مشكلات في الثقافة العَربيَّة - د.علي عقلة عرسان - دمشق - 2005

مُشكلات في الثقافة العَربيّة

يمكننا ـ مع شيء من التجاوز ـ أن نضع مشكلات الثقافة العربية في نوعين أو نسقين، ويبقى فعلنا هذا موسوماً بالتعسفية النسبية، ذلك لأنه يصعب حصر مشكلات الثقافة أصلاً، كما يصعب فصل تلك المشكلات بعضها عن بعض فصلاً تاماً، فهي تتبادل التأثير، سلباً وإيجاباً، وتتداخل وتتشابك، مشكّلة جزءاً من مقومات الشخصية الثقافية ومعوقاتها، وعنصراً رئيسياً يسهم في بيان حيويتها وانتشارها وفعاليتها.

والنوعان أو النسقان اللذان أقترح أن تندرج تحتهما بعض مشكلات الثقافة العربية تسهيلاً للتبين والتشخيص هما حسب مواصفاتهما العامة:

1 ـ نسق يمتد في العمق، ويضم مشكلات تتصل بالجوهر الخالص وبالشوائب التي تداخله أو تحجبه، وهي ما يتعلق بالمعطيات والشواغل والاهتمامات الفكرية، وبالتكوين القيمي والفكري والعقائدي، حسبما يحكم عناصر ذلك التكوين من ظروف ومناخ تفاعل، ووجود اصطفائية على معيار أو سيطرة عشوائية معمّاة، تتعامل مع التراكمية الثقافية المستمرة، وكذلك بالوعاء الذي يحمل ذلك، ومدى قدرته على التوصل والأداء.

ومن تلك المشكلات ما يتصل بالتفكير: مناهجه وأساليبه وبالقيم التي تشكل مرتكزاته وتحدد ـ في بعض الأحيان ـ مساراته في ضوء المعايير القيمية والقوانين الأخلاقية التي تحكمه، ومقدار علميتها وضبطها وسيطرتها، وتتصل تلك المشكلات أيضاً بالرؤية التي تجعل الثقافة العربية تسوّغ الفهم والفعل على هذا النحو أو ذاك، وتسوغ هذا النمط من التفكير أو ذاك، في أثناء تعامل المرء وتفاعله وتواصله مع الطبيعة والكون وأسرار الوجود، ومع الآخر ومعطيات الحياة وعوالم النفس والروح، تلك الرؤية التي تحكم الفعل أو ترمي إلى أن تحكمه، ليؤدي دوره في منظومة منسجمة من الأفعال والأقوال والأفكار، ومن انتماءات المشاعر والعواطف وقوى الروح، وتوجيه ذلك كله أو تصعيده في هذا الاتجاه أو ذاك لأداء دور في عملية الإعداد التحضري الذي يرمي إلى تحقيق تطلع حضاري تستشفه الرؤية وتحققه الإرادة الواعية ويكون لصالح الحياة والإنسان.

إنه نسق يُعنى بهذا المجموع كله الذي يجعل للأمة شخصية هي شخصيتها الثقافية التي تمايزها من سواها من الأمم وتجعل لـها مقومات تجلو خصوصية معينة وتنميها وتدخل بها معترك لقاء الثقافات وصولاً إلى ازدهار التنوع والغنى فيها، الأمر الذي يثري الوجود البشري كله، ويفتح أفقاً واسعاً أمام تواصل الثقافات وتفاعل تجارب الشعوب وخبراتها. وهو نسق يشير إلى إشكاليات الانفتاح والانغلاق الثقافيين وتأثيرات ذلك سلباً وإيجاباً في الثقافات المتماسكة وغير المتماسكة، كما يشير إلى مشكلات يرتبها أمر مواجهة الغزو الثقافي بأنواعه وأشكاله، وسبل التصدي للثقافة الاستهلاكية وللهيمنة الثقافية وتجلياتها، ويرمي ـ إن أمكن ـ إلى تلمس محاولات الوعي بالذات وبالآخر، تطلعاً إلى تعزيز الثقة بالذات وبالآخر، من أجل إشاعة مناخ صحي للوعي والثقة يحقق المثاقفة بين الأمم والشعوب والفئات والمجموعات البشرية في العالم كله، ويتم في إطار نمو الفعل الثقافي والحضاري، في صيرورة متساقية للحيوية والبناء على الصعد الحياتية كلها.

ولا أشك في أن هذا العمل يحتاج إلى جهد استقصائي كبير أحث على القيام به ولا أزعم أنني أتصدى لـه هنا، وإذا تطلعت إلى وضع بعض إشارات على الطريق إليه فذلك جهد المقل و"ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده"([1])

ـ أما النسق الثاني فيمتد أفقياً وهو لـهذا يبقى على تماس أكثر حيوية وحرارة مع معاناتنا في عصرنا. ويحاول هذا النسق أن يضم مشكلات ومعوقات تتصل بانعكاسات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية على الثقافة ونتائج ذلك.

ومشكلات هذا النسق تنعكس على الثقافة العربية في جغرافيتها القومية والقطرية في آن معاً، تلك المشكلات والمعوقات التي تجتهد بعض العقول والقوى والأحزاب والسياسات لتجعل منها إشكاليات ثقافية لا مشكلات، وهي تفعل ذلك تعزيزاً لوجودها على هذه الأرضية، استعداداً وإعداداً للذات والمعطيات من أجل الوصول إلى مراحل أخرى من القول والعمل، تنفّذ حين يحين وقتها وتحقق مزيداً من التجزئة وتمعن في تعميق القائم منها، وترمي أيضاً إلى إقامة مشاريعها، التي تتمخض عنها التبعية على الصعيد الثقافي.

وسأحاول أن أعرض بتركيز وإيجاز بعض المشكلات في النسقين:

ـ على مسار النسق الأول: في الجوهر والبنية والقيمة.. الخ

نجد أنفسنا ننساق، أو لابد من أن ننساق، إلى التاريخ ومعه، فالثقافة تحمل تاريخ الوعي ودرجة فقه المعرفة ومدى تجسدّهما سلوكاً وعملاً على مستوى الأفراد والجماعات والأمم، وعلى المستوى الإنساني العام، في التفاعل والتعامل والتحضّر. وفي بعض مفارق الطرق نطرح أسئلة تثير غبار مشكلات، نكتفي بالإشارة إلى بعضها ولا نزعم أننا نعالجها ونضع لـها حلولاً:

1 ـ على الجذر الثقافي العربي قبل الإسلام تنبت أسئلة، وفي بنية ذلك الجذر ذاته يمتد الكلام ويتشعب. فهل تبدأ الثقافة العربية مما تناقلناه عن الجاهلية من مرويّ ومتمثّل في الشعر والنثر والاعتقاد والتفكير، وفي الموروث من عادات وتقاليد وأعراف وعاديات؟ وهل الجاهلية هي ذلك الظلام وما حفظه الرواة من وقائع وروايات، وشعر شكلت به وبأصوله وبرواته مستشرقون على رأسهم مرغليوث([2]) وتلامذة لـهم على رأسهم الدكتور طه حسين([3]). وما هو التقويم لـهذا العطاء "الجاهلي" وكيف يتم التعاطي مع ما قدمه لنا، على الرغم من أن العودة الواعية والفاحصة إليه، بدأت تدعم مرتكزاتها منذ عصر التدوين، ولاسيما في العصر العباسي.

كيف ننظر إلى العرب والعروبة والثقافة العربية ولتلك التي "أصبحت" بمصطلح كتاب التاريخ العربي من الغربيين وأتباعهم "عربية" بعد الفتح الإسلامي؟ وكيف نضع أولئك في مجرى تيار الوعي التام للتاريخ الثقافي العربي ليشكلوا حيزاً في معرفتنا وليصبح ما أعطوه جزءاً من وعينا بذاتنا ولذاتنا، ومن وعينا لمقومات ثقافتنا ولدورها وانتشارها في العالم القديم؟

لقد حكم في التأريخ للثقافة العربية على العقل العربي وعلى الجهد الثقافي العربي، بأنهما بدأا مع ذلك الأعرابي الصحراوي الخشن الذي لا يتقن إلا لغة دققت في كل ما هو بدوي بدائي صحراوي متخلف، وأن هذا البدوي ولغته الخشنة "القاصرة" هما اللذان كونا العقل العربي ومازالا يحكمان تفكير العربي ويتحكمان بتكوينه الثقافي حتى اليوم ويبقيانه أسير لغة وأدوات تفكير وتعبير وتدبير ميتة في تخلفها؟

ونحن نسلم مع أصحاب هذا الطرح ـ ومنهم الدكتور محمد عابد الجابري ـ بوجود شيء بدوي في لغتنا وتفكيرنا وموروثنا، ولكن هل نحن لم نكن أبداً ولم نصر حقاً إلا أولئك البدو الذين غزوا حواضر المدن لتدوين اللغة الخشنة على مراقيها اللينة، واستنبات التخلف فيها ولم تترك المدن والحواضر فيهم أثراً؟ أو لم تكن هناك ـ في دنيا العرب قديماً ـ حواضر وحضارات في مدن ومناطق من تلك المساحات الشاسعة التي انتشر فيها العرب، أي في أرض شبه الجزيرة واليمن والشام والعراق على الأقل؟ هم سكانها وصنعتها ومنشؤوها؟ أم أن خلط العرب بالأعراب، والتفرقة في ذلك واضحة لدى كل مدقق، نصت عليها الكتب وذكرها القرآن الكريم، هو الذي أشكل على فئة غير مدققة أصلاً فجرها إلى حكم مطلق يجانب الحق ويجانبه الحق؟

إن الكيفية التي ننظر بها إلى أولئك الذين سجلوا مرحلة من ثقافتنا، ترفع أمام أجيالنا وفي وجه ثقافتنا مشكلة حين نتعمق في تأمل الماضي، ونستقرئ التاريخ ونطرح أسئلة، أو نواجه أسئلة مطروحة؟

ومن ثم ما هو نوع العلاقة التي كانت بين العرب في الجاهلية القريبة، والعرب في الجاهلية البعيدة أو الجهلاء؟ هل كان الظلام ولا تواصل.. كلمة ونقطة سوداء؟ وهل يصح هذا في منطق العقل والفكر والثقافة والحضارة وينسحب على تاريخ بشر ما انقطعت صلتهم ببعضهم بعضاً ولا صلاتهم بأصولهم؟ هل يصح هذا أم أن الناس يتواصلون على الأرض، ويتوارثون المعرفة كما يتوارثون الآلام والتسميات، وتشتد عُرى علاقاتهم، ويثمر التفكير تفكيراً لديهم، وتنمو بالمعرفة آفاق الروح!؟ وتتواصل الأمشاج مع الأيام تواصلها في الأرحام؟

إن الجزيرة العربية واليمن ـ حيث نشأت كثافة سكانية وحضارية عربية ـ لا تسجلان لنا في التاريخ الثقافي القريب تواصلاً حيوياً مع الحضارات والثقافات التي تسمى بائدة، مع سبأ ومعين وحمير، مع حضارة دلمون "البحرين الآن" ومع ثقافة المتحضرين في أرض العراق والشام ولهذا لابد من إيجاد مرتكزات في الوعي التاريخي المعاصر تعتمد على استقراء ودراسة المعطيات الثقافية خصوصاً، والحضارية عموماً، في الأرض التي هي أرض العرب وبيئة ثقافتهم وتربتها عبر التاريخ.

إن البيئة الثقافية ومعطياتها على الأرض العربية، تلك التي تعود إلى عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، بدءاً بالحضارة النطوفية في بلاد الشام (فلسطين 10000ـ 8300 ق.م) ـ نسبة إلى سهل نطوف في الغور قرب أريحا امتداداً مع زمن الحضارة ومداها وجغرافيتها، في بداياته من تل المريبط ومحيطه في فترة حضارية هي فترة العصر الحجري الحديث التي شملت بلاد الشام([4])، ثم فترة العصر الحجري النحاسي في معطيات تل حَلَف وتل العبيد، وما قدمته ماري وإيبلا وأوغاريت ليشمل المعطى الحضاري الكنعاني ـ العموري([5]) كله بعد السومريين والأكاديين، فيما قدمته الممالك الكنعانية ـ العمورية وسواها في العراق وبلاد الشام([6])، وتفاعلات ذلك مع حضارة وادي النيل، من قبل الهكسوس ومن بعدهم، وقد كانت الصلاة قوية، والصبغة المتصلة بالثقافة العربية، بيئة ومقومات ولغة، واضحة الدلالات([7]).

إن تلك البيئة والمعطيات لا يواجه العربي أسئلتها بجدية كافية ـ على الصعيد الثقافية إطّلاعاً وتمثلاً، ولا يناقش صلته بها وصلتها به، وانسكاب فروعها، في أصوله، وأصولها في فروعه مناقشة شاملة هادفة وواعية لأغراضها، ليرى ذاته على أرضه، وفي تربة ثقافته وبيئته عبر امتداد تاريخه الطويل، بكل ما لـه وما عليه، وليصوغ رؤية تنبجس من كيان ثقافي متماسك، يعرف أبعاده ومراحل صيرورته، ويستشرف مستقبله، ويتمثل معطيات عصره، ويعرف أيضاً، وبالدرجة القصوى من الوضوح، هويته الثقافية وخصوصيته عبر التاريخ. ولهذا فهو يعيش في ساق شجرة لا يبدو أن لـها جذوراً في عمق الأرض، شجرة ضيّق أوعيتها الجهل أو التجاهل فعجزت عن نقل سيولة الحيوية المنتجة. ولذا تتوالى عليه أسئلة، ويوضع في دوامة إشكالات ومشكلات، وتقدم إليه حقائق وصور مزيفة عن ماضيه، تبقيه بدوياً مشتتاً ـ كما يراد لـه أن يبقى ـ خارجاً من الصحراء بالمصادفة وعليه أن يعود إليها بالضرورة. فهو كما يصور أولئك الذين يكتبون لـه تاريخه الثقافي على الخصوص:

لم يعرف الأسطورة ولا الميثولوجيا "علم العقائد الوثنية"، ولا يتعاطى التأمل والتفكير المنطقي بمنهج، ولم يعرف القانون والحكمة والنظام، ولا تواصل مع العمران، ولا مارس الفن، وإن سخِّر للخدمة في هذه المجالات في أطوار ثقافية. بدوي لـه شياه وحداء وعصا وبيت شَعْر وبيوت شِعر. فقط.

أما التاريخ الذي ينهض من عمق الأرض، ويفجر حقائقه في وجه التزييف والمزيفين، وحتى ذلك الذي حملته لغة الآخرين الذين أخذوا منه ما أخذوا، وما تحمله أسفاره في طياتها فيقول غير ذلك.

فمتى تحل تلك المشكلة، ويؤرخ لثقافتنا عربياً أو موضوعياً، وتدرس مقوماتها ومراحلها ومعطياتها وتفاعلاتها مع الثقافات الأخرى بوعي ومسؤولية واتفاق، ليصبح هناك تواصل فعال بين عناصر شخصيتنا الثقافية، وهويتنا ومقومات وجودنا الحيوي، في إطار وعي معرفي محكم؟

إن الأبجدية التي أوجدها العربي (أوغاريت([8]) 1400 ق. م) بعد أن أوجد الكتابة (الألف الرابع قبل الميلاد) وأول شرعة قانونية للإنسان (بلا لا ما ـ لبث عشتار ـ أورنمّو ـ ثم شريعة حمورابي وكلها قبل 1750 ق. م) وكل الميثولوجيات والأساطير([9]) والديانات الوحيدية الأقدم بدءاً في التاريخ، منذ توحيد إبراهيم الخليل([10]) ـ القرن 19 قبل الميلاد وباللغة العربية القديمة ـ وانتهاء بمحمد بن عبد الله r، وما قبل ذلك وما بعده من عطاء، يفقده العربي، من حيث الوعي والتمثّل والحضور الحيوي الفعال، أو يكاد يفقده، ولا يسيطر عليه معرفياً، ويرتبك تماماً وهو يواجهه أو يواجه بتفسيرات لـه. إذ هو لا يعرف ما لـه وما عليه، ولا يعرف مكونات النسيج الذي يغدو الثقافة العربية.

ويسهم بعض العرب مع سواهم في عمليات التشكيك بثقافة هذه البيئة وبتشويهها، ويهال على النصوص والوثائق التراب: تراب الجهل، وتراب النسيان، والتجاهل والتناسي، وربما الأجدر أن نقول: إن ذلك يتم تحت شعار الغش والافتراء. وحتى حين تنهض من أعماق الزمن وثائق لـها قوة النقش على الحجر، وتعود إلى تواريخ أقدم بمئات السنين من تاريخ التوراة التي يعتمدها أكثر المؤرخين([11])، يسقط الأقدم ويستوثق بالتوراة التاريخ، ولا تصب تلك الحقائق في الأقنية المعرفية المعاصرة، وهي إن لم تزيف بالقراءة والتحريف، تنام في عتمة أقبية التاريخ القديم والمتاحف القبور.

وسأكتفي بالإشارة إلى بعض الاستشهادات من نصوص، أختم بها الأسئلة حول مشكلة في هذا النسق، أو أنبه بها إلى أسئلة، واضعاً إياها بمتناول المتأمل:

ـ يقول كورت كوته أحد الباحثين في الآثار القديمة:

"لقد صاغت الإمبراطورية الأكادية (العمورية) منذ سرجون وشاروم كين التصورات الشرقية عن حكم العالم، أو عن نوع من الحكم الإمبراطوري بقي سائداً خلال الألفي سنة المقبلة حتى الإسكندر الأكبر([12])".

ـ يقول فولفغانغ روليغ: باحث ومؤرخ للثقافات القديمة:

"إن اللغة العمورية هي اللغة السورية التي كان لـها تأثير بعيد وصل حتى بلاد الرافدين (...) ويبدو أن سورية كانت في القرون الأولى من الألف الثاني قبل الميلاد قد اندمجت بصورة كاملة تقريباً في المجال الثقافي البابلي الذي تأثر بدوره بالسمات العمورية([13]).

إن مراجعة بحث الشعوب واللغات والكتابات لفولفغانغ روليغ تشير إلى أن اللغات التي يدعوها "اللغات السامية" وكذلك القبائل والبيوتات المختلفة، تشير إلى أن الشعب شعب واحد مع وجود أقليات عرقية، واللغة من جذر واحد، والتاريخ واحد، ورغم ذلك يتحايدون ذكر العرب باسمهم، وهذا غريب([14]).

ـ يقول هيرودوت في كتابه "هيرودوت يتحدث عن مصر":

"لقد جاءت أسماء الآلهة كلها تقريباً من مصر إلى بلاد اليونان. أما أنها قد جاءتنا كلها من الأجانب فهذا أمر وصلت إلى معرفته أثناء بحثي وأظن أنها جاءت من مصر على الأخص، لأن أسماء الآلهة فيما عدا اسمي "بوسيدون الديسكوري" كما سبق أن قلت، وأسماء: "هيرا ـ وهسيتيا ـ وتميس ـ وخارتيس ـ ونريديس" وجدت دائماً منذ القدم في مصر.

وأنا أردد هنا ما يقوله المصريون أنفسهم. ويبدو أن البيلا سجيين، هم الذين أعطوا الأسماء لـهذه الآلهة التي يعلن المصريون عدم معرفتهم بها إلا بوسيدون([15])، ويشير هيرودوت في موضع آخر إلى ما يلي: "وأنا أقرر الآن أن ميلا مبوس Melampus  ذلك الرجل الحكيم الذي أوجد العرافة، قد تعلم من المصريين أشياء مختلفة نقلها إلى بلاد اليونانيين ـ بعد تعديل طفيف ـ ما يختص بديونيزوس، وأنا لا أومن مطلقاً بأن الاتفاق بين شعائر ديونيزوس في مصر وفي بلاد اليونان وليد الصدفة، وإلا لانسجمت هذه الشعائر مع طبائع اليونانيين، وما كان دخولها عندهم حديث العهد. ولن أقول أبداً إن المصريين نقلوا هذه الشعائر عن اليونانيين، كما أنهم لم ينقلوا غيرها من العادات، ولكن من المحتمل ـ كما يخيل إلي ـ أن ميلامبوس تعلم هذه الشعائر من كاد موس الصوري، ومن أولئك الذين هاجروا معه إلى البلاد التي تسمى حالياً "بيؤسيا"([16]).

كما يقول أيضاً "ولم يعرف اليونانيون أصل واحد من الآلهة، ولا تاريخ وجودها القديم جميعاً، ولا ما هي أشكالها، ولم يعرفوا ذلك إلا بالأمس القريب كما يقولون. وأنا أعتقد أن هسيودوس وهوميروس عاشا قبل عصري بأربعمائة سنة لا أكثر ـ [نهاية القرن التاسع ق. م] وهما اللذان دونا لليونانيين أنساب الآلهة وسمياها بألقابها([17])".

ويقول هيرودوت أيضاً: "البيلاسجيون أعطوا اسم الآلهة لليونانيين وأصبحوا منهم، ثم جاء هوميروس وهسيودوس وسجلوا هذه الأسماء وحددوا مراتبها في القرن العاشر قبل الميلاد، وهي أسماء أخذت عن الأجانب"([18]).

والبيلاسجيون قوم أتوا من آسيا، وربما كانوا ممن لـهم صلات وثيقة جداً بثقافة منطقتنا العربية موطن الثقافة آنذاك إن لم يكونوا من أقوامها([19]) وكاد موس والكادميون الذين أشار إليهم هيرودوت هم من بلاد الشام "سورية"([20]) ومن العرب الكنعانيين ـ العموريين، وربما حملوا اسم بلدهم القدموس "غرب سورية"، وهم الذين تقول الأساطير اليونانية إنهم بنوا مدينة طيبة اليونانية التي كانت تحمل اسم "كادميا" وتشير مسرحيات الشاعر سوفوكليس إلى الكادميين بوضوح لاسيما في مسرحية أوديب فضلاً عن إشارات التاريخ الجلية إليهم.

2 ـ هناك تأثيرات لاحقة لـهذا الفترة، التي كانت فيها الأرض العربية ـ أو تلك التي أصبحت بالفتح عربية كما يجب أن يقول الذين كتبوا لنا تاريخنا وقسموا مراحله ـ كانت فيها أرضنا العربية مصدر إشعاع ثقافي وتطور حضاري، وتلك التأثيرات رافقت وصول ثقافات جاءت مع جيوش غازية وفاتحين، وتركت مشكلات مازالت معلقة، وإشكاليات لابد أن تكون موضع نظر وبحث. وكان لتلك الثقافات حضورها الواضح على الصعد جميعها، لاسيما تلك التي وفدت على جغرافية أرضنا الطبيعية والبشرية وتلاقحت مع معطياتها الثقافية، وأعني بها: الفارسية ـ اليونانية ـ الرومانية ـ والهلنستية.. الخ وقد تركت تلك الثقافات في الفكر والعقيدة وكذلك في مناهج التفكير وأساليبه، آثاراً مازالت فعاليتها مستمرة حتى الآن، وقد وسمت العقل العربي ببعض مياسمها وخلفت فيه سمات يختلف الباحثون في تقويم دورها وفي صلاحها أو عدمه. فكيف ناقشنا ذلك وقومناه وتصدينا لـه؟ وهل هو أمر محسوس كمعطى غريب على الهوية، أم أنه سرى مسرى العاديات والمكونات الأخرى وتمثّله الجسم الثقافي العربي، أم تراه مازال يخوض صراعاً في الداخل ويمنع الانسجام والتواصل والتكامل في الثقافة العربية وأدواتها ومؤصلاتها، وهل لابد من نبش هذا أصلاً ومواجهته، وكيف نواجهه؟ أم أن هذا الذي تم ينظر إليه في إطار التلاقح الثقافي الذي تم، وما تركه أصبح من مقومات شخصيتنا وهويتنا، وصفحات في تاريخنا الثقافي صيغت في إطار المثاقفة المستمرة مع الآخر؟.

يبدو لي أن المشكلة ما تزال قائمة وتؤثر تأثيراً سلبياً على فكرنا وثقافتنا في بعض الحالات، ذلك لأن وجود التيارات الفكرية التي لم تدرس لتقّوم وتصنف بوعي في ضوء معيارية واضحة وصارمة، يعني استمرار غياب الوعي بتصارعها في عمق الكيان الثقافي للأمة، وجهل أو تجاهل دورها المعطل لتيار الأصالة ولانطلاقة الشخصية من مقوماته السليمة وهويتها الحقيقية. وهذا يؤدي إلى عدم حسم قضايا لابد من حسمها، إذا أردنا لطريق الثقافة العربية الواحدة الموحدة أن ينار ولجهد الوعي الثقافي العربي أن يصب في إرادة واعية لماهيتها ولما تريد، لتمكّن الشخصية الثقافية العربية من النمو والتقدم ضمن مسارات خصوصيتها وهي في حالة صيرورة تواكب الزمن.

وإذا أدركنا أن هذه الثقافات ـ ولاسيما الفارسية والهلنستية اللتين. أوجدتا وغذتا الهرمسية([21]) في الثقافة العربية ـ استمر تأثيرها في الفكر العربي حتى مراحل متقدمة بعد ظهور الإسلام وانتشاره، وإن تلك العقيدة القديمة بتشعبها وتطورها داخلت، منذ نشوئها([22]) كثيراً من العقائد والفلسفات التي أتت بعدها، واستمرت الثنائية/ النور والظلمة/ بالرغم من وجود آلهة متعددة، كانت متخصصة وفي وضع أدنى أحياناً، وبالرغم من وجود التوحيد الأول في تاريخ البشرية الذي دعا إليه إبراهيم الخليل حوالي 1850 ـ 1900 قبل الميلاد تقريباً، أقول استمرت الثنائية موجودة ومؤثرة تغيب وتعود، تتلون وتتفرع، وتنبثق على شكل دعوات تتغير وسائلها أو بعض مقولاتها ولكنها تحافظ على شيء أساس فيها، فتعظّم الأفلاك والكواكب وتمنحها قدرة السيطرة على مصير الكون([23]). وتلجأ من أجل ذلك إلى السحر والطلمسات والاستخارات وتستخدم العلوم في ظل النجوم. وهذه الاعتقادات التي تعود إلى الحضارة الأكادية ـ العمورية  التي انتشرت في الألف الثالثة قبل الميلاد في سورية والعراق والتي تتصل بإله القمر نانا وابنه نوسكو وبإله الشمس (شمش) وبمسمياتها الأوغاريتية لاحقاً، هي التي حملتها وأضافت إليها قليلاً مذاهبُ مثل: الصابئة (الحرنانية) ـ والمانوية ـ والزرداشتية([24]).. الخ جذوة منها، ونمّت جميعاً بأشكال مختلفة: الحلولية والصوفية المريضة ـ هناك صوفية نقية بناءة لا اعتراض على اجتهادهاـ والاتجاهات التي تهمل المنطق وتلغي دور العقل أو تعطله في تعاملها مع الحياة ومعطيات الواقع، ومع المادة واستخداماتها، وهي تعيق ظهور منطق العلم في السلوك والممارسة البشرية، وتؤثر سلبياً على مفعوله في اكتشاف قوانين الطبيعة والمادة عموماً، اعتماداً على التجربة والبرهان والاستنتاج المنطقي. ويمكن أن نرى معطيات المذاهب المشار إليها أعلاه في الهرمسية، جوهراً بدرجات مختلفة([25]).

والزرداشتية رغم أنها دين توحيد بدرجة ما، وأهورا مزدا فيها لا يوازيه ولا يقاربه إله أو ملاك بما في ذلك هرمن، إلا أن الثنوية وتقديس النار واضحتان فيها، وكان "تأثير الأفكار الزرداشتية عظيماً على الفكر الإسلامي (..) وقد أثر هذا التراث في صياغة بعض أفكار الفلسفة الإسلامية خاصة: الإشراقية منها"([26]) و"لم يقتصر تأثير المعتقدات الزرادشتية على الفلاسفة المسلمين فقد تأثر شعراء مسلمون وحكماء ومتصوفة أمثال: حافظ الشريرازي ومولانا جلال الدين الرومي وكذلك أبو العلاء المعري وغيرهم بتلك المعتقدات بشكل أو بآخر"([27]) وهذه المذاهب والتيارات هي التي سخرت وتسخر جزءاً هاماً من طاقتنا ومن جهدنا البشري وقدرة إنساننا الإبداعية لاستهلاكها في خدمة الإشراقية([28])الروحانية الغيبية، أو بجعل تلك الإشراقية تستخدمها وتستهلكها كما تسخر بعض طاقاتنا لخدمة العرفانيات التي تحكم بعجز العقل والعلم عن إدراك ما ترى أنها تدركه هي (بالحدس) ـ ولو أن هذا لم يلغ فعالية العقل لكان مقبولاً ـ ما سخرت طاقة العقل والعلم لتفسير النصوص، حتى القرآنية منها، تفسيرات تتنكر للمنطق الظاهر ولكل ظاهرية يدعمها العقل والنص المنزل أو المصدق، وللسيرة والسلوك في بعض الحالات، وهي تفسيرات تتلاءم مع توجهاتها وحسب، وتعلن عداوتها لكل معرفة مغايرة أو نهج معرفي معارض.

 

ونحن واجدون لدى البحث والتمحيص في الثقافة العربية الإسلامية، نشاطاً فكرياً وثقافياً بل وأدبياً كبيراً يستند إلى الدين ويراه ويفسره من منظور يخدم ذلك التوجه العرفاني ويستلهمه. الأمر الذي وضع الاتجاهات والتيارات الثقافية الأخرى في حالة اجتهاد محكوم برد الفعل الدفاعي، وفي حالة انهماك في البحث من زاوية محددة زاوية الدفاع عما تراه السلامة والصحة الفكرية والروحية والعقلية، بل والدينية الاعتقادية، وهذا التوجه المحكوم برد الفعل يجعل حركتها حركة منفعلة ومنجرّة إلى اتجاه، ومحجوبة أو مشغولة عن البحث في اتجاهات وقضايا أخرى ذات أهمية كبيرة، ويحرمها أحياناً من مناخ البحث الموضوعي ونتائجه وإيحاءاته.

وقد توالت عجلة الفعل ورد الفعل بين المذهبيات والطائفيات العربية تلك التي أحكمت مناخ "المجادلة" الثقافية وعوقت شيوع مناخ الحوار البنّاء المتكامل، الذي يتضافر فيه الجهد الثقافي والإبداعي والعلمي عربياً، ذاك الذي كان وما يزال من الممكن أن ينعكس إيجابياً على الثقافة خصوصاً وعلى الحياة العربية والحضارة الإنسانية عموماً، بمزيد من العطاء النافع.

3 ـ المشكلة الثالثة توجد في التكوين الاجتماعي العربي وما يمليه من ممارسات غير سليمة ولا بناءة منذ مجتمع القبيلة حتى مجتمع الدولة. حيث السيطرة السياسية مازالت ساحقة لسواها، ولا يعلو عليها أن يحكمها إلا الانتماء العشائري وتجلياته المعصرنة التي تبدو أحياناً على السطح، في بدائل لم تنجح بتأسيس وإشاعة مناخات موضوعية ومعايير مغايرة لما هو سائد، مثل الحزبية وسواها.

فالسياسة تجبّر كل شيء تقريباً في أرضنا ووعينا وتاريخنا وتلحقه بركبها، ولكنها ملحقة إضمارياً وعلى نحو ما، بصورة معلنة أو غير معلنة، بالعشائرية والطائفية في مناطق، وبالإقليمية والقطرية إن ارتفع المستوى، وبالمذهبية وولاءاتها. وما أكثر تلك الأصناف في الوطن العربي. وقد تجلت سيطرة السياسة على الثقافة أكثر مما تجلت سيطرة الثقافة على السياسة في البيئة الفكرية والإبداعية، بل والعلمية العربية. واستعمل السياسي الأدوات والأساليب والوسائل المتاحة لـه، وهي في مجتمعنا كل إمكانات المجتمع وأدواته وسلطاته، بحكم واقع ابتلاع السلطة التنفيذية للسلطتين التشريعية والقضائية ليجعل الثقافة تابعة للسياسة. وقام الفكر في معظم المراحل بدور ملحوظ في المجال، ملتمساً أسباباً وتسويغات، ومأخوذاً بعصبيات وولاءات، إلا أنه ينبغي ألا يغيب عن ذهننا أن السياسة التي سخّرت حتى الفكر والدين لأغراضها، وهيأت تفسيرات ورؤى تاريخية مشفوعة بوقائع (وأي وقائع؟) لتدعم توجهاتها وأغراضها ووجودها، إن السياسة محكومة ـ بنسب عالية ـ في انطلاقات معظم توجهاتها ـ لاسيما في المراحل التاريخية الأولى ـ بالقبائلية والعشائرية، ومن ثمة في مراحل تالية بالمذهبية الدينية والعشائرية والقطرية والإقليمية.. الخ. وربما كان ما في الشعر العربي من هجاء وفخر، وما في النثر واجتهادات التشريع والفقه والتفسير، ما يشير إلى ذلك بكثير من الوضوح. واستقراء التاريخ السياسي، منذ سقيفة بني ساعدة على الأقل مروراً بأبرز الحروب العربية ـ العربية، المتولدة عن تلك البذور والقروح، يقود إلى إثبات تبعية معظم الجهد الثقافي العربي عامة، والفكري منه خاصة، للخلافية السياسية، تلك التي تستند بدورها إلى نزاعات عصبية قبلية أو تنبع منها، وتتأثر بنتائجها الاجتماعية والاقتصادية وتحكم بمنظورها. وهو جهد ينصب على نقص المعمار الثقافي العربي لبناء بديل عنه، أو هو يوظف في أحسن الأحوال لإشادة بناء موازٍ لـه، ولكنه يبقى الجهد الذي لا يتكامل في إشادة بنائية متوالية ومتصاعدة، يحكمها منظور رؤية قومية وعقائدية واحد، منظور متماسك ومتناغم في صيرورته المتنامية على طريق التقدم والازدهار. ويكفي أن نستذكر أيام العرب (مع العرب) وما أنتجته من أدب يدور في فلكها، وما ورّثته من أحقاد وضغائن وثارات ونعرات يغذيها ذلك الأدب وينمو بها وتنمو به، وما أثّلته تلك الأيام ـ الحروب وما استنبته نتاجها الشعري في النفوس من عصبيات ونزوعات ونزاعات، وأن نتلمس انسحاب ذلك على التاريخ كله، ولاسيما صدامات القيسية واليمانية، القديمة في صيغها والحديثة في صيغتها أيضاً، لنعرف أي تنازع مدمر يتم على جسم الأمة وفي هيكلها الثقافي، وكم من الطاقات والإمكانات والجهد الإبداعي يُستنفد في ذلك كله.

والدور الذي مارسته وتمارسه السياسة والعصبية القبلية والطائفية، ولاسيما في صيغها المعاصرة، يؤثر تأثيراً حاداً على مناخ الحوار وموضوعاته، على الاعتراف بالآخر واحترام حقوقه وحرياته ووجوده، على سيادة العقل وشيوع روح الموضوعية. كما يؤثر على منزلة المعايير القيمية التي تستند إلى خلق وقيم تحكم الإنتاج الثقافي وتجدّيه، وتوظفه وتقومه وتراتبه وتصفيه مما يلحق به، حيث يأخذ مكانه مدماكاً فوق مدماك في بناء الصرح الثقافي العربي الوطيد.

والسياسة العربية لا تهادن ولا ترحم فيما يخصها، لاسيما في هذا المجال، وهي لا تتساهل بتاتاً فيما تطلب، فهي تريد ولاءً مطلقاً لـها، وتبعية تامة لنهجها، وانخرطاً شاملاً في نزاعاتها وخلافاتها وخصوماتها، تلك التي تأخذ درجات جدية حاسمة، وتتغير بدرجات حادة حاسمة أيضاً وبصورة مفاجئة. وهي بذلك الذي تطلبه لا تلغي المناخ الموضوعي للإبداع في ظل سيادة روح قومية شاملة ورؤية إنسانية متجلية فحسب بل إنها تُعلي مصداقية الكلمة، إذ تسهم في تصنيفها حسب الخلافية السياسية، وتحيلها إعلاماً يقدح أو يمدح، ولا يتردد في تغيير لافتاته ومقولاته واتجاهاته وأحكامه وحتى خطابه ككل بين عشية وضحاها.

وهذا الأمر ينعكس سلبياً على الثقافة العربية وعلى دورها التكويني للعقل والقيم والوجدان، وعلى مفاهيمها ومعايير الحكم والاحتكام فيها، وكذلك على مشاركتها في بناء الحس القومي السليم، والمنطق البرهاني والعقل القويم، وفي مناهج العلم والبحث ومسؤولياتهما لدى الأفراد، وكذلك على دورها في إبقاء وهج الروح متقداً وحدسها الخلاق محافظاً على هامشية المعقول.

وما لم ينشأ مناخ مغاير تسود فيه الثقافة ساحاتها وتكون لـها الكلمة الفصل في تلك الساحات، وتعلن مواقفها ورؤاها بوضوح، وتحقق نموها وتأثيرها باستقلالية نسبية عن السياسة ـ ولاسيما عن الخصومات والصراعات السياسية العربية التي لا تعقل أحياناً ولا تفهم ولا تقبل ـ ما لم يكن ذلك فإنها ستعاني من مشكلة كبيرة تؤثر على فعاليتها ومنزلتها ومستواها، وعلى رؤيتها القومية وشمولها الإنساني، وتؤثر أيضاً على قيمة العقل العلمي وجدواه ودوره النقدي البناء في مسيرتها وعلى مبناه، وكذلك على مصداقيتها وتمثيلها السليم لروح الأمة وحيويتها، وعلى وعيها القومي والمعرفي لذاتها وللآخر.

وثقافة تنمو في مناخ هذا شأنه وتلك مقوماته لابد أن تكون ـ بدرجة ما ـ أسيرة انفعالات وعاطفيات وردات فعل، تهدم بالسرعة ذاتها التي تبنى بها، وتتحرك بعشوائية في اتجاهات شتى إرضاء لأمزجة وتوضعاً على محاور خلافات ونزوعات متباينة، لا يحكمها وعي الموقف القومي والالتزام به والانتماء الواعي إليه، ولا يسيرها في نهج بناء التزام بقيم ومعايير واستراتيجيات سليمة ومحترمة، تعلي القومي على القطري، والعام على الخاص، والحقيقة الموضوعية على المصلحة والهوى.

إن ثقافة وقل ضمنياً أمة لا تفعل ذلك ستحمل سيفاً من خشب تقاوم به حديد السجون: السياسة والعصبية والعصابية، التي تتكاثر من حولها، وتحيلها كما تحيل روح الأمة وحيويتها، إلى خدر ينتشر ويتعمق، مخفياً ما يتم تحته من تآكل وفساد في البنية الشاملة للثقافة والوطن والإنسان.

4 ـ وربما يسمح لنا هذا أو يقودنا إلى ملامسة مشكلة القومي والقطري في الثقافة العربية، تلك التي غدت من مشكلات ثقافتنا أيضاً. فالمثقف العربي ـ وهنا أضيّق المدلول لينحصر بالمتعاملين مع الكلمة ـ ينتمي إلى ثقافة واحدة موحدة، هكذا يراها وهكذا يؤمن بها. ولكنه لا يستطيع أن يمارس ما يقتنع به وما يرى أنه دوره وواجبه وحقه، فهو في تطلعه القومي محكوم بالقطرية قسراً حيث إقامته وأهله وأسباب عيشه.

والقطرية غدت سياسة اعتراضية على القومية إلا فيما ندر، لأنها في الوقت الذي تنادي فيه بالمشروع القومي ـ الوجودي ـ التحرري، مثلاً، تريده على هواها وأنموذجها وحسب منظورها، وهي بذلك تقوم عملياً بإلغاء الشريك فيه، الأمر الذي يغدو استفزازياً من جهة ويقدم صيغاً اعتراضية رفضية يتضمنها أو يعبر عنها مشروع يحمل سمة واحدة مهما تلوّن وهي الهرب إلى الأمام، أو بالأحرى مشروع التفلت من المشروع القومي، بطرح يزاود عليه، وهو ذلك الذي يضع مقومات الطرح القومي الواقعية خارج منظور المعقول والرؤية الممكنة التحقيق من جهة أخرى.

وتدخل الطروحات الثقافية القومية وحملتها في متاهة أحلام وطوباويات ومقولات وشعاراتية يسخر منها الواقع ويبطلها ويعريها فاضحاً "دونكيشويتها" فتتندر بها الجماهير. وتجعل الثقافة وبالتالي المثقف يعيش ازدواجية مقيتة، يكرهها ويغرق فيها ويرى النجاة كل النجاة في الخلاص منها، ولكنه مع ذلك يُدفع إليها دفعاً أو يندفع إليها اندفاعاً. إنها لحظات طويلة تمتد لتصبح عمراً يقضيه المثقف بل الإنسان العربي بين الحلم والكابوس. فمنظور الثقافة والمثقف إلى القومي وإلى ما يحقق مناخه ويمكنه من الشيوع والانتعاش، يخالف بل يعارض منظور السياسة والسياسي. ففي حين يرى المثقف أن الثقافة مازالت هي أرض الأمة العربية التي لم تجزأ بعد والصخرة التي تتحدى معاول التفتيت، ويعمل على أن تبقى كذلك؛ ويعتصم باللغة العربية والثقافة العربية جاعلاً حدود وطنه الفعلية هي حدود انتشار اللغة العربية والثقافة التي تحلها تلك اللغة، يرى السياسي ـ من منظور الجغرافيا القطرية: "بشرياً وسياسياً واقتصادياً ـ .. الخ" ومن منظور مصلحته التي تجسدت نظرة إقليمية وسياسية عملية يومية يتشبث بها وبآفاقها، وتغرقه همومها اليومية وطموحاتها ومنافساتها في التفاصيل ـ يرى أن لابد من رسم سياسة ثقافية قطرية حتى لو تعارضت مع النظرة الشاملة والرؤية القومية المتكاملة. ويريد أن يلحق الثقافة بواقع التجزئة، ويعيش على تلك الرؤية عاجزاً عن رؤية الجزء في إطار الكل، ولا ينجح في تسنم موقع استشراف مترفع، يحكمه صدق الانتماء، وصفاء الإخلاص للأمة، والوعي لاحتياجاتها. ولذلك يصبح الحلم والرؤية القومية في الثقافة العربية،في اتجاه معارض أو مناقض للقطرية، التي غدت تحتكر اسم الوطنية وتضيقه وتشوهه ليغدو ولاء للتجزئة ولمن صنعها ولمن يستفيد من استمرارها، وللضعف ولمن يريد استفحال أمره وامتداد عمره، وبالتالي أصبح المشروع الثقافي القومي والرؤية الوحدوية التحررية ـ في استشراقها النهضوي، المبلورة في إطاره والتي تعبر عن ذاتها وتطلّعاتها بنقاء ووضوح وبمسؤولية أخلاقية وتاريخية ـ أصبحا مهددين بتهمة الانسلاخ عن الوطنية أي بسلخ الوطنية عن جلدهما([29]) وفي حين ينبغي أن يكون معيار الوطنية عربياً هو" "مصداقية الانتماء للأمة العربية وحمل مقوماتها ومعاناتها والالتصاق بواقع جماهيرها ونضالها، وجذرية ذلك الانتماء، والاستعداد لتعميده بالدم وإروائه بالتضحية والجهد، وتجلي ذلك الانتماء وتمثّله في السلوك والإنتاج والاعتقاد والعمل والإبداع، وفي الاحتكام إلى معايير الأمة وقيمها والمحافظة على سلامة ذلك ووضوح تأثيره في معالم هوية حيوية، وتجلي الروح العربية "ثقافياً" وأخلاقياً ووعياً معرفياً، وصيرورة حياة، ومصيراً، في شتى مظاهر الفعالية والوجود" وأن يكون الانتماء أو المنظور القطري التجزيئي هو الاتهام، قلبت السياسات القطرية العربية الموضوع وعكسته تماماً، بغية إحكام سيطرتها على ما تراه حقاً مقدساً لـها، وهو فرض قطعانية ولاء ـ أيّاً كان مستواه وأيّاً كانت منزلته وفاعليته ـ ينبغي أن يقوم باسمها وفي ظلها يشكم المواطن جيداً وبتوظيفه ليصب جهده في تعزيز القطرية وآياتها البينات، تلك التي غدت لـها في الثقافة العربية وحتى في اللغة، سياسة خاصة وتمايزاً وخصوصية تسعى إلى تثبيتها وتعزيزها. وهذه السياسة القطرية في المجال الثقافي ـ عربياً ـ هي من المشكلات التي تعاني منها الثقافة كما يعاني منها المثقف. وستزداد هذه المعاناة كما تشير المعطيات والدلالات.

والأمر الأكثر خطورة في هذا الشأن هو قيام فئات من المثقفين العرب ـ أدباء وشعراء ونقاد.. الخ ـ بترسيخ ما يسمونه الثقافة الوطنية القطرية([30]) والبحث عن سمات وخصوصيات لـها بقصد إبرازها على حساب الشخصية الثقافية العربية ذاتها، ويمكن ببساطة تتبع الأحاديث والكتابات عن شعر سوري وأردني ومصري وعراقي، وعن قصة خليجية ورواية مغربية ومسرحية تونسية.. إلى آخر القائمة([31])، يختلف أو ينبغي أن يختلف كل منها عن سواه، ويحمل وينبغي أن يحمل الخصوصيات والمقومات والسمات التي تجعل منه أدباً قطرياً مؤهلاً لا لأن يرث الثقافة الأم فقط، بل ولابتلاع وجودها.

وهو يُعد ليكون مؤهلاً للتنكر لكل انتماء إليها مع الزمن، حيث لابد أن ينتمي إلى السياسات التي أوجدته ويحمل اسم رموزها في ظل تأسيس للتاريخ القطري يبدأ من الاستقلال ويسحب التجزئة على الماضي، ويجر عباءته على الثقافة والأدب والاجتماع في ظل السياسة وقد بدأت نزعات اقتسام التراث وتوزيعه قطرياً تظهر. ويشيع جهابذة التطبيع الثقافي وفرسانه في مصر وسواها من أقطار الوطن العربي، ومن يسير على نهجهم باستحياء أو بغير استحياء، يشيعون مناخاً للتفتيت والتشكيك في الثقافة العربية يساعد تلك التيارات على تعزيز وجودها. ويصر أصحاب هذا النهج على منهجهم ويحاولون عندما تعييهم الحجة ويعوزهم المنطق والإقناع، يحاولون إظهار هذا الأمر على أنه إشكَالية حيوية، ولاسيما عندما يحاصرون بخطورة هذه المسألة. وهم إنما يفعلون ذلك كسباً للوقت ورغبة منهم في عدم التوقف عن دق المسامير في نعش الفعالية والتأثير الإيجابيين للثقافة العربية على الصعيد القومي وفي المجالات جميعاً.

5 ـ ولا يقل شأن مشكلة اللغة العربية ـ المقوم الرئيس للثقافة العربية ـ عن شأن المشكلات السابقات بل هو يزيد عليها كثيراً. ولا أقصد تراجعها وانحسار مدها العالمي ومستوى تدريسها وكيفية التعامل بها ومعها فقط، وإنما أقصد أيضاً الهجوم عليها وتشويه قدراتها ومنزلتها الحضارية وتحميلها مسؤولية تخلف الأمة، وتكوين عقلها على هذا النحو ـ في صيغة اتهام ـ ذلك العقل الذي يرى إليه فريق من الباحثين ـ من غير المستشرقين ـ على أنه عقل لا يصلح لا للعلم ولا للعصر وربما لا يصلح بنظرهم للحياة، فتأمل.

يقدم أحد الفلاسفة الباحثين أو الباحثين الفلاسفة الصورة والمواصفات التالية للغة العربية: "إن اللغة العربية الفصحى لغة المعاجم والأدب والشعر وبكلمة واحدة لغة الثقافة، ظلت وما تزال تنقل إلى أهله عالماً يزداد بعداً عن عالمهم، عالماً بدوياً يعيشونه في أذهانهم بل في خيالهم ووجدانهم، عالماً يتناقض مع العالم الحضاري ـ التكنولوجي الذي يعيشونه، والذي يزداد غنى وتعقيداً([32])" ويضيف إلى ذلك قوله: "وإذا كان المثقف العربي يتوفر اليوم، أو بإمكانه أن يتوفر على جملة من المفاهيم والمصطلحات التي فكر بها أجدادنا في قضاياهم أو في القضايا المنقولة إليهم، فإنه يفتقد المادة اللغوية الضرورية للتعبير عن الجانب العلمي، الصناعي التكنولوجي خاصة في عالمنا المعاصر، وذلك إلى درجة أننا لو قررنا عدم النطق إلا بالألفاظ العربية التي تعترف بها قواميسنا لكان علينا أن نمسك عن الكلام معظم الوقت في منازلنا وشوارعنا ومدارسنا، ومن ثم فسيكون علينا أن نزيح عن عالمنا جميع الأشياء الحضارية المادية والفكرية التي تشكل قوام العالم المعاصر"([33])ويخلص الباحث الفيلسوف إلى نتيجة أو حكم على "عالم العرب" الذي صنعته لغة "عاجزة عن التطور" ومفاد هذا الحكم أن "العالم الذي يعيش فيه العرب على مستوى الكلمة والعبارة والتصور والخيال، بل على مستوى العقل والقيم والوجدان، إن هذا العالم ناقص فقير ضحل جاف حسي طبيعي ولا تاريخي، يعكس ما قبل تاريخ العرب، العصر الجاهلي، عصر ما قبل الفتح وتأسيس الدولة"([34]).

فلنتأمل في هذا القول، ولنضع في اعتبارنا الحملات الكبرى على اللغة العربية والثقافة العربية قديماً وحديثاً، ودعوات استخدام العاميات، واستبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني ـ دعوة سعيد عقل وسواه ـ ولنتبصّر في المشكلة التي تواجهها اللغة العربية، المقوم الرئيس لثقافتنا، ولنفكر جيداً في المرامي البعيدة للخطوط المؤثرة سلبياً على العربية وعلى دورها كوعاء معرفي مواكب للتقدم وفاعل فيه، واللغة ـ كما نعرف ـ تحمل رصيدنا المعرفي وخصوصيتنا وأسلوبنا في التفكير وعقيدتنا الدينية وخلاصة تفاعلاتنا من خلالها، ومن خلال كل ما تحمل، مع الحياة والحضارات، فلنفكر بهذا جيداً ونحن نواجه هذه الحملة على اللغة العربية من أبنائها اليوم، بعد أن مهد لـها وبدأها الاستشراق غير النظيف قديماً ومن هم في الإطار غير النظيف من الاستشراق المعاصر، وورثة أولئك وتلامذتهم من أبناء أمتنا أولئك الذين مازالت جهودهم تفعل فعلها السلبي في مجالات وتيارات مختلفة، وتهدف إلى تقويض ركيزة الثقافة وشخصية الأمة المتمثلتين في اللغة العربية. وهم يرتكزون اليوم على مجاراة العصر، والعصر عندهم يتلخص بـ "التكنولوجيا" التي يرون لغتنا غير قادرة على استيعاب معطياتها وضروراتها، وغير قادرة على تحقيق نقلة علمية نوعية لعقلنا ـ واللغة أداة تفكير ـ إلى معطى الحداثة المستقبلية، في مجالات الابتكار والتعامل مع العلوم والمخترعات والتقنيات وثورة المعلومات، بإبداع قوامه العقل واللغة ومنهج العلم المتطور.

وإذا كان من المسلم به أن قصوراً ملحوظاً يسود قطاعات العلوم الحديثة المتقدمة لدينا، فمن المؤكد أن هذا يعود إلى أسباب متعددة ومتشابكة أبرزها سياسات التعليم بمستوياته وأساليبه، والحالة العامة التي يعيش فيها المواطن والوطن العربيين، وليس إلى اللغة العربية التي حملت وتحمل قدرة على التجدد لم تعرفها لغات أخرى.

وإذا كان هناك من قائل يقول: إن لغتنا العربية هي السبب في عدم لحاقنا بركب الثورة التكنولوجية المتقدم- على ما في التكنولوجيا من افتقار واضح "إلى الأساس الأخلاقي والجمالي كما يقول هربرت ريد" ـ والعلم الحديث فإنه يحق لنا أن نسأل: لماذا لم يحقق ذلك عرب يتلقون العلوم كلها وما يتصل بالتقنيات المعاصرة باللغتين الفرنسية والإنكليزية في معظم الجامعات العربية ومنذ سنوات ليست قليلة؟ لا أظن أن هناك من يتجرأ على اتهام الجنس العربي بأنه يملك قصوراً وراثياً في مجال العلوم وتكويناً خلْقياً ـ شائهاً على نحو ما ـ لا ينسجم والتكنولوجيا ولا مع التقدم والتحديث، فذلك يغدو نوعاً من التمييز العرقي المريض الذي مارسته النازية والشوفينية والصهيونية، وثبت بطلانه علمياً وإدانته أخلاقياً.

والعجب كل العجب في أنه كيف يحيي عدونا لغة ميتة أكل الدهر عليها وشرب، ويحاول أن يجعل منها لغة علمية وعصرية، لغة تقنيات ومعلومات، مستبدلاً بها لغات متقدمة شتى يتقنها "مواطنوه"، ويحيي الاستعمار في أرضنا لغات ما كانت ذات وجود حي في يوم من الأيام، وينفق على ذلك بدوافع ترمي إلى تفتيت الوطن العربي وتعزيز التجزئة والنزاعات العرقية والطائفية، وينشئ من أجل ذلك المعاجم ومراكز البحوث والدراسات، وننكب نحن بخناجرنا على عنق لغتنا الحية وقلب حضارتنا العربية، نطعنها لنحيل جسدها الحي إلى ما يشبه الجثة؟ ونشيع في الخافقين أنها لغة ميتة لا تجاري العصر، وأنها هي السبب في التكوين غير العلمي للإنسان العربي، وإنها لا تصلح أداة تعامل مع عصر التكنولوجيا وعصر ثورة المعلومات؟([35])، وللمرء أن يسأل كيف: تخلص الشعوب للغاتها وتتقدم بها ومن خلالها. ويكون علينا نحن أن نتنكر للغتنا أو ينبغي أن نتنكر لـها حتى نحقق تقدماً؟‍ ألا ينطوي ذلك على شيء خطير موجه إلى ما تحمله اللغة أصلاً، وإلى قدرتها على تواصل قديم بحديث وعلى حمل معالم الهوية المتجلية بوضوح في العقيدة وجذورها وجذعها: القرآن الكريم؟

وهل لغتنا قاصرة عن مجاراة العلم والعصر، والعلم في العصور المقبلة لتخلف في تكوينها، أم أبناؤها هم الذين تخلفوا فأورثوها قصورهم وتخلفهم؟ إن المصطلح العلمي والتسمية الجديدة للمخترعات والاكتشافات ترافق لحظة الابتكار والإبداع والصناعة وتنبع منها، كما ترافق طرح الابتكار والصناعة في سوق التداول، وتحمل الاسم الذي يروج لأسباب مختلفة، وقد يكون المصطلح أو الاسم مشتقاً أو منحوتاً أو مركباً من كلمات، إذا عرضت على العربي في إطار صلتها بلغاتها وأصولها استغرب من جهة واستساغ من جهة أخرى تسميات عربية، ووثق بقدرة لغته على تقديم أفضل مما قدمته لغات العلم والتكنولوجيا المعاصرة من مصطلحات وتسميات ودلالات. ويبقى لنا أن نواجه أخيراً سؤالاً محدداً: وهو: ما الذي يبقى لنا من مقومات شخصيتنا إذا فقدنا اللغة بكل ما تعنيه وما تحمله، وفكرنا وعبرنا بلغة أخرى، أفلا نصبح أبناء ثقافة أخرى، ونفقد كل صلة بالنسغ والنكهة المميزين لثقافتنا؟ ونفقد التواصل المؤكّد للأصالة والمثري للإبداع، والمكّون للهوية؟ وما يكون دورنا في ثقافتنا يوم نفقد تواصلنا وتفاعلنا البناء مع مقوماتها ومع الأوعية التي تحمل تلك المقومات؟

ألا تقولب اللغة التي سوف نتكلمها ونفكر بها ونعبر بواسطتها، ألا تقولب عقلنا وتجعله يمارس فعاليته فيها أو بواساطتها، ويتمثّل معطياتها الثقافية وأهدافها، ومن ثم تقولبه وتحكمه وتجعله يتبنى أهداف الآخرين ومشروعاتهم، ويتزين لـهم ليُرى منهم ويلبس لبوسهم، ويفقد المشيتين؟

أفلا يستدعي هذا النهج وهذا التوجه أن نفكر بهما ونتصدى لـهما؟ أفلا تستحق هذه المشكلة عناية خاصة ممن يعملون على حماية الحدود القطرية، والشهامات العشائرية، والفسيفساء الطائفية والإقليمية؟

وهل نحن شعب لا فرق عنده فيما يسكن من أرض لأنه لم يحمل مورثات بيئة وأرض كما يحاول بعضهم أن يشيع؟ أم أننا شعب يحمل هوية الأرض ويمنحها هويتها، ويجعل منها بيئة لثقافته، ويجعل من ثقافته حاملاً لبيئة الأرض ومعطاها، وهي من دون وعينا بها وبتاريخها وبمعنى وجودنا عليها وإعمارنا لـها، ورؤية الحياة والكون والطبيعة من خلال العيش عليها والامتزاج بترابها والانبعاث منها، ليست سوى تراب في تراب؟

وإلى جانب هذه المشكلات الهامة في هذا النسق، تشخص مشكلات أخرى سأكتفي بالإشارة إلى بعضها، حتى لا أمر على نسق من المشكلات من دون ذكر لـها، ولو بصورة عابرة، ومنها:

6 ـ مشكلة الموقف من التراث وكيفية التواصل معه، والنظرة إليه، ذلك الذي يرى إليه بعضهم كإشكالية ويرى فيه فريق مشكلة. وهل هو قيد يمنعنا من أن نرفع رؤوسنا، أم هو مما يمكن أن يدفعنا إلى أن نعي معنى أن نرفع تلك الرؤوس؟ وهل يمكن أن نكون نحن.. نحن، من دون أن يكون فينا ومن دون أن نتمثله ليلوّن عطاءنا ويمهره بسمته وخصوصيته؟

هل نعود إليه ليسجننا، وهل هو سجن أصلاً؟ أم نمتح منه ليمنحنا ثقة وأصالة ودفعاً يساعدنا على بذل الجهد ولنصدر عن خصوصيتنا، في العصر الذي نحن فيه، ويسهم في أن ننعتق من قيود الغزو الثقافي والاستلاب التي كبلتنا؟

وهل تراثنا هو فقط ذلك السيل من الكتب الصفراء التي حكم عليها من دون معرفة ما بها؟ وهل تراثنا هو مجرد نسق "بيان" يجافي العقل ويبغض البرهان؟ أم مجرد سيل "عرفانيات" لا صلة لـه بالعقل ولا بالمنطق اللذين يبنيان؟‍ وهل "العرفان" أصلاً يتجافى مع العقل والبرهان والمنطق كلياً([36]) وهل ينسحب على تراثنا ووجوده في الزمن الثقافي العربي الراكد، أو شبه الراكد، قول من قال عن نوع الحضور الذي يملكه: "إنه حضور القديم لا في جوف الجديد يغنيه ويوصله، بل حضوره معه جنباً إلى جنب ينافسه ويكبله"([37]) وهل حضور تراثنا هو على هذا النحو الذي ذُكر فقط، أم أنه مصدر غنى وإلهام ومنبع أصالة وتقدم، بهوية ووضوح رؤية فيما حصل من قيم ومعارف؟‍ وإذا كان التراث على ذلك النمط الذي اقتبست إشارة إليه وتوضيحاً لـه، فمسؤولية من تلك، ولم لا يعيش التراث فينا بدل أن يبقى نسقاً يجارينا، ولم لا نحكمه بما هو أقوى منه ـ فكراً ومنطقاً وعلماً وثقافةً إن وجد ـ وأقدر على التقدم والانطلاق، هذا إذا كان هو مجرد قيد يكبلنا؟ ونحن إذا تركنا هذا التراث القيد وحطمناه وألقيناه في مدى الزمن والتاريخ، فمن نكون، ولأية أغراض ننبذه، ولمصلحة من ولأجل ماذا نفعل ذلك([38])؟! كيف ننظر إلى هذا الموضوع إجمالاً؟ وهل هو مشكلة تحتاج إلى مناقشة وحل، أم هو فعلاً إشكالية يمكن أن يفتح الخوض في احتمالاتها آفاق مشكلات وأبواباً وتساؤلات؟

7 ـ وآخر ما أشير إليه من مشكلات هذا النسق وربما أهمها هي مشكلة حرية التعبير بآفاقها ومفهومها ومسؤولياتها وما ينشأ عنها وما ترتبه على صانع الكلمة وناقلها ومتلقيها من تبعات وأعباء وواجبات. ولا يمكن الحديث عن حرية التعبير لدى الكاتب والمفكر والمبدع بمعزل عن الحريات العامة في الوطن العربي، فحرية الكاتب مرتبطة أيضاً بحرية القارئ ومتلقي الإبداع، كما لا يمكن الحديث على الديمقراطية، التي عرفها العرب منذ القدم وعبر عنها الإسلام بالمساواة وعلى ما يتصل بسلامة ممارستها، بمعزل عن الحريات والمناخ العام الذي يوفر شروط الحياة والمواطنة، ويصون الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، تلك الحريات التي تحرص على تبيانها القوانين والشرائع ويحترمها أو ينبغي أن يحترمها الجميع وأن يخضع المسؤولون والسلطات والمواطنون لأحكامها.

ويبدو لي أن هذه هي مشكلة المشكلات في الحياة العربية إجمالاً، وفي الثقافة العربية تحديداً، ويصعب النظر إليها خارج حدود مفاهيم الالتزام والمسؤولية والوعي التام لتبعات ذلك كله وما يترتبه على كل فرد، فالحرية محدودة بحرية الآخر وباحترام حقوقه، ومشروطة بالحفاظ على إطار الاجتماع والعمران البشريين، وعلى العيش في تجمعات مدنية القيم والمعايير لـها مواصفات عامة ترتبط بالحفاظ على النوع والأمة والوطن والهوية، وبالحفاظ على الأمن والمشاعر العامة وروح المواطنة وكيان الدولة، الذي يحفظ ذلك للفرد والجماعة والأمة على السواء أو ينبغي أن يحفظ لـها ذلك. وهذه المشكلة تثير إشكالية حرية التعبير من منظور علاقة الأدب بالسلطة والثقافة بالسياسة([39]).

وبإيجاز شديد أقول إن حرية الإنسان أثمن ما في الوجود، وحرية التعبير تهم صاحبها كما تهم الآخرين، وهي جزء من مقومات السلامة الاجتماعية والسياسية والثقافية، إذا ما استخدمت بمسؤولية ووعي وحرص على سلامة المفهوم والتطبيق. والحرية تؤخذ ولا تعطى، وطالبها يمهرها الدم وكل أنواع التضحيات، ويعرف منزلتها من حياته ومن الحياة، يحدد أفقها الوعي المعرفي الذي هو تجدد مستمر. والحرية ترتب على المعني بها مسؤوليات، كما ترتب على حاملها مسؤوليات. إذ إن حرية الكلمة لا ترتبط بحرية المبدع فقط وإنما ترتبط بحرية الملتقي أيضاً كما أسلفت، وتأخذ فعاليتها ومداها من اندياح الوعي واتساع مداه، ومن تأثير انتقال سيولته ونسغه بين الطرفين. فدرع الكلمة الذي يحميها يقوم في متلقيها، ويتجلى التناغم بينهما عندما يَحْسنُ الأداء والتفاعل البناء اللذان يجمعان الاثنين في وحدة إبداعية حيوية وخلاقة، وحدة تغيير وتثوير وإغناء واغتناء، تعتمد على التنوير والتحريض، وتؤسس لعلاقة جدلية بين أطراف العملية الإبداعية جميعاً، حيث يصبح وسط الإنتاج والتلقي الثقافي سليماً مزدهراً، وضرورياً للحياة، بل ومن أهم مستلزماتها ومقومات سلامتها، وحرية التعبير تحتاج إلى تفهم دقيق لمداها وضرورتها ورهافتها، وللحاجات الملحة لوجودها، ولاسيما في أوساط المسؤولية السياسية، حفاظاً على حيوية الفكر والإبداع، ودرءاً للفساد ولضمور الحياة وانحسار جانبها الروحي وحرصاً على تدفقها وتجددها، كما تحتاج من المبدع وضوحاً في الرؤية وفي حدود المسؤولية ومداها.

إن الانطلاق من الحرص على دور كل فرد في المجتمع والدولة، ومسؤولياته ضمن إطار السلامة الأخلاقية والقيمية والقانونية، إن ذلك الانطلاق يحمي مناخ الحياة السلمية بالحرية ويحمي الحرية ودورها في خلق المناخ السليم واستمراره.

2 ـ مشكلات في النسق الثاني:

وتكاد حرية التعبير ترتبط بالنسقين اللذين أشرت إليهما سابقاً، واللذين رتبت فيهما بعض المشكلات الثقافية العربية. فهي من حيث الوعي بها، وكيفية تجليها في الإبداع حاملة للهوية مجددة لأفق الرؤية الحضارية تتصل بالنسق الأول من المشكلات، وهي من حيث الممارسة وكيفية الأداء وحدود الصلات والحقوق والواجبات، ومن حيث العلاقة بين المبدع والرقابة والسلطة، مشكلة من مشكلات النسق الثاني ذات الانتشار الأفقي إن صح التعبير، وتطرح بالضرورة موضوع الرقابة.

أ ـ فالرقابة موجودة في الوطن العربي كما هي موجودة في بلدان العالم الأخرى، ولكن لكل بلد أسلوبه في التطبيق والتعامل مع المبدعين ومع صنوف الإبداع ومصنفاته، وله أيضاً محظوراته ومحرماته ومباحاته. كما أن لكل عصر من العصور محظورات ومحرمات ومقدسات. وهناك ثوابت أو شبه ثوابت من المحظورات تتفاوت درجتها بين بلد وآخر وعصر وآخر، ولكن تفاوتها لا يلغي حقيقة وجودها، وهيمنة ظلالها على الكتابة.

ولا يوجد في مجال العلاقة بين الرقابة والإبداع إلا خيارات محددة: إما الامتناع عن كل رقابة مهما كان شأنها وشكلها وأسلوب ممارستها، وإما القيام برقابة سابقة يتبعها السماح بالنشر والتداول والإذاعة والبث، وإما القيام برقابة لاحقة تأخذ بالاعتبار رأي الناس وانعكاس الأثر المنشور على مشاعرهم في أثناء تفاعلهم معه.

أما الرقابة العربية فإنها تأخذ طابع الرقابة المتصلة بالنهج السياسي والأيديولوجية السياسية ومقدسات النظام، وربما اشتركت في معايير متقاربة بشأن ما يتصل بالقيم الأخلاقية والروحية والعقيدة لوجود تراث مشترك يشكل أرضية لثوابت يحترمها الجميع مع وجود استثناءات وحالات لا يقاس عليها.

وتنعكس على الرقابة العربية حالات تتعلق بثقافة الرقيب ومزاجيته ودرجة وعيه، وحسه القومي وانتماءاته، وهي في هذا المجال تختلف ـ حين تمارس ـ باختلاف اجتهاد المجتهدين. وكثيراً ما تتناقض أو تتعارض بين قطر وآخر، ومن حكومة إلى حكومة.

وعدم إيجاد حل لمعوقات الرقابة من المشكلات التي تعترض الثقافة العربية وتعيق انتشارها كما تعيق بلورة اتجاهات واضحة فيها.

وهي تؤثر على الدور القومي الذي تلعبه الثقافة العربية، لاسيما في تكوين أجيال تؤمن بمستقبل الوحدة العربية وتعمل لـها.

ولكنها ـ على صعوبة التعامل معها ـ تبقى من مشكلات النسق الثاني الذي يمكن إيجاد حلول لـها بتشريعات وقرارات وأنظمة يحققها اتفاق عربي، أو تنسيق شامل في هذا المجال. ومن مشكلات النسق الثاني التي سأكتفي بمجرد الإشارة السريعة إليها كما أسلفت:

ب ـ مشكلة توزيع الكتاب والدورية الجادة / أو التواصل الثقافي الفعال/ تلك التي تصطدم بصعوبات الشحن وارتفاع تكاليفه، وبمشكلات تحويل النقد بين المصارف العربية، وما ينشأ عن معاملة الكتاب معاملة السلعة التجارية، من صعوبات ومعوقات جمركية تطبق على المنتجات الثقافية بين أقطار الوطن العربي مع كل أسف.

ج - المحافظة على حقوق المؤلف المادية والمعنوية حيث تتعرض هذه الحقوق للانتهاك، وكثيراً ما يُسرق المؤلف من قبل الناشر ويسرق الناشر من قبل الموزع، فلا تقوم في هذه المجالات قواعد عمل عربية تحافظ على حقوق كل طرف من الأطراف المعنية بإنتاج الكتاب وتسويقه.

      وعلى الرغم من صدور الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف بين أقطار الوطن العربي، إلا أن هذه الحقوق مازالت قيد الانتهاك.

د ـ مواجهة متطلبات العصر في مجال الصناعات الثقيلة بأنواعها، لاسيما صناعة الكتاب، ابتداء من الخامات والمواد الأولية اللازمة للطباعة، وانتهاء بأساليب الطباعة وتخزين المعلومات على الأشرطة واسطوانات الليزر واستخدام الحواسيب وآلات القراءة الحديثة، مع ما يفرضه علينا ذلك من تطوير للحرف العربي ولقدرات لغتنا وتخزين المعلومات بها في مصارف المعلومات، وربط مراكزنا ومكتباتنا القومية، المهتمة بالقضايا الثقافية، عبر الأقمار الصناعية، بمراكز المعلومات وبمصارفها، ليكون المتعامل معرفياً من خلال العربية موكباً للعصر معرفة ووسائل تقنية واتصال، ومتمكناً من الإنجاز في عصر الجيل السادس من الحواسيب، وأساليب البحث المتطورة، وعصر هندسة المعرفة.

وكل ذلك يتطلب الاهتمام بكل ما من شأنه أن يسهل على باحثنا ومراكزنا والمهتمين بنشر الثقافة والاستفادة منها في وطننا، القيام بما يرغبون في القيام به من إنجازات.

ويستدعي هذا تكوين الأطر البشرية القادرة على تشغيل الأجهزة وصيانتها والتعامل معها وتصنيعها وتطويرها مستقبلاً، والاستفادة من القمر الصناعي العربي استفادة جيدة في مجالات الثقافة الجادة.

هـ ـ مواجهة متطلبات الأمن الثقافي العربي في المستويين المعنوي والمادي. وعلى الصعيد المعنوي تتصل المواجهة بالتحصن ضد الغزو الثقافي وأشكال الهيمنة والتبعية الثقافية، بما لا يجمد أو يلغي التواصل البناء مع الثقافات الأخرى، واستمرار عملية المثاقفة بثقة وكثافة ونجاح، والتصدي لأشكال التخريب الثقافي التي تتجه إلى اللغة والقيم الفنية والمفاهيم ووسائل التعبير وأدواته وأصوله، وكذلك مواجهة الثقافة الاستهلاكية التي أصبحت خطراً على تكوين الوعي المعرفي وعلى مستوى التعامل الجدي مع الثقافة.

أما على الصعيد المادي فتتطلب ضرورة تحقيق الأمن الثقافي العربي، قيام صناعات ثقافية عربية شاملة للاحتياجات كلها بدءاً من المواد الخام وانتهاء بمراحل التصنيع المتطورة في مجالات النشر المطبوع على الورق، وكذلك النشر بالوسائل المسموعة والمسموعة المرئية، ولا يتم ذلك إلا بجهود قومية متكاملة، وبرؤوس أموال عربية أيضاً. فهذا المستوى من المواجهة لا يتم قطرياً وإذا تم فسيبقى منقوصاً، لأن ضخامة التحدي وكلفته تستدعيان تخطيطاً وتمويلاً وتنفيذاً عربياً شاملاً.

ومن الطبيعي أن مثل هذا الأمر يستدعي معرفة ما لدينا وما نحتاج إليه في إطار نظرة قومية واعية ومسؤولة، تكون بحجم التحدي التاريخي، وتأخذ بالاعتبار الإمكانات القائمة وحاجات الحاضر، وكذلك روح التطور واحتياجات المستقبل، في ظل حقيقة تطور نعيشها حيث يتقدم العالم الصناعي تقنياً حسب متوالية هندسية ونتقدم نحن حسب متوالية عددية، هذا إذا تقدمنا باستمرار.

إن مواجهة احتياجاتنا في ضوء الرغبة التامة في مواكبة العصر، تستدعي مواجهة الذات بحقيقة ما نحن عليه وما ينبغي أن نعمله لنكون. على أن تتم هذه المواجهة في جميع المستويات المعنية وبقدر من الصراحة والوضوح، يضمن لنا بداية سير سليم على طريق سليمة.

إن مشكلات كثيرة تعترض مسيرتنا الثقافية عربياً لم أتعرض لـها أصلاً، وأشرت إلى بعضها بإيجاز، وذلك لأنه يصعب كما أسلفت، حصر مشكلات الثقافة ومعالجتها من جهة، ولأنه لا يتسع كما أسلفت، حصر مشكلات الثقافة ومعالجتها من جهة، ولأنه لا يتسع المجال هنا للتوسع في بحث المشكلات، وآمل أن تتاح لي فرصة تعميق البحث في بعض هذه المشكلات والتوقف عند ما لم أتوقف عنده منها في فرصة لاحقة.

¡¡¡



([1]) علي بن أبي طالب.

([2]) دافييد صموئيل مرغليوث 1940-1850 David Samuel margoliouth كتب مقالة بعنوان أصول الشعر الجاهلي نشرها عام 1925 في شهر تموز بمجلة الجمعية الآسيوية الملكية jornal of the royal Asiatic xocietz وقد قال أربري عن آراء مرغليوث هذه "إن السفطسة ـ وأخشى أن أقول الغش- في بعض الأدلة التي ساقها الأستاذ مرغليوث لا تليق برجل كان ولا ريب من أعظم أئمة العلم في عصره" أنظر مقالة د. محمد مصطفى هدارة "موقف مرغليوث من الشعر العربي في كتاب: مناهج المستشرقين ـ جـ 1 ص 400 وما بعدها ـ منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومكتب التربية العربي لدول الخليج عام 1985م.

([3]) كان طرح الدكتور طه حسين في "الشعر الجاهلي" والمستند إلى ما طرحه المستشرقون أصلاً وعلى رأسهم مرغليوث يرمي كما رموا هم، إلى التشكيك بالرواة وبما رووا، وبنسق الشعر العربي المعروف وأوزانه وصحة نسبته.. الخ وصولاً إلى أمرين:

1) ـ التشكيك برواية القرآن الكريم وتسجيله، وبرواية الحديث من خلال التشكيك بالرواة وما أثر عنهم، وكان الشعر مدخلاً.

2) ـ القول إن القرآن نوع من الشعر أو هو الشعر الآتي على نمط سجع الكهان حيث الكهان ـ كما يريد أن يقول مرغليوث وفريق من المستشرقين  ـ هم الشعراء في العصر الجاهلي، ومرغليوث هو الذي قال "يستحيل أن تستظهر من النقوش العربية أن العرب كانت لديهم أية فكرة عن النظم والقافية".

     وقد رد على هذه الطروحات كل من:

     محمد الخضر حسين: نقض كتاب في الشعر الجاهلي.

     محمد الخضري: محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب "في الشعر الجاهلي".

     محمد فريد وجدي: نقد كتاب "في الشعر الجاهلي."

     محمد أحمد الغمراوي: "النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي."

     شكيب أرسلان: مقدمة كتاب الغمراوي.

     محمد لطفي جمعة: الشهاب الراصد.

     مصطفى صادق الرافعي: المعركة تحت راية القرآن...

([4]) إن "الحقيقة الأهم هي التشابه بين آثار المريبط ـ المرحلة الأولى ـ وآثار النطوف في فلسطين، ويبدو من هذا الحقيقة أن الحضارة النطوفية قد شملت بلاد الشام وأرسلت بأشعتها إلى البلدان المجاورة "آثار الممالك القديمة في سورية" تأليف: د. علي أبو عساف. منشورات: وزارة الثقافة في سورية عام 1988.

     وأشار المنقبان والباحثان الآثاريان "ف. بوبلان F Poplin و"م. س كوفان M.C. Couvim" إلى أن العصر النطوفي الممتد عبر الجليل وجنوب لبنان موجود في الساحل "جعيتا" ـ برج البراجنة" وفي سهل البقاع الداخلي حتى يبرود وفي منطقة دمشق "محطة جيرود" ويمتد حسب إشارات الباحثين ليصل إلى سهل العمق" ويسهم موقع "جرادة" في ملء ثغرة هامة" حيث يصل امتداد هذا العصر إلى شمال غرب سورية".

     انظر مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد 36 ـ 37 لعامي 1986 ـ 1987/ المقال ص 304 ـ 305 وتعريب وتلخيص بشير زهدي لـه ص 127 ـ 128 من العدد ذاته.

([5]) انظر ما تقدمه مكتشفات حوض نهر الخابور في شمال شرق سورية ولاسيما تل أسود ـ تل الدامشلية الألف السابع قبل الميلاد 6600ق. م" وتل أبيض" وأم قصير وأنظر أيضاً بورهار برينتيس في دراسته لنشوء الحضارات القديمة منشورات: دار الأبجدية ـ دمشق 1988.

([6]) "الكتابات التي تعود إلى فجر عصر السلالات ليست كلها سومرية بل أكادية أو كيشية نسبة إلى مدينة كيش على الدجلة إلى الجنوب من بغداد... والخصائص الحضارية التي امتاز بها الجنوب السومري، نجدها نفسها على ضفاف الفرات في مواقع عارودة وحبوبة وقناص ببلاد الشام، إن محاولات الإنسان الأولى في تدوين لغته قد جرت في بلاد الشام، وجنوبي ما بين النهرين، في آن واحد، ولم يعد الآن من يقول بأن السومريين هم الذين اخترعوا الكتابة، بل السومريون والأكاديون والكيشيون معاً.

     (...) وتأسيساً على ما تقدم. نرى أن السومريين والكيشيين والماريين على الفرات والأبليين هم مبدعو حضارة فجر التاريخ، والكيشيون والماريون والبابليون هم من أهم ممالك القبائل القديمة في بلاد النهرين وبلاد الشام" ـ آثار الممالك القديمة في سورية ص 192 تأليف: (د. علي أبو عساف ـ منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1988).

([7]) "إن الوثائق التي وصلتنا من ماري وبابل وأوغاريت والعمارنة قد كتبت بلغة واحدة هي الكنعانية. ولكل هذا اعتقد كثير من العلماء أن القبائل البدوية التي انتشرت في بلاد الشام خلال القرنين الأخيرين من الألف الثالث ق. م وانتقلت شرقاً إلى بلاد النهرين، كانت كنعانية" المصدر السابق ص 320 ـ 321.

     وقد أكد أساتذة التاريخ في قسم التاريخ بجامعة دمشق في رد جماعي لـهم نشر تحت اسم د. عبد الكريم رافق رئيس القسم في جريدة تشرين ص 3 العدد 4484 تاريخ 6/6/1989 "أن الحضارة العربية هي الوريثة الشرعية لجميع الحضارات السابقة في الوطن العربي" السومرية ـ الأكادية ـ الإبلائية ـ الآشورية ـ البابلية ـ الكنعانية ـ الآرامية.. الخ تجمع بينها عوامل اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافية" ويحسن تأمل الجملة الأخيرة بتدقيق وإمعان تأمين.

([8]) كان هناك تواصل ثقافي تام في إطار لغة واحدة بين مراكز الحضارة العربية القديمة بدءاً من مواقعها في جنوب العراق وانتهاء بشمال غرب سورية في أوغاريت قبل اختراع الأبجدية. يقول شيفمان: "لقد استخدم الأوغاريتيون اللغة الأكادية كلغة واسعة الانتشار توحد العالم المتحضر المعروف في ذلك الوقت تقريباً" ويضيف قائلاً "ونشير أخيراً إلى أنه لم يكن لانتشار اللغة الآكادية هذا إلا أن يفضي إلى ظهور وحدة دينية معيّنة غدت أوغاريت جزءاً لا يتجزأ منها" ـ ثقافة أوغاريت 1159 تأليف: أ. ش شيفمان ـ ترجمة د. حسان ميخائيل اسحق ـ منشورات: دار الأبجدية ـ دمشق 1988 ط1.

([9]) انظر إذا أردت الوقوف على تفصيلات تبين معرفة العربي وإسهاماته في هذا المجال وفي تواريخ سابقة على كل معرفة بشرية بذلك:

     أسطورة التكوين البابلي "إيلوما إليش" ـ وقاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين (السورية والبابلية) وفي الحضارة السورية (الأوغاريتية والفينيقية) تأليف: "د. ا. أدزارد Ditey otto edzara "مارفان. هـ . بوب: Marvin H. pop و"ف. رولينغ Voklfgang Rollig

     تعريب: محمد وليد خياطة ـ منشورات مكتبة سومر بحلب.

     وملحمتي أدابا وجلجامش ـ ترجمة طه باقر وكذلك أساطير أوغاريت.

([10]) "تعتبر دعوة إبراهيم الخليل إلى الوحدانية الخالصة أول دعوة عامة للتوحيد بالمعنى الدقيق لمصطلح التوحيد في تاريخ البشرية، وهي عربية "لغة ووطناً" د. محمد إبراهيم الفيومي. كتاب: في الفكر الديني الجاهلي قبل الإسلام ـ ص 175 ـ منشورات: عالم الكتب بالقاهرة عام 1979م.

     "مما لاشك فيه أن اللغة الآرامية في عصر أبرام ـ إبراهيم الخليل ـ كانت لـهجة عربية لأن ما نسميه بالآرامية لم يظهر إلى حيز الوجود إلاَّ بعد زمن متأخر جداً وأن ما يعرف بآرامية التوراة وآرامية المسيح يرجع إلى زمن الفرس وفترة العصر المسيحي".

     المصدر السابق ص 175 عن:

DR. Hommel: "the ancien herdrew Tradition P. 202

([11]) لقد كتبت التوراة من الذاكرة أثناء سبي بابل حوالي 531 ق. م أي بعد موسى بـ 900 سنة تقريباً وباللغة الأكادية ثم كتبت مرة أخرى من الذاكرة اليونانية في القرن الأول قبل الميلاد حوالي 72 ق. م. ومع ذلك يعتد بما جاء في هذا التاريخ المكتوب من الذاكرة.

([12]) أرض بعل ص 312 ترجمة: د. نايف بللوز منشورات مؤسسة البريد الدولي للصحافة والنشر ودار (فورفرس) للطباعة والنشر ـ فيينا 1985 م.

     من بحث: سورية ـ بلاد الرافدين ـ آسية الصغرى ـ في الألف الثالث والثاني قبل الميلاد.

([13]) أرض بعل ص 337 ترجمة د. نايف بللوز ـ من بحث بعنوان: الشعوب واللغات والكتابات.

([14]) راجع كتاب: أرض بعل ص 340 ـ 341.

([15]) هيرودوت يتحدث عن مصر ص 150 ـ 151 ترجمة: د. محمد صقر خفاجة ـ تقديم: أحمد بدوي ـ منشورات: دار القلم بالقاهرة ـ 1966م.

([16]) المصدر السابق 149 ـ 150 ومن المفيد العودة إلى الأدب اليوناني عامة ولاسيما المسرحي منه، ومسرحيات سوفوكليس وأوديب خاصة، للوقوف على علاقة أسرة كادموس والكادميين بالشعائر الدينية والعرافة.

([17]) هيرودوت يتحدث عن مصر ص 155 ـ 156.

([18]) المصدر السابق ص 156 ـ 157.

([19]) "واليونانيون أنفسهم كان سكان بلادهم الأصليون قوماً سموهم الفلاسجيين وهم من غير جنسهم، ولغتهم "بربرية" وأنهم بنوا مدناً في البلبينيس "هارفي بورتر ـ المنهج القويم في التاريخ القديم ص 200 منشورات بيروت 1884م.

([20]) "ويرى أنه أتى قوم من فينيقية في مقدمتهم قدموس، وسبب ذلك أن زفساً عشق أخته أوربا فسباها وأخذها إلى كريت فجمع قدموس رجاله وسار إلى تراكي ثم إلى بيوتيا طالباً أخته فلم يجدها فسأل معبد دلفي، فإله ذلك المعبد إذ عرف من سباها أخبره أن يكف عن طلبها ويسكن البلاد التي كان فيها. وأمره أن ينزل من الجبل فيلتقي ببقرة وأن يتبعها إلى أن تقف وهناك يؤسس مدينة ففعل وبنى مدينة ثيبة المشهورة.

([21]) "اشتهر هرمس في الأوساط الإسلامية وقد استحدث عنه ومن عجائب حكمته وعلمه وظل موضع إجلال المسلمين واحترامهم حتى نهاية القرن السادس الهجري ورفعه المسلمون إلى مصاف الآلهة كما فعل اليونانيون والمصريون بل إلى مصاف الأنبياء مما ثبت قطعاً أن الفلسفة الهرمسية لم تصل إلى المسلمين في صورتها اليونانية الخالصة، بل وصلتهم بعد أن امتزجت ببعض الأفكار والعقائد الإسرائيلية" و"إن كتباً وضعت برمتها ملخصة الفلسفة الهرمسية مما ساعد على ذيوع هذه الفلسفة وشيوعها بين المسلمين" د. محمد إبراهيم الفيومي ـ في الفكر الجاهلي قبل الإسلام ص 127 ـ منشورات: عالم الكتب ـ القاهرة ـ 1979م.

([22]) ترد نشأة الهرمسية إلى الألف الثاني قبل الميلاد وترتبط بهرمس وبالإله أغاثا ديمون Agatha Diamon ونجد بذورها الأقدم في معتقدات سورية القديمة في عهد الكنعانيين ـ العموريين بدءاً من أواخر الألف الثالث قبل الميلاد حوالي 2000 ق. م حيث كانت عبادة الآلهة المتعددة منتشرة، ولكن معظم البشر كانوا يعبدون الشمس والقمر بشكل عام لكونهما مصدر النور الذي يبدد الظلام. يقول "جورج رو" مؤلف كتاب العراق القديم "غير أن آلهة أخرى على الرغم من تخصص عبادتها في مدن معينة، كانت، بسبب طبيعتها معبودات جماهيرية شبه عامة كإله القمر "ننا" (يسميه الساميون سن) الإله الحامي لمدينة "سبار" و"لارسا" وكلاهما "مبدد الظلام" وهذه قدرة تحوز معنى مجازياً مؤثراً على الجميع "كان إله الشمس" يفضح الأشرار ويكشف العدل" عندما يفيض ضياؤه القوي على الأرض" العراق القديم ص 131 منشورات: وزارة الثقافة والإعلام ـ بغداد 1963 م ط 2 ترجمة وتعليق: حسين علوان حسين.

ـ وكان إله القمر يعبد في حران الواقعة شمالي بلاد الرافدين أيضاً يعبد إله الضوء والنار "فوسكو" على أنه ابن إله القمر ويعرف هذا الإله عادة على أنه ابن الليل ووزيره. وحافظت حران على عبادتها لإله القمر حتى العصور العربية ـ الإسلامية" قاموس الآلهة والأساطير السومرية الأكادية تأليف: مارفن ـ هـ. بوب ـ فولفغانغ روليغ ـ ترجمة محمد وحيد خياطة ص 48 ط 1 منشورات دار مكتبة سومر ـ حلب 1987 م.

ـ ويرجع الباحثون وجود هرمس المثلث الحكمة إلى فترة وجود موسى في مصر، حيث يبدو أنه ظهر هناك. وتعدد الآلهة هذا الذي كانت منتشراً في سورية منذ عهد سحيق وعبادة الشمس والقمر بوجه خاص وعلى مستوى جماهيري عام هي التي خرج عليها إبراهيم الخليل عليه السلام حيث دعا إلى التوحيد خلال الفترة من 1850 ـ 1900 ق. م تقريباً فكان أول موحد في التاريخ وجداً" في العرب دون منازع وهو من العرب الأكاديين ـ العموريين الذين انتشرت حضارتهم وتفاعلت في المنطقة كلها.

     ومن المفيد أن نلاحظ مما سبق ما يلي:

ـ تبدو الثنائية، أحد أصول الإشراقية، قديمة جداً في المعتقدات السائدة للأكاديين والعموريين منذ الألف الثالث قبل الميلاد ونجد النور والظلمة في ثنائية صراع مرتبطة بثنائية الخير والشر وتشكل أصولاً لتطور الاعتقادات والفلسفات الإشراقية.

ـ تبدو أصول التنجيم والسحر ومحاولات كشف الغيب منبثّة في الاعتقادات الأكادية ـ العمورية القديمة بدءاً بإله القمر "ننا" الذي "يقرأ المستقبل والمجهول ويعرف مصائر الجميع" وانتهاء بالأبراج التي يعتمد عليها قراء الحظ والمرتبطون بالتنجيم اليوم.

ـ يبدو استمرار هذه الاعتقادات والفلسفات القديمة، ذات المنشأ العربي القديم، واضح النوسان بين التوحيد في وضوحه وسلامة رؤية المعتقدين به وبين الوسائط والطوابع والبدائل التي تزيغ البصيرة والرؤية وتحيل إلى التجسيد المتدني والوثنية والصنميات التي تشير إلى محدودية الفهم وقصور العقل وتدني سوية الوعي المعرفي، وماديته أحياناً. ويتجلى استمرار صراع مستوييها، والرغبة في العودة إلى خط الفهم الصحيح بتطور الوعي، من خلال الأنبياء والرسالات السماوية.

ـ يلاحظ انتقال هذه الاعتقادات إلى أقوام وشعوب، ونشوءها عندها في مراحل تالية لنشأتها على الأرض العربية وفي حالات مقاربة ليست غريبة على وحدة الطبيعة البشرية وانبلاج وعيها في بيئتها في أثناء تفاعلها مع معطيات الكون والطبيعة. ويبدو أنها تدنت كثيراً في مراحل من تاريخ البشرية ولدى أقوام، وبقي الحمل المتدني في حالة تلاقح وتفاعل مع الحمل الأسمى للفكرة والاعتقاد، وربما احتوت النفس البشرية ذاتها والكيان الحي للإنسان معطيات ومقومات لكل من المستويين.

([23]) "يشارك إله القمر في بعض صفاته إله الشمس من حيث كونه إله القدر يُستفتى بحوادث مستقبلية" ويلقب "مالك القدر" قاموس الإلهة والأساطير ـ ص 48. "ألواح القدر هي بحسب التصور الأكادي ألواح مرقوم عليها مصير وحياة البشر ومن يستطيع امتلاكها فإنه يمتلك القدرة على حكم العالم" ـ المصدر السابق ص 49.

([24]) الصابئة "قوم يعظمون الكواكب بناء على تفسيرين: الأول: إن خالق العالم: الله إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام. الثاني: إنه خلق الأفلاك والكواكب وفوض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي المدبرة لـهذا العالم" الشيخ مصطفى عبد الرزاق- تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص 102 عن كتاب في الفكر الديني الجاهلي للفيومي ص 105 وانظر أصول الصابئة وأنواعها ومعلومات عنها والرد عليها في كتاب د. الفيومي وفي فهرست ابن النديم.

([25]) للتوسع في معرفة ذلك انظر: الموسوعة الفلسفية العربية ـ المجلد الثاني ق 2 ـ الهرمسية بدءاً من ص 1410 ط 1 ـ د محمد عابد الجابري ـ منشورات معهد الإنماء العربي ـ بيروت 1986.

([26]) الموسوعة الفلسفية العربية ـ م 2 ق 1 ص 696 سلمان البدور.

([27]) في رأي آخر حول الإشراقية ودورها نجد أحمد خواجة يقول: "إن نظرية الفيض اضطلعت بنصيب كبير من مسؤولية حل ألغاز المعرفة في عصرها ـ وخاصة في الفكر الإسلامي ـ حيث أدت واجبها كاملاً أو شبه كامل. وحسبها أنه ليس فيها عنصر غير عقلي وإنها نظرية منسقة مترابطة يأخذ فيها السابق بعنق اللاحق في نظام منطقي متسلسل معقول. صحيح إن النظرية كانت تعود في نهاية الأمر إلى القول بوحدة الوجود بشكل أو بآخر، إلا أنها كانت إسهاماً جاداً في حل معضلات اتصال العالمين: الحسي والعلوي المفارق" الموسوعة الفلسفية العربية ـ م 2 ق 2. ص 1063.

([28]) "الإشراق حدوث الإلهامات من الله للصوفي بطريق مباشر وعلى باطنه أو في قلبه. وقد عرف الإشراق في الفلسفات الشرقية القديمة التي ترى أداة المعرفة النور الباطني أو الحدس الوجداني غير العقلي ومن أبرز هذه الفلسفات الفلسفة المعروفة الهرمسية" أبو الوفا التفتازاني ـ الموسوعة الفلسفية مجلد 1 ق 1 ص 73.

([29]) لا أتحدث هنا عن مفهوم ضيق وملغم للوطنية بل قل مفهوماً مشوّشاً يحمل معنى الرمز التداولي بين فئات من اليسار المراهق والتنظيمات اللاقومية، وهو مفهوم يقصر الوطنية في حقول شتى سياسية وثقافية.. الخ على حزب أو تنظيم ويجرد الشعب والقطاعات الجماهيرية غير المنظمة لديه في ذلك السلك، من الوطنية ضمنياً. وهو يقوم بذلك بنزعة تعويضية. واضحة عما يشعر فعلاً بأنه يفتقده.

([30]) أشرت في حاشية سابقة إلى مفهوم سياسي حزبي ارتبط بهذه المقولة أو أشاعها وهو مفهوم لا أوافق عليه. ولكنه بدأ يتسلل ليكتسب ـ في الثقافة والأدب ـ صفة قطرية على حساب المفهوم والانتماء القوميين.

([31]) إنني لست ضد تلمس السمة الخاصة للبيئة في الأدب على ألا تضخم السمة لتصبح هوية. وحبذا لو استخدمت صيغة: الأدب العربي في... عند الرغبة في استجلاء سمات وبيئات.

([32]) تكوين العقل العربي ص 88 تأليف د. محمد عابد الجابري ـ منشورات: دار الطليعة بيروت عام 1984م.

([33]) المصدر السابق ص 89

([34]) المصدر السابق ص 89 ويتجاهل الباحث فيما ذهب إليه أن التدوين بدأ حضرياً واستكمل في التقصي في البادية ولذلك فإن الألفاظ الموجودة في قواميسنا لم تدقق في كل ما هو بدوي بدائي فقط وإنما سجلت ما هو حضري وحضاري وفكري وروحي بدقة، كما ينسى أو يتناسى المشاركات الكبيرة والإضافات التي سجلت عبقريات عربية متأخرة الإتباع وكذلك حديثة ومعاصرة من عطاء فكري وعلمي وأدبي يشير إلى أننا لم نغب أو نغيب حتى اليوم في عتمة الجهل والجاهلية بهذه البساطة كلها.

([35]) يشير الباحث المهندس في مجال الحاسوب نبيل علي إلى نتيجة ثبتتها تجربته مع الحاسب واللغة العربية فيقول: إن ارتباط تعليم اللغة العربية بالكمبيوتر سيمحو من أذهان كثير من صغارنا ـ بل وكبارنا أيضاً ـ مفهوماً خاطئاً شائعاً أوشك أن يترسخ في أذهان الكثيرين، وهذا المفهوم ينظر إلى العربية كلغة قديمة عاجزة عن مواكبة التطور في جميع المجالات الاجتماعية الحديثة. مجلة عالم الفكر م 18/4/3/ ص 714 ـ اللغة العربية والحاسوب.

([36]) انظر الحاشية 27 السابقة.

([37]) د. محمد عابد الجابري ـ تكوين العقل العربي ص 51.

([38]) أود أن يكون واضحاً أن عودة واعية للتراث وتفاعلاً بعقل علمي منفتح، من الأمور الضرورية، وأن التقوقع في التراث انغلاق مقيت أرفضه، وإن التفاعل والتواصل مع الثقافات بأصالة ومن موقع الثقة بالذات وبالآخر هو المفيد والمطلوب.

([39]) تحدثت حول هذا الموضوع في كتابي: دراسات في الثقافة العربية، ولذلك لن أتحدث فيه هنا.

 

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |