|
توقف أنت
توقف.. نعم
توقف، أنت العربي.. أنت المعني بالخطاب، أنت الذي يقرأ هذا الكلام توقف
فالأمر يعنيك تماماً.انظر حولك ودقق مواقع الأشياء والأشخاص، وأعد تقليب
الصفحات التي بين يديك، وعد إلى تفاصيل مرت بك في يومك هذا، تذكر ما قاسيت
وما رأيت وما تتبعت من أخبار، ثم انظر جيداً إلى ما تقع عليه عيناك هنا،
فما هي سوى كلمات.. تنتظم في أسطر ثم في صفحات من الغلاف إلى الغلاف،
تطويها فتموت وتقرؤها فتحيا. توقف وتيقن جيداً من موقفك ومن رغبتك في قراءة
كلام قد لا يفرج كربة، وقد يزيد الكرب.
إن العالم
من حولك ينزف كلمات، حتى لتكاد تغرق في أمواج القول. كل شيء غدا مسيرة
كلامية، من الدواء إلى الغذاء، ومن الحرية إلى التحرير. والدم لا يعني سوى
كلمات، وكل الألم الذي ينحر ألق الروح ويحجب الرؤية، لا يعني لنا سوى سطح
الكلمات، فهل تريد أن تغوص أعمق فأعمق في دوامة الكلام؟!
توقف.. أنا
أكتب لأقول لك احذر، وتوقف قبل أن تقارب الكلام وتقارب إثم مقاربته. ارتح
قليلاً من اللهاث وراء أفكارك (..؟!) بل مشكلاتك وقوت يومك وآلامك، وتمعن
قليلاً في كل ما يجري حولك، قبل أن تقدم على التهام حشف القول (؟!) تبصّر
جيداً ]ألهاكم
التكاثر[
والمقابر ليست تلك التي ترى فيها الأجساد والجثث فقط، وإنما هي أيضاً تلك
التوابيت المتحركة التي تُدفن فيها الأرواح والكرامات والمشاعر والألق
والحس بالانتماء إلى حيوية الحياة ومناخ الواقع المعيش، بكل ما فيه وما
يجري فيه.
توقف.. نعم
توقف وانظر...
جسداً بعد
جسد يتقاطرون هناك كالشهب ليحتضنهم الخلود، إنهم في ظل البؤس المادي
يعيشون، وينيخ عليهم ليل الاستعمار النازي الصهيوني العنصري بكلكله،
فينبثقون من دفق النار والألم والعتمة، نوراً وألقاً وانعتاقاً. وجسداً بعد
جسد نتهاوى هنا، ونتراتب في أنساق سعياً وراء رغيف ذل يوصد عليه مستغل أو
فاسد باباً أو جمعية أو مؤسسة رسمية، أو معملاً أو صيدليةً، ليكون لـه و"لأزلامه"
وأسياده من دون الخلق، وليصبح في يده سوطاً يسوط به الخلق. وهانحن نسعى إلى
حياة تلفظنا لأنها الموت في منظورنا، ولأننا الموت في منظورهم، ترفضنا
لأننا نزيد ركام الموت فيها، ونترك درباً ينادينا، إن انتزعنا فيه الموت
فهو إذن درب الحياة؟!
نعم.... من
حقي أنا ومن حقك أنت ومن حق الآخر، من حقنا أن نعيش، ومن حقي أنا وأنت
والآخر أن نحافظ على منحة الحياة وأن نستمتع بها، ولكن ليس من حقي أنا ولا
من حقك أنت أن نمسخ الحياة، ونحيلها إلى اكتفاء البهيمة بالقوت، ولا من
حقنا أن ندفن أرواحنا وأبناءنا ومبادئنا في المباءات التي نصنعها يومياً،
أو يطلب إلينا أن نخوض فيها يومياً، من أجل أن نعيش... مجرد أن نعيش، وليس
من حقنا أن نئد الروح من أجل أن يسعى الجسد وراء وما يحييه وينعشه، فذلك
ضرب من موت، ووضع العربة أمام الحصان.
توقف.. نعم
أنت المعني توقف.
الرياضيات
في عصر العلم والفضاء هذا غدت مغلوطة تماماً، فواحد وواحد لا يساويان
اثنين، ليس من باب الإيغال في العمق الفلسفي والعلمي لقوانين النسبية
وسواها، بل لمجافاة ذلك لسطح المنطق، والإيغال في منطق التسطيح والتلفيق،
فالحق الذي عرفناه حقاً ومعياراً للممارسة وقيمة لـه حدود موضوعية لا يختلف
عليها عبر التاريخ والجغرافيا، سقط في التفسير الذاتي لمعيار القيمة الفردي
المريض في مناخ مريض، وذلك الذي يُحتك إليه غاب في ظلال الحكم، وسقط من
ينبغي لـه أن يحاسب، سقط أمام محكمة ضميره فأسقط معه موضوع الحساب بالحق،
والحق بالمحاسبة، وجعل من شكليات الحساب دريئة.
مقولة خلف
مقولة تركض في الشارع وتعلن عن ذاتها حتى بلا كلام، تقول: أيها الخائن..
أيها السارق، أيها الظالم.. الفاسد. الجاهل.. الباسط جبهته لحذاء أنيق.. !
أشعل المناخ بنار ما تراه من شروط العيش الملائم لأغراضك قبل أن تُفرض عليك
شروط العيش في مناخ سليم فتقض مضجعك وتلغيك، لا تسمح لأحد بأن يتنفس أو
يتفرغ للتفكير والتأمل والمحاكمة، ولا حتى للفهم، وإياك أن يشبع أحد أو
يطمئن إلى غده. اركض ليركضوا خلفك ثم تقفّاهم بسياطك قبل أن يسوطوك بمنطقهم
ونقائهم، واحذر تماماً من حلبة الصراع التي أنت فيها، فالخصم عنيد وعنيف
ومتعدد الأذرع والوسائل والحيل، وخير سلاح لك ألا تدعه يتمالك نفسه أو يعي
ما يدور حولـه، أجلده بالحاجة حتى يصبح جسداً بلا قوة ورغبة بلا ارتواء،
واستكانة دائمة مقيدة بنزوات ونزعات ورغبات صغيرة.
توقف.. أنت
الذي تقرأ..
فلا رونق
للكلمات، ولا سحر فيها ولا عذوبة، لا موسيقا ولا تأنق ولا تحليق، فالكلمة
مهيضة الجناح، وقنديل الروح يلفظ أنفاسه الأخيرة فما عاد في الفتلة زيت.
الكلمة نسر على سفح ويشده لرماد الأرض جرح، يتدحرج وقد يتمالك نفسه، ولكن
الجناح مطلوب، بسب منك وبسبب من كاتبها كان ذلك، فلا أنت تنهض بها، ولا هو
بمستطيع من دونك، وإذا كنت تريد لـها أن تلهيك أو تنسيك مآسيك، أو تفرغ
شحنة غضبك بتخديرك، فإنك تسهم في حفر قبرها وقبرك، وإذا كنت لا تتواصل مع
ألقها ولذع نارها، ولا تحتضن شحناتها، فأنت تلقيها إلى ريح الغربة في أعتى
عواصف المناخ، وتغلق دونها قبلك وبابك، وتطلب إليها أن تموت أو تضيع أو
يجمدها الزمهرير، أو أن تتوارى بظل قصر أو تحت عباءة أمير، وهي مرغمة إذن
على الموت أياً كان اختيارها إذا اختارت من تلك الاختيارات، لأنها بعيداً
عن قلبك لا تعيش، فهي البذرة وأنت التربة، وبعيداً عن الصدق لا تنفع ولا
تنمو.
توقف..
قلت.. ولا تتوغل في القراءة، فالقراءة عبء في زمن أصبحت فيه دفقة الوعي
إثماً، وممارسةُ الحرية جرماً، والتعبير عن الاستقلالية خروجاً على قطعانية
مطلوبة ومرغوب في انتشارها. فلا تأثم يا صاح.. ولا تقترب من الكلمة بصدق
انتماء، إذا لم تواجه الواقع بصدق، لأن في هذا النوع من الصحبة أرقاًً
وسهراً يتواصلان إلى الفجر، وتحريراً للضمير من ألف نير ونير، بضرب مدى قد
تطال قلبك قبل أن تطال قيده أو من يقيده. لا تقترب من حقل الألغام هذا،
وإلا أصبحت "شهيداً"، وأنت تريد أن تلهث وراء لقمة العيال، وحياة الجسد،
أية حياة للجسد، وتريد أن تطيل أمد خصومتك لرغباتك في مناخ يحط من شأن
الإنسان بإعلاء شأن رغبات لا شأن لـها، ويمسح بك شوارع المدينة قبل أن
يغسلك بدموع الخضوع ويلبسك ثوب الإهانة، ولا يظهرك إلا بالندم والتوبة عن
معاودة التطلع إلى أبعد من أنفك، وعن الاستماع لصوت ضميرك، وبنسيان ما كنت
وما أنت.
توقف.. لا
تقترب من شفرة الكلمة وأتونها.. أغلق هذه الصفحات وأعد النظر فيما أنت فيه،
حتى لا تتهم بالاقتراب من محظورات أو مرتُبات لتبعات، فالإثم الذي تأتيه لن
تبرأ منه أبداً، وسيلاحقك هواجس وتخرصات، وربما قادك إلى الخراب، فتوقف.
أقول لك
الحق: إنك مدعو إلى نبذ ما أنت فيه الآن من تلبس بجارّات لجرائر، ومدعو إلى
طلب العفو وربما الرحمة، ومدعو إلى أن تفتك بـ "إبليس" الكلمة الذي يوسوس
لك ويغريك بما لا ينفعك ولا يرضيك، فمقاربة الكلمة تقرب المهلكات، لأنها
تلقي عليك عبء الحرية، وتواجهك بالمسؤولية" وتضعك في العراء تماماً أمام
نفسك وأمام اختيارك، وتحملك تبعية ما أنت فيه، وتبعة أولئك الذين لا يمكنهم
أن يعرفوا ما تعرف، "وخطية السكران برقبة الصاحي" وإذا أردت أن تكون صاحياً
فأنت اخترت وأنت مسؤول، مسؤول تماماً وعن كل شيء، على الرغم من أنك تساط
ليلاً ونهاراً بسياط الحاجة، وتنبذ في عراء الغربة، وتجرد من كل ما يربطك
بالتراب والتاريخ والتراث المجيد وبمجد القيم، مسؤول وتُحشر في زاوية
المسؤولية "الجرمية" لأنك لا تمارس مسؤولياتك بوعي المواطن، وتسبب كل هذا
البلاء الذي أشرف على أن يصير وباء.
توقف.. أنت
الذي يمرغ أنفه بالكلمات.. لا تذهب أبعد من ذلك، فالكلمة شعاع يتقدم وينثر
النور، ويجعلك ترى وتجوس في أرض الرؤية، ويحملك عبء ما ترى ومسؤوليته..
والكلمة خطاب الأحرار إلى الأحرار، والصمت عن دعوتها نوع من العبودية، أو
إثبات للعبودية وتثبيت لـها. وإذا ما وصلك النداء واخترق أذنيك وجنبيك وسكن
ضميرك، حملك المسؤولية الأخلاقية، لا عن مضمون الدعوة التي يحملها فقط،
وإنما عن الداعية وسلامته وحرية وسيلته أيضاً. فهل لك أن تكون تربة صالحة
للكلمة الطيبة ودرعاً يحميها، ومخصباً ينميها، وريحاً تنشر نارها وتضرمها،
لتحرق الفطر السام، وتشيع الخير والعدل والحرية في الأنام، ويبدد نور
مشكاتها الظلمات عبر الحياة؟!.
إن ذلك أمر
صعب.. فتوقف، وإن وراءك لمسؤولية كبرى جداً "؟!" وهي أن تحيا جسداً بلا
روح!؟! وأن تكد ليلاً ونهاراً لتحقق التكاثر من المهد إلى اللحد، وأن تتلهى
وتخنق صوتاً في الأعماق يناديك، إلى أن يضمك القبر أو يناديك!!
أقول توقف..
لا لأذكرك بأن "أديم الأرض من هذه الأجساد" فالمعري وعى وأسمع، وسطع نجمه
وهدى، وجسد الحكمة وحكّم العقل، بل أقول ذلك لأذكرك حقاً لي ولك وهو: أن
حرية الكاتب رهن بالقارئ وحرية القارئ رهن بالكاتب، فإذا أقدمت فإنك شريك،
وكلانا يتحمل مسؤولية التوغل في عالم تكشف آفاقه الكلمات التي يشكل الوعي
نبضها وحركتها، فإذا قبلت أصبحت وإياك معنيين بما يتناهى إلى وعينا، وبما
يشكل اقتناعاً لدينا، وبما يرتب واجباً علينا، تجاه الناس والوطن والتاريخ،
وتجاه حيوات تتفتق عنها الأرحام، وقلوب تتفتح عنها الأكمام، وعقول تتشقق
عنها الأختام. فإذا قبلت فأنت اخترت، والمرء معني بما اختار وإلا ففارق ما
أنت فيه.
توقف
أرجوك.. إن دمنا يتساكب، ونحن نخوض في سواقيه ونتناحب، وآلامنا تكبر حتى
غدت أكبر من طاقاتنا على الإحساس بها فتجاوزتنا، أتجاوزتها إلى البلادة،
فأين نمضي ونحن محاطون بالدم والدموع والآلام، وإلى أي إنجاز نتوجه، وكل
تحرك بناء يحتاج جهداً مضنياً لإنجازه، وهو ما نملكه ولا ندركه؟!!
دقق أولاً
في معنى أن تقرأ، وفي معنى أن تشارك الكاتب مسؤولية الكلمة وشرفها، فهو لا
يريد لـها أن تذهب غثاء، ولا يريد لـها ذلك إلا من كان هو شيئاً من غثاء.
انظر جيداً في المشروع الذي تقدم عليه، إنك تدخل عالم انتماء من نوع صعب،
وتواجه "لعبة" سيدها الضمير، وأنت معني بسواك وبالعالم من حولك، بدافع وعي
منك والتزم به، وأنت تمنح الكلمات التي تتعامل معها حياة، وبهذا الفعل أنت
مسؤول عن حياة وعن كل ما يصدر عنها ويتصل بها.
من دونك
يبقى توهج الفكر ورؤى البصيرة ودعوات القلب والعقل والضمير مكنوزة في حبر
على ورق، وبك أنت تنتقل من هذا الموت، أو الكمون السلبي، إلى حيوية في
الروح، ونور البصيرة، وعزم في السواعد والإرادات، وتغيير في الحياة، مجرى
ومبنى، ونماء في القيم وتعزيز لمكانتها.
من دونك
تبقى الصفحات مقابر للأفكار والكلمات والكتاب، وتغدو الكتب مخازن لغلال
الروح ولمعرفة لا يُنتفع بها، ولا بارك الله في علم لا ينفع ولا يُنتفع به.
إنك بإقدامك
على القراءة تبعث حياة وطاقة في ذاتك وفي سواك، وتغني الإحساس بالحياة
وتعمق معانيها، وهذا النوع من الحمل يستدعي من الحامل إخلاصاً، للمحمول،
وفناء في رسالته وجلاء لـه وإثراء، فهل أنت من ذلك النوع الذي يحمّل كاهله
مزيداً من الأعباء فوق ما يحمل، وينذر نفسه لنوع من المسؤوليات، لـها بداية
ولكن لا تُعرف لـها نهاية؟!
توقف.. فكر
في كل شيء من هذا أولاً، فقد غدت أكبر آفة من آفات هذا الزمان، أن يمر
الواحد منا بكل شيء، وكأنه لا يمر بشيء، وأن يخوض في الدم وكأنه المنّوم أو
المحمول على بساط من غم، لا يريه بصره ما تطأه قدمه. لقد غدت المرارات
المتتالية أفيوناً، وصار تعاطيها إدماناً، فإذا كنت تُقدم ـ وأنت تقرأ ـ
على أخذ "حقنة" اعتيادية، فتوقف، لأن في ذلك قتلاً لي ولك ولرسالة الكلمة.
أنْ تقرأ
يعني أن تتحمل مسؤولية ما تقرأ وأن تعني لك القراءة كل ما تحمل، وأن تمنح
كيانك لتفاعل ذاك العطاء الحي مع كيانك الحي بما لا يغيب أياً منها، وأن
تراعي هذا التفاعل وتثمّر نتائجه، وأن يدفعك ذلك إلى التفكير والتعبير،
وإلى شيء من الفعل والتدبير، ينجلي تغييراً فيك وفيما حولك، وفي كل ما
يعنيك من شؤون يومك وغدك وماضيك ومستقبلك، ذاك الذي ينجلي في شخصية تتفاعل
وتتماثل وتحاكم، وتعيد شروط العيش والإنتاج والتفاعل، إلى حال من الصلاح
والفعالية ترضي وتمتع تبني وتفيد. فإذا كان ذلك لديك، فلندخل معاً عالم
القراءة، عالم الولادة المتجددة بالقراءة، محكومين بشروطها، وإلا فلا جدوى
من إضاعة الوقت على هذا النحو أو ذاك، ولا من تلمس أجساد الكلمات بأعصاب
العيون وأصابع الظنون.
اقرأ:
مسؤولية، واقرأ: واجب، واقرأ: وعي، وهي أيضاً عقيدة وبصيرة، وانتماء للعصر
والمعرفة والحياة. وينبغي أن تتم باندفاع واقتناع ومحاكمة، ولا فرض فيها
سوى ذاك الذي يفرضه الاختيار الحر، ورقابة الذات على ملكات الذات
وإمكاناتها من أجل توظيفها التوظيف الأمثل، في عملية بناء مستمر للوعي
المعرفي بالذات وبالآخر تمتد من المهد إلى اللحد، وتتوارثها الأجيال، وتحمل
في المورثات البشرية، من نزيل في هذه الدنيا إلى نزيل.
]اقرأ
كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً[
فهل أنت على ثقة من أن الإقدام على هذا الفعل يحاط بكل ما يراد لـه من: حس
مرهف، ووعي مُترف، وإحساس بالمسؤولية شامل وعميق؟! ومن ما يشبه التقديس
لـهذا التواصل الخلاق!؟! لا تحملق في الفراغ ثم تلتهم عيناك الحبر، فلن
تصابا إلا بالعكر، فليست العين هي المعنية في نهاية المطاف، بل هو القلب
الذي به نبصر، وإذا كان مشغولاً فالمشغول لا يُشغل، وما نحن فيه اليوم يريد
قلوباً تبصر، وبصائر تقود، وإرادات تترجم ذلك إلى معايير وقيم وسلوك، إلى
أفعال وممارسات وإنجازات. وليس كل معرفة مصدرها الكتاب، فهناك التجربة
والناس والحياة، وفي الكلمات آيات مكثفات ومركزات من ذلك كله بأسلوب،
والاستفادة من ذلك تتم أيضاً بأسلوب.
توقف.. لا
لتجمد وتتحول إلى كائن ينبذ دعوة الخالق والناس والحياة والعصر والعلم، تلك
المتمثلة بالأمر الساطع "اقرأ" فإنما أردت وأريد أن تدخل هذا الملكوت
باختيار واهتمام واحترام، دخول ثقة واستعداد ليكون الدم مداد ما نكتب،
وليجسّد ذلك حيوية وحياة وحرية وحضارة. وأردت وأريد أن تدخل هذا "الملكوت"
لترى فيه ما ترى بصفاء واجتهاد ووعي ونقاء، ولتقوم بعزل قمحه عن زؤانه،
وبتمييز صدقه من كذبه، فتستاف المسك كله إن وجد، وتملأ رئتيك من عرف ما طاب
من عود، وتتمسك بالنافع، وتسأل في هذا الذي يدعوك إلى صحبة قد تطول وقد
تقصر، عن جدوى، وتنشد لديه الواقع والوقائع وما ينفع الناس ويغذي الروح،
وتطالبه بموقف ورؤية، وبأن يكون مبصراً في درب يريد أن يكون فيها قنديلاً،
لتحمل وإياه ما قد يفيد فيصبح على كاهلين حياة في حياة.
توقف..
يتوغل أحدنا في الآخر، نترافق ونتفاعل، وأنهاك عن المتابعة فتواصل رحلتك،
وأجدني أهرب من أمامك خوفاً عليك.. فهذا المشي يقود إلى الأبواب الضيقة،
وعندما تقف على عتباتها ويتدفق من وهجها شعاع أو بعض شعاع، ينفتح أمامك أفق
الرؤية، وتأخذ بالتدقيق وتجد مداخلها تتسع ومداخل نفسك تضيق، حيث تصبح
عارفاً تسلك إلى الحق والعدل سبلهما وتستعمل وسائلهما، وحين تبدأ الفحص
والتمحيص في دخيلة نفسك وتفاصيل ما حولك على هدي من ذلك، تجد نفسك تأخذ
بخناق نفسك، وتحاسب على النأمة ومثقال الذرة، ولكن في هذا الضيق أو التضييق
ذاته يتسع أمامك عالم اللذة وينفتح عالم القدرة، فتغدو أغنى وأكبر، وتقع
على شاطئ الوهج ذلك الذي ينبعث من أركان موقعك فيبهر ويرهق ويحرق، وقد لا
تطيق أو لا تطيق عليه صبراً، إذ أن قطرة منه تنشر من حولك النور بحراً،
وستجد نفسك محمولاً على لججه، تقتات النور، وتزداد بنظرك قيمة الحياة وقيمة
نفسك، لأن الوقت يصير لديك معبراً لوعي الوجود وترسيخ الخلود، وتكتشف أن
دقائق الزمن وثوانيه فرص متاحة للبناء والعطاء والنشوة، والإرادة مفتاح
أبواب الممكن... وكل ما يحلم به الإنسان يغدو حقلاً للممكن ترتاده الإرادة
وتحيله غرساً من ثماره السعادة.
ولكن.. احذر
فالكلمة تفتح باب الخيال، وحين يلوكها ذاك الذي يقبل عليها، قد تدخله عالم
الأحلام والأوهام، وأحلام عوالمها جميلة وممتعة وطويلة، ونحن لا نريد أن
نلغي جمال عوالمها ولذات مقارفتها، ولكننا لا نريد أيضاً أن تكون مغذية
للوهم وصانعة لـه. فكل قول لا ينبت في أرض الواقع ولا يسقى من ماء
المعاناة، ولا يتوجه إلى الإنسان في حياته وشؤونه وشجونه، يصبح عبئاً في
حالات كثيرة، ونحن أحوج ما نكون إلى كلمة تعزق النفس والروح، وتترقرق في
سواقي الخلايا، لتحيي موات الجسم والروح، ولتكسب إرادة الحياة توقاً وعملاً
وتصميماً على الخوض في وحل الدروب ونار الواقع، بهدف تنقية معايير السالكين
من الشوك والجمر، ليكون للحياة طعمها اللذيذ، وللأيام عمرها المحسوس،
وليشعر الكائن بأنه لا يمضي فوق أديم الأرض عبثاً، ولا يسعى في مناكبها
دونما غاية، وإنه لم يخلق هملاً، وكان من الخير لـه لو لم يخلق!؟!
إن الكلمة
تحمل تبصرة وتذكرة، وأنت تتوغل في عالمها فتصبح المبصر المذكّر، وهي تقودك
في مسالكها لتريك وتغريك وتذيقك لذة لم تكن تدركها، وعندما تضعك على معرفة
بذلك، تميز بحس متفوق: الخير من الشر والصحيح من الخطأ، والحق من الباطل،
وعند ذلك لا يمكنك أن تكون "شيطاناً أخرس" يسكت عن الحق، عند ذلك ستصدع بما
تعرف، وتجاهر بما تدرك، وستعمل ليكون ما تراه لائقاً بالإنسان والوطن
والحضارة، واقعاً، وهذا يجعلك تفتح باب صراع يؤذيك وقد لا تطيق عليه صبراً،
وربما لا تتمكن من العودة إلى الشط الذي منه بدأت، لأن "وسواس" المعرفة لن
يكف عن الاختلاج في كيانك، ولا يكف كيانك من ثم عن الاختلاج في الواقعي
والحياتي من وقتك ويومك، وهذا كله يجعلك على تماس مرهق ومؤرق مع تيار لا
يرحم، يصعقك في كل لحظة ويعيد إليك الحياة ليعيد الكرة.. فاحذر.. وتوقف..
لأن الإدمان على الكلام المسؤول بمسؤولية، يدخلك عالماً فيه من اللذة
والنشوة والألق والشعور، بطعم الحياة وقيمتها، بمقدار ما فيه من الألم
والمعاناة والشعور بالقهر وبؤس الكائن الحي ولا جدوى الصراع من أجل الأفضل.
إنك ستقف على شفرة الود الحاد، دمك يسيل، ولذة الكشف تدفعك لمتابعة السير،
والرياح تتخطفك والأفكار من كل جانب، تشدك من كل طرف، وأنت تحاول أن تتوازن
وتسير وتؤدي واجب الإنسان الحي في حياة ترتب عليه واجبات يرتبها الانتماء
لأرض الشعب، وللإنسانية وقيمها، وللحياة بكل ما لـها وما عليها.
فهل أقول لك
توقف.. وأنت تملك زمام أمرك.. أم أتوقف. أنا..؟! ربما كان الأجدى أن أتوقف
أنا وتفكر أنت على مهل، وأفكر أنا أيضاً في الأمر، إذ أخال أننا أصبحنا في
وضع حصان شكسبير المطعون، وقد التفت أمعاؤه على حوافره، وهو في النزع،
فكلما ازداد حركة اقترب من النهاية، ولا يكف الألم عن دفعه إلى الحركة
والتوجع، ربما كان الخير في أن تأخذ مهدئاً ونتوقف معاً لنتأمل معاً، وربما
نستأنف معاً فنعاود اللقاء.. فإلى رحابة الوقت نترك نفسينا على أمل اللقاء.
¡¡¡ |