتمزقاً وضبابية رأي ورؤية.
وإذا نظرنا اليوم إلى علاقاتنا الثقافية بوجه عام، وإلى الأدب والإبداع من مجالات تلك الثقافة بوجه خاص، والتمسنا نوعا من التواصل وظلالاً من التفاعل، هالنا أضمحلال ذلك وضموره، ولأدركنا كم نحن مقصرين بحق أخوتنا وأنفسنا، وبحق أدبنا وإبداعنا وثقافتنا، ولوقفنا أمام ما يفرضه علينا ذلك التقصير، وعلى ما يفرضه الوضع المتآكل الذي ينطوي على خلل كبير، من ضرورة إجراء مراجعة وتصحيح مسارات عمل وتوجه، واستدراك لما يمكن استدراكه في مجال التواصل والتفاعل الثقافيين بين العرب والمسلمين من غير العرب.
يقول شاعر الباكستان العظيم محمد إقبال "ليس للمسلم وطن غير الإسلام" وليس الإسلام تضاريس أرض بعينها، بوهادها وسهولها وأنهارها، وإنما هو وطن الروح والقيم والثقافة، ولن يكون ذلك على خير وجه وخير تجل له إلا في اللغة العربية، حيث تتحقق إمكانات "المواطنة" في تجليات إبداعها وإخلاصها وإتقان أدائها لمهامها ومعانيها ورسالتها. وإذا استطاع أبناء العربية على وجه التخصيص، أن يستعيدوا لأنفسهم وبأنفسهم، زمام المبادرة لتأخذ لغتهم وبالتالي ثقافتهم مكانتها وتثبت حضورها وتمارس فعاليتها في الأوساط التي تتعلق بها وتتطلع إلى التواصل معها، فإنهم يهيئون بذلك مناخاً جديداً للإبداع في الثقافة العربية-الإسلامية، ولن يكون ذلك دون ردم هوة تقوم بينهم وبين أبناء عقيدتهم، تتمثل في هذا الانقطاع المخيف في التبادل الثقافي وغياب أي شكل من أشكال التنسيق والتعاون والتعارف الثنائي بطرقه المختلفة.
ونحن حين نصل ولو متأخرين نسبياً إلى هذا الميدان نشعر بأن إمكانية تلافي التقصير موجودة نظراً لأن الطريق الطويلة تبدأ بخطوة. لا نزعم حين نتفاعل مع أدب إسلامي ونتدمه أننا جلونا صورة الساحة الأدبية هناك، وقدمنا ما ينبغي أن نقدمه منها وعنها، ولا ندعي أن إمكانات الاختيار كانت واسعة لدينا، فالتواصل الضعيف ترك أمامنا فرصاً ضيقة. ولكننا نؤكد أن رغبتنا كبيرة ومستمرة في مد جسور اتصال، سواء أكان ذلك عن طريق الترجمة، أو تبادل الوفود وإقامة علاقات مباشرة لنتعرف على ما يجري هنا وهناك، ولنقوم بواجبنا تجاه قرائنا لنعرفهم على مجالات إبداع أدبي يهمهم أن يتعرفوا عليها.
ونجد أن من الطبيعي جداً والمنطقي أيضاً أن نلتفت التفاتة خاصة إلى الشرق الذي طال انصرافنا عنه وانصرافه عنا، جراء عملية الاستقطاب الثقافي، أو قال الغزو الثقافي، فترة الاستعمار المباشر أو تلك التي تلتها، على هذه المناطق من العالم. وأنه من الطبيعي والمنطقي أن يكون تواصلنا مع ثقافة تجمعنا بها أصول مشتركة، متيناً إلى حد كبير، وأن يقوم ذلك التواصل على أسس ثابتة، وأن يتم في الاتجاهين معاً، بين العربية وأبنائها من جهة، وبين لغات تلك البلدان وأبنائها من جهة أخرى.
ونجد أن هذا التوجه يفرض علينا أن نهيء عناصر بشرية متمكنة من اللغات التي يكتب بها الأدب في البلدان والمناطق الإقليمية المقصودة حتى نتخلص من الترجمة عن لغة وسيطة، يحجبنا التعامل معها ومن خلالها، عن كثير من الإبداع الأدبي من جهة وعن التفاعل مع نصوص ولغة تعبير أصيلة تحمل حرارة الواقع وروح المبدع وتكون أكثر تعبيراً عن شخصية الأديب والمفكر وأسلوب كل كاتب وشخصه من جهة أخرى، أن جهداً خاصاً ومتميزاً لابد أن تبذله الجهات المعنية والمسؤولة عن التبادل الثقافي بين بلداننا وثقافاتنا، وهذا الجهد ينبغي أن ينصب بالدرجة الأولى على تكوين القدرات البشرية المتمكنة من التعامل بوعي واقتدار مع معطيات تلك المناطق، لاسيما مع اللغة، ومطلعة على الثقافة، ومتخصصة في مجالات أدبية بعينها، لتكون قادرة على إقامة جسور تواصل حقيقية بين المبدعين وتيارات الإبداع، بين المفكرين ومدارس الفكر ومذاهبه، فضلاً عن مسؤولية الجهات المعنية عن القيام بتمتين الروابط وعقد اتفاقيات التعاون والتبادل الثقافيين على المستوى الثنائي من جهة، وعلى المدى الإقليمي، والعربي الإسلامي العام من جهة أخرى.
ونحن نعرف جيداً أن شيئاً من هذا الجهد يقع على منظمة التربية والثقافة "أسيسكو" التي تعمل في إطار المؤتمر الإسلامي، ولكن جهودها المشكورة لا يمكن أن تكون شاملة لجميع المجالات، ولا يمكن أن تكون بديلة للجهد الذي تقع مسؤولية بذله على عاتق كل بلد وكل مجموعة عمل معنية في مجال اهتمامها واختصاصها.
ومن هذا المنطلق فإننا نجد الفرصة سانحة لنعرب عن استعدادنا للقيام بكل ما يمكن القيام به من تعاون وتبادل ثقافيين في مجالات الأدب وميادين الإبداع الفكري مع أخوتنا في البلدان الإسلامية، ونعتقد أن الفائدة ستكون كبيرة جداً يوم نقدم لأدبائنا وكتابنا ولقرائنا أيضاً مادة ثقافية وأدبية من أفريقيا وآسيا بالدرجة الأولى، ومن قارات الأرض كلها بشكل عام، تقوم على أرضية فكرية مشتركة، وتنطلق من قيم ومعايير واحدة، أو متقاربة.
إن فرصة نادرة للإطلاع على تجليات التفاعل الثقافي وتجسداته، وعلى الإبداع الذي يحمل خصوصيات الناس وخلاصات معاناتهم وتعايشهم في بيئات وظروف حياة ومناخات مختلفة، وهم ينظرون إلى الدنيا والكون والموت وما بعد الموت، وإلى علاقات الإنسان بالإنسان وبالوجود والموجودات، من منظور عقيدي واحد، أقول: إن فرصة نادرة سوف تتاح لنا ولثقافتنا ومثقفينا، وكذلك للثقافات والمثقفين الذين نتواصل ونتفاعل معهم، فرصة نمارس خلالها فعل المثاقفة بإبداع، ونغني إبداعنا بالتواصل بين آدابنا ومبدعينا على مستوى واسع، وبتعمق كبير، إذا ما تم ذلك بصورة مناسبة.
إن ما يعرضه علينا المفكر والفيلسوف الشاعر محمد إقبال في بحثه، من فكر ورأي، وما يفنده من مزاعم وآراء لمفكرين غربيين حالوا أن تلحق أبحاثهم تشويها بثقافتنا وعقيدتنا، أو أن يفرضوا، في أحسن الأحوال، فهماً قاصراً ومُشوهاً عليهما، إن ذلك يبين إلى أي حد هو قريب منا ومتمثل لحالات التصدي والمواجهة، ولمناخ التحدي الذي مازالت تخوضه الثقافة العربية-الإسلامية ويخوض غماره مثقفوها، ويرينا أيضاً إلى أي حد يمكن أن يغني معرفتنا ويعزز مواقفنا إسهام المفكرين الذين تجمعنا معهم أرضية مشتركة، عالم الفكر والثقافة والإبداع في هذه المساحة من حضارة العالم عبر امتداد الزمان والمكان. وإن وقفة على الأبحاث المتعلقة بالشعر وألوانه وأصوله واهتماماته وعروضه، وكذلك على الأعلام الكبار في ميادين معرفية وإبداعية مختلفة، في جنوب شرق آسيا كفيل بجعلنا نشعر بأولئك الذين ننبت وإياهم على ساق معرفية وثقافية واحدة، كما تجعلنا نعرف شيئاً عن تاريخنا الثقافي وامتداداته وتفاعلات الشرق معنا وتفاعلاتنا معه في إطار من الأفكار والقيم الروحية والعرفانيات والإشراقات التي تحمل خصائص الشرق والإسلام والعروبة، من وجهة نظر بعض التيارات الفلسفية والفقهية والمعرفية في هذا العالم الغني.
وحين نقرأ نماذج من الشعر النضالي لغازي نظر الإسلام الشاعر المتمرد والثائر ضد الاستعمار والبؤس وأنواع القهر، مواطن طاغور ونظيره. أو حين نقرأ لفيض أحمد فيض -ويعرفه قراء العربية أكثر بفايز أحمد فايز خطأ- ونقف على نماذج من شعره بالأوردية ونلمس احترامه لأصالة الشعر في تلك البقاع التي تستمد نسغها في الموسيقا والبعد الروحي من شعرنا العربي أو تنهل وإياه من تربة واحدة، أقول حين نقف على نماذج من شعره مترجمة، وهو الذي قضى عمره يكافح مع الطبقات الفقيرة ولأجلها وصولاً إلى تجديد روح الحياة، ووجه الباكستان، وحين نمعن النظر في تدفق نهر الألم والغربة في شرايينه وهو ساكن صابر مكابر يردد:
"الليل شديد العتمة
ولكن من عتمته تلك
يظهر جدول من الدم
هو صوتي
ويلمع في ظلاله المد الذهبي
الذي هو رؤياك."
"فجر الموجوعين والمصابين
لم يعد في السماء
هنا أفق الفجر الشفاف
حيث نكون أنا وأنت."
أقول حين نقرأ شعراً لمبدعين كبيرين أمثال نظر الإسلام وفيض أحمد فيض، أو نطلع على النماذج المتاحة، نجد أن هناك إمكانية حقيقية لمثاقفة بناءة ونماذج من العطاء، لا تنمو ظلالها في خطوط متوازية لا تلتقي، بل أن أشعتها التي تنير مقطعاً ضخماً من أرض البشر، تنطلق من مركز واحد، وتتلاقى في مصاب قيم وإبداع تتقاطع وتتكامل. أسماء عديدة قدمها الكم المترجم المتواضع في مجال الشعر، وما قدمه لها كان قليلاً جداً، ويكاد أكثرها لا يعرف على الإطلاق من قبل قراء العربية عدا "فيض أحمد فيض" نسبياً.
وأسماء أخرى في مجال القصة القصيرة، قدمت قصصها نماذج من البنية الفنية، والانشغالات والاهتمامات العامة، وبعض جوانب المعاناة، ومناحي التفكير، وما يمكن أن ينم عن مشاعر قطاعات من الناس، وكل ذلك يلقي ضوءاً ضئيلاً، حيياً وخجولاً، على عطاء جم وتجارب كثيرة ومتنوعة، لمبدعين في مجالات الإنتاج الأدبي والفني في جنوب شرق آسيا، لا نعرف عنهم شيئاً، ولم نتداول من أسمائهم، بله إنتاجهم الأدبي والفني والفكري، سوى اسم أو اثنين أو ثلاثة. فهل حين نعرف كل هذا التقصير، وحين نتعرف على بعض ما في تلك البقاع من إبداع، أقول هل نملك سوى الاعتراف بأن هناك عالماً قريباً جداً منا أدرنا لـه ظهورنا، وأن هناك مسؤولية تجاه ما نمثله وما نحن مسؤولون عنه أمام شعوبنا، وأمام تاريخنا ومستقبل أجيالنا، تلقي ظلالها وأثقالها علينا، الأمر الذي يتطلب منا التفاتاً واعياً إلى ذلك المناخ الجديد الذي كان قريباً منا وبعيداً عنا في آن معاً.
إن هذا الجهد المتواضع جداً الذي نشير إليه فيما ترجم يفتح أمامنا أبواباً كثيرة، لكنها تكشف عن أمرين هامين:
- مدى تقصيرنا في التواصل مع إخوتنا في الشرق عادة وفي الإسلام خاصة، ومدى تغربنا عنهم واغترابنا عن "أنفسنا" وبيئتنا وخصوصيتنا، منذ أن استلبتنا الثقافة الغربية-الاستعمارية، الإمبريالية وغير الإمبريالية.
- ومدى توقنا للتفاعل الخلاق مع محيط ثقافي واجتماعي غني وعريق، يحمل خصوصية وتنوعاً، ويفنى في الاغتراب والغربة من شدة المعاناة، وشدة الرغبة للعيش في أصالته وتربته وبيئته، يستنطقها دروساً ويجسد تواصله معها، ومع الحياة انطلاقاً منها، إبداعاً.
ولا أجد مناصاً من القول بمسؤولية أخوتنا في الشرق، وفي الإسلام أيضاً عن شيء من التقصير حيال ثقافة هي لنا ولهم لحمة وسدى، وحيال عقيدة ولغة عقيدة، هي لنا ولهم أيضاً خير منقذ وخير دارة تواصل ودار إبداع وإشراق، وحرية وانعتاق.
وعلني لا أدعو دعوة ذات صيغة قاصرة أو طبيعة نافرة، إذا أكدت أهمية قول روجيه غارودي ودعوته إذ يقول:
"لقد استطاع الإسلام في صورته الأولى أن يدمج ثقافات جميع الشعوب من بيزنطة إلى اليونان إلى بلاد فارس إلى الهند. وقد تم ذلك بطريقة فيها ابتكار وحسن اختيار، وفي نفس الوقت انتقاد لكل ما لا يتفق مع الإسلام. ولكي يبقى الإسلام حيوياً في هذا القرن لابد أن ينهج نفس النهج، علينا نحن المسلمين أن نقوم بنفس المجهود الابتكاري الذي قام به أجدادنا".
إن غارودي الذي تضلع من ثقافات متنوعة، ونهل من مشارب فكرية متعددة، وقادته بصيرته ومعرفته، كما قاده عقله وعلمه، من المسيحية إلى الإلحاد الشيوعي، ثم إلى نبذ الأيدولوجيا واعتناق الإسلام، إنه يجد نفسه وارثاً منا، ووارثاً مثلنا، لثقافة قادرة على تجديد الحياة واستعادة الحيوية لثقافات عالم اليوم، إذا ما أتيح لها جهد ابتكاري يوظف على منهج واضح، وهدي قويم، وهدف معلوم، تَمَكَّن الذين ساروا قديماً على مثله أن يغنوا ثقافتهم ويدخلوا حيوية وازدهاراً إلى ثقافة البشرية كلها، في إطار من الاحترام التام للآخر بكل ما يمثله، وانتقاد موضوعي لكل ما يتعارض مع المفاهيم والأصول والقيم والمعتقدات التي تنبع منها تلك الثقافة العربية-الإسلامية وما تمثله وتدافع عنه.
ولا أقل من أن ينطبق هذا على الكتاب ورجال الأدب فيما يعنيهم من أمور المثاقفة والإطلاع في حدود خصائص الأدب ومقوماته وقيم بنائه ومعايير تقويمه وارتقائه، فليس المقصود ولا المطلوب أن يصبحوا دعاة أو أن يسيروا في طريق الدعاة على الإطلاق، وإنما المقصود أن يتعمق كل منهم في معرفة ما حوله والمعطيات الإبداعية والفكرية القريبة منه والمرتبطة على نحو ما بهويته وخصوصيته ومناخه الحيوي، ليكون أكثر ثراء وأكثر معرفة بأوجه الغنى والتنوع في الثقافة الإنسانية وهو يتابع مسيرة التقدم والمثاقفة والتواصل المعرفي مع الآخر، ويستشرف لنفسه ولأمته ولإبداع أمته، آفاق المستقبل. ويبحث عن الهوية والأصالة والتأصيل، ذلك الذي يثبت وجوده وخصائصه وحضوره بينما يخوض بعقل مفتوح ووعي وبصيرة، خضم الصيرورة مدى حياة الفرد والجيل، ومدى حيوية الثقافة والأدب على مر الزمن.
وبعد فهل تراني، فيما ذكرته ودعوت إليه، جاوزت ما دعا إليه ذلك المسؤول المسلم من الشرق الأقصى الذي أشرت إلى قوله في مطلع كلمتي هذه؟!
وهل هناك مخرج مما نحن فيه، لاسيما بعد أن تراجعت السياسة عن خلافاتها وحروبها الساخنة والباردة في ساحات أوربا وأميركا، وأخلت الميدان للثقافة والإبداع والفكر في ظل السلام والتعاون، هل هناك من مخرج نحو النور سوى أن نتعارف ونتعاون ونجد ونبدع في إثبات الوجود لإعلاء شأن الإنسان والحضارة؟! وهل هناك ما يمنعنا من أن يلتفت بعضنا إلى بعض، وأن يغني كل منا مسيرة الآخر؟!.
إنني أقول بوضوح إن الغرب يتفق على ما فيه مصالح الغرب، وللغرب ثقافة وشخصية وحضور ومناخ، يمتد فيه ويتفاعل معه ويكون فاعلاً فيه. ولنا نحن في الشرق عامة، وفي العالم الإسلامي الذي تكون الثقافة العربية نواته وجوهر ثقافته، لنا شخصية متماسكة وخصوصية وحضور ومناخ يمتد فيه عطاؤنا وينهل منه إبداعنا، ويتمثل طعماً ولوناً وتكوناً وتكويناً، في إنتاجنا، ولا حرج علينا، ونحن ننشد أن نكون حملة لخصوصيتنا وثقافتنا وهويتنا، في أن نتفاعل مع الثقافات الأخرى من موقع مشترك مع أولئك الذين يكونون جزءاً من شخصيتنا الثقافية، وأن نسهم معاً في ازدهار الحضارة وبناء عالم الغد لكل البشر، بثقة وأمن وشراكة تامة في ظل العدل والتآخي والسلام.
إن الغرب قد لا يسمح للآخرين بالنمو الحر المتمايز السليم، قياساً على تجارب سابقة وطويلة معه، وإذا كان ذلك كذلك، فهو يعزز الدعوة لأن يكون لنا حضورنا الثقافي وحيويتنا وتماسكنا وتواصلنا الفعال، الذي يمكننا من الثبات والمواجهة والتحدي المبدع في ساح المثاقفة البناءة، والدفاع عن الوجود المتمثل في حضور الشخصية الثقافية وتماسكها، بكل مقوماتها الرئيسة، ومنها اللغة والدين.
* * *
6
سورية الثقافة والحضارة
لسورية دور ملحوظ في تكوين الهوية الثقافية العربية وفي المحافظة عليها، وجذر الثقافة العربية في سورية أقدم بكثير مما يُقدَّم إلينا ونحفظه ونحافظ عليه باعتزاز، وأبعد من المعطيات الثقافية التي تبدأ التأريخ للثقافة العربية من المرحلة الجاهلية صاعدة إلى ما طرأ وتطور وتركَّز ونما بعد ذلك في ظل الإسلام، عبر عصوره المختلفة؛ فسورية ليست هي التي قدمت للعالم فقط أولى خطوات حضارة المجتمعات الزراعية ـ في سهل نطوف قرب أريحا في الألف العاشر قبل الميلاد ـ والكتابة المسمارية مع شقيقها العراق، في مرحلة الحضارتين السومرية والأكادية، اللتين نشأتا من عناق العرب الآموريين ـ الغربيين ـ مع الفرات والعرب الشرقيين، ومن جمعهم ساحل المتوسط إلى عمق النهرين، وتواصلهم مع الثقافة النامية هناك منذ الألف الخامس قبل الميلاد، بل هي التي تفخر بأنها قدمت للبشرية أول أبجدية في التاريخ من خلال حضارة أوغاريت ـ 1400 / 1200 قبل الميلاد، وهي حضارة الفينيقيين وهم من الكنعانيين ـ وبأنها ليست ملتقى حضارات الشرق والغرب ـ بل هي مهد تلك الحضارات، والموقع الذي شهد نموَّها المعتدَّ به والموثَّق علمياً.
ولم تكن سورية، في تاريخها الممتد عبر الزمن، تستعير هويتها من الثقافات التي تتواصل وتتفاعل معها، بل كانت تغني تلك الحضارات وتغتني بها، وتخوض معها مثاقفة واعية لأهدافها وأغراضها، بثقة واقتدار.
فالشخصية الثقافية العربية لم توجد أو تتكوَّن في هذا البلد العريق مع مجيء الغساسنة إليه من اليمن، بعد انهيار سد مأرب وتوطّنهم في حوران، وإقامتهم لمملكتهم العريقة المتحالفة مع الرومان والمتصارعة مع اخوتهم المناذرة الذين كانوا يحالفون الفرس، وإنما كانت تلك الشخصية هنا في هذه الأرض مع ما كوَّن سورية ومن كوَّنها، قبل مرور الفراعنة والفرس واليونانيين والرومان بهذه الربوع، وقبل اليهودية والمسيحية بآلاف السنين.
في دمشق توجد معطيات الحضارة والثقافة العربيتين قبل المرحلة الكنعانية، التي عمَّت السواحل الشامية بقرون؛ وفي القدس توجد قلعة اليبوسيين العرب ـ نسل الكنعانيين الأوائل ـ قبل مجيء موسى واليهودية بمئات السنين؛ وحضارتا ايبلا وماري تعودان بنضجهما وعطائهما إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وفي ايبلا أقدم مكتبة منظمة في التاريخ، كان لنصوصها الموروثة تأثير وحضور في التوراة، التي أثرت بدرجات متفاوتة على ثقافة الغرب.
وأينما توجه الإنسان وبحث يجد ما يشير إلى حضور متطوِّر للإنسان والحضارة في هذا البلد الذي عُرف بسورية الطبيعية ثم بلاد الشام، قبل أن يقسِّمه الاستعمار الأوربي الحديث ـ الفرنسي والإنكليزي ـ إلى أربع دول بموجب معاهدة سايكس ـ بيكو / 1916/ وقبل أن يدخل ذلك التقسيم حيِّز التنفيذ بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وسقوط السلطنة العثمانية، وخضوع البلاد للاستعمار المباشر، استعمار فرنسا وبريطانيا، الذي كرَّس التقسيم والجغرافيا السياسية التي نشهدها اليوم، وتدافع عنها الأنظمة القطرية بحماسة كبيرة.
في سورية يمكن تلمُّس مقومات الهوية الثقافية العربية الإسلامية منذ انتشار الإسلام في هذه الربوع، ولكن معطيات تلك الهوية ومقوماتها جاءت تثبيتاً وتعزيزاً وتطويراً كبيراً لجذر الثقافة العربية وجوهرها القديمين، ذاك الذي بُنيَ على وثنية أولى سبقت إبراهيم الخليل ـ حوالي 1850 / 1900ق. م ـ ووجدت في ظله أولى أساطير الخلق ـ إينوما ايلش Enuma Elish ـ* وأولى الشرائع البشرية الوضعية ـ شريعة حمورابي ـ والميثولوجيا، والآلهة المتعددة الصفات والوظائف؛ ثم مرَّ مع تدرج ملامح الهوية ومقوماتها برحلة ذلك الموحد الأول في التاريخ وتجربته الفذة، إبراهيم الخليل ـ الذي جاء قبل الموحد الفرعوني إخناتون بأربعمئة سنة تقريباً؛ وتلت ذلك العصورُ الوثنية الأحدث عهداً، تلك التي بنيت عند العرب على خلفية عميقة لعقيدة التوحيد، كانت تغلفها وتقنِّعها وتظهَر على حسابها، وثنيةٌ مستوردةٌ على طريقة عمرو بن لحيّ أول من أدخل عبادة الأصنام إلى شبه الجزيرة العربية في فترة متأخرة من الجاهلية الأولى؛ وكانت تلك عقيدة تتخذ من الآلهة المنقولة إلى أرض إبراهيم وإسماعيل، وسائل وزلفى ـ ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار الزمر/ الآية "3"ـ تتقرب بها من الله الواحد الأحد، الذي كان يستقر في الأعماق، ولم تكن القبائل العربية تتهيب، بسبب الإيمان العفوي بوجود الله من أن تأكل أوثانها ـ آلهتها المصنوعة من التمر ـ عندما تجوع، ففي ضميرها وأعماق لا وعيها الجماعي، كانت تعيش، على نحو ما، ملَّةُ إبراهيم حنيفاً مسلماً، وهي الملَّة التي أعادهم إليها الإسلام على يدي رسول الله محمَّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء ذلك بوضوح في القرآن الكريم إذ يقول تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملَّة أبيكم إبراهيم هو الذي سمَّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير. الحج / الآية "78"
فالإسلام الذي جاء بلسان عربي مبين، بوحي نزل على نبي عربي، ردنا إلى ملَّة أبينا إبراهيم الذي بنى وابنُه إسماعيل أول بيت للناس ـ مكة أو بكَّة ـ وأقام من ذريته بواد غير ذي زرع، ودعا الله أن يجعل أفئدة من الناس تهفو إليهم.
والإسلام الذي تجدد وتوسع واستكمل رسالته باستكمال الوحي والسنة المطهرة وبوصية النبي العربي في حَجَّة الوداع، أعاد صوغ الشخصية الثقافية العربية وعزَّز مرتكزاتها وما يقيم قيم الناس وحياتهم وأهدافهم في ظلها، ودعا المسلمين إلى أن ينشروا عقيدتهم في الناس كافة، فهي رسالة للعالمين؛ وحين تشرَّف العرب والعربية بحمل هذه الرسالة التي أقرت بعض ما كان عليه العرب من عادات وعلاقات ومعطى ثقافي وإنساني وحقاني وروحاني لا يتعارض مع الإسلام، حملوا ثقافة تتسامى بالرسالة، ورسالة تعزز الثقافة وتدعو إلى اجتثاث ما ساء أو خبُث أو ضر من سلوك واعتقاد وعمل وعلم ـ فلا بارك الله في علم لا ينفع الناس ـ ومضى أولئك العرب بمقومات تاريخهم وقوميتهم والعقيدة التي تشرفوا بحملها وبالدعوة إليها في مشارق الأرض ومغاربها، مضوا وهم على بينة من أمر في غاية الأهمية بالنسبة لمفهوم الانتماء والانتساب والمكانة، وما يرفع شأن فرد أو أمة أو يخفض من شأنهما؛ وها هي بعض المعايير والأسس والأحكام تؤكد لمن اتبعها أنه لن يضل أبداً ما اتبعها، ولن يقع في التعصب والغلو والمحظور والمحذور، إن هو أجاد الفهم والربط والتنفيذ :
ـ قال الله تعالى : إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون الزخرف ـ الآية : 3
ـ وقال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم
خبير / الحجرات الآية : 13
ـ وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح : [ أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد، ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، العربية لسان، فمن تكلم العربية فهو عربي. ] ومن الواضح هنا أنه يخص المسلمين في تحقق هذه الصفة والمكانة.
وفي هذه المراجع ـ المعايير نقرأ ونستقرئ ما يلي :
* إن الإسلام لم يلغ الانتماء لقبيلة أو لأمة ـ شعب ـ وبالتالي لم ينكر الانتماء القومي أو يتنكَّر له، ولكنه جعله مرجعاً للتعارف والتمايز فقط وليس للتميّز والتعالي والاستكبار، وجعل التقوى هي معيار القيمة وميزان الفضل، وهي التي يكرِّم الله بها عبداً على عبد، ويرفع شخصاً فوق شخص درجة أو درجات. / الآية 13 السابقة من سورة : الحجرات /
* وإن الإسلام، الذي أعلن فضل العربية : اللغة التي نزل بها القرآن، لغة أهل الجنة كما جاء في الحديث الشريف، التي تشكل المقومِّ الثقافي الرئيس لشخصية الرسول العربي ولشخصية أمَّة العرب؛ أعطى شرف الانتماء إلى العروبة من خلال الثقافة وليس من خلال صفاء الدم والعرق والعصبيات القبلية والقومية؛ / الحديث / فمن يتكلم العربية من المسلمين يحمل حملها ويتشرب مضمونها، وهو مضمون في مجمله : عقائدي ـ ثقافي ـ معرفي ـ أخلاقي ـ إنساني عام؛ وكل من يود أن يَحْسُنَ إسلامه من المسلمين يرغب في أن يعرف لغة القرآن، لغة الحديث والفقه والسُّنَّة، وحين يصل المسلم إلى ذلك المستوى من المعرفة يصل إلى درجة التماهي التام مع العربي في المكونات الثقافية والوجدانية العامة، التي تحملها اللغة وتغرسها وتكوِّنها وتنميها، ويصبح هو العربي ثقافة وعقيدة ومعرفة بما تحمل اللغة وما يكوِّن الوجدان والقيم وعناصر الحكمة والحكم والاحتكام في العقيدة الأمة، أو في الثقافة الأمة.
وما هو الانتماء خارج حدود العقيدة واللغة وسلَّم القيم ومبدئيات العدل والحق والإيمان ؟! ومن هم العرب خارج هذا الانتماء، لا سيما وهم أمة كُرِّمَت بالإسلام، أي بعقيدة البشر العالمية: الكلية التسامح، كلية التسامي، كلية الشمول لكل ما جاءت به العقائد السماوية من صحيح الهدي وسليم المبادئ، وهي العقيدة التي تشكل قوام دين المستقبل للناس كافة.
وهذا الربط المحكم بين العروبة والإسلام، بين العربي والمسلم، وبين الثقافة العربية ـ الإسلامية، ومشروعية الانتماء الإنساني العام لقيمها ومقوماتها؛ التي تجسدها العربية، ومفهوم الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قدمه لمن هو العربي، ملغياً بذلك كل صيغة من صيغ التعصب والعنصرية والاستعلاء، هذا الربط جعل من مفهوم سورية العربية ـ المسلمة، للعروبة والإسلام مفهوماً متقدماً متكاملاً مبنياً على ذلك الترابط ونابعاً منه؛ "فالعروبة جسد والإسلام روح "؛ وهل يمكن أن يحيا الجسد بلا روح ؟! وإذا قدر له جدلاً أن عاش من دونها، فمن عساه يكون وماذا يكون ذلك الجسد ؟! هل يكون أكثر من كتلة من اللحم المتراكم يتحرك بلا غايات أو أهداف ؟! وهل بلا روح وهوية وشخصية وأهداف يُعْرَف المرء ويشعر بمعنى للعيش، وبقيمة للحرية والسعادة، أو بأدنى فهم للكون والخلق والخالق ؟! هل يكون أكثر من معدة تُملأ وتُفرغ دون أن تعرف كيف ولماذا ؟! وويل لابن آدم عندما يتحول إلى مجرد معدة.
" العروبة جسد والإسلام روح " عبارة مكثفة تلخص فهماً وموقفاً وفلسفة وتاريخاً ومعطى حضارياً ونضالياً، في سورية الحديثة، كما تشكل منطلق رؤية للثقافة العربية الإسلامية في المشروع القومي والحضاري للأمة العربية، وتقدِّم توجهاً عصرياً لها في نهجها الاستراتيجي القومي، التحرري والتحريري.
وكل عودة واعية للتاريخ القديم، تقدم لنا عمقاً وأبعاداً واستخلاصات تزيد هذه العبارة قوة ومدلولاً واستمراراً، وتُمِدُّها بدفق حيوي بلا حدود؛ فمذ كانت الشام في ظل الإسلام، كانت موقعاً ممتازاً ومتميِّزاً في الحضارة العربية ـ الإسلامية، وحصناً ثقافياً ونضالياً تحتمي الأمة به وتتحصَّن بقوته وبمبدئيته لتستعين بذلك على الشدة وتكشف الغمَّة، ولتمتلك من بعد ناصية أمرها، وقوة تدفع بها عن نفسها غائلة الأيام وعدوان المعتدين.
ففي العصر الراشدي تمت السيطرة على غطرسة بيزنطة بمعركة اليرموك، التي قادت بدورها إلى فتح دمشق وتحرير الشام من حكم الرومان، وفي العصر الأموي بُنِيَت الدولة العربية الإسلامية بالمعنى العميق والدقيق للكلمة، بهوية وشخصية واضحتين، وبتوق للتقدم بأصالة، وانتشر الإسلام في الأرض بما لا نظير لسرعته في التاريخ العربي الإسلامي، ودفعَ العربُ المسلمون البيزنطيين بعيداً، وأزالوا تهديدهم، بل وهددوا حصونهم وتجمعاتهم ووجودهم، وكان ذلك انطلاقاً من الشام ومن وعي ثقافي ـ عقائدي واضح وقوي تلتزم به الشام ويؤسس وجودها وانتماءها.
وفي الحروب الصليبية وحَّد صلاح الدين الأيوبي جند مصر والشام وانطلق لتحرير القدس وسائر الأراضي المحتلة، ودَحَرَ الصليبيين بعيداً، وأعاد تحرير المحتل من الشام؛ وفي العهد العثماني كانت الشام منبر الفصحى وأرض الدفاع عن اللغة العربية والهوية القومية، وحمت شخصيةَ الأمة العربية وانتماء هذه البلاد ووجهها الثقافي، وقاومت التتريك، وقدمت شهداء على هذه الطريق، وتمكَّنت من تحقيق صحوة قومية تنقذ العروبة والإسلام معاً مما خطط له اليهود الدونما بالتعاون مع الاستشراق الاستعماري الغربي، وقوى الغرب المستعمِر المتقدم صناعياً، التي كانت تسيطر عملياً على قرار الباب العالي.
وبعد الحرب العالمية الأولى، وسيطرة الفرنسيين والبريطانيين على بلاد الشام وتقسيمها إلى دول الجغرافيا السياسية التي نعيش في ظلها اليوم، دول معاهدة سايكس ـ بيكو، قاومت سورية كلُّها الاستعمار، والمشروعَ الصهيوني الذي كان يحتضنه الاستعمار ويبشر به ويعمل له، ويهدد بذلك النبض القومي كله والوعي العربي ـ الإسلامي كله بَلْهَ القضية وأبعادها.
واستطاعت سورية أن تنجز استقلالها بعد ربع قرن من الاحتلال الفرنسي البغيض، كانت سنواته ثوراتٍ وكفاحاً مسلحاً ونضالاً مدنياً وشعبياً عاماً، أدت إلى الاستقلال؛ ومنذ عام 1948 وسورية تدافع عن الثوابت والحقوق القومية العربية والإسلامية في فلسطين، ومنها القدس الشريف بما تمثل للثقافتين العربية والإسلامية وللجذر الثقافي والبشري العربيين في هذه المنطقة من معطيات، وتتصدى للمشروع الصهيوني العنصري ـ التوسعي ـ الاستيطاني، وتدعو للوحدة سبيلاً للقوة والتحرير، وإلى مقاومة أشكال النهب والسيطرة والغزو الاستعماري والصهيوني، ثقافياً ـ سياسياً كان ذلك الغزو، أم اقتصادياً واجتماعياً، أم عسكرياً.
وعندما دعت سورية إلى نهضة قومية وحرية شاملة كانت تدرك جيداً أن ذلك أحد أهم مداخل الخلاص القومي، وبداية التأسيس للنهضة العربية الإسلامية؛ وكانت ترى الخطر الذي يحمله المشروع الصهيوني على العروبة والإسلام معاً، ثقافياً وحضارياً، وتدرك أن المشروعين، العربي والصهيوني، متناقضان متناحران، ولا يمكن أن يتعايشا أبداً، بل إن تلاقيهما في هذه الأرض معناه استمرار الصراع والتوتر وأشكال الحروب، وغياب كل ملمح من ملامح السلام والأمن والاستقرار؛ لأنه لا مجال للتعايش بين العنصرية الصهيونية وثقافتها التلمودية ـ الاستعمارية، التي تعيش حالة مزمنة من التزييف والكذب والخداع، وتبيح استعباد الآخرين واستباحة أرضهم ودمائهم وأملاكهم وأعراضهم، وتقول بإبادتهم كلياً، إذا ما وقفوا في وجه مشروعها، الذي يرتدي مسوح " الرب التلمودي "، ويمتح من تبعية اليهود لتعاليم " يهوة " : إله العشيرة والدم والحقد والخراب والإرهاب والموت؛ مشروعها الذي يجسِّد خططها العنصرية الاستعمارية، التي تنفذها بتواطؤ مع الغرب الذي يتأكَّله حقد تاريخي قديم على العروبة والإسلام معاً؛ لا مجال للتعايش بين ذلك المشروع وبين العروبة القائمة على إرث حضاري ـ إنساني عريق، والمستندة إلى تعاليم الإسلام : دين التسامح المتوجِّه إلى البشرية جمعاء، الإسلام الذي لا يرى لعربي فضلاً على أعجمي إلا بالتقوى، والذي يقول : " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ".
فمشروع العرب والمسلمين النهضوي ـ الحضاري ـ الإنساني يتعارض كلياً مع المشروع الصهيوني ـ الغربي العنصري ـ الاستعماري؛ من أجل هذا نرى في سورية ـ على أرضية من الوعي الثقافي، والتجربة، والانتماء الكلي لتاريخ الأمة الذي يولد مستقبلُها في أحضانه، وليس بعيداً عن معطياته وعبره ـ نرى أن التطبيع مع العدو الصهيوني أمر مرفوض كلياً، لا سيما في المجال الثقافي، وأن الصراع، حتى الحسم النهائي للقضية الفلسطينية، هو الذي ينبغي أن يستمر؛ لأنه لا تنازل، من منظور الانتماء والوعي الثقافيين والعقائديين، لا تنازل عن الأرض والحق التاريخي والمقدسات، ولا عن الشخصية الثقافية والخصوصية الحضارية للأمتين العربية والإسلامية، وهو ما يهدده وجود الكيان الصهيوني ومشروعه الاستعماري ـ الاستيطاني؛ ونرى في سورية أن الثقافة هي الحصن الأخير للدفاع عن هذه المبادئ والثوابت والمقومات، ونرفض أن تعترف الثقافة ـ خلاصة الوعي والاعتقاد ـ بالعدو وبحق تاريخي له في أرض العرب والمسلمين؛ وهذا موقف مبدئي ثابت للثقافة العربية ـ الإسلامية في سورية، حتى لو اعترفت الأنظمة العربية جميعاً، بما فيها سورية ـ لا سمح الله ـ بالعدو الصهيوني على الصعيد السياسي، فما يُلزم السياسي لا يُلزم الثقافي بالضرورة، وعلينا في المجال الثقافي أن نبقي الباب مفتوحاً أمام الأجيال القادمة لتقرر مصيرها ومصير القضية المركزية لنضالها في هذا العصر، قضية فلسطين، دون أن نسمح بتكبيلها باتفاقيات مُذِلَّة لها وللتاريخ والأمة.
وعلى هذه الأرضية فإنني أفهم البعث الذي دعا إلى الوحدة والحرية والاشتراكية ـ أو أريد أن أفهمه ـ على أنه بعث لمجد الأمة ومكانتها وقيمها ومفاهيم العدل والكرامة فيها، ذلك المجد وتلك المكانة اللذين لم يكونا متجسدين فعلاً إلا في ظل عصور الإسلام الحق، فهماً واعتناقاً وممارسة، وفي ظل انتشار الثقافة العربية الإسلامية، إذ في ظل ذلك فقط تألَّق وعي الأمة وازدهر تقدمها، في ظل الانتماء الصُّرَاح، وتمثُّل تعاليم الدين الحنيف، الذي أعز العرب ـ " إنما عزَّ العرب بالإسلام " ـ ولا أجد أن سورية العربية بدعوتها القومية، تريد أن تبعث قيم المجتمع الجاهلي وعنجهية أبي جهل ووأد البنات، وبالتالي فهي لا تنفي الإسلام بدعوتها تلك، وإنما هي ترفع أبطال العروبة الذين لم يكن لها مثلهم إلا في الإسلام، وترمي إلى استعادة مجد العرب الذي لم يصلوا إليه يوماً إلا في ظل حملهم لروح الإسلام ورايته، وعملهم بقيمه ومفاهيمه وتعاليمه.
وعلى هذا فالبعث ـ كما أفهمه أو كما أحب أن أفهمه ـ يدعو إلى رسالة خالدة للأمة العربية لم تكن يوماً ـ من وجهة نظري ـ إلا رسالة الإسلام الخالدة وقيمه وتعاليمه الإنسانية ـ الأخلاقية ـ الروحية ـ التوحيدية السامية، التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، وجعلت من هذه الأمة رائداً للعلم والثقافة والفهم والعدل والتسامح، في عصور كانت فيها شعوب العالم ـ لا سيما الأوربية منها ـ ترزح تحت نير الظلم وتعاني من ظلام الجهل. ودعوة البعث إلى نهضة ووحدة وقوة لن تكون ولن تتحقق أبداً إذا ما وضع نفسه خارج الإسلام، أو إذا ما وضع العروبة في مقابل الإسلام، أو قادها إلى أي شكل من أشكال التناحر أو التضاد أو التصادم معه لأنه إن فعل ذلك يضعف كلاً من العروبة والإسلام؛ ولأنه، بكل بساطة، لن يصل إلى أهدافه تلك إلا بالجماهير، والحس العام للجماهير والتوجه العام الذي لها هما حس وتوجُّه قائمان على الإيمان ويستندان بالدرجة الأولى إلى الإسلام، ويمتحان من مناهله وتعاليمه ومفاهيمه، ويرميان إلى تجسيد قيمه وتمثُّل روحه.
ومن هذه الزاوية أريد أن أنظر إلى الدور الذي لعبته وتلعبه سورية المعاصرة في خدمة الثقافة العربية ـ الإسلامية، بالمفهوم العام للثقافة الذي أشرت إليه في مطلع هذا الحديث؛ فسورية التي يقول قائدها حافظ الأسد : " الإسلام هو كفاح لا يعرف التردد ضد الرجعية ضد الاستعمار، وهو وقوف ثابت ومستقر، ونضال دائب وعنيد إلى جانب كل المظلومين، وكل الكادحين، في أمتنا وفي كل مكان على وجه هذه الأرض " / من خطابه في الذكرى 19 لثورة الثامن من آذار 7 ـ 3 ـ 1982 / ويقول أيضاً : " الإسلام دين يدعو إلى المحبة والتسامح وتقدم الشعوب وعدالتها، وكل الذين ينادون بالإسلام أو يفهمون الإسلام على حقيقته سيلتقون معنا وسنلتقي معهم، وسيجدون منا كل دعم، ونحن نلتقي وندعم المسلمين الحقيقيين ضد من يحاول تشويه الإسلام. " / من حديث الرئيس الأسد لمجلة تايم الأميركية في 23 ـ 3 ـ 1984 /
سورية التي تقول هذا بلسان رئيسها لا يمكن أن تكون أبداً في حالة صحية تامة وهي تجمع ازدواجية نظرة وموقف وفهم بالنسبة لموقفها من العروبة والإسلام، وبالنسبة للحضارة التي أنتجها تجليهما فيها على مدى قرون من الزمن .
(1) - 30/10/1997.
(2) - دمشق في 4/ 12 /1995
(3) - دمشق في 25 / 1 / 1996 .
|