مشكلات في الثقافة العَربيَّة - د.علي عقلة عرسان - دمشق - 2005

حرية الإبداع في المجتمع العَربي

الإبداع:

لغة عند أبي البقاء الكفوي "عبارة عن عدم النظير، وفي الاصطلاح: هو إخراج ما في الإمكان والعدم إلى الوجوب والوجود([1])" و"أبدَع وابتدَعَ وتَبَدَّعَ" لغة: أتى ببدعة و"البدعة كلُّ مُحْدَثةٍ" عند ابن منظور، ويشير ابن الأثير إلى أن البدعة بدعتان: "بدعة هدى وبدعة ضلالة" فليس عدلاً ولا صواباً إذن أن ينصرف التفكير دوماً إلى الحديث المعروف ]كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار([2])[ وأن ينسحب هذا المعنى على نظرة العرب إلى الإبداع كما فعل ويفعل بعض أولي الرأي والفلسفة([3]) وقد أثنى عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) على بدعة التراويح بقوله: "نعمت البدعة هذه".

وقد ماهت العرب بين الخلق والإبداع في حالات ويذهب أبو البقاء إلى أن الإبداع "هو أعم من الخلق وهو ما يناسب الحكمة([4])" ويتصل بالعقول، واجتماع الخلق والإبداع معاً في معنى واحد جاء في "اللسان" لصيقاً بالكلام وما ينتج به وعنه، فلم تذكر كلمة "الإبداع" معرّفة إلاّ في حالة توضيح "الاختلاق" أي الكذب حيث جاء: "هو افتعال من الخلق والإبداع كأن الكاذب تخلق قوله"([5]) فهل على هذا نبتت مقولة "أعذب الشعر أكذبه" يا ترى، والشعر غاية في الإبداع والابتداع، وخصوصية فن العرب، وديوانهم الذي به يفخرون؟!

والخلق ـ بمعنى الإبداع ـ في كلام العرب على وجهين كما يقول أبو بكر الأنباري: "أحدهما الإنشاء على مثاله أبدعه، والآخر التقدير([6])".

والخلق من عدم وقف على الله سبحانه وهو الخالق، أما المخلوق فيخلق من موجود حسب تدبير وتقدير، ويتصل فعله ذاك بشخصيته، ويعبر عن رؤيته وذوقه وقيمه، في إعادة ربط وتكوين لعلاقات ومعطيات معبراً بذلك عن رؤية في الوجود وللوجود، تجسد ذاته وثقافته ومهاراته، وتتجلى فيها قدرته وإرادته معاً. ولا يفوته إذ يمارس ذلك إشباع رغبة، وإظهار تفوّق، وإذاعة شهرة([7])، الأمر الذي يمتع ويعجب ويغري بإعادة الكرّة ونشدان الامتلاء من جديد. وهو يفعل ذلك باختيار ووعي ومسؤولية وبإعجاب كبير بالذات، ولا غرابة في ذلك كله "فأحد الدواعي الأساسية للخلق الفني يتمثّل في حاجاتنا إلى الشعور بأننا ضروريون بالإضافة إلى العالم([8])" كما يقول سارتر، ورأى سواه في هذا راحة وتحريراً وربما استكمالاً لنقص واستعادة لمصالحه مع العالم ووصولاً إلى استقرار.

فوظيفة الأدب عند ويليك ووارن "هي أن يخلصنا ـ كتاباً وقراءً ـ  من عناء الانفعالات فالتصريح بالانفعالات يحررنا منها([9])" ويرى غوته "أن قارئ الرواية والناظر إلى المسرحية يشعر بالفرح والخلاص. وانفعالاته التي زوّدت ببؤرة تتركز فيها، تتركه في نهاية تجربته الجمالية، في حالة من هدوء العقل([10])".

فالخلق في هذا المنحى والمعنى تعبير عن الذات، وممارسة للحرية، وثمرة لـها، والمخلوق هنا متباعد عن خلقه، متباعد بتبوئه منزلة وصفة في الوجود هما لخالق الوجود. حيث يتطلع إلى مشاركة البديع في بديع. ويقوم بفعل واعٍ لأغراضه حيث يرى في استمرار إبداعه "اتصال إمداد الوجود" كما يقول المتصوفة.

والمخلوق المبدع لا يني ينشد الجديد ويقدمه فناً أو أدباً أو علماً، ولكنه فيما يقدم من اختراع وصناعة لا يمكن أن يخرج كلياً عن "مستوى التقدم الذي بلغه مجتمعه بوجه عام ومقدار تَمثُّل الفرد للإبداعات السابقة، والإفادة منها بوجه خاص([11])" أي أنه محكوم نسبياً بمعطيات الوجود. وقفزته نحو المستقبل أو المجهول محكومة المدى بمعطيات الماضي والحاضر، ولكنها محمولة على أجنحة إمكاناته وقدراته وإرادته وإلهامه وقدرته على التخييل، لتتوغل في المستقبل وترتاد المجهول علّها تحمل منهما ثمراً وأريجاً وشعاعاً ينير للسالكين طريقهم وموضع خطوهم على تلك الطريق. والمبدع في إنشداده بين الماضي السحيق والمستقبل البعيد، يكشف عن وعي منه أو عن غير وعي، مسيرة الإنسانية ويصدق فيه قول إليوت "فهو أكثر بدائية، كما هو أكثر تمدناً، من معاصريه([12])" وما يقدمه المبدعون إلى المجتمع من إنتاج فني وأدبي وفكري، هو حصيلة المعاناة والتجربة، وخلاصة الثقافة والخبرة، إنه يعيش في ضمير الحاضر حيناً ينمو، ويثري بتراكمه رصيد الخبرة البشرية والحضارة، ويعرض استقراء للماضي ومشروعاً للمستقبل، وهذا العطاء الإبداعي يبقى في حالة تفاعل حيوي، يطرح نفسه وأسئلته ومقولاته وقيمه، ويغري الناس بالانجذاب إليه، ويسعى ليستثير الانتباه فالاهتمام فالحوار، بل هو يضغط من أجل ذلك، ويشتد في تحريضه وفي طلب التعامل معه في إطار جدلية الفعل ورد الفعل، بوصفه معطى فرض وجوده على الوجود، فصار شيئاً منه وخميرة فيه. والإبداع الذي تداخل مع نسيج الوجود، وعبر عن حضور المخلوق في هالة الخلق، وانداحت أسئلته ومسائله، هذا الإبداع يضعنا في مواجهة حقائقه ومقوماته وقيمه وعلاقاته، وتأثيراته في الحياة والمجتمع ويرفع في فضاء اهتمامنا استفهامات حول ماهيته، لماذا وجد، وكيف يحقق حضوراً فعالاً ونمواً وصيرورة مؤثرة في صيرورة الحياة والخليقة والحضارة، وما الذي يُعوّقه أو يدفعه في طرقه نحو ازدهاره وتحقيق غاياته؟

سواء كان الإبداع، بشمول الكلمة لأنواعه، "تعبيراً عن عالم المثل" حسب أفلاطون، أم "محاكاة للطبيعة ثم التسامي عليها" حسب أرسطو، أم "طريقة جمالية في إظهار الشيء([13])" حسب كانت انتهت إلى "الفن للفن" الذي ثار عليه من ثار وخرج عن مقولاته من خرج، وأنكره كثيرون ولسان حالهم يعلن "أن الفن الخالص والفن الفارغ شيء واحد"([14]) وسواء كان واقعياً أم غير واقعي تحريضياً ملتزماً أم حداثياً، فإنه يبقى ـ سمعياً كان أم بصرياً، أم سمعياً بصرياً معاً ـ يبقى ابن المؤسسة الاجتماعية التي أسهمت في إنتاجه، محكوماً بمعطياتها وبيئتها ومنظومات قيمها، ويبقى متوجهاً إليها في خطابه، من أجل تحقيق أغراض لـه في تلك المؤسسة، وليست أغراضه بالضرورة وبصورة دائم سليمة ومتسامية، وربما لا تكون في جميع الأحوال لصلاح المؤسسة، فقد تكون أحياناً لتحريك السطح الراكد، ولإحداث خلخلة، ولغرض إشهار الحضور ولفت النظر، وقد تكون تعبيراً عن الحرية بممارسة تزلزل إقراراً بفهم سائد لمعنى الحرية، فالإنسان كما يقول سارتر "هو المخلوق الذي لا يحتفظ موجود حياله بالحيدة حتى الله، لأن الله كما رآه بعض الصوفية ذو وضع خاص في علاقته بالإنسان. والإنسان كذلك هو المخلوق الذي لا يمكن أن يرى حاله من دون أن يغيرها، لأن نظرته تسجل أو تهدم أو تفعل فعل الأبدية في تمثيل الأشياء إلى حالتها هي"([15])، فكيف إذا كان الإنسان مبدعاً ذا رؤية وعقيدة والتزام وتصميم، وصانعاً ماهراً يريد أن يتربع على عرش البديع كمما البديع؟ وكيف إذا أضيف إلى حس الخلق لدى الفنان شيء من افتتان وغرور، نمّته ثلة من حرس الأيديولوجيا التي ينتمي إليها ويمثلها حسب اعتقاده واعتقاد مريديه، فكيف يكون ضبط العلاقة والتعرف إلى ما يفيد وما يضر في حدودها آنذاك!؟!

يبدو لي أنه يصعب ذلك دون قيم ومعايير، سواء في إطار الإبداع بأنواعه، أو في علاقاته مع المجتمع ومؤسساته، أو في تواصله وتفاعله مع الآخرين وتأثيره، فيهم، وتأثره بهم، يصعب ضبط بنية الفن وتحليله وفهمه وتقويمه دون تلك القيم والمعايير. على أنّه ينبغي ألا يغيب عن الذهن أن ثورة الإبداع وتحديه، ينطلقان أحياناً بل كثيراً ما ينطلقان، ضد القيم والمعايير التي تحاول أن تحكمه لتقوّمه لاسيما حين تصبح تلك القيم والمعايير أقرب إلى السلاسل والقيود.

إن الإبداع حرية متجلية في حالة انطلاق متجدد، والحرية تجلٍ صاعق للإبداع وحيوية الرؤية واستمرار مشروعها، والفن تعبير عن الحرية في ممارسة إبداعية، كما أن الإبداع تجلٍ للحرية في ممارسة حيّة تطال ما يقع في الوجود، وتفسير الوجود، والتعامل معه، وإعادة تكوينه. ويكاد يقع المبدع نفسه حتى في العبث ذاته بالموجودات وقوانينها وعلاقاتها، وينطلق مدمراً هازئاً عابثاً عندما تضيق به سبل الحياة أو تحتجب عنه رؤية حكمها، ويلهث طويلاً تحت كوابيس، ويرى أنه في دوامة العبث. وأن العبث يحكم وجوده، وأن الاختيار أسطورة، والحرية خرافة، والمجتمع قلعة سدت منافذها صخور السلطة.

وأياً كان سبب انطلاقة فعل الإبداع ومنحاه وغايته فإنه يبقى فعلاً صادقاً معبراً عن نبض الحياة في الكائن الذي يرتبط بها ويرى أن تكون أكثر إسعاداً وجمالاً ولياقة بشرف وجوده على الأرض، فهو يؤكد الحرية ويمارسها ويجدد أفقها بالوعي المعرفي، ويصوغ المعرفة والثقافة إبداعاً يحمل الوعي ويدفع الإنسان في الحياة، والحياة بالإنسان، إلى آفاق التجدد والتألق.

وهذه الممارسة للحرية بصيغ الإبداع ضمن المؤسسة الاجتماعية تقيم علاقة يداخلها السلبي والإيجابي من المواقف والأفعال بين أطرافها ولاسيما: الإبداع والمجتمع، والمبدع والمؤسسة الاجتماعية، وتؤسس لمناخ غني ولكنه ينذر بالتصادم والتصارع، ومَحْرِك (بكسر الراء) هذه العلاقة، في أغلب الأحيان، يمتد بين الحرية والمحرمات، وأطرافه الظاهرون: المبدعون والمسؤولون في السلطة بما يمثلون ومن يمثلون.

ويبدو أن هذا من الأمور الطبيعية والحتمية حين يكون المبدع، بحكم انتمائه للثقافة وصدوره عنها، وامتلاكه للوعي والتزامه الأخلاقي، حين يكون مسؤولاً عن موقف في الحياة ومما يجري فيها ومطالباً بموقف، فضلاً عن حقيقة كونه مسكوناً بالحرية، ومدفوعاً إلى التعبير عن إرادته وتجسيد قدراته بأنشطة روحية ونفسية مصدرها الأعماق، ولكنها تتجه إلى الخارج وتبحث عن ذاتها فيه، تلك الذات التي تكاد تكون هويتها وماهيتها: التغيير، فعلاً وغايةً. وربما كان هذا هو ما يلخص الإنسان في أوج تجلي كينونته وقدراته ومواهبه، فهو لا يفتأ يغير ويحاور ويناور ويجدد ويؤصل، ليمارس وجوده بامتلاء. وكثيراً ما يهدم ما لا يستحق الهدم ليمارس إعادة البناء وإثبات الذات.

وكثيراً ما ينتشي إذ يبعث ما عفا عليه الزمن مأخوذاً بقدرته على الإبادة والفقد والاستعادة، ولا ينطبق هذا على المادة التي بمتناوله، ولكن عليه هو ذاته، ففي بعض الأحيان يتراءى وكأنه مشروع مستقبلي مستمر التكوين "إنه ما ليس هو، ليس ما هو([16])".

إذن فالمبدع المحمول في تيار الصيرورة يريد أن يحمل معه كل ما حوله، وهو في حالة حركة ليست بالضرورة في اتجاه واحد أو في خط صاعد، ويرمي نشاطه إلى أن يفعّل ما حوله ويبهر من حوله، وفعله ذاك يناقض الجمود ويتضاد مع السائد، ولذلك يصطدم بالمستقرات والثوابت وبالمسلمات أحياناً، ويصارع ليغيّر، وليكون فيما يغيّر وبديلاً لما يغير. فهو فعل يسلك مدارات شبه دائرية وشبه حلزونية أحياناً، وينتحي انتحاءات يصعب التنبؤ بها لأن "أكثر روائع الفن العظيم... تعمل في مواقف بعيدة الاحتمال([17])" فعلاً.

 

وإذا كان الإبداع فعلاً تغييرياً يتصادم مع المجتمع وروائزه وثوابته في كثير من الأحيان، ويعطي للثقافة روحها ودمها الحار ويكوّن أجنحتها وأنغامها وريشها الملوّن ودفق حماستها، فإنه ينطوي على معنى تصادمي ومشروع تحريضي مضاد في كيان الثقافة ذاتها، فهو يقيم جدلية فيها على حين يقيم بها ومعها جدلية مع المجتمع والحياة.

وأكاد أشبهه في بعض وجود تمرده واندفاعاته وسبوحه، بأحصنة العربة التي تندفع بمركبة الثقافة وتعطي لموكبها حيويته وهالته وجماله، تاركة الحوذيّ مبهوراً يترجح بين الذعر والنشوة، مثيرة فيمن يرقب موكب الثقافة ويندفع فيه، أكثر من الإعجاب والحذر والشفقة.

وما يعنينا الآن هو دخول الثقافة بوصفها إبداعاً، أو الإبداع جوهراً في كيان الثقافة، للمعترك في سيرورة الحياة وصيرورتها، وفي جدلية العلاقة بالمجتمع بوصفه مؤسسة لـها قوامها وقيمها ومقوماتها، ولها حرمتها ومحرماتها وحماتها، دخول معترك صراع على الوجود الفاعل والحضور المتألق، وهذا هو الأساس، وجوهره فيما يتراءى لي: الحضور في الحرية، وممارستها اقتداراً، واستعادة جدتها وامتلاكها بالوعي، وتوسيع أفقها بالمعرفة وبالممارسة المسؤولة لـها، ولكن.. هل هذا ممكن، وهل يتحقق، وكيف؟

يبدو أن هذا الذي ننشده أو نعتزم الخوض فيه يستدعي أن نلقي أسئلة على أنفسنا من شأنها أن تساعدنا على تبيّن صوى الطريق وطبيعتها وموضع أقدامنا فيها، أسئلة تتعلق بالمجتمع والحرية والديمقراطية والسلطة، ودور المبدع والإبداع وإمكاناتهما ومنزلتهما من ذلك كله، وهذا يحتاج إلى توسع قد لا يسمح به المقام، ولذا فإن التوجه سيكون إلى ملامسة مواضع ومواقع في أسئلة، والتوقف عند مواضع ومواقع في أخرى.

يقول أرنولد هاوزر في كتابه "الفن والمجتمع عبر التاريخ": "من الحقائق التي ينبغي الاعتراف بها أن كل مقصد للفنان ينبغي أن يشق طريقه من خلال شبكة شديدة الإحكام. فكل عمل فني ينتج بفضل التوتر بين سلسلة من المقاصد وسلسلة من العوامل التي تقاوم تحقيق هذه المقاصد.

أعني توتراً بين عوامل المقاومة مثل عدم السماح بموضوعات معينة، ومظاهر التعصب الاجتماعي، وسوء الحكم لدى الجماهير، وبين المقاصد التي إما أن تكون قد استوعبت بالفعل عوامل المقاومة هذه وإما أن تقف في وجهها صراحة ومن دون مواربة. فإذا كانت عوامل المقاومة في اتجاه معين مما يستحيل التغلب عليه، فعندئذ تتحول ملكة الابتكار لدى الفنان وقدرته على التعبير إلى هدف قد لا يعترض طريقه شيء، ولكنه نادراً ما يكون لديه مجرد الشعور بأن العمل الذي أنجزه بديل للعمل الحقيقي. وحتى في أشد الديمقراطيات تحرراً نجد أن الفنان لا يتحرك بحرية وانطلاق كاملين([18])" إن هاوزر يقدم لنا بعض جوانب المناخ الذي يحيط بالإبداع ويضعنا أمام القمع المتناهي الذي قد تبلغه المؤسسة الاجتماعية وتمارسه ضد الفنان في بعض الحالات، حيث تغدو فيها قدرة الفنان على التعبير "هدفاً لا يعترض طريقه شيء" ولكن هل هذا يجعل من الحرية معطى غير ممكن؟ أو يؤدي إلى شلل الإبداع وتوقف دورة الصراع من أجل التغيير؟ إن الشك في ذلك قائم وجلي، لأن الواقع والوقائع عبر التاريخ كل ذلك يشير إلى أن الإبداع يستمر وجوداً ونضالاً من أجل الوجود، وأن المجتمع عرضة للتغيير بعوامل عديدة منها الإبداع وفي مقدمتها الثقافة بمفهومها الشامل.

ذلك أن المبدع لا يستسلم للمنع أو القمع ولا للواقع الراكد، ويثابر على أداء عمله تحقيقاً لأهدافه "فإذا رأى المجتمع، وعلى الأخص إذا شعر بأنه مرثي من الآخرين، فهذا وحده كفيل بوقوع جدال في القيم الثابتة والنظام القائم في المجتمع، والكاتب يقدم صورة المجتمع للمجتمع وينذر بتحمل التبعة فيها أو بتغييرها، ولا مناص بعد من أن يغير ذلك المجتمع، إذ يفقد التوازن الذي أكسبه إياه الجهل، ويترجح بين العار والإسفاف فيمارس سوء النية، وبذا يعطي المجتمع شعوراً بشقاء الضمير ومن هنا يظل الكاتب في صراع دائم مع القوى المحافظة الحريصة على التوازن. هذه القوى التي يحاول هو أن يحطمها. لأن الانتقال المباشر ـ وهو أمر لا يتم إلا بنفي اللامباشر ـ نقول إن هذا الانتقال ثورة دائمة([19])" ويمارس الإبداع دوره بتغذية هذه الثورة باستمرار وإذكاء نارها، ويغرسها في كل نفس يتواصل معها من خلال تقديم نماذج لـها تنضجها المعاناة، نماذج فردية تنتقل عدوى اعتراضها ونقمتها وفكرها وألمها إلى الآخرين، وتبقى هذه النماذج التي يبدعها الكاتب أو يصورها الرسام، أكثر قدرة على تشخيص الحالات التي تزداد شمولاً كلما ازدادت عمقاً وتعبيراً عن ذاتها وبيئتها ومعاناتها، وحملت خصوصيتها وحرارة مشاعرها. ولن يفرض ذلك ويتوصل إلى إبداعه والإقناع به إلا إبداع يحمل هوية مبدعه، وخصوصية بيئته، وملامح شخوص تلك البيئة، ولن يوصله إلى تربة نفس وسويداء قلب إلا صدق وإلهام وإيمان واقتدار، وعطاء خلاق تفتح لـه الحرية أوسع الأبواب، أبواب القلوب وأبواب الخلود.

"إن أسمى غرض أخلاقي يرمي إليه الكاتب في أكثر أنواع المسرحية رقياً ـ كما يقول شيللي ـ هو تعليم القلب الإنساني، عن طريق ما يميل إليه وما ينفر منه ـ حقيقة نفسه ومقدار حكمة الإنسان وعدله وإخلاصه وتسامحه ولطفه وكل ذلك يتوقف على مقدار علمه"([20]).

ولن تصل الأيديولوجيا التي تتنكر للحرية والقيم الروحية والأخلاقية في المجتمع إلى تغيير مخاطبة القلب بصدق وحرية ولا إلى إلغاء مصداقية ذلك وتأثيره، حيث تنبأ لـها أحد قادتها بأنها "ستدخل تغييرات ضخمة على مضمون الإبداع الأدبي وشكله ورسالته، فيحل تصوير حركة الجماهير محل تصوير المعاناة الفردية، وتتسع خلفية المؤلف الأدبي إلى حدود لا حصر لـها، وتصبح قدرة التفكير بشكل كلي، جامع، ضرورة حياتية للفنان، ضرورة الماء والهواء والطعام"([21]).

بل هي التي تتغير حين لا تأخذ بالاعتبارات أرضية القيم التي تنبت عليها الحرية، وحقائق تكوين الفرد وأساليب تثويره وتغييره والتغير به، انطلاقاً من الإبداع في تحريره من الخطأ، ولاسيما حين يتخذ الخطأ من حاجة الفقير وألم المقهور، رداء جميلاً. إن زاد السالك على هذا الصراط صراط الإبداع المحرِّر، هو الحرية وهو "التقوى" حين تكون التقوى تحرراً وتحريراً بمفهوم الجنيد الذي يقول: "إنك لن تصل إلى صريح الحرية، وعليك من حقيقة عبوديته بقية، فإذا كنت لـه وحده عبداً، كنت مما دونه حراً"([22]).

 

ولكن الحرية... هذه الكلمة التي طالما تعمدت بالدم وازدهى الدم بالاقتران بها، وتشامخت بها الكلمات والقامات، تغدو في الممارسة العصرية ومع تضخم السلطة وازدياد الحاجة "شيئاً" مراوغاً يصعب القبض عليه حتى في تعريف. حالها مع إنسان العصر الذي ترمضه صحاريه ]كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه[([23]) والقيظ يشتد عليه، والحاجة تزداد إلحاحاً، والزمن ينساب من بين أصابعه انسياب الأرقم، والعمر واحد، ولالات حين مندم.

فما هي الحرية التي نسلم بأن مناخ الإبداع يقوم عليها ويحتاج إليها، وأن المبدع يمارسها ويجدد أفقها، وينير مسالكها بالوعي والمعرفة والوضوح، وكيف السبيل إلى ممارستها في المجتمع العصري، والتخلص من حالات العدوان عليها، والانتقاص منها، والإرهاب باسمها، وممارسة الإرهاب على الداعين إليها؟ لاسيما في بلدان تلغي حقوق الإنسان وأخرى تزيفها وفي بلدان ما اعترفت لـه إلا بحق الفقر والمعاناة أصلاً؟!

هل هي الحرية الطبيعية([24]) التي فُطر عليها؟ وأين هي وكيف هي في عالم اليوم، ما مفهومها وكيف السبيل إلى التماسها وفهمها، بله إلى التمسك بها والإبقاء على روحها؟! ونحن في عصر الاستهلاك والتقنيات المتفوقة، عصر الاجتماع والاتصالات والمدينية المتضخمة، والقرى بحاجات المدن!! حسب منظور العصر وعلاقات أناسه وآليات عمله وتعامله وتواصل الناس فيه، وشروط الحفاظ على أنواع الأمان المتعددة والمطلوبة لاستقرار المجتمع وبقائه؟!؟

هل هي الحرية الوضعية، بالمفاهيم والأطر والحدود التي تبينها الحقوق المدنية والسياسية، أي الحقوق الوضعية إجمالاً إن صح التعبير، التي يقدمها "المجتمع" للإنسان الذي تنازل، طوعاً أو كرهاً، عن حريته الطبيعية، ورضي بمبدأ الحرية أو اختار ذلك واضعاً نفسه وواضعاً الحرية في إشكالية الإطلاق والتقييد، وعلى صعيدين يضغطان كلاهما على روحه ويشاركان في تضييق ضفاف إنسانيته وهما:

ـ الحرية الطبيعية بمواجهة الحرية الوضعية، أي الحرية بين المثال والإمكان.

ـ وحرية الإرادة بمواجهة حرية القدرة، أي الحرية بين الإمكان والتحقق.

والإنسان عندما يفعل ذلك يسلم، تحت ضغط الحاجة ربما، بأن "المجتمع" أي المؤسسة الاجتماعية بمن يمثلها وما تمثل، هي التي تحكمه وتقوّم تصرفاته وتضع المعايير لذلك وتعلن لـه ما هو مقبول وما هو مرفوض، وما يسمح به وما لا يسمح به. فهو إذن عندما دخل المؤسسة الاجتماعية في إطار المجتمع السياسي بمقوماته وقيمه وهيئاته، أصبح أسير اختياره، وسلم قياده، وأعلن أنه لم يعد حراً إلا بالقدر الذي يسمح لـه فيه بأن يكون حراً.

وهذا الوضع يظهر إلى الوجود عبر الممارسة مفهوماً مقيداً للحرية هو الذي يدور حوله الكلام وتنصرف إليه المعاني والأذهان، وعلى هذا فإن كل ما نقوله مما يتصل بحرية الإبداع بل ما نطالب به من حرية للإنسان، هو في إطار مفهوم محدد للحرية المقيدة، يبنى على تناقض صارخ يجمع مفهومين في وحدة أضداد أو معنيين متناقضين في كلمة، أعني: الحرية ـ القيد. و في إطار هذا المفهوم مفهوم الحرية ـ القيد نريد أن نبحث عما تبقى من الحرية للإنسان وللمبدع، وكيف يتيسر ممارسة ذلك على الأرض وعبر ثنايا الوقت الذي يمضي، ويمضي معه العمر حسرات على الحرية.

إن "المجتمع" الذي سلمناه حريتنا ومقاليد أمورنا ومصيرنا يتحول إلى مؤسسات تمثله، في إطار الدولة ونظام الحكم، الذي قد يكون ديمقراطياً وقد لا يكون، ذلك لأن الديمقراطية نظام في الحكم، وطريقة وليست غاية، كما أنها ليست ملازمة بالضرورة لقيام كل نظم الحكم على الرغم من ادعاء كل أنظمة الحكم في العالم المعاصر أنها ديمقراطية، أو رغبتها في طلب ود الديمقراطية وتعليق شاراتها على جباه المدن وخواصر الشوارع وفي فضاءات الإعلام.

والمجتمع الذي استسلم الإنسان ليكون أحد أعضائه، يلخّص في هيئات تمثله وتمارس السلطة نيابة عنه وباسمه ولحمايته وحماية القيم والمعايير التي تستمدها منه وتضعها لـه، لتقيم العدل في إطار شعار المساواة أو الديمقراطية.

وتصبح هذه الهيئات مصدراً رئيساً ووحيداً للشرعية ولبسط الشرعية مهما تعددت السلطات. لأن استقراء تجارب المجتمعات والدول يشير إلى سيطرة السلطة التنفيذية في الدول الديمقراطية على سائر السلطات، وانفراد طبقات أو فئات أو أشخاص في السلطة التنفيذية بالقرار وقوة التنفيذ، وعلى هذا المسار، وتحت ضغط الحياة والأحداث والحاجات، لاسيما في مجتمعات البلدان النامية، والبلدان العربية من بين البلدان النامية، يصبح المجتمع هو الحكومة، وسلطات المجتمع هي سلطات الحاكم في حقيقة الأمر، بصرف النظر عن القشرة الظاهرة والطلاء الخارجي وشكليات الممارسة وأساليب اتخاذ القرار. إذ إن الأساس هو القوى الصانعة للقرار والمنفذة لـه.

وفي إطار الديمقراطية أو خارج إطارها يتحول الإنسان إلى مواطن والمواطن، إلى رقم وصوت انتخابي، يسمى مصدر السلطة ومصدر الحرية، بينما هو كم غائم من دون مواصفات يخضع للدساتير والقوانين والأنظمة التي كثيراً ما تكون جميلة المظهر سيئة المخبر، تزني بها الهيئات والجهات التي تفسرها وتمارس تطبيقها، كلما لامستها، وتهيل وسخ ذلك في ركام بيروقراطي مقيت يتعالى فوق إنسانية الإنسان وضميره وحيوية روحه.

إن الحرية في هذا المعمعان تغدو سراباً، والديمقراطية التي وجدت لتحمي الحرية وتصونها تصبح أشلاء وشبه سراب متقطع في صحراء الوقت، يتراءى لنا لمعه على بريق سيوف السلطة التنفيذية التي تقطع حلم الحرية بالديمقراطية، وحلم الديمقراطية بالشعارات.

لقد وجدت الديمقراطية لتحمي المجتمع ومعاييره وقيمه ووجوده وحريات أفراده وحقوقهم، ولكن الديمقراطية دولة وهي في النهاية حكومة وسلطة في أحسن الأحوال، وبيروقراطية وديكتاتورية في أسوأها. وهي في المجتمع الرأسمالي اضطهاد الأقلية للأغلبية، وهي في المجتمع الاشتراكي اضطهاد الأغلبية للأقلية، وقد بدت للاشتراكيين وللرأسماليين مساوئ الديمقراطية وسلبياتها ومثالبها، فهاهو لينين يقول: "الديمقراطية شكل من أشكال الدولة فهي تفترض الاضطهاد وتطبقه"([25]) كما يعلن بوردو Burdeau من الطرف الآخر "إن الديمقراطية النيابية هي حكم الصفوة أو الأقلية ومصدر حقها في الحكم، إنها ممتازة ثروة وذكاء ومرتبطة ارتباطاً حقيقياً بالمصالح الوطنية وكل هذا يجعلها بمنأى عن كل تبعية مهينة للإرادة الشعبية"([26]).

وهو بذلك يعلن طبيعة في بعض الديمقراطيات، ونظرة إلى المواطنين الذين اختاروا أن يوجد المجتمع السياسي وتنازلوا لـه عما اعتقدوا أنه نصف حريتهم، فاكتشفوا أنهم لم يفوزوا إلا بهذا الاحتقار الذي يعززه مونتسكيو([27]).

ومن موقع ديمقراطي آخر هو أميركا يأتي جلاء لبعض معايب الديمقراطية وحقائقها هناك، حيث يقول ريتشارد سكوت:

"في النظام الديمقراطي، قد يؤدي نمو طبقة بيروقراطية، وغير مسؤولة أمام أحد، إلى تحولها إلى قوة رهيبة. لا يملك الشعب سلطة عليها مباشرة أو بواسطة ممثليه المنتخبين"([28]). وليس التطبيق الاشتراكي في ظل ديكتاتورية البروليتاريا هو تطبيق للديمقراطية، لا بصيغة اضطهاد الأغلبية للأقلية، ولا بأية صيغة، فهو استيلاء فرد أو مجموعة أفراد على السلطة باسم البروليتاريا وتحت شعار الديمقراطية.

ولكن التوجه السائد تاريخياً أن معالجة عيوب الديمقراطية لا يتم إلا بالمزيد من الديمقراطية لا بالانصراف عنها كلياً أو المبالغة في تزييفها وتشويهها. أما في الوطن العربي فيبدو أننا استفدنا إلى حد مذهل من تجارب الآخرين في المجال الديمقراطي وعرفنا أخطاء هذا النظام ومعايبه، فلم نشأ أن نقترب منه، وأردنا أن نجنب مواطنينا أخطاره وأخطاءه، فجنبناهم مخاطر وأخطاء المواطنة ككل، وما مورس باسم الديمقراطية قد لا يصلح عنواناً لـها. ومن واقع اقتناع بأن الديمقراطية، المساواة، التي عرفها أجدادنا قديماً وطبقوها باجتهاد، ودعوا إليها بثبات، وأعلى شأنها الإسلام ونص عليها القرآن. أقول من واقع اقتناع بأن الديمقراطية هي النظام الأصلح ـ على ما فيه من أخطاء ـ للمجتمع وللتطور ولحماية الحرية الوضعية أو الحرية ـ المقيدة كما سبق وأسلفت، فإنني أشارك الذين يؤرقهم وضع الحرية في ظل الديمقراطية بطرح السؤال: هل جوهر الديمقراطية هو المساواة أم الحرية؟ وهل هناك حرية من دون مساواة أو مساواة من دون حرية؟‍

إن الإجابة عن هذا السؤال هو ما أهدف إليه، ولكن الإجابة عن سؤال الحرية لا يمكن أن يكون بمعزل عن مناخه وأطرافه ومقوماته في إطار المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، ويتصدى فيه المبدع للدفاع عن جوهر الحرية، ويحاول استعادتها بالخلق مجدداً أفقها بالتغيير. في إطار المجتمع للحرية أفقان: أفق الممكن وأفق التحقق، وهما: حرية الإرادة وحرية القدرة، وليس كل ما تصبو الإرادة إلى بلوغه تتوافر القدرة على تحقيقه، ومن هنا تأتي حالات الإحباط والمعاناة التي تعشش في كيان الإنسان وتفترس روحه، لأنها المرحلة الثانية من مراحل إحباطات الحرية التي يتعرض لـها، ولكن هذا بالذات هو الذي يضري المقاومة ويستنفر الطاقات الروحية والقدرات الجسدية على العمل، لتحقيق ما يعدّه الإنسان المبدع على الخصوص تحقق حريته وتبلور إرادته، ومجلى قيمه، التي ترتكز على مشروعية الانتماء للمجتمع وتاريخ القيم وإلى حقها في الوجود والاحترام، وتزعم لنفسها شرف تمثيل المجموع على هذا الصعيد القيمي الأخلاقي، وربما لـهذا السبب يستند هذا النوع من الفعل الحر والتحرري إلى الضمير ويستفزه، وإلى القيم والمثل التي يتشامخ بتمثّلها وتمثيلها، والتي يقوم بترسيخها والدفاع عنها.

وهو حين يصطدم في مرحلة انتقاله من حرية الإرادة ـ أو الإرادة الحرة، لتحقيق مشروعه المحقق لوجوده في تحقيق التغيير، أقول حين يصطدم بالواقع وصعوباته وعقباته يستيقظ على فجيعة القدرة التي تُنتزع منه بأشكال مختلفة: سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية، وحتى قدرة على التعبير وإيصال الصوت. وربما كانت هذه هي ذروة سلم أزمات المبدع ومأساته.

وهذا المأزق الذي يحشر فيه الإنسان عامة والمبدع خاصة يستدعي التركيز على تنمية حرية الإرادة وتوسيع أفقها بالوعي المعرفي للحق وللذات، لتزداد تشبثاً بالدفاع عن الحقوق، ولتتألق في تجسيدها للوجود في الحرية، وللحرية في الإبداع، وصولاً إلى خلق مناخ أكثر ملاءمة للإنسان وقيمه في الوطن وعلى الأرض، وإلى التمكن من الدفاع عن الذات والآخر وعن حقوقهما بإرواء الدوافع المشروعة والحاجات الضرورية والحفاظ على القيم الحياتية للإنسان، الذي يتميز عن سائر المخلوقات ويتمايز عنها بتمتعه بحرية الإرادة، وحيث يفرض هذا الإنسان المبدع، للفرد على المجتمع، وللمجتمع على المؤسسات الاجتماعية التي تمثله أو تزعم أنها تمثله، إتاحة مناخ أفضل تنمو فيه الحرية، وهي لا تنمو إلا بالوعي المعرفي الذي تصنعه الثقافة الجادة التي يكمن فيها فعل التغيير النابع أصلاً من الاعتراض على القائم، في إطار استشراف الأفضل الكامن في المستقبل والعمل من أجل تحقيقه.

والثقافة في أحد وجوهها الصريحة فعل اعتراض يصنعه الوعي وينميه تفاعل الرأي، ودعوة تتطاول لتستشرف المستقبل وترسم رؤية وحركة تحريض تنداح دوائرها وتترامى آفاقها بالمعرفة، تلك التي تغدو مناخاً جديداً ينادي التغيير أو يستنبته جنيناً. إنها اعتراض على الركود والسكون وهي إعادة قراءة واستقراء وفحص وتنقيب في المستقر السائد مما رانت عليه الأعراف وضمته البدهيات والمسلمات من أفكار وآراء وعلاقات وربما من قيم ومعايير في محاولات تبيُّن لصلاحه في عين الزمن الساهرة المسافرة، وتطلع لمجاوزته: استشعاراً للوجود في الوجود وإشهاراً للذات بين الذوات، من خلال إعمال العقل والملكات ورصيد المعرفة ومناهج البحث في ضوء معطيات العلم ومتغيرات الحياة. وهي تحريض على طرح السؤال يخفي تربصاً ورغبةً كافية في القيام بعمل من أجل تغيير ما يستوجب التغيير ـ من وجهة نظر السائل المتربص ـ بممارسة القول عملاً والعمل قولاً، أي بممارسة الفعل. وسواء نظرنا إلى حركة التغيير تلك التي تضمرها الثقافة على أنها دخول متجدد في تيار التجديد، ورغبة في الاغتسال بماء النهر المتدفق ومقاربته في كل لحظة على امتداد الزمن، وإعمال للقدرات تفاعلاً مع التحول وتفعيلاً لـه وتحريضاً عليه في استمراريته النابعة من سنة الحياة والمستندة إليها. أو نظرنا إلى تلك الحركة كعامل تولده الثقافة وتغنيه وتكثفه، وتداخله في الأشياء والأشخاص والوقائع والأفعال، ليكون طرفاً في المعادلات والتفاعلات أو معادلاً موضوعياً تمر عليه الوقائع والمعطيات فتغدو الجديد دون أن تحمل منه في تكوينها شيئاً، أقول أيّاً كان ذلك فإن النتيجة تبقى في صالح حركة الحياة المستمرة، في صالح الإنسان المولع بالتغيير، وتبقى أيضاً عامل إثراء للحضارة.

الثقافة نور يضيء أمام الإنسان سبل الحياة ويجعله يرى على مصباح العقل وبوعي أقرب إلى التمام ما لـه وما عليه من حقوق وواجبات. ولأن الثقافة نور فإن الرؤية تصح في مناخها وتدق، وتثبِّت بالوعي حق الآخر ووجوده في مقابل الأنا والتزاماته، كذلك يضاء في صبحها درب التعامل مع السلطة والتعرف على حدود لـها وما عليها وما تمثّله وما ينبغي أن تمتثل لـه من واجبات بوصفها ممثلاً للجماعة وخادمةً لـها.

ولما كانت الثقافة دعوة متجددة للمعرفة، والمعرفة تقيم أسس الوعي، وبالوعي يتجدد أفق الحرية، فإن الثقافة على هذا فعل تثوير بالتنوير متعلق بالحرية ومبني عليها. وهكذا تغدو الحرية شرطاً من شروط الفعل الثقافي وفاعلية الثقافة، وتكاد تكون روح مناخ التواصل الخلاق الذي لابد من توافره ليقوم تفاعل بناء بين أطراف الفعل الثقافي ولتكتمل دارة الثقافة ودورتها في مستوياتها المختلفة، بدءاً بالفرد وانتهاء بالشعب مروراً بالبيئة التي يردّ إليها فضل كبير في تكوين المعطى الثقافي. والثقافة بمعنى من المعاني هي "حصيلة التفاعل بين الإنسان والبيئة" كما يقول جون ديوي، ولكن هذا المعنى يبقى منقوصاً إذا لم ينطو على توظيف للوعي واستثمار للخبرة في تراكمها عبر تيار الصيرورة الذي يحمل الإنسان والبيئة معاً ويحمل البيئة على جهد الإنسان ليعيد صوغها انطلاقاً من كشف قوانينها والتعامل العلمي مع معطياتها.

وإذا كانت الثقافة بهذا المعنى تكتنز قدرة خلاقة تمكنها من تحويل الطاقة إلى إنجازات وأفعال يتجلى فيها الإبداع والقصدية، فإنها تكشف عن أنها تنطوي على إمكانية لمجاوزة الحتميات وعلى قوة لجم وضبط وتقنين، تواجه بها الطبيعة ـ بشرية أو غير بشرية ـ بغية فهمها والاستفادة من عمق المعرفة بها، واستخلاص قوانين وقواعد تمكّن من الاستفادة منها، وتيسر أمر إخضاعها لمعايير ومقاييس وقيم عبر منهج، وإعادة صرف الطاقة بعد تكثيفها واختزانها في أمور أخرى، أي تحويلها بسيطرة الفعل وقوانين العلم. وتوظّف هذه الطاقات ـ لدى الفرد والجماعة والأمة والوطن والمواطن ـ في خدمة أهداف وغايات تتصل بالوجود ومقوماته المادية والمعنوية، وبالحفاظ على التنوع في حالة صحة وازدهار، وعلى ما يقدر على أنه الأفضل في الحياة وللحياة.

وربما صح قول إليوت بأن الثقافة "دين جديد من حيث دورها في تحسين الحياة" ولكن الدين أصلاً هو من أهم العوامل والمقومات التي تكّون الشخصية الثقافية لأمة من الأمم، وبالتالي فالثقافة تقيم صلب الهوية أو هيكلها وتركز جوهرها، والدين مقوم رئيس في ذلك الجوهر.

فكيف هو مناخ الحرية في المجتمع العربي الذي يعيش فيه الإنسان ويعمل، وكيف هو مناخ حرية الإبداع والتعبير الذي يراد للثقافة العربية بوصفها إبداعاً، أن تنمو فيه، وللإبداع المتماهي مع الحرية، أن يزدهر في أجوائه ويتجلى: فاعلاً ومتفاعلاً بإيجابية، ومعبراً عن الضمير الفردي والجمعي، وحاملاً شخصية الأمة وهويتها بأصالة، مكثفاً المعاناة، راسماً التطلعات، مستشرفاً الرؤى، يصوغ مشاريع الكينونة الحضارية، ويدلل على حيوية الوجود، ويسجل فعله إنجازاً لإرادة تعي أغراضها ومسالكها في الواقع المعيش؟

وكيف تمارس الحرية، وفي أية ظروف وشروط وأوضاع، اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتلك الأوضاع هي التي تشكل في النهاية بيئة الإبداع وعش المبدع في الوطن العربي؟

ـ أريد بداية أن أحدد بوضوح أنه لا توجد جريمة تدعى جريمة تفكير، ولا توجد أية قوة خارجية تستطيع أن تفتش غرف الروح كما تفتش غرف البيت وتعبث بمحتوياتها وتمنع توالد الإلهام والأفكار فيها. وأنه لا توجد سلطة تتمكن من منع الإنسان من التفكير والتأمل، ومن ثم لا يوجد منع للتفكير ولا منح لحرية في مجالاته، كما لا يوجد أفق لحدود ما يجري في النفس، وما يمكن أن يرتاده الخيال، وتتطهر به الروح، ويبترد به العقل، إلا ما كان من ذلك متصلاً بالتكوين النفسي والفكري والروحي للفرد ذاته، ولكيانه العام في إطار شخصيته. ولكن هذا لا يمنع أن تنشئ الممارسات، التي تتم في الخارج وتنقلها الحواس إلى حواسيب الداخل والأعماق، وما يترسخ كحدود ويتكون على صورة شبيهة بالمنعكسات الشرطية، وما ماثل ذلك، أقول لا يمنع من أن يشكل ما هو في الحصيلة، مخافر داخلية ترسم حدوداً وتصنع قيوداً وتمارس في الأعماق قمعاً ومنعاً، وما يمكن أن يسمى إرهاب الأعماق المكشف في الذاكرة الجماعية وما يحتويه المستودع الإفرادي منها. إن عالم الإنسان الداخلي يعتمل فيه ما لا يمكن التصريح به والإعلان عنه، ويشير إلى شيء من هذا قولنا العربي الشائع "ما كل ما يعرف يقال" والأسباب تتصل بمحرمات وممنوعات وحواجز تحول دون الإعلان والتصريح، والانتقال بالفكرة إلى ساحة التفاعل أو الفعل، ولكن المعرفة والفكرة موجودتان بالنسبة لصاحبهما، إذن هناك أزمة في حرية التعبير وحاجة إليه، وليس في حرية التفكير. أي أن المشكلة في التصريح والعلانية وانتقال الفكر إلى ساحة التحقق، وربما كان هذا في مرحلة تسبق تلك التي تسمى "حرية الإرادة" التي تليها حرية القدرة.

ـ كما أودّ أن أعبر عن ظنّ يقترب من اليقين بأنه يصعب عزل حرية التعبير وحرية الإبداع وبالتالي حرية المفكر والمبدع وصاحب الرأي، عن الحريات الأخرى([29]) لسائر المواطنين، ولا يمكن القول بوجود مناخين للحرية أحدهما للمبدعين والآخر لغير المبدعين، لأن حرية المتلقي والتعبير عن حصيلة التفاعل مع الإبداع والفكر تتحكم على نحو ما بنتيجة الإبداع وتأثيره، وترتد سلباً وإيجاباً على المبدع وعلى فعالية الإبداع وحضوره في عملية التغيير، وتؤثر في مناخ الإبداع وازدهاره.

وحين يلامس برق الإبداع أرواحاً معطّلة الطاقات بتقييد الحرية أو تعطيلها فإنه لا يشعل في النفس نار الثورة، ولا يشعل في أرجاء الروح قناديل الرؤية، ولا يولد في القلب حسّاً يحرك دوافع الحياة وقيمها في الأعماق، لتُشرع أفق مطلب، وتعمل على تحقيقه.

حينذاك يكون الإبداع حيال حالة موت الضمير أو تبلده، ولا يمكنه أن ينمو في تربة الموت، لأنه يقوم على جدلية الإغناء والاغتناء في الحياة.

والإبداع الذي لا يتردد صوته ولا حتى صداه في الآخرين بسبب من الخوف والبلادة واللامبالاة يصبح هدفاً سهلاً لسلطة القمع، لأن درع الكلمة في متلقيها، وتربة بذرة الثورة هي نفوس الآخرين، وعندما يكون الجمهور المتلقي بلا حريات وبلا حقوق ولا حمايات، يقف عارياً أمام سيف السلطة، فإنه يصبح هو ذاته مُناخاً فاسداً لا تعيش فيه الحرية ولا يشتعل فيه مصباح الإبداع.

فكل مطالبة بحرية التعبير بمعزل عن المطالبة بتوفير سائر الحريات والحقوق العامة للمواطنين جميعاً وعلى قدم المساواة، حيث المساواة حرية أيضاً، كل مطالبة بهذا المستوى لا معنى لـها، وهي ما يحكم عليه وليس لـه، لأن الحرية لا تتجزأ وليست هي حرية فريق يتيه بها على فريق، أو ينتزعها من دونه. وينهض هنا سؤال يتلخص بكيف المخرج إلى صبح الحريات، ومن الذي عليه أن يبدأ، وهل يمكن للمستفيد من حجب الحرية عن الآخرين أن يمنحهم إيّاها؟

ولابد من التذكير بحقيقة أن الحرية تؤخذ ولا تعطى، وأن أفقها يتجدد بالمعرفة وينمو بالوعي، وأن ممارستها طريق تعميدها وإدمانها وعشقها واكتشاف آفاقها، وعلى الذين يحملونها في الضمير، ويكونون هم ضمير الجماهير، أن يشقوا طريقها بالتضحية وينيروا فجرها للآخرين، وأن تكون جبهتهم موحدة خلف مطلب الحرية، لأنه بإيجاز مطلب: الحياة والكرامة والوجود. وقد لخص عربي الحياة بأنها "وقفة عز" ولا يكون العز إلا مع الحرية. وعندما تقدم تضحيات على هذه الطريق من المثقفين والمبدعين، وعندما تنير الثقافة، لاسيما بوصفها إبداعاً، طريق الحرية بالفعل الثوري والمثابرة الواعية لوسائلها وأهدافها، بإخلاص وجدية ونظافة، عند ذلك تسقط الصيغة التي تفترس الشارع العربي والتي تتلخص بـ ]فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون[([30]) لتتحول إلى مشاركة جماهيرية منتمية إلى مسيرة الثقافة على طريق الحرية.

ولابد من الإشارة إلى أن الحرية هي أيضاً وبالدرجة الأولى حرية مجتمع ووطن وحرية قرار سياسي، وتحرير لإرادة صنعه من كل قيد سياسي أو اقتصادي ومن قيود الحاجة والتبعية، ومن أشكال استلاب حرية القرار السياسي، وسلامة المناخ الذي يُتخذ فيه، من كل شوائب ومؤثرات تضعفه أو تجعله قاصراً عن خدمة المصالح العامة للوطن في إطار انتمائه التاريخي والحضاري، أو غير مُراع لتلك المصالح بالقدر الكافي، نتيجة ظروف. لا يتردد أحد في الحكم على مناخ الحرية السائد في الوطن العربي، بأنه مناخ كئيب يختنق فيه الإنسان وتضمر فيه القيم والضمائر وسائر المقومات والموثبات التي تقيم صرح الحرية في الإنسان وتعلي شأن الإنسان بالحرية.

وغياب الممارسة السلمية للحرية يعني بالضرورة تشوهاً، إن لم يكن غياباً، للديمقراطية فهماً وتطبيقاً. وانحسار الديمقراطية يترافق مع انحسار في الحقوق والحريات العامة للمواطن، كما أنه ينتج مثل هذا الانحسار الذي يؤثر سلبياً على مكان الفرد في المجتمع وعلى طاقاته وإنتاجه وكيفية تواصله وتفاعله مع الأحداث ومعطيات العلم والعمل والحياة. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على المجتمع وشؤونه، وعلى الوطن وشأنه ومصالحه وحرياته وعلاقاته ومسيرته الحضارية.

فالوطن الحر القادر هو أولاً وأخيراً مواطنون أحرار، قادرون، مبادرون، يصرفون طاقاتهم والإمكانات والثروات الموجودة في أوطانهم، بوعي ومسؤولية، على أرضية من حرية الإرادة والقرار والوطن. وهذا الفعل الريادي التنويري التحريري الذي يقوم به المبدعون، بمبادرة وتضحية وتحمل واعٍ لمسؤولياتهم ولتبعة النهوض بتلك المسؤوليات، هذا الفعل هو الذي يجعل من الإبداع منقذاً ومن المبدع طليعة، ومن الثقافة ضميراً ووعياً وسلاحاً. وهو الذي يولّد التحريض في الأفراد والمجتمعات للمطالبة بالحقوق والحصول على الحريات، ويدفعهم إلى ساحة الممارسة الخلاقة التي تجسد حريتهم، وتصون حقوقهم، وتحقق فعل التغيير باتجاه الأفضل والأسمى.

وبهذا يصبح الوعي الثقافي والعمل الإبداعي بمثابة المولد النووي في ساحات الروح، يفجر طاقات لا نهاية لإمكاناتها تديح دوائر الوعي في كيان الفرد والجماعة والأمة، وتوجه الجهد البشري لتحقيق مشروع حرية الإرادة في إنجاز تام لقدرتها. وبهذا يكتسب الإبداع قيمته المحرِّرة التي تستند إليها الجماهير في ليل الظلم والاستغلال والاضطهاد والبؤس، إنه يصبح شراع الأمل الوحيد الذي تبحر في ظله الطلائع الواعية على مصباح نور الثقافة والوعي المعرفي لتستعيد الحرية وتعيد لـها مجدها وفعلها في حياة الشعوب ونضالها، وهو الذي يجعل من الممكن أن نضيف إلى مقولة لينين "حيث يوجد الاضطهاد يوجد العنف ولا يوجد لا حرية ولا ديمقراطية" نضيف يولد الأمل بفعل الحرية الكامنة في الإبداع الذي يقود المعركة من أجل انتزاع الحرية.

وربما كان هذا الدور الذي يقوم به المبدع وتقوم به الثقافة بوصفها إبداعاً، والذي يرتكز أساساً على تحدٍ تقوم به القيم الروحية والحياتية والأخلاقية وقوى الضمير في الإنسان، للقيام بدور يجعل من الإبداع والثقافة جبهة مواجهة من أجل المجتمع والتقدم في فترات التخلف والقهر والظلم واليأس والاستعباد التي تعاني منها الشعوب، ربما كان هذا هو الذي يفسر ولادة أعمال إبداعية عظيمة ورائعة ومنقذة في حياة الشعوب خلال عهود الظلام والقهر والبؤس، ويكسر نسبياً قاعدة التأثير السلبي التام التي يخلقها غياب الديمقراطية حول مناخ الإبداع، ليجعل ولادة التحدي في عالم الإبداع ممكنة بل وضرورية أحياناً لاستعادة مناخ الحرية والمساواة والعدالة في ممارسة ديمقراطية تمكّن من ذلك.

إن ما أورده فيما يلي من نقاط وإشارات لوقائع وأحداث، أسوقه في إطار كونه دلالةً وأسباباً ونتيجة لما هو سائد ومستمر في الوطن العربي من أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية، لأن التداخل في هذه الدوائر الثلاث قد غدا معقداً حيث يصعب الفصل بينها كما أنه من الصعب التفصيل في كل منها في مثل هذه العجالة. وأرى إليه في إطار تأثيره في مناخ الحرية إجمالاً في الوطن العربي، ولاسيما مجال حرية الإبداع، وسأكتفي بإشارات لما هو قريب منّا زمنياً.

1 ـ    إن الانتفاضة المباركة في الأرض المحتلة تنهي سنتها الثالثة، وهي تواجه بالإيمان والجسد العاري أسلحة العدو الصهيوني وحقده، وتقدم يومياً شهداء وتضحيات. والساحات العربية، جماهيرياً على الخصوص وسياسياً بشكل عام، تكتفي بالفرجة، والناس يلهثون وراء قوتهم الذي أصبح قيداً وشاغلاً وغاية.

         وقد شهدت معظم ساحات العالم تحركاً، دفع إليه الإحساس ويقظة الضمير والمشاركة الوجدانية وقيم أخلاقية وروحية، لمناصرة أطفال الحجارة، وكان محرّكه وخالق مناخه: الحرية، التي أصبحت في وطننا حرية المعاناة والتآكل حتى البلادة. ولم تكن جماهيرنا العربية كذلك في الخمسينات والستينات.

2 ـ    إن أحداث لبنان تستمر منذ أكثر من خمسة عشر عاماً بمسيرة دموية تدميرية مرعبة، وكان يرافقها ومازال عم اكتراث عربي ـ جماهير عجيب.

3 ـ    لقد اجتاح العدو الإسرائيلي لبنان واحتل بيروت عام 1982 والجماهير بين ذاهلة ومستلبة ومتآكلة الإرادة، مغيبة في ماذا؟ في الحاجة وسحر الديباجة، يمتص ألقها وغضبها وحتى حيويتها ويستهلكها مد "ثقافة" استهلاكية في الإعلام، ويلجمها الظلم، وتفترسها الآلام، وقد أسأمها ما تلمس من غياب المصداقية في القول والعمل.

4 ـ    مرت أحداث مرة، وبعضها مازال، في أرجاء من الوطن العربي، لم تحرك ساكناً، وبعضها لم يحرك رغبة في التتبع من جماهير أغرقت في المتاهات والأزمات والضائقات. ويكفي أن أشير إلى أرتيريا ـ جنوبي السودان ـ الصومال ـ الخليج العربي.

5 ـ    كانت جميع انتخابات الرئاسات العربية ـ في حال وجود انتخاب ـ محصورة بمرشح وحيد، وعلى المواطن أن يقول نعم أو نعم، وذلك لا يغير شيئاً في النتيجة الرائعة.

6 ـ    غاب من الشارع العربي الرأي الآخر، وغاب معه وجود الآخر، وساد الساحات كلها وجود غير متمايز لكتل من اللحم البشري تعيش لتأكل، أو هكذا يراد لـها، أو تتراءى لناظرها.

7 ـ    كثرت ظواهر الفساد وتراجعت القيم والمثل العامة، وتفشت في بعض العربية جرائم غريبة على الأخلاق العربية. وأصبح الاتجار بالمواقف والمبادئ وتغييرها حسب الطلب والرائج، من الأمور شبه العادية.

8 ـ    لم يعد التفريط بالقضايا المصيرية والمركزية مثيراً، وصار الاجتماع بالعدو وتقديم التنازلات لـه أمراً عادياً لا يثير الجماهير، وتقابله حتى الحكومات العربية غير الراضية عنه بالسكوت.

9 ـ    اشتد خوف الناس، وغاب من ساحة المنافسة العلنية أي احتجاج وتراجع عرض مثل هذه القضايا حتى في ساحة الإرادة لاتخاذ قرار، فالرعب أباد الرغبة والدافع.. وأجبرت هذه العوامل على التراجع لتشكل قيداً واعياً في اللاوعي ربما لكل تحرك يبني الحرية أو ينبثق منها ويعبر عنها.

10 ـ اشتدت الأزمات الاقتصادية كثيراً، وتراجع الإنتاج كماً ونوعاً، وتفاقمت الحاجة، وتدنى مستوى الدخل، وازدادت البطالة مع ازدياد الفقراء فقراً وعدداً، واتسعت الهوة بين الفقر والغنى بشكل صاعق في معظم الأقطار العربية إن لم يكن فيها جميعاً.

11 ـ تراجع مستوى الجيد في جميع مجالات الإبداع كماً ونوعاً، ودخلت فنون جماهيرية مؤثرة في أزمات خانقة ومراحل تردٍ مؤسف، لاسيما المسرح والسينما والموسيقا. كما تراجع الشعر عن عرشه في القلوب، وفي سلم المبيعات، ولم يعد الإبداع ولا حتى الكتابة إجمالاً تكفي المبدع شرَّ الحاجة إلا لقلة معدودة في الوطن العربي.

12 ـ فتحت السياسة العربية سوق الكلام، فنشط فيه العرض والطلب، وتوزعت ثقافات وإبداعات على سياسات، وخسرت الثقافة بوصفها إبداعاً على الخصوص كثيراً من استقلاليتها وبالتالي ألقها وفعاليتها الحرة، وتأثر دورها المحرِّر والمغيِّر.

13 ـ سحقت الإيديولوجيا في بعض الساحات العربية إبداعاً وألحقته بركبها فخسر معركة الإبداع وخسرته الجماهير، كما سُحق في إطار هذه التبعية للسياسة والأيديولوجيا مبدعون.

ويكاد يلخص القول التالي جوانب الأزمة وأسبابها في حدود:

"إن حقوق الإنسان وحرياته في الوطن العربي تعاني أزمة شديدة أدت إلى تعطيل الطاقات الخلاقة وشلّ الفكر العربي، وانصراف المواطن عن الشأن العام، وانتشار ظاهرة الذعر والشك المتبادل بين الأنظمة الحاكمة والجماهير، ولهذه الأزمة جذور تكمن في أمرين مهمّين:

ـ في انتفاء الشرعية أو تمزيقها.

ـ في وجود ازدواجية في الحكم أو تناقض بين شكل الحكم وحقيقته"([31])

ويساعدنا على استنتاج عبر ودلالات، وربط النتائج بالأسباب، والبحث عن علل ومخارج، قول هارولد لاسكي الذي يمكن أن نتأمل في ضوئه ما يجري ونستشرف ما قد يجري، يقول لاسكي:

"إذا بدأ الاقتصاد في مجتمع ما يتأزم ويتدهور، فهنا تصبح الحرية في خطر، لأنهم يشعرون بأن المحكومين لم يعودوا في يسر، وأنهم لم يعودوا يؤمنون بأساليبهم في الحكم، وأنهم ـ أي المحكومين ـ يتطلعون إلى شيء جديد، ويتوقون إلى أوضاع تمكنهم من القضاء على العوز. فإذا لم يعمل الحاكمون على إصلاح النظم الاقتصادية بالطرق السلمية العواقب، اضطروا إلى إخفات صوت المحكومين القلقين بالقوة ولجؤوا إلى العنف. ليتمكنوا من المحافظة على سلطانهم وامتيازاتهم"([32]).

وبعد فهل في ظلِّ هذه المناخات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحفل بالمحرمات والممنوعات والضائقات يزدهر الإبداع أم يضمر؟ والإبداع كما تعرفنا إليه ممارسة للحرية بتألق، والتعبير عنها بأصالة وجمال.

إن الخروج من دائرة ما يتصل بالحريات والحقوق العامة في الوطن العربي إلى دائرة أضيق ـ مع التأكيد على عدم الفصل ـ دائرة حرية التعبير وحرية الإبداع تجعلنا نقف على خصوصيات في الصعوبات، وعلى تجليات لوجود المؤسسات الاجتماعية ـ بصور مختلفة ـ في إطار العلاقة المؤثرة في الإبداع وعليه.

فإضافة إلى ما يتعلق بمناخ حرية التعبير وارتباطه بالحريات الديمقراطية وتداخلاته مع الاقتصاد والسياسة، هناك معطيات في ساحة الإبداع ذات خصوصية، تشكل بدورها معوقات أو ضواغط على المبدع، وتتدخل في العملية الإبداعية سلباً أو إيجاباً، وسوف أشيرُ بإيجاز إلى شيء من هذا على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ يواجه المبدع العربي، أكثر ما يواجه، حاجز المحرمات، سياسة ودينية واجتماعية.. الخ وتأتي على رأسها المحرمات السياسية. وهذا النوع من المحرمات يعدّ الأخطر والأبرز والأكثر إغراءً بالتناول، ويتأتى لـه ذلك من الأمور الآتية:

ـ إنه الأخطر لأن أطرافه المعنيين هم الأقوى والأكثر فتكاً، وهم الذين يملكون قرار الحكم والإبرام، كما يملكون قرار التصرف بالإبداع والمبدع، ولا تعوزهم الوسائل والحجج والأساليب لذلك، ابتداءً من التصفيات حتى التضييق على الرزق والنفس، لاسيما في الأوضاع والأماكن التي تتلاشى فيها ظلال الديمقراطية.

ـ إنه الأبرز والأكثر إغراءً لأنه يمثل السلطة، أو ما ينبغي أن تقوم بتمثيله السلطة والدفاع عنه، ولذلك يستنفر طاقة المواجهة عندما يصطدم بالإبداع أو يصطدم به الإبداع بسبب من تأثيره المباشر وترقّب الناس للمواقف التي تتخذ في مقابله. والمبدع فيه شيء من الغرور وحب الظهور فضلاً عن حساسية الضمير والرغبة في ممارسة الحرية التي تجد نفسها في مواجهة التقييد، وربما لـهذا ولإقبال الجماهير عليه ـ الأمر الذي يحمل أيضاً شهرةً ومالاً ـ يكون هذا هو الأكثر إغراءً.

       وقد يكون واجهة هذا الأمر الرقابة، وللرقابة تاريخ ومبررات وهفوات ولها أحياناً سطوة وقسوة ورهبة، ولا أريد التفصيل في هذا المجال لأنني سبق وتناولت موضوع الرقابة وقدمت بعض الاقتراحات العملية لضبط العلاقة والمعايير والعمل إذا كان هذا الأمر من صنف "الشر الذي لابدّ منه" وكان ذلك في أكثر من موضع ولاسيما في ندوة "الثقافة بوصفها صناعة" التي عقدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مع اتحاد الناشرين العرب في طرابلس([33]) (1989) ومن المفيد الإشارة هنا إلى حقيقة أنه لا يمكن القفز فوق الواقع، كما لا يمكن الاستسلام لـه. وعلى المبدع أن يأخذ بالاعتبار مرحليات معينة ـ على ألا يشكل ذلك حداً معطلاً للحرية، وانطلاقة الإبداع ـ لما يتناوله، وكيف يتناوله، شريطة محافظته على قيم الإبداع أولاً، وأخذه بالاعتبار لحقيقة أنه يتوجه إلى أناس لـهم مشاعر وقيم وحريات أيضاً، وأنه لابد أن يستأذن بأدب ليدخل معاقل قلوبهم بحب وإجلال.

       ولكن التغلب على كثير من صعوبات هذا الحاجز، وتوفير حدٍ أدنى من الضمانات لتيسير ممارسة حرية الإبداع في الوطن العربي يستدعي:

أ ـ تكاتف المبدعين من خلال اتحاداتهم. وحبذا لو يقوم مجلس حماية المهن الإبداعية على الصعيد القومي.

ب ـ تدخل المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة إضافة إلى المنظمات القومية المختصة، للدفاع عن المبدعين وحماية ما يجب حمايته من إبداع.

جـ ـ تدخل المنظمة العربية من خلال صندوق حماية المبدعين لخلق مناخ ملائم حول المبدعين يشارك في خلق مناخ الإنتاج، وتقديم تسهيلات من الصندوق لتمكين المبدعين من إنجاز أعمال أو إنتاجها.

2 ـ يواجه المبدع العربي، شأنه شأن المواطن العربي، ضائقات وصعوبات معيشية كثيرة، ويحول ذلك أحياناً دون انصرافه إلى ممارسة إبداعه، نظراً للهاثه الدائب وراء لقمة العيش وتأدية المتطلبات الاجتماعية الضرورية، وينعكس شيء من هذه المعاناة سلبياً على مناخ الإبداع وعلى إمكانية الانصراف لإنجاز العمل. ولما كانت المردودات المادية ضئيلة في غياب إمكانية التواصل مع جماهير القراء العرب ـ القاعدة المحررة العريضة للمبدع والإبداع من كل حاجة ـ بسبب القيود السياسية والاقتصادية، وارتفاع تكاليف ذلك وصعوباته في المرحلة الحالية، فإنه من المفيد إيجاد صيغ عمل وتسهيلات قومية وقطرية لتحسين مناخ الإبداع نسبياً وتيسير انتفاع المبدعين من الخدمات العربية التي يمكن أن تقدم لـهذه الغاية ومن المفيد أن يتم:

      تعميم التشريعات الثقافية الصادرة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على المبدعين والتعريف بها، وتسهيل الاستفادة من خدماتها، والسعي لجعلها تصدر بقوانين عربية موحدة عن الشُعب البرلمانية العربية، بالعلم على أن يتبناها الاتحاد البرلماني العربي.

3 ـ يواجه الإبداع العربي مناخاً داخلياً معوقاً لانطلاقته بأصالة وتمايز متخلصاً من آثار التبعية وسلاسلها وتجلياتها المراوغة، وهذا المناخ يختلف نسبياً من ساحة إبداعية إلى أخرى في المجتمع العربي، وقد يختلف من مبدع إلى آخر، ولكن عوامل التأثير فيه والمستقرأة منه يمكن الإشارة إليها في مراعاة المبدع لمعيارين، أو وقوعه تحت تأثيرهما، بدرجات متفاوتة من الوعي بذلك، وهما:

ـ المعيار التراثي القديم بمقوماته وقيمه.

ـ المعيار الغربي ـ الاستعماري ـ المهيمن، أو الأيديولوجي ـ المستورد.

      وتكاد السحب المتشكلة في الفضاء الروحي للمبدع وفي مناخ الإبداع والحكم عليه، لاسيما إرهاب النقد والتقويم الأيديولوجي ـ الإعلامي المشرعة راياته في ساحات عربية، يكاد ذلك يكون أساساً للاغتراب الذي نستشعره في معظم الإبداع والإنتاج الأدبي والفني العربي، من ابتعاد عن صدق الواقع وأصالة المنهل وتجليات الهوية، وسبباً لما نسمعه من شكوى يجهز بها المبدع، والذين ينتظرون من الإبداع إنقاذاً، ويتطلعون إلى هيبته وسطوته في معارك التحرير والتغيير والتعبير عن الذات والوجود، من أن شفرة سيفه بادحة، وناره لا تدفئ فكيف يطلب إليها أن تحرق ما لحق بالنفوس والمجتمع من عفن؟!.

4 ـ يقع الإبداع تحت تأثير معوقات التبعية السياسية والأيديولوجية، ويفقد في ظلهما ـ في معظم الأحيان ـ تمايزه وميزاته وخصوصيته ودوره، وفضلاً عن أن هذا مضر بالسياسة والأيديولوجيا لإضراره في النهاية بالمجتمع الذي تزعمان الحرص على سلامته، فإنه يضر بالإبداع ذاته ويلغي وجوده، ويجعل المبدعين موظفين مختصين بتلميع الشعارات والشخصيات والمراحل، ملحقين بخدمة السلطات، ويفقد الإبداع هويته وماهيته ووظيفته ـ ويُفقد أولئك المبدعين كل صلة به وبتاريخه.

ويغري المبدعين بذلك أو يكرههم عليه أمور منها ما هو ذاتي ومنها ما هو خارجي، ولكن أبرزها الإغراءات التي تقدمها كل من السياسة والأيديولوجيا، والإرهاب الذي قد تقومان به، ولكل من الإغراء والإرهاب وسائله وأساليب ممارسته وهي كثيرة جداً. وأرى أن تحرير النقد الفني والأدبي على الخصوص من التبعية للأيديولوجيا، أحد مفاتيح باب الخلاص، وأحد المنافذ التي تدخل هواء نقياً على مناخ الإبداع المحصور والمهدد بالفساد.

وفي إشارة إلى مدى الظلم والإجحاف والخطأ والخلل الذي يلحق بالأدب والفن جراء تبعية النقد والتقويم للأيديولوجيا، وما يستتبع ذلك وينتج عنه، من تشويه لصورة الإبداع وقيمة ومعاييره وأصول تقويمه وسلامة ذلك التقويم، ومن إفساد للذوق وملكات الحكم، وإضعاف لفعالية التأثير في الجماهير، ومن تشويه لتاريخ الأدب والفن، أقول في إشارة بسيطة جداً إلى الظلم والإجحاف أذكر بأن نقداً أيديولوجياً أظهر أن كتّاب القصة والرواية في سورية كلهم "كولونياليون" ما عدا اثنين أو ثلاثة هم من أتباع تلك الأيديولوجية.

ولنلاحظ أن هذا التقويم النقدي المستند إلى الأيديولوجيا لم يكتف بإصدار حكم قيمة على الإبداع وإنما أصدر حكماً سياسياً واجتماعياً على المبدع، وجرده من وطنيته وجعله داعية للاستعمار، ولو أن السلطة بيد مثل هذا النقد لما تردّد في إعدام هذا النوع من "الخونة الاستعماريين" الموجودين في مجال الإبداع، والذين يخالفون النقاد الأيديولوجيين في الرأي.

وهذا الأمر وأمثاله يستدعي، ليس فقط التأمل والتفكير، وإنما يتطلب العمل على إعادة ترتيب البيت الإبداعي، ولاسيما أحكامه ومعاييره، كما يستدعي إعادة كتابة تاريخه بهدف إعادة الأمور إلى نصابها. وإعادة النظر بالأحكام ومعايير الحكم والتقويم في مجالات الإبداع جميعاً لكي توقف حالة الإنهيار المستمرة في الإبداع والتقويم، وفي البنية الروحية والأخلاقية والنفسية والاجتماعية للمبدعين، وذلك بالحرص على سلامة مناخ الإبداع وسلامة مقوماته.

وأعتقد أن في هذا إنقاذاً للحرية والإبداع والمجتمع، لأنه لا حرية دون مساواة، ولا وجود لـهما دون مناخ ديمقراطي، والديمقراطية في تجلياتها على الإبداع وفي تجليات الإبداع فيها: سلامة معايير وقيم وأحكام واحتكام، وتحرر من كل ما يفسد ذلك من المواقف والأحكام المسبقة ومورثات فساد الرأي والحكم.

وأرى أن جميع العاملين في حقول الثقافة والمعنيين بها من أفراد مبدعين ومؤسسات مدعوون لممارسة دور فعال في هذا المجال، ونحن أولاً وأخيراً نريد حرية ومسؤولية نمارسهما ولا نريد حرية ومسؤولية نتغنى بهما.

وأود أن أكون واضحاً في الإشارة إلى أنه ليس كل ما نبع من السياسة والمجتمع والأيديولوجيا هو شر، أبداً، إن عملية التواصل والتفاعل ومناخ الحوار والتواصل كل ذلك يشكل عوامل مؤثرة في سلامة المناخ وغناه، ولكننا نريد هذه الحركة المتواصلة في الاتجاهين، ولا نريد حركة في مسار واحد تحمل الأمر فقط، فأنا لا آخذ بمبدأ فصل الثقافة عن السياسة والأيديولوجيا، فهذا أمر غير ممكن، ولكنني أقول برفض تبعية الثقافة للسياسة والإبداع للأيديولوجيا، ورفض التبعية لا يعني إطلاقاً قطع الصلات ومنع التواصل والتفاعل. إن المؤثرات السلبية في حركة الحرية والإبداع كثيرة في وطننا العربي، ونلاحظ تأثير ذلك سلبياً على حركة الحرية والإبداع ودوره في التحرير والتغيير، وفي إحداث النقلة الاجتماعية المطلوبة. ولا يمكنني إصدار حكم على الإبداع العربي ولا أريد، ولكنني إذا أرغب في الإشارة إلى ما يمكن أن يكون حقيقة تاريخية، أرغب في أن تنسحب هذه الإشارة على واقع الإبداع وعلى المجتمع ومؤسساته وعلاقاتهما، وما تسفر عنه تلك العلاقات من نتائج تدل على اتجاه حركة الحياة، ونوع الازدهار، ومدى التقدم في إبداعنا العربي، ومن ثم في مجتمعنا.

يقول أفلاطون: "إن الموسيقا تحدث تأثيراً لا يقاوم على شكل الحكم، ولا أخشى التأكيد أنه ليس باستطاعتنا إحداث أي تغيير في الموسيقا دون إحداث أي تغيير مماثل في دستور الدولة" ولما كانت موسيقانا العربية المعاصرة، وهي أحد أنواع الإبداع العربي، لما كانت، من وجهة نظري، تحتاج إلى كثير من التغيير لتصبح موسيقا، ولتصبح موسيقانا، ولتصبح إبداعاً معبراً عن حريتنا ومحرراً لنا، فإننا من أجل ذلك نحتاج، في وطننا العربي، إلى إحداث تغييرات كثيرة في دساتير دولنا الاثنتين والعشرين، لتصبح دساتيرنا وقوانيننا معبرة عنا، وحامية لإبداعنا ومجتمعاتنا وهويتنا ووجودنا الحي بين الشعوب الحية، لنكون في حالة من تألق الإبداع والمشاركة الحضارية الفعالة.

يقول شكسبير في مسرحية العاصفة "نحن من جوهر الأحلام وحياتنا القصيرة يملؤها النوم" ولا أتطلع اليوم في وطننا العربي إلى تغيير هذا القول الشكسبيري بل أتطلع إلى أن نملأ حياتنا بالأحلام الممكنة وأن نملأ بعض ما في حياتنا القصيرة من يقظة بفعل مبدع لكي نرتاح أثناء النوم. فهل نفعل؟ إنني لا أتراجع عن التمسك بالتفاؤل، ولا عن حقيقة أن الإبداع بذّار للأمل ومنير لشموع الهداية والصباح في متاهات الضياع والظلمة.

¡¡¡



([1]) الكليات القسم الأول ص 21 تأليف: أبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي ـ منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1974م.

([2]) قال عرباض: صلى بنا رسول الله r الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: ]أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كبيراً فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.[

     مسند أحمد بن حنبل المجلد الرابع ص 127 ـ منشورات: المكتب الإسلامي ـ بيروت. والملاحظ أن الإشارة المقصودة بالبدعة محمولة على محدثات الأمور في الدين والسياسة ولاسيما السياسة والدليل سياق الحديث كله. كما أنه لم ترد "وكل ضلالة في النار" والمقصود أن الضلالة تؤدي إلى فتنة والفتنة مهلكة في الدنيا وحكمها لا ينصرف بالضرورة في الآخرة حكماً قطعياً على المبتدع.

([3]) يتساءل الأستاذ محمد الزايد في الموسوعة الفلسفية العربية: "هل كان من قبيل المصادفة أن يربط الفكر العربي الإسلامي بين الإبداع والبدعة: والبدعة ضلالة، والضلالة والزندقة، والزندقة والإلحاد" ـ الموسوعة العربية ـ مجلد 1، ص 17 ط1 منشورات: معهد الإنماء العربي بيروت 1986م.

([4]) الكليات ص 21.

([5]) لسان العرب ـ مادة خلق.

([6]) لسان العرب ـ مادة خلق.

([7]) يقول أرنولد هاوزر "وينبغي أن نعترف أن كل فن قديم كان، إلى حد ما، استجابة لرغبة في الشهرة، ولرغبة البعض في أن يذيع صيته بين معاصريه وبين الأجيال التالية" الفن والمجتمع عبر التاريخ" ـ / ـ 1، ص 76 ـ ترجمة: د. فؤاد زكريا منشورات الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ـ القاهرة/ 1971م.

([8]) ما الأدب ـ ص 47 ط 1 تأليف: جان بول سارتر ـ ترجمة: محمد غنيمي هلال ـ منشورات: مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة ـ القاهرة 1961م.

([9]) نظرية الأدب ـ ص 41 و42، ط 1 تأليف: رينيه ويليك وأوستن وارن ـ ترجمة محيي الدين صبحي ـ مراجعة: د. حسام الخطيب ـ منشورات المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ـ دمشق 1961م.

([10]) نظرية الأدب ـ ص 41 و42، ط 1 تأليف: رينيه ويليك وأوستن وارن ـ ترجمة محيي الدين صبحي ـ مراجعة: د. حسام الخطيب ـ منشورات المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ـ دمشق 1961م.

([11]) الموسوعة الفلسفية العربية م1، ط 31، عبد الحليم محمود السيد.

([12]) إليوت عام 1831 عن نظرية الأدب لرينيه ويلك وأوستن وارن ـ ترجمة: محيي الدين صبحي، ص 105، منشورات المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية دمشق.

([13]) الموسوعة الفلسفية العربية، ج1 ص 662.

([14]) ما الأدب، ص 25 ـ سارتر.

([15])  ما الأدب ص 20 ـ تأليف: سارتر.

([16])  الموسوعة الفلسفية العربية ـ ص 367.

([17])  نظرية الأدب ـ ص 117.

([18]) الفن والمجتمع عبر التاريخ جـ 1ص 43 ـ 44 تأليف: أرنولد هاوزر ـ ترجمة: د. فؤاد زكريا ـ منشورات: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ـ القاهرة/ 1971م.

([19]) ما الأدب ـ ص 9 جان بول سارتر.

([20]) تاريخ المسرح العربي ـ ص 401 تأليف د. محمد يوسف نجم ـ من مقدمة شيللي لمسرحية شنسي.

([21]) في الأدب والفن ـ جـ 2 ص 176 ـ تأليف: لينين ـ ترجمة: يوسف الحلاق ـ منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1972.

([22]) طبقات الصوفية ص 158 ـ تأليف: أبي عبد الرحمن السّلمي ـ منشورات: مكتبة الخانجي ـ القاهرة.

([23]) سورة الرعد ـ الآية 13.

([24]) يحدد جان لوك حرية الإنسان الطبيعية كما يلي:

     "هي ألا يكون خاضعاً لأية قوة عليا في الأرض، وإلا يقع تحت إرادة أي إنسان أو سلطة تشريعية، ولا يكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها" رسالتان في الحكم ـ الفصل الرابع الفقرة 22.

([25]) لينين ـ الخطط العامة لفلسفة النظام السوفييتي ـ عن محمد عصفور من كتاب: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي ـ ص 45 ط 1 منشورات: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 1984.

([26]) أزمة الديمقراطية في الوطن العربي ص 787 ـ 877 من بحث: الديمقراطية والوحدة العربية لعصمت سيف الدولة، مأخوذ عن Traite de science politique  262)) p.

([27]) يقول مونتسكيو:

     "إن هناك عيباً خطيراً في الجمهوريات القديمة وهو أن الشعب كان لـه الحق في أن يتخذ قرارات إيجابية ويطلب القيام ببعض الأمور التنفيذية أيضاً، وهو ما لا طاقة ولا كفاءة لـه به. ليس للشعب أن يتدخل في الحكم إلا بأن يختار ممثلين لـه. وهذا كان إلى أقصى حد بالنسبة إليه.. لأن الطبيعة البخيلة في منح المواهب لم تمنح إلا لشريحة قليلة من رؤوس قادرة على الحسابات المعقدة التي يتضمنها التشريع، وبالتالي فكما يلجأ المريض إلى الطبيب ويلجأ المتقاضي إلى محام. يلجأ العدد الكبير من المواطنين في شؤون الحكم إلى من هم أكثر مقدرة وكفاءة".

     من مقال: الديمقراطية والوحدة العربية: عصمت سيف الدولة عن كتاب: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي ص 788.

([28]) مستقبل الديمقراطية ومفاهيمها ص 44 ـ بحث بعنوان: الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية ـ منشورات: الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية ـ بيروت 1959م ومن يقرأ: من يجرؤ على الكلام لبول فندلي على الأقل يعرف كيف تصنع القرارات الديمقراطية في العالم الحر.

([29]) أرغب في الإشارة إلى رأي اتفق معه للدكتور عبد العزيز الحبابي يقول:

1 ـ لا توجد حرية بصفة مطلقة، أو أن شئتم لازمة كما يقول النحويون، إن كل حرية تكون متعددة، وإلا بقيت دون محتوى.

2 ـ تكاملية الحريات: أي أن كل حرية تستلزم حريات أخرى. نعني أنه لا حقيقة لأية حرية إلا في مجموعة من الحريات تتكامل معها وتكملها وتتكيف بها.

3 ـ لا تفهم أية حرية إلا إذا ارتكزت على معايير" مستقبل الديمقراطية ومفاهيمها ص 156.

     بحث: الحرية والديمقراطية ـ د. عبد العزيز الحبابي.

([30]) سورة المائدة ـ الآية 24.

([31]) أزمة الديمقراطية في الوطن العربي ـ ص 551 ـ من بحث للدكتور: محمد المجذوب.

([32]) المصدر السابق ص 525 عن بحث للدكتور حسين جميل بعنوان: حقوق الإنسان في الوطن العربي ـ وقول لاسكي من كتابه: الحرية في الدولة الحديثة.

([33]) راجع: واقع النشر في الوطن العربي وآفاقه المستقبلية ـ في هذا الكتاب وكتابي دراسات في الثقافة العربية ـ منشورات جمعية الدعوة الإسلامية ـ طرابلس ـ الجماهيرية عام 1988.

 

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |