مشكلات في الثقافة العَربيَّة - د.علي عقلة عرسان - دمشق - 2005

واقع النشر وَآفاقه المستقبليّة في الوطن العَربي

1 ـ منذ أربعينيات هذا القرن بدأ تلمس واقع النشر العربي بمقاربات لا ينظمها منهج محدد لدراسة أزمة أو مواجهتها, فالأزمة لم تكن قد ذرت قرنها بعد على النحو الذي نراه ونعالجه اليوم, وكان ما يكتب ينصب على علاقة القارئ بالكتاب والمؤلف بالناشر, في حدود ضيقة وباهتمامات فردية. ذلك أن حركة النشر كانت محصورة في مركزين كبيرين: القاهرة وبيروت, وما ينشر في ما عداهما من المدن والعواصم العربية كان قليلاً, ولم تكن القطاعات الرسمية العامة قد دخلت على برامج الاهتمام بالثقافة بله النشر وقضايا الكتاب, وكانت معظم الأقطار العربية تعاني من الاستعمار ومن تأثير ثقافاته المركزة في أهداف على رأسها سحق الشخصية الثقافية العربية وتثبيت الاستعمار بتثبيت ثقافته وقيمها في العقول والوجدان.

2 ـ في مطلع الستينيات عقدت ندوتان حول قضايا النشر والكتاب إحداهما في القاهرة 1962 عقدتها جمعية أصدقاء الكتاب اللبناني, والندوتان كانتا نتيجة مبادرتين من خارج القطاعات الرسمية العربية, ولكنهما بتقديري شكلتا بداية اهتمام رسمي وجدي بقضايا النشر والكتاب، وعززتا الدعوات التي كانت تتضمنها بيانات مؤتمرات الكتاب والأدباء للاهتمام بموضوع الكتاب والأطراف المعنية بإنتاجه وبالانتفاع منها.

3 ـ في 25 ـ تموز 1970 أعلن رسمياً, وبقرار عربي يصدر للمرة الأولى, عن قيام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, بوصفها وكالة متخصصة في نطاق جامعة الدول العربية, من أهدافها "التمكين للوحدة الفكرية بين أجزاء الوطن العربي ورفع المستوى الثقافي في هذا الوطن حتّى يقوم بواجبه في الحضارة العالمية والمشاركة إيجابياً فيها" وبدأت هذه المنظمة تأخذ دوراً متزايداً في الساحة الثقافية العربية, وتُعنى بمشكلات هذه الساحة وتحاول أن تنسق الجهود, وتطرح المشكلات, وتقترح الحلول, وتسهم في وضع برامج العمل العربي, ومما اهتمت به اهتماماً ملحوظاً موضوع النشر العربي وما يواجهه من مشكلات والآفاق التي يتطلع إلى بلوغها, والمناخ والشروط العامة التي تساعد عناصره الفاعلة على الوصول به إلى وضع أفضل في ظلها.

4 ـ في عام 1981 أسس بطرابلس عاصمة الجماهيرية اتحاد الناشرين العرب, وبدأ مسيرة عمل عربي محفوفة بالصعوبات لإقامة اتحادات للناشرين في الأقطار العربية التي لا يوجد فيها اتحادات, ولمتابعة موضوعات النشر وقضايا الكتاب في أرض ملغمة بالخلافات السياسية والصعوبات الناتجة عن تجذر القطرية, وانعكاسات ذلك على الكتاب والناشر وعلى حركة تدفق الكتاب. وبعد ذلك بوقت غير طويل تأسس اتحاد للموزعين العرب, وكان اتحاد الكتاب والأدباء العرب موجوداً منذ الخمسينيات, لم يؤسس بعد اتحاد للناشرين العرب وبذلك اتسعت شبكة المؤسسات والمنظمات القومية الشاملة لمعظم المعنيين بقضايا النشر المطبوع, وأصبح من الممكن تنسيق جهودها بصورة أكثر فعالية.

5 ـ في عام 1985 صدرت "تشريعات ثقافية" ذات صبغة قومية لـها أهمية خاصة ولا سيما فيما تشير إليه من توجه, وما تؤسس لـه مستقبلاً من عمل عربي عام وعلاقات محكومة بقواعد ثابتة في الدول الاثنتين والعشرين التي تشكل الوطن العربي, حتّى الآن, وهذه التشريعات هي: قانون حماية المخطوطات العربية ـ الاتفاقية العربية لتيسير تداول الإنتاج الثقافي ـ تشريع رعاية المبدعين ـ الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف([1]).

6 ـ عقدت في الفترة منذ عام 1970 عام تأسس (الألكسو) وحتى عام 1989 تاريخ انعقاد هذه الندوة, عدة لقاءات وندوات هامة أقامتها "اليونسكو" و"الألكسو" واتحاد الناشرين العرب, والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب, ومجلس التعاون الخليجي, واتحادات ومؤسسات قطرية في الوطن العربي حول موضوعات النشر المطبوع, والمسموع ـ المرئي, والمسموع, وحول قضايا الكتاب, والأمن الثقافي العربي, والمكتبات وتطور المعلومات وصلة ذلك بالنشر وتأثيره عليه وعلى آفاقه, مما يشكل رصيداً من الأبحاث والدراسات والمقالات والتوصيات, وبعض الدراسات الميدانية لا يستهان به([2]), تقدم بمجموعها ـ لمن يريد ـ إمكانية لا بأس بها لرسم صورة عن واقع النشر في الوطن العربي, وتحديد المشكلات التي يعاني منها والمقترحات الكفيلة ـ إذا ما نفذت بتكامل عربي ـ بالخروج من مآزق ومشكلات تعترض واقع النشر وتعيقه عن التطور, وقد توجت هذه الجهود بما تضمنته الخطة الشاملة للثقافة العربية, من وقائع ومقترحات ومقومات رؤية سليمة لواقع النشر وصناعاته وقضاياه, وهي الخطة التي أقرها المؤتمر العام للمنظمة المنعقد في تونس بين 21 ـ 24 ديسمبر "كانون الأول" 1985.

7 ـ وبهذه الحصيلة العامة من الجهد الذي بذله معنيون ومسؤولون في قطاعات النشر المطبوع, والتي تتصل بواقع وبمشكلات قابلة للحل, أصبح لدينا ما نستند إليه من معلومات ومعطيات تشكل أرضية ننطلق منها لمعالجة المشكلة, وإن كان ينقصنا بصورة ملحوظة معطى إحصائي دقيق عن دور النشر في القطاعين العام والخاص وعن المطبوع والمنشور وعن المكتبات والمطابع ومنافذ البيع والتسويق وما يتصل بذلك, لأن الإحصاءات التي وقفت عليها سواء تلك التي قدمتها "اليونسكو" أو التي قدمتها "الألكسو" في مجال الكتاب ودور النشر على سبيل المثال, لا تجعلني مطمئناً إليها تماماً. وقد قارنت بين بعض الإحصائيات الصادرة عن اليونسكو والألكسو وإحصائيات صادرة عن جهات أخرى, وسبرت بعض أرقام قطاع النشر في سورية فوجدت اختلافاً واضحاً في الإحصائيات, الأمر الذي يدعو إلى المطالبة باهتمام دقيق في هذا المجال, وعدم الركون إلى الأرقام التي يصدرها موظفون في وزارات التربية والتعليم لكل من اليونسكو والألكسو, من دون مسؤولية في بعض الحالات.

8 ـ استناداً إلى ما أشرت إليه من معطيات في الساحة الثقافية عموماً وفي ساحة النشر المطبوع على وجه التخصيص أستطيع القول: إن الجهد الذي نبذله لا بد أن يتنامى, معتمداً على أسس أرساها الجهد السابق ـ جهد الباحثين والمشاركين في الندوات والمؤتمرات واللقاءات وكذلك خلاصة التوصيات والمقترحات والدراسات الميدانية العربية ـ في إطار رغبة خالصة في إقامة البناء الذي يشارك كل شخص أو فريق بالإضافة, أو بتصحيح خطأ وتمحيص قضية. وهو ما أظن أن ساحة العمل العربي تحتاج إليه, ولا سيما في مجالات تتصل بالإنتاج والإنجاز والتخطيط المستندة إلى معطيات حقيقية, مادية ومعنوية, وعلى قواعد ونظم وقوانين وعلاقات واحتياجات موضوعية تظهر في الممارسة اليومية, وتفرض وجودها على المهتمين والمتابعين.

9 ـ وعليه فسوف أدقق في واقع النشر العربي بشيء من الإيجاز معتمداً على ما سُبِقَ ورُصِدَ أو شُخّصَ من هذا الواقع وفيه, محاولاً أن تكون إضافتي منسجمة مع ما يطلبه الموقف, في هذا المجال, بعد أن أصبح هناك خطة شاملة للثقافة العربية, تسعى الجهات الساهرة عليها, والمهتمة بها, والمقتنعة بجدواها, إلى أن تجسد في مؤسسات وإنتاج وبرامج عمل, على الصعيدين القطري والقومي, من خلال رؤية قومية واضحة ومتماسكة, تحكم الجهد وتوظفه في الإطار العام لأهداف الخطة, التي وضعت خدمة لأهداف الأمة ومستقبلها.

10 ـ يلاحظ أن مدلول النشر قد اتسع كثيراً بفضل التطور التقني السريع, وتنوع وسائل الاتصال الحديثة, والتعاطي مع المعلومات بالوسائل المدهشة في سرعتها ودقتها ومواصفاتها, تلك التي أصبحت في متناول طالبيها والمحتاجين إليها. فهناك الأقمار الصناعية ومصارف المعلومات المتطورة المتصلة بها, وأنظمة الحواسيب المتقدمة, وشبكات الخطوط المتقنة من الألياف الزجاجية وسواها, وأجهزة العاكس التصويري ـ الفاكس ميلي ـ والتقنيات المعتمدة على الليزر في الطباعة والاتصال, وكل ذلك حقق ثورة في نظم المعلومات وسبل الاستفادة منها وطرق توصيلها والتعامل معها والوصول إليها.

11 ـ وقد أصاب قطاع النشر حظاً وافراً من هذا التطور, فلم يعد النشر مقتصراً على مفهوم النشر المطبوع على الورق, أي الكتاب والدورية والنشرة, بل انتقل مفهوم النشر إلى ساحة أوسع فشمل النشر المسموع, والمسموع ـ المرئي, بوساطة أشرطة ملائمة لكل من التقنيتين في الإذاعة والتلفاز والفيديو, ولم تقتصر استفادة قطاع النشر المطبوع على الاستفادة من تقنيات العصر فيما يتصل بتطور أساليب الطباعة وأجهزتها وتقنياتها المتطورة ونتائجها الباهرة في السرعة والجودة فحسب, وإنما شمل ذلك طرق الاستفادة من المعلومات الثقافية, وأساليب القراءة التي لم تعد وقفاً على التعامل مع المادة المختزنة على الورق, بل تعدت ذلك إلى تلك التي تحفظ على شكل أشرطة مسجلة "أقلام" ومصغرات ورقائق صناعية على شكل "ميكروكارد" و"ميكروفيش" وما يفرضه التعامل معها من أجهزة وتقنيات وأساليب عمل ومناخات إنتاج وإبداع, وما يرتبه من تكلفه. وفرض هذا التطور العام على عالم الكتب ضرورة التعاطي مع ما يطرح من أسئلة جديدة جراء انعكاس أساليب العصر التقنية على المكتبات العامة, وعلى أساليب تخزين الكتب والمعلومات, وعلى وسائل الاتصال بالمادة المعرفية والمعلوماتية التي تنتظمها الحواسيب.

12 ـ إن النشر في الوطن العربي يقتضي التعاطي مع مقومات هذا القطاع كلها, ومع ما يقع في دائرة انتشاره عبر مفهومه الموسع الذي سبق وأشرت إليه ـ أي أن التعاطي سيتم, أو ينبغي أن يتم ـ مع الكتاب في دورته التامة ومع الدورية في تلك الدورة, وكذلك مع قطاع النشر المسموع والمسموع المرئي, إذا أردنا من رصدنا للواقع استشراف صورة المستقبل والتعامل إيجابياً مع تلك الصورة بهدف التأثير في تكوينها ومواكبتها في صيرورتها.

13 ـ والتعاطي مع الكتاب والدورية في دورتيهما أو دورتهما التامة ـ لما لـها من صلة رحم ـ يفرض التعرف على الواقع بمتابعة أبرز المقومات والعناصر والمشكلات التي تتصل بهذا القطاع. وهذا ما سأركز عليه أكثر من سواه, مع عدم إغفالي ـ ما أمكن ذلك ـ لأسلوب النشر المسموع ـ والمسموع المرئي ـ اللذين يحتاجان بتقديري إلى متابعة خاصة في دراسة مخصصة لذلك.

14 ـ وكل تواصل هادف لرصد الواقع من خلال المعطى الواقعي, في حركة تتبع أقرب ما تكون إلى الدقة, يقتضي التوقف عند أطراف رئيسة يتوقف عليها إنجاز مرحلة لا بد من إنجازها لتتم دورة ناجحة في هذا القطاع, أعني قطاع النشر المطبوع أو المقروء, وأفضل استخدام: المصنوع على الورق ـ وهذه الأطراف هي: المؤلف ـ الناشر ـ الموزع ـ القارئ وكل طرف من هذه الأطراف يقود حكماً إلى طرح أسئلة ومعالجة قضايا تتعلق بأطراف أخرى تقع في دائرة اهتمامه ومسؤوليته, وتؤثر تأثيراً خاصاً في دورة النشر أو دورة الكتاب.

15 ـ تشير الإحصائيات ـ على ما فيها من خلل وما عليها من مآخذ([3]) ـ إلى أن متوسط النسخ المطبوعة في كل كتاب يطبع في أي قطر عربي, يتراوح بين 3000 ـ 5000 نسخة, مع الإقرار بوجود استثناءات, حيث تصل نسخ كتاب سلسلة المعرفة في الكويت إلى خمسين ألف نسخة, وتصل نسخ عدد غير قليل من الكتب لا سيما دواوين الشعر الحديثة إلى ألف نسخة فقط, ولا يدخل في هذه الأرقام الكتاب المدرسي ولا الجامعي, ولا بعض سلاسل كتب الأطفال. ومعنى أن يطبع من الكتاب ثلاثة آلاف نسخة أو خمسة آلاف, أن القراء العرب الذين يتوزعون في مقدار سكاني يبلغ مئتين وستة ملايين ومئة وأربعين ألفاً تقريباً 206144000 نسمة([4]) يصيب كل 68714 نسمة منها نسخة كتاب واحدة في حالة طباعة 3000 نسخة, وكل 4122.8 نسمة تصيبهم نسخة كتاب واحدة في حالة طباعة 5000 نسخة من الكتاب وهذا رقم مثير لأكثر من الاستغراب إذا ما أخذنا سبيل المقارنة مع البلدان المتقدمة, ومثير لأسئلة مريرة إذا ما قارنا الواقع بما ينتجه عدونا.

       لقد حددت إحصائية أخرى أرقاماً مذهلة ـ على صعيد المقارنة بيننا وبين العدو ـ في مجال البحث العلمي ونشر أبحاثه, في مقارنة أجرتها بين مجموعة الدول العربية وإسرائيل في هذا المجال, وتوصل الباحث أنطوان زحلان إلى أرقام أقتطف منها (عينات) في سنوات:

ـ عام 1967 الوطن العربي 465 العدد 1125

ـ عام 1973 الوطن العربي 847 العدو 2401

ـ عام 1978 الوطن العربي 1618 العدو 3570

ـ عام 1983 الوطن العربي 2616 العدو 4661

       وهذان المؤشران من قطاعين مختلفين في حقل النشر, يشيران إلى وضعنا وإلى ما ينبغي أن نحققه في مجال النشر.

16 ـ إن صناعة الكتاب تظهر تخلفاً في التقنية يجعل الكتاب العربي في وضع رديء, إذا ما قيس إلى فن صناعة الكتاب في الدول الأخرى, على الرغم من امتلاك العرب لآلات طباعة متطورة. ويعود هذا إلى العناصر البشرية العاملة في مراحل هذه الصناعة ومدى هضمها للتقنيات وتقيدها بالنظام, وخلقها لتقاليد العمل وشروطه ومواصفاته, وحساسية الضمير المهني وسيادة قيم ومعايير سليمة فيه, كما يعود إلى تسرب الجيد منها بالهجرة, وإلى مناخ العمل والإدارة وتراتبية الكفاءات والقدرات, وانعكاس ذلك على الإنتاج ونوع الأداء ومردوده. وقد وقفت على عينات من مطابع متقدمة في سورية هي مطابع وزارة الثقافة ـ دار البعث ـ مؤسسة تشرين ـ مؤسسة الوحدة. وكلها تملك أجهزة متقدمة جداً, إلى جانب الأجهزة القديمة, من أنواع هايدل برغ وهاريس تصل سرعتها القصوى إلى 12000 و10000 كبسة في الساعة لكل آلة ولكنها لا تعمل بمقدار 30 -40% من قدرتها على الإنتاج, ولا يحقق إنتاجها نسبة مماثلة من الجودة. وأعرف أحوال مطابع متقدمة جداً في الجماهيرية والجزائر, حيث تغطي قدرات مجمعات الطباعة في بعض الأقطار حاجة الوطن العربي فيما لو شغلت تشغيلاً جيداً, وبفنية بشرية عالية. ولكن الحال ليس كذلك في التطبيق فالجماهيرية تطبع الكتب الجيدة في أوربا, والجزائر تعاني كما تعاني سورية من الصعوبات والمشكلات المتصلة بالإنسان والآلة والمواد الأولية اللازمة للطباعة, وكذلك الأمر في اليمن والسودان, وفي الأقطار العربية الأخرى فيما أقدر.

17 ـ وتدفق الكتاب يعاني من اختناقات كثيرة ومستمرة, فعوائق ارتفاع التكاليف العامة للإنتاج والشحن, وممارسات الرقابة, وقيود العملة, واستغلال منافذ البيع القطرية لندرة المطبوعة, كل ذلك يزيد من أسعار الكتاب ويؤخر وصوله إلى القارئ, ويقلل من فائدته ومردوده على المؤلف والمجتمع والقارئ والثقافة.

       فالمراحل كلها تقع في دائرة المعاناة, وتكاد كل مرحلة تؤثر سلبياً في المرحلة التي تليها, حتّى لكأن الآلية الحركة كلها تعاني من صدأ وتآكل يقللان من وتيرة الحركة ويرفعان صراخ الآلة ويشيعان ألمها ويقربانها من التوقف, وهي تتحرك ببطئها المميت.

       وتيسيراً لمداخل هذه الدراسة سوف أتوقف عند كل طرف من أطراف إنتاج الكتاب وما يتصل به في محاولة للخروج من رصد بعض مواصفات الواقع إلى استشراف بعض آفاق المستقبل.

18 ـ فالكلام على المؤلف يقود إلى الكلام على السياسة والمعطى الثقافي العام, والحقوق المادية والمعنوية, والقوانين والتشريعات الناظمة لحقوق التأليف, وتلك المعنية بالمبدع وبمناخ الإبداع, كما يقود إلى طرح قضية الحريات والحقوق العامة للمواطن والممارسات الديمقراطية وإلى حقائق تتصل بحياة الإنسان العربي وبدوائر انتمائه القطري والقومي, وما ضاق من ذلك وما اتسع, كما يشمل الأمر أيضاً الكلام على الرقابة في منظارها القطري والسياسي وإطارها الذي يستدعي أن يكون قومياً وإنسانياً ذا شمولية تامة, إذا كان لا بد أن تقوم وأن توجد أصلاً. ويقود ذلك أيضاً إلى الكلام في علاقة المؤلف بالناشر وبالقارئ, وبالكتاب ومعطى الثقافة المعرفي تلك التي تتم دورة الوعي وتنميها وتفتح أفق الحرية وتغذيها باستمرار, إضافة إلى تفصيلات أخرى.

19 ـ والكلام على الناشر يقود إلى الكلام على علاقته بالمؤلف والرقابة القطرية وغير القطرية وتنوع محرماتها, وكذلك على المطابع والتقنيات المتاحة, وعلى أساليب الربح المشروع وما يتصل بالكتاب "كسلعة" ـ بصيغة الأمر الواقع ـ وكذلك على علاقته بالموزع وصاحب المكتبة, وبتوافر المواد الأولية اللازمة للطباعة, وأثمانها, وسيقود ذلك إلى ملامسة قضايا الأمن الثقافي العربي, وتوافر شروطه في هذا المجال تخصيصاً, أي في إطار ضيق من ذلك يتصل بتوافر المواد اللازمة للصناعات الثقافية في قطاع النشر المصنع على الورق, والأجهزة وصيانتها, وما يتصل بذلك كله من تكوين للعناصر البشرية والقدرات الفنية الضرورية لصناعة الكتاب الذي يتصل به أكثر من اتصاله بسواه كمسؤول عن مرحلة تحويل المادة المعرفية أو الإبداعية من مخطوط على الورق في نسخة المؤلف, إلى مطبوعة ـ منشورة محققة لمواصفات الإتقان والجودة وقادرة على إغراء القارئ بالإطلاع عليها واقتنائها على حد سواء, ومحققة لذلك في ضوء تكاليفها وهامش الربح وإمكانات المواطن على شرائها, مع مراعاة الدخل القومي المنخفض, وتكاليف الحياة وأعبائها.

20 ـ والكلام على الموزع يتصل بقيود الجمارك والعملة وبوجود وسائل الشحن وتكلفتها وبتسهيلات الرقابة وجود نظم ثابتة, تحكم عملية التواصل الثقافية تلك وتنميها, وكذلك بوجود منافذ للبيع منتشرة في الوطن العربي, ونظام عقود محكوم بوحدة قوانين أو بقوانين تسهل تحصيل الحقوق وتضبط هذه العملية تماماً. وبأنظمة للترويج والإعلان والتعريف, تضمن حسن تقديم الكتاب أو الدورية للقارئ وتسهل توصيلها بموضوعية, ودون أن تقوم القيود السياسية القطرية بالحد من سير التواصل وتناميه, ومن دون أن تنعكس الخلافية السياسية العربية على التدفق المنشود للمادة المنشورة. حيث تبقى الأرضية الحقيقية للثقافة العربية هي أرضية الوحدة الفعلية للأمة العربية, ويؤخذ بالاعتبار أن حدود الوطن العربي عند المثقفين والمادة الثقافية العربية, ولا سيما الكتاب والدورية, والكاتب والأديب, هي حدود انتشار اللغة العربية لا حدود السياسيين القطرية التي تقسم الوطن إلى اثنتين وعشرين دولة.

21 ـ والكلام على القارئ لا بد أن ينظر إلى جمهرة الوطن العربي, وإلى القراء المحتملين في هذا الوطن, ويرصد معاناتهم في الحصول على الكتاب أو الدورية, وتعرضهم للابتزاز من بعض الباعة والموزعين, وحرمانهم من سهولة تدفق الكتاب, وغياب معظم المنشورات العربية عنهم, إلا في المناسبات المتصلة بمعارض الكتاب والتي يستفيد منها جمهور العواصم العربية على وجه الحصر بينما تبقى الأرياف قيد المعاناة المستمرة أو النسيان الرهيب في تأثيره. كما سيقود هذا الكلام على الأمية والأمية الثقافية, وصعوبات التعامل مع الوسائل المتقدمة لنقل المعلومات وسبل الاستفادة من النشر المسموع ـ المرئي, وتقنيات القراءة المصنعة على غير الورق, وأنظمة الاستفادة من ثورة المعلومات, والوقوف على أساليب معالجة ذلك.

22 ـ المؤلف:

       ينقسم المؤلفون ومن في حكمهم إلى قسمين: قسم يتعاطى الإِبداع, وقسم يتعاطى الدراسة والبحث والمقالة. إلخ, وإذا كانت هناك هموم ومناخات مشتركة وكذلك تطلعات لكل فريق منهما, فإن هناك خصوصية أيضاً لكل فريق تواكبها أو تنتج عنها معطيات سلبية أو إيجابية لا بد من تلمسها.

       فما يجمع المؤلفين هو الشكوى من عدم احترام حقوقهم المادية والمعنوية, وانحسار إنتاجهم وتقوقعه قطرياً, وعدم تواصلهم مع قرائهم ومع زملائهم تواصلاً مجدياً, ومثرياً لتجربتهم الثقافية, وتعرضهم لأشكال من السلب من قبل الناشر, لا سيما ناشرو القطاع الخاص, ويشمل السلب بعض حقوقهم المادية عن طباعة الكتاب, وسرقة طبعات بكاملها, كما يشكون من عدم انتشار كتابهم ومن ألوان الرقابة التي أدت إلى قيام مخافر داخلية في وجدان كل منهم. وهم يتعرضون في سوق العرض والطلب المفتوحة للكلام العربي, إلى ألوان من الضغوط التي تؤثر سلبياً عليهم وعلى مناخ الإبداع من حولهم, وتتضافر مع ضغوط الحياة المعيشية لتجبرهم على نوع من الإنتاج لا يرغبون فيه, ولا يمكنهم من التطور ولا من تحقيق ما يرون أن قدراتهم تحققه, وأن الثقافة العربية تتطلبه وتحتاج إليه. وهم يعانون من التضييق عليهم ومن الهامش الضيق المتاح لحرية التعبير, ومن ضيق مجالات النشر ومحدوديتها في بعض الأقطار, ويعانون من المردود القليل لإنتاجهم حيث يلهب الكثيرون منهم وراء لقمة العيش ولا يطمئن أحد إلى وضع يحميه حتّى بعد صدور عدد من الكتب لـه, ويستثنى من ذلك عدد قليل من الكتّاب. ويتنازل الكاتب عن إنتاجه لبعض الناشرين الذين يرون أنهم يملكون حق استثمار المصنف الأدبي إلى ما لا نهاية, ويتعرض الكتاب لأنواع من الرقابات في الوطن العربي تتغير محرماتها وممنوعاتها من قطر إلى قطر, ومن مرحلة إلى مرحلة في القطر الواحد, ومن رقيب إلى رقيب بتغير الأشخاص, وذلك لأن الرقابة موجودة ومعاييرها غير ثابتة, ويصعب الإِقرار بتلك المعايير لأن ذلك يتضمن نوعاً من الإِقرار بالرقابة في حين يرفض الكاتب, أو يجد أن من واجبه رفض الاعتراض بوجود الرقابة, وبكل ما يمكن أن يحد من حريته أو يضيق عليها.

23 ـ ويطرح الواقع العربي موضوع الرقابة كإشكالية, وينظر إليها فريق عربي من المتصلة أمورهم بها على أنها مشكلة. وفي هذا المجال لا بد من التوقف عند بعض الحقائق والوقائع:

1 ـ إن الرقابة موجودة في جميع الأقطار العربية, وهي تمارس بأشكال مختلفة, وهذا لا يلغي حقيقة وجودها.

2 ـ إن الرقابة العربية مختلفة من قطر إلى قطر, وليست مستقرة على معيار لا عربياً ولا في المجموعات التعاونية العربية, ولا حتّى في القطر العربي الواحد.

3 ـ إن الرقيب العربي يحكم على أساس من اجتهاده ضمن محرمات سياسية تتصل بالحاكم وبسياسة القطر الذي هو فيه, ويحكم اجتهاده مدى اطلاعه, ونوع علاقته بالنظام, وانتماءاته الأخرى.

4 ـ إن الإنتاج العربي الذي يريد أن يتجاوز الحدود عليه أن يواجه رقابات مختلفة قد تتضارب في بعض الأحيان, وهو حيال هذا: قد يتعرض للمنع في أقطار. وإذا أراد أن يكون لكل قطر فعليه أن يتنازل عن كثير من الأشياء والآراء وربما المواقف التي يحرص عليها الكاتب. ويتأثر الإِبداع والاجتهاد في الرأي والبحث, بهذا الأمر, أكثر مما يتعرض سواه من الإِنتاج.

5 ـ الرقابة الموجودة في الوطن العربي هي رقابة تتعامل مع نوعين من المنشورات:

أ ـ مخطوطات يرغب أصحابها أو ناشروها في نشرها داخل القطر الذي يقيمون فيه.

ب ـ وكتب مطبوعة خارج ذلك القطر ويرغب مؤلفوها أو ناشروها وموزعوها في إدخالها سوق التداول فيه.

24 ـ والرقابة في الوطن العربي هي رقابة تتعامل مع نوعين من المنشورات التي تخزن مادتها على الورق:

أ ـ رقابة المخطوطات "أي المصنفات المخطوطة".

ب ـ رقابة المطبوعات "أي الكتب بعد طباعتها", وينسحب المعنى على الصحف وهو ما لا يدخل في نطاق هذه الدراسة.

      والرقابة على المخطوطات تتم على نوعين:

1 ـ رقابة سابقة على الطباعة تقتضي تقديم المخطوط للجهات المعنية والحصول على موافقتها ثمّ القيام بطباعة المخطوط وعرض الكتاب لأخذ الموافقة النهائية على التداول, أي توافق المخطوط الموافق عليه مع المطبوع الذي يطرح في الأسواق.

2 ـ رقابة لاحقة تقتضي من المؤلف أو الناشر إيداع نسخ من الكتاب المطبوع لدى الرقابة وإذا لم تعترض خلال مدة محددة يعتبر الكتاب مرخصاً بتداوله.

3 ـ رقابة عند الضرورة وهي حالة تدخل الجهات المعنية عند الضرورة لمنع كتاب من التداول بناء على ما يطرحه وما يثيره في أوساط الرأي العام, وبعد أن تثار ضده قضايا أو تنشأ مواقف لـها صفة عامة نتيجة لتعرض الكتاب لما يجرح مشاعر الناس ومقدساتهم, أو ما يمس ما يحرم مسه نظام البلد الذي فيه الكتاب.

25 ـ في حالة الرقابة المسبقة والسماح بالطباعة والتداول يضمن الكاتب والناشر أن الكتاب لن يصادر أو يمنع بعد طباعته, وأن الخسائر المالية الناتجة عن ذلك غير واردة([5]). وبعض الناشرين يبحثون عن موافقات مسبقة لضمان دخول الكتاب إلى أسواق عربية, ليضمن لـهم ذلك ربحاً ويشجعهم على إنجاز طباعة الكتاب بعد ذلك.

       ولكن هذه الحالة تحمل في طياتها جانباً ضاراً للمؤلف, وهو حرمان مخطوطه من رؤية النور, وهو ما يشبه عملية القتل في الظلام, بينما تتيح الرقابة اللاحقة فرصة تداول الرأي حول الكتاب, وفرصة عرض قضيته على الجمهور واتصال فئة من الناس به على الأقل, قبل أن يمنع.

26 ـ وفي حالة المنع المسبق ـ أي منع المخطوط ـ تبقى في الوطن العربي فرصة أمام الكاتب لطباعة مخطوطه في بلد عربي آخر, لا سيما تلك المخطوطات التي تمنع لأسباب سياسية تتصل بنظام حكم معين, فالخلافية السياسية العربية تسمح لممنوع نكاية بالمانع في بعض الحالات, ورب ممنوع دارج لمجرد منعه, ورب مؤلف وناشر يسعى ولسان حاله يقول: أعطوني الضارة النافعة.

       وعلى ذلك فإن هذا المناخ يسبب بعض فسحات الانفراج بالنسبة لبعض المؤلفين وبعض المنشورات والمخطوطات كما أن المنع يحدث نوعاً من الدعاوة المسببة للرواج, على مبدأ كل ممنوع مرغوب.

27 ـ أمّا رقابة المطبوع فتكون غالباً في الأقطار التي يريد المؤلف أو الناشر أو الموزع أن يسوق كتابه فيها بعد أن يكون قد أتم طباعته في بلد آخر.

       وهذا النوع من الرقابة يسمح بالمسموح أصلاً في قطر, أو يسمح بتداول ما لا يضر حسب مقاييس الرقابة القطرية ومعاييرها, إن وجدت تلك المقاييس والمعايير.

       وهناك أقطار عربية لا يوجد فيها رقابة, وهي استثناء, وأذكر منها لبنان بوصفه سوق إنتاج للكتاب أكثر منه سوق استهلاك لـه.

28 ـ وإذا كانت الرقابة العربية, كالمرأة شراً لا بد منه على رأي بعض المجتهدين, فلنبحث في إشكالية تنظيم هذه العلاقة أو محاولة ضبطها على معيار, ولندقق في منافع ذلك ومضاره:

ـ إن الذين يقرون تنظيم هذه الرقابة ينطلقون من أرضية واقعية هي وجود الرقابة فعلاً في أرض الواقع ويلمسون أضرار عشوائيتها, ومزاجية القائمين عليها, ويرون ألا فائدة من دفن الرؤوس في الرمال, وأن من الأجدى مواجهة شيء موجود, وتنظيم العلاقة معه, والنضال ضد معطى محدد لتغييره أو لضبط ممارسته. أمّا النضال ضد معطيات الرمال المتحركة فلن يفيد شيئاً, وسيبقي هذه العلاقة في ظلام عشوائيتها, وسيزيد من ضررها وتخبطها وضيق أفق معاييرها, الأمر الذي سيؤثر سلبياً على تدفق الإنتاج الثقافي العربي وعلى حركته وتيسير انتقاله, وسيؤثر بالتالي على المؤلف والناشر والكتاب والقارئ, فيدفع الناشرين إلى عدم المغايرة ضد مجهولات الرقابة ومزاجياتها ويدفع المؤلف إلى تنازلات لسوق أو لناشر, قد لا ترضي ولا تسر, وإلى يقظة وتحفز للمخاطر الداخلية التي غدت تنخر أعماقه كما أنها ستخلق اختناقات في حركة الكتاب, وتحرم القارئ من إنتاج عربي قد يفيده.

ـ أمّا الرافضون لموضوع التعامل مع لائحة منظمة للرقابة العربية, فيرون أن مجرد مناقشة لائحة ما للرقابة هو إقرار بشرعية وجود ما يرفضون وجوه, أصلاً, وهم ينظرون إلى ما يطرح فكرة التعامل مع هذا الواقع القائم من خلال ضبطه, على أنه مروج لسيطرة الأنظمة تحت شعار النضال ضد شيء محدد, تقره الأنظمة ويقرُّ به الكتاب والمبدعون لـها, ولذلك فهم يرفضون الدخول في هذا المأزق أصلاً ويرون أن مهمتهم الرفض, والتنكر الكلي لحق أي رقيب يفرضه أي نظام, ويشعرون بأن مجرد وضع لائحة يشكل مساً بحرية التعبير التي لا تعترف بحق رقيب من أي نوع.

29 ـ وهم في هذا يمارسون الاستمرار في الرفض النظري, والخضوع العملي للرقابة التي يراعونها في كثير من الحالات, ويتنازلون لـها عملياً ويحتجون عليها نظرياً, وهم يخلطون بين حرية التفكير وحرية التعبير, فحرية التفكير لا يمكن لأحد أو لجهة أو لنظام أو لرقيب من أي نوع أن يمارسها على أي شخص. ذلك لأن ما يدور في ذلك العالم الداخلي للإنسان يبقى مملكة مقدسة مصانة تماماً لا يملك مفاتيح الدخول إلى رحابها إلا هو, وبالتالي فهو حر تماماً فيها, أمّا التعبير فهو حرية تتصل بحركات الآخرين, ولذلك لا بد أن يكون لـها حدود تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر, فرداً كان الآخر أم كياناً اجتماعياً أم شخصاً اعتبارياً, شعباً أو أمّة.. إلخ. وعليه فإذا كان التسليم تاماً بحرية التفكير, فإن التسليم بحرية التعبير مشروط بحرية الآخر وبشروط العيش المشترك, ومحكوم بالقوانين والأعراف والتقاليد الفكرية والمعطيات الاجتماعية والسياسية والفكرية والدينية.. إلخ.

30 ـ ولكن هذا بحد ذاته يجعلنا نقف على حدود إشكالية جديدة, أو مشكلة تتلظى في ظل إشكالية.

       فكل ديانة أو عقيدة أو فكر أو إبداع جديد, يشكل خرقاً للمألوف, ويجرح الحس السائد, ويسيء إلى التقليدي, وربما إلى ما نسميه العرف والمألوف والقوانين والمرعية. هكذا كانت ثورة إبراهيم الخليل على ديانة آبائه, وتوحيد أخناتون بالنسبة لمعاصريه, وهكذا كان سقراط بالنسبة لمفكري عصره, والمسيح بمنظار اليهود ودولة الرومان, وهكذا كان موقف
محمد
r بنظر عرب الجاهلية وعبدة الأوثان والأصنام والذين يراعون ما وجدوا عليه آباءهم وما تآلفوا عليه, كما كان موقفه خروجاً على الذين يرفضون المساواة وقيم الإخاء الإنساني ومحاسن الأخلاق, وسيادة روح تقدير العمل أكثر من تقرير الحسب والنسب. وهذه المسطرة تطال كثيرين من المغيرين الحقيقيين عير التاريخ, فثورة الفكر تبحث عن تجليات لـها في التعبير, وحرية التعبير تتيح انتشار الرؤية الجديدة وتمكن من الحلم لـها أو عليها, وتثبت أهليتها للبقاء والانتصار, أو تقودها إلى الفناء. ولكن لا بد أن يتم ذلك علناً تحت شمس الحرية ودون تضييق من أي نوع, ولا فالكفاح مشرعة أبوابه من أجل ذلك.

31 ـ حجج للفريقين تطرق باب الإِقناع ولكن لا بد من التعامل مع الواقع على نهج وضمن معيار, ولا بد من مراعاة بعض الحقائق والوقائع التي يفرضها على مجال النشر العربي واقع الأمة العربية واستقراء التاريخ وحقائق الجغرافيا السياسية المعاصرة, من أجل تأسيس سليم للتغيير ولتحقيق الأحلام والطموحات والتطلعات:

ـ نحن أمة في دول يبلغ عددها اثنتين وعشرين دولة, ولكل منها نظامها السياسي الذي تحميه الجامعة العربية, والاتفاق العربي في القيم والمواثيق واللقاءات والاتفاقيات الثنائية, كما تحميه الأمم المتحدة ومجلس الأمن والتحالفات وموازين القوى الدولية, وتحميه أولاً وأخيراً جيوش وقوات مسلحة ربيت على تقديم الوطني ـ القطري على القومي, بكل أسف.

ـ نحن ننتمي إلى ثقافة عربية مشتركة, نتمسك بأن تبقى واحدة وموحدة, وهذه الثقافة استعصت على التقسيم والتجزئة التي شملت حتّى الآن: الأرض والاقتصاد والبشر والثروات وتتطاول لتمتد على التاريخ بعد أن هضمت الجغرافيا, على الأدب بعد أن داست الفنون, وننظر إلى هذه الثقافة على أنها الصخرة الباقية التي يأوي إليها حلمنا الوحدوي, والبيت الذي نعتصم به من رياح التمزيق القوية التي تهب علينا باستمرار.

ـ نحن نكتب بلغة عربية واحدة تشكل هي وحدها, ويشكل مدى انتشارها, الحدود الطبيعية لكلماتنا وأدبنا وثقافتنا ووطننا حيث هي وحدها الحدود التي نعترف بها حدوداً لوطننا العربي, وليست حدود السياسيين وجغرافيا التجزئة السائدة. وهذه اللغة تتعرض آدابها لسياسات التجزيء والأقلمة وتبث في كيانها مقومات التفريق, أو يؤسس لتلك المقومات ولبثها فيه, هي المستعصم الذي نشد إليه حبالنا, وهي, إلى جانب الإسلام, تكون أهم مقومات شخصيتنا الثقافية العربية الواحدة, التي نستنفرها لندافع عن وجودنا ووحدتنا وبقايا تماسك كياننا المهدد.

ـ نحن أبناء أمة تتعرض لأشكال الغزو, وينشر وجوده ودعاته بين ظهرانينا جراثيم دعاواهم, وتستطيب أنظمتنا السياسية كياناتها الصغيرة وتعتبر ذلك مغنماً لـها وهي مع ذلك تشكو من التجزئة, وتتباكى في ظلها الظليل "حنيناً" إلى الوحدة, وتستعذب من عذاب أبي تمام قوله:

 

لا تسقني ماء الملام فإنني

صب قد استعذبت ماء بكائي

 

       ولا بد لنا حيال ذلك الوضع من أن ندافع عن وجودنا بالأساليب التي نراها كفيلة بحماية هذا الوجود.

       وأول هذه الأساليب حماية الشخصية من التفتت وتحقيق المناعة الداخلية لـها, لوقايتها من فتك أنواع المرض والعاديات.

32 ـ ومن أجل ذلك نحن بحاجة إلى أن يصل تفاعل كتابنا ومبدعينا مع قرائهم وجماهيرهم إلى مداه ضمن الوطن العربي كله, وإلى أن يتواصل أولئك المفكرون والمبدعون والأدباء تواصلاً مجدياً, مثرياً لسيرتهم ومغنياً لتجاربهم ومحققاً لقوة تأثير جبهتهم ولفعاليتها في كل مناحي الحياة العربية. ونحن بحاجة ماسة جداً إلى أن تبرز من خلال التواصل والتفاعل والحوار معطيات ومقومات مشتركة تسهم في تشكيل العقل والوجدان العربيين, وتؤثر في تكوين الأجيال العربية الصاعدة تكويناً واحداً أو متقارباً, على أسس مشتركة, موجودة فعلاً في التراث والموروث والعقيدة ومقومات الحياة المعاصرة, كما تفرضها ضرورات العصر, وتطلعاتنا نحو المستقبل, بل وضرورات الدفاع عن وجودنا الحي كأمة بين الأمم, وعن بقائنا في ظل الإحساس الإنساني السليم بمعنى الحياة ومعنى الكرامة والحرية والوجود الفعال, على أرض البشر, والانتماء الفعلي لحضارةٍ كانت, ولأمة تريد أن تبقى ببقاء فعلها الحضاري وفعاليتها في الوجود في تيار الحضور الفاعل, وازدهاء الحياة بالحضارات.

       ولأننا نريد ذلك ونحتاج إليه, لا بد لنا من إيجاد الوسائل والسبل الكفيلة بإيصال كتابنا إلى كل قارئ عربي, فضلاً عن إيصاله إلى الآخرين, عندما ندخل دائرة التلاقح والتفاعل الثقافيين مع ثقافات الشعوب والأمم.

33 ـ في هذا الإطار نطرح السؤال الآتي الذي يراه بعضهم إشكالية ويراه بعضٌ آخر على أنه مشكلة: سؤال الرقابة في الوطن العربي.

       هل نوحدها في لائحة ـ إذا كان ذلك ممكناً أصلاً ـ ثمّ نناضل ضد شيء محدد, وضد ممارسات تخرج على النظام أو لا تخرج عنه, أم تبقى على تنكرنا لـها أملاً في الوصول إلى الاقتناع بعدم شرعيتها, مع الإبقاء على التعامل الفعلي والخضوع لمتطلباتها ومتغيراتها ورمالها المتحركة ودفاعاتها التي لا تحمي فعلاً إلا ما نريد ألاّ تحميه إلا انتماؤه الفعلي للقومي والتقدمي والوحدوي والتحرري في إطار القول والعمل والممارسة الحقة عربياً؟!

34 ـ إن الرقابة العربية تتفاوت كما أسلفت ولكنها تتفق ـ على اختلاف أو تضاد ـ على أن تدافع عن الحاكم ونظام الحكم في الإطار القطري المحض, وعلى أن تعلي شأن القطري على القومي في هذا المجال, وشأن ما هو في معيار المرحليات القومية قطرياً على ذلك الذي في الثابت والاستراتيجيات من النواميس والأهداف القومية, وتضيف إلى ذلك بعض المحرمات بمثابة توابل خاصة للحفاظ على النكهة القطرية. فهل نبقي لـها هذا التخصيص أم نزيله لصالح تعميم قومي يشمل الأصول ويلغي الفروع لصالح المستقبل الواحد؟

35 ـ إن ما سأعرضه فيما يلي هو استكمال لطرح السؤال بصورة علمية, وأنا أطرحه مبقياً الباب مفتوحاً لمناقشة هذه الإشكالية أو المشكلة التي تقع في الصميم من معوقات حركة النشر بأنواعها في الوطن العربي, والتي تتصل بالحريات وبمناخ الإِبداع وبتحرير الأديب اقتصادياً, وبوصول إنتاجه إلى الجماهير بفاعلية أقوى, وبتأثير أقوى, تلك التي تحمي وتحرر وتستلهم وتشد إليها الرحال في نهاية المطاف, ولاءً والتزاماً وانتماءً, في الماضي والحاضر والمستقبل.

36 ـ إذا حصرنا لائحة الممنوعات في الرقابة العربية فماذا يكون الرأي والرد؟ رأي المعنيين والرسميين, رأي الكتاب والأدباء والمبدعين والمفكرين والمسؤولين عن قطاعاتهم ومنظماتهم القومية, ورأي الحكام والمعنيين بأمور "حماية الأنظمة" وبالرقابة العربية التي غدت تؤثر تأثيراً سلبياً على الحياة الثقافية العربية وعلى حركة النشر, وعلى سبل تكوين جيل عربي موحد الروح والفكر والثقافة والتوجه والوجدان؟! فلنفترض إمكانية أن نحدد ـ ولو نظرياً ـ لائحة رقابة عربية تتضمن ما يلي:

       "يمنع نشر مخطوط أو منصف أدبي أو فني ويمنع تداوله إذا توافر فيه عنصر أو أكثر من العناصر الآتية, أو انطوى عليها:

1 ـ المس بالدين أو بالمشاعر الدينية لجماهير الناس. على ألا يفهم من ذلك أن المنع يمس الاجتهاد بأشكاله أو معالجة القضايا المتعلقة بالاعتقاد, أو التعبير عن الموقف الشخصي من الاعتقاد ذاته.

2 ـ إثارة النعرات الطائفية أو العرقية, على ألا يفهم من ذلك أن المنع يشمل التعبير, بمعنى الإعلان, عن الاعتزاز القومي, والانتماء الطائفي.

3 ـ الدعاية للعنصرية والصهيونية. ولا يشكل المنع الكتابة عنهما بهدف تعرية أهدافهما وفضح تاريخهما وممارستهما.

4 ـ استخدام الموضوعات الجنسية للإِثارة الجنسية الصرفة, ولأغراض الانحلال. ولا يشمل المنع كل أنواع وأشكال البحث العلمي والاجتماعي في موضوعات تتعلق بالجنس, ولا توظيف الجنس في العمل الأدبي أو الفني لأغراض لا تتصل بالإِثارة المحضة ولا تتوقف عليها.

5 ـ وضوح الرداءة الفنية واللغوية في النص أو المصنف الأدبي والفني, مما يجعل تداوله ضاراً بالذوق الفني والأدبي, وبالمستوى اللغوي في حدوده الدنيا.

37 ـ إن هناك صعوبة قصوى في إمكانية التوصل مع الرقابات القائمة في الأقطار العربية إلى اقتناع بالتخلي عن قضية المحرمات السياسية والأمنية والقطرية لصالح ممنوعات تصون القومي والأخلاقي والحس الجماهيري عربياً. وإذا كان من المتوقع موافقة معظم الرقابات على ما تقدم طرحه, فإن من غير المتوقع أن تكتفي الرقابات بهذه القائمة من مقومات المنع, لأن ما يعنيها فعلاً أو ما يبرر وجودها لدى واضعيها, هو حماية خصوصيات الحكام والأنظمة السياسية العربية. وإذا أدخلنا ذلك في إطار لائحة الممنوعات فمعنى هذا أننا ندخل حركة التأليف والنشر والإِبداع العربية إلى حرم قوانين الجامعة العربية ومجلس الأمن, المجمعة على حماية التجزئة وتكريسها, ونلحق كل فئة من الكتاب والمبدعين بنظام حكم عربي ليمارسوا دور البواقين والمطبلين والملمعين لصورة الأنظمة القطرية التي تقوم على جثة الأمة العربية الواحدة, وعلى حساب رغبة الجماهير في التقدم والوحدة وصنع مقومات التقدم والعزة. ولكن إذا فعلنا هذا في الحدود الدنيا, من دون الإشارة إلى ما يتعلق بخصوصيات الأنظمة والأقطار, ونجحنا في انتزاع موافقة عربية على ذلك. فإننا نحدد أهدافاً نناضل من أجلها, نمنع المزاجية والعشوائية اللتين تتعرض لـها حركة النشر العربي من الرقابات, ونضع سدوداً ومصدات في وجه الرمال العربية المتحركة, التي نسميها رقابة على المصنفات الأدبية والفنية.

38 ـ هناك قضية حيوية كبيرة يعاني منها المؤلف وتنعكس على مناخ الإِبداع وتؤثر سلبياً في مضمون الإِبداع ومحتوى الفكر وفي ما تحمله الكتب والدوريات إلى القراء العرب, وهي قضية الحرية ومناخها العام, وما يتصل بالممارسة الديمقراطية وحماية الحريات العامة وحقوق الإنسان في الوطن العربي.

       وإذا كان هناك تأثير سلبي على مجالات تفكيرنا وتعبيرنا يتسبب بتدني مستوى محتوى ما ننشر, فإن هذا الميدان يتوقف الدخول إليه على الفارس الذي يريد خوض السباق فيه. وربما كان الأمر يطرح هنا على أنه إشكالية لا بد من مراعاة حدودها, تقع بين المبدع والإِبداع, وبين المؤلف والقارئ, وبين رجل الثقافة ورجل السلطة, وبين الثقافة والمجتمع, فإذا كانت كذلك, فإنها في جميع الأحوال إشكالية لا يحلها أو بالأحرى لا يثمّرها إيجابياً إلا رجال الأدب والثقافة والمبدعون, فهم الذين يدركون أكثر من سواهم أن الحرية تؤخذ ولا تعطى, وأن أفقها متجدد يحدده الوعي المعرفي وانتماء حاملها إلى قضية وبيئة وواقع وشعب, في صيرورة النضال والحياة, وأنه الشخص ـ وأنهم الفئة ـ المعول عليه في إنارة ساحة الوعي أمام الناس, بنوع ومعنى ومدى الحقوق والحريات والواجبات والمسؤوليات التي لـهم, وبتلك التي تقع عليهم. وكما أن حرية الناس من حرية الفكر, ومن قدرة الثقافة والإِبداع على التحرير, فإن حرية المؤلف والمبدع والمفكر والأديب ورجل الثقافة هي من حرية المجتمع ومن وعي الناس بما لـهم وما عليهم. ولكن إذا غابت شمس الوعي وحل على أرض البشر ظلام الجهل أو ليل الظلم ورضع سيف القهر في الناس فمن ذا الذي ينير لـهم في ذلك الليل شمعة, ويضعهم على طريق الخلاص, أليس المفكر والمبدع والأديب وحامل سلاح الكلمة الهادية والمنقذة والبانية!؟!

       وعلى ذلك فإن ما يطالب به المؤلفون والمبدعون من حريات ومن تغيير للمناخ السياسي والاجتماعي, عليهم هم أن يبدأوا بانتزاعه وبصنعه. ولا يعني هذا أن تقول لـهم جموع الناس ما قالت اليهود لموسى )اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون( فمعروف أن درع الكلمة في متلقيها, وأن الأديب الحر يحتاج إلى وسط من الأحرار ينمو فيه أدبه. إلا أن قدر الكلمة أن تكون للحرية ناقوساً وللصباح قبّرة, وشأنها هذا ينسحب على شأن حاملها والمنتمي إلى شرف سلاحها الذي اختار أن يكون في ليل الشعوب والمقهورين شمعة تمدهم بالنور والأمل.

39 ـ على أن مناخ السياسة العربية لا يحترم شيئاً أساسياً وأولياً من الحريات العامة. وفي مقدمتها حق الاختلاف وحق الانتقاد والتعبير عن الرأي الآخر في حدود القانون. إذ إن القوانين ذاتها في حالة انتهاك, إن وجدت, وهي في حالة غياب في كثير من الأحيان. ولذلك تبقى معارك رجال الفكر والأدب وحملة سلاح الإِبداع, معارك محكومة بشروط استثنائية تفرضها السلطات والأنظمة القائمة, وهذا يجعل الثمن الذي يدفعه صاحب القضية والرأي باهظاً قد يصل إلى حد دفع حياته ذاتها, أو البقاء في السجن لسنوات أو الحرمان من حقوق العيش بأمن وأمان من جوع وخوف, وهذا مناخ لا يساعد على تفتح براعم الإِبداع, كما لا يساعد على تحقيق فعالية بناءة للجبهة الثقافية, بل هو يؤثر تأثيراً سلبياً على حركة الإِبداع والتأليف والفكر, وبالتالي ينعكس على مضمون ما ينشر, الذي ينعكس بدوره على حركة الإِقبال على هذا المنشور وعلى التواصل معه, وعلى معنى نشدان الأغراض أو الغايات ومخارج الخلاص والاغتناء فيه.

40 ـ ولا بد في هذه الحالة من القيام بجهد جماعي منظم, يعمل على تحقيق برنامج عربي عام يرمي إلى احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وفي مقدمتها حرية التعبير في حدود القوانين والأنظمة النافذة, التي تقرها جهات تشريعية مسؤولة, في ظل مناخات ديمقراطية حرة.

       وعبء هذا يقع على المثقفين عموماً وعلى الكتاب والأدباء والمفكرين والمبدعين, وعلى المتصلين بحقول النشر والإِبداع والمنتفعين منها وكذلك على المنظمات القومية التي تمثلها, والنقابات المهنية التي تدافع عن حقوقهم, لتعزز الفئات الجماهيرية في كل ساحة عربية وضعاً ومناخاً عربياً عاماً يعلي شأن الحرية والقانون وإرادة الشعب, فوق إرادات الأنظمة ظروفها الاستثنائية وأحكامها العرفية شبه المستمرة, لينشأ مناخ عربي ديمقراطي تسود فيه حرية مسؤولة, وشرعية قانونية مقبولة, وممارسات واعية لأهدافها وأغراضها ووسائلها, تمكن طلائع هذه الأمة في مجالات الفكر والثقافة والإبداع من خلق مناخ يساعد على نمو العقل والوعي والمعرفة والوجدان, في ظروف موضوعية وشروط إنسانية تامة, ولتتمكن هذه الطلائع ذاتها من إبداع إنتاج يعبر عن المناخ الجديد, ويقيم علاقة جدلية بناءة بين المناخ السليم والإِنتاج الإِبداعي والفكري البناء, حيث يؤثر ذلك في مسيرة الحياة والفكر, ويؤدي إلى دوران عجلة العطاء بسلامة على طريق صحيحة تمتد من عمق التاريخ والأصالة إلى مشارف المستقبل الذي ترسمه رؤية استشرافية ذات أصالة متينة وتوق للتجدد والتجديد. ولا يحكمها إلا قدرة الإنسان على الاستيعاب والتمثل. في الحدود التي لا يفقد معها هويته ولا خصوصيته ولا مقومات إنسانيته وانتمائه لبني البشر ولخصوصية أمة من الأمم.

41 ـ ويبدو أن قضية الحرية, التي ينشدها المؤلف والمبدع والمفكر, مرتبطة أيضاً وبصورة ملحة وبشكل ملح بتحرره الاقتصادي وبانطلاقة قلمه من قيود الحاجة التي تكبله وتربطه إلى نظام, يحكمه بهواه, أو إلى حزب يسبغ حمايته في حماه, والترويج لـهذا أو لذاك ضماناً لانتشاره وبقائه, ورأى إلى هذه المشكلة منتهية إلى حل في حال اعتماد الكاتب على جمهور واسع من القراء يحميه من الحاجة بشراء إنتاجه, وبتحقيق الانعتاق لـه. ولكن ذلك لن يتم في الحدود الحالية للنشر والتسويق, وفي ظل اختناقات انتقال الكتاب بين الأقطار العربية, ولا في ظل العائدات الضئيلة التي يتقاضاها المؤلف من إنتاجه المطبوع بالعربية, ولا أقول المنشور عربياً, لأن الثلاثة الآلاف النسخة أو الخمسة الآلاف لا تحقق كفاية مادية, فضلاً عن الشهرة والتأثير, ولا تحقق الفعالية والتواصل البناءين, ولا تمكن من التوقف عن اللهاث بين كتاب وكتاب تحت ضغط حاجات الحياة المتزايدة, ولا تجعل المؤلف قادراً على أن يصرف مزيداً من الجهد والمال في البحث في تأمين المصادر والتدقيق والتمحيص والتجريب واكتساب الخبرة, قبل أن يصدر كتابه للناس. لأن ذلك يحتاج إلى مقومات حياتية حيوية لا توفرها الدولة ولا المؤسسات أو التنظيمات القومية أو القطرية ولا يؤمنها المجتمع بتكوينه لدرع مادية ومعنوية تحمي الكاتب, وذلك بتوسيع شبكة القراء, ولا يملكها الكاتب ذاته, إلا من رحم ربك وهم من عباده اليوم قليل. كما لا يوفرها سوق النشر العربي الراهن. وهذا ينعكس أيضاً من جانب آخر على فعالية الثقافة في التحرير والتنوير والتحريض والتثوير.

42 ـ فهل من سبيل إلى ذلك غير فتح السوق العربية على مصراعيها للقراء الفعليين والمحتملين, وتوسيع دائرتهم بطرائق موضوعية وشرعية وعملية تمكن النشر من أن يكون نشراً عربياً فعلياً, ومن تحقيق الاتصال والتحرير للكاتب بانتشار الكتاب, وبأخذ حقوقه غير منقوصة, تلك التي يؤديها لـه جمهوره رداً لجهده عليه, وتمكيناً لـه من بذل مزيد من الجهد والعطاء والإِبداع, بتوفير الشروط المادية والمعنوية الملائمة من حوله؟

       إن التطلع لطباعة مئة ألف نسخة من كل كتاب يتقاضى منها المؤلف حقوقه نسبة من سعر الغلاف, وتروّج بشروط مقبولة في الوطن العربي, وتصل إلى أولئك القراء الذين يزيدون عشرات المرات على هذا العدد, هو طريق التحرير الاقتصادي للكاتب من الحاجة, وللإِبداع وحركة الفكر وللثقافة, من قيود القطرية, ومن أساليب ابتزاز الناشرين والموزعين ـ من غير الشرفاء الذين التحقوا بهذه المهنة تجارة لا اقتناعاً بأهدافها النبيلة ـ إن ذلك هو أحد المخارج, الممكنة واللائقة, وهو ما توفره مؤسسات نشر وتوزيع قومية ذات قدرات وفعاليات عالية. الأمر الذي سأتحدث عنه في موضعه من هذه الدراسة.

43 ـ إن علاقة المؤلف بالناشر تقوم على صيغ لا توفر مناخ الثقة المتبادلة ولا ترسي مبدأ الاطمئنان والتعاون لتحقيق أهداف كبيرة ونبيلة, إضافة إلى تحقيق الربح المادي المشروع واللازم لاستمرار الطرفين في العمل والحياة وأداء الرسالة.

       فالمؤلف يتقاضى حقوقه المالية من الناشر على الصيغ التالية:

ـ المكافأة المقطوعة لقاء تنازل يحدد بعدد من السنوات (5 سنوات) في بعض القطاعات العامة, لقاء طبعة واحدة أو طبعات. يعود بعدها الحق لصاحبه.

ـ مكافأة مقطوعة ونسبة من سعر الغلاف, مضافة إليها في حالات قليلة, لقاء تنازل عن حقوق الطبع يحدد بعدد من السنوات (4 سنوات) لقاء طبعة واحدة أو أكثر يعود بعدها الحق إلى صاحبه, في بعض القطاعات شبه العامة([6]).

ـ مكافأة مقطوعة من سعر الغلاف بين 8 ـ 15% لقاء طبعة أو طبعات, وقد لا يحدد عدد سنوات التنازل, وغالباً ما يتم هذا بين ناشر خاص ومؤلف, وينظم العلاقة عقد يحدد أساليب دفع الحقوق وكيفية المحاسبة عليها.

44 ـ ويشكو المؤلفون في أغلب الأحيان من أمرين:

ـ ضآلة العائدات المتحققة للمؤلف من القطاع العام, وقلة النسخ المطبوعة, وعدم انتشار الكتاب نظراً لتعرضه لما تتعرض لـه سياسات الأنظمة من أزمات تنعكس على حركة الكتاب.

ـ ضآلة العائدات المتحققة للمؤلف من القطاع الخاص في أغلب الأحيان, ونقص في مدى انتشار الكتاب, مع شكوك في مصداقية النشر لا سيما في عدد النسخ المطبوعة فعلاً, وكيفية إجراء المحاسبة واختلافات السوق العربية باختلاف المردود المادي وتسعيرة الكتاب التي ترتبط لدى الناشر الخاص بتغيرات العملة, وبتغيرات السعر الذي غالباً ما يتغير عند التعامل مع القارئ ولا يتغير عند التعامل مع المؤلف.

45 ـ وعلى ذلك فإن إخراج المؤلف من هذه المعاناة ـ حتّى ولو كانت معاناة في دائرة الشك غير المبرر, إلا أنها تبقى معاناة ذات مردود سلبي على المؤلف وعلى الإنتاج ـ أقول إن إخراجه من هذه المعاناة سيكون لـه مردود إيجابي عليه وعلى مضمون الكتاب ومناخ العلاقة العامة بين أطرافه والشروط التي تحكمها, وسيوفر لـه فرص مواجهة الذات عندما يتعرف إلى حقيقة ما يوزع من كتابه في ظروف نشر وتواصل سليمة, وربما انعكس هذا بكثير من الإيجابية على نوعية الإنتاج, أقصد على مضمون الكتاب و الجهد المبذول في تأليفه, وكذلك على مسؤولية الكاتب حيال القارئ والجمهور المتلقي, وسعيه المتصل لتحسين هذه العلاقة بتحسين الأداء والإنتاج والإِبداع المقدم.

46 ـ إن الظروف غير الموضوعية, والقائمة أحياناً على الشك وعدم الثقة, تجعل العلاقة بين المؤلف والناشر وبين المؤلف والقارئ محكومة بمعطيات ومواصفات مَرَضيّة, وأياً كانت أسباب ذلك ومصادره, فإنه سيبقى ضاراً بالجميع وبالحركة الثقافية وبمردود الثقافة على الجميع.

47 ـ إن واقع النشر يتأثر سلباً وإيجاباً بواقع اللوائح والقوانين التي تحكم علاقات العاملين في مجالاته المختلفة, لا سيما المؤلف والناشر والجهات المستفيدة من المنشور في الإذاعة وسواها وعدم وجود تشريعات لـها قوة القوانين النافذة ولوائح تنظيمية سليمة ومحترمة الوجود في الأقطار العربية, يعرض ميادين العمل في مجالات النشر للخلل ويضع أصحاب الحقوق في موقف صعب.

48 ـ لقد وضعت في إطار المنظمة العربية للتربة والثقافة والعلوم اتفاقية عربية لحماية حقوق المؤلف, ووقعت عليها 14 دولة وصادقت عليها ست من الدول العربية([7]) وهي تنسحب على حقوق المؤلف العربي في الوطن العري, وقلة هي الدول العربية الملتزمة بتنفيذ الاتفاقية العالمية لحماية حقوق المؤلف, واتفاقية برن للملكية الأدبية. ولا تسير الأمور في مجال تطبيق الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف سيراً مرضياً, فقد شكلت لجان "قطرية" للمتابعة, وكلف أشخاص بهذه الأمور, ولكن الجهل بحقوق المؤلف أو التجاهل الكثيف لـهذه الحقوق ما زال هو السائد, ويؤثر ذلك سلبياً على عائدات المؤلف المادية من إنتاجه عند الاستفادة منه عربياً في أجهزة الإذاعتين المسموعة والمرئية وفي مجالات النشر, كذلك تتأثر حقوقه المعنوية, وتسرق كتبه في طبعات أو تزور, وكل هذا يحرمه من عائدات هي حق لـه, ولا يحمي ملكيته التي تصونها الأعراف والاتفاقيات الدولية.

       ولا يوجد اهتمام فعلي, في معظم الأقطار العربية بتكوين أطر بشرية مدربة ومهتمة ومتابعة فعلاً لقضايا حقوق المؤلف, وللاتفاقيات السارية في هذا المجال, حيث يمكن الاطمئنان إلى وجودها ودورها.

49 ـ وتقتضي ضرورات العمل العربي, وتطلعات العرب إلى آفاق جديدة ومستقبلية في مجالات النشر بأنواعه, ولا سيما المطبوع على الورق منه, أن تصان حقوق جميع العاملين في مجالات النشر, وتنظم علاقات العمل والاستثمار والانتفاع بالمصنفات الأدبية والفكرية والعلمية والإِبداعية, تنظيماً لائقاً يحفظ الحقوق ويساعد على إقامة قاعدة متينة للتطور المستقبلي لـهذا المجال الواسع في شقيه: الإنتاجي المتصل بالإِبداع والمضمون أي التأليف, وذاك المتصل بالنشر والتصنيع والتسويق.

50 ـ إن العمل على أن تصدر الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف في تشريع عربي موحد يحمل قوة القانون ـ مع ما يرافق ذلك من تطوير لـهذه الاتفاقية ـ أمر مطلوب ومرغوب فيه ويؤسس لنهضة فعلية في مجالات النشر, ويضع العلاقات في هذا المجال, في نطاق القوانين النافذة التي تتولى تنفيذها محاكم وهيئات قانونية, ويتابعها مختصون, وتؤدي إلى تكوين أطر بشرية مؤهلة, وإرساء تقاليد ثابتة.

51 ـ وكذلك دراسة موضوع انضمام الوطني العربي كوحدة ثقافية واحدة ـ في إطار ما تحدده اللغة العربية فعلاً ـ وليس كدول في وحدات سياسية مستقلة,إلى الاتفاقية العالمية لحماية حقوق المؤلف, يعد من الأمور الحيوية في مجالات النشر, نظراً لمنعكساته الإيجابية على أحد الأطراف الأهم في هذه العملية وهو المؤلف.

52 ـ ومن الأمور البنيوية في مجال تطوير حركة النشر ضبط العلاقة قانونياً وتعاقدياً بين المؤلف والناشر بما يحفظ حق الطرفين. ففي الوقت الذي يشكو فيه المؤلف من الناشر يشكو الناشر من المؤلف, فهناك مؤلفون يفرطون بحقوق الناشرين, ويبيعون إنتاجهم لأكثر من ناشر, سواء كان في القطاع العام أو في القطاع الخاص, وحيث أن ذلك يتم في أقطار عربية ذات سياسات وأنظمة مختلفة لا يتدفق إليها الكتاب, فإن المؤلف يتخذ من ذلك حجة ودريئة, حجة لإِيصال كتابه إلى قراء في قطر لا يصله الكتاب المطبوع في قطر آخر, ودريئة لحماية نفسه من تفريطه بحق الناشر السابق. وقد تتم عملية بيع الحق لأكثر من طرف خلال مدة التنازل ذاتها وفي وقت واحد أحياناً, الأمر الذي يجعل الناشر عرضة للخسارة, وعرضة للوقوع في إشكالات مع ناشرين آخرين ومع أقطار وأنظمة عربية أخرى. ولا بد من معالجة هذا الأمر ووضع ضوابط لـه بوضوح, ضوابط تنظمها لوائح وقوانين وتشريعات على حق المؤلف وواجبه, ينبغي أن ينسحب على حقوق ورثته وواجباتهم في هذا المجال.

53 ـ وإذا كان العقد, عرفاً وقانوناً, هو شريعة المتعاقدين, فمن المفيد أن يوضع نموذج عام لعقود التنازل عن حقوق التأليف تحفظ فيها حقوق الأطراف المعنية بهذا العقد, والتي هي أطراف فعلية في عملية إنتاج المنشورات الثقافية والإِبداعية وتسويقها, وأن تراعى في هذه الحقوق مصالح المستفيدين وواجباتهم في الساحة العربية بكاملها, وتكون هناك مرجعية عربية واحدة لضبط العقود وتوثيقها وتصديقها والتحكيم في مجالات الخلاف, ريثما يتم وضع قانون عربي عام للمطبوعات ـ وهو أمر نتطلع إليه باهتمام بالغ ـ وقانون لحماية حقوق المؤلف, وضبط علاقات الأطراف المتصلة مصالحها وأعمالها في مجال النشر على اتساعه وتشعبه وآفاق تطوره المستقبلي, وتكون هذه الهيئة أو الجهة التي يوكل إليها أمر العناية بهذا الشأن والسهر عليه, فرعاً من مؤسسة قومية معنية بالنشر لـها شخصيتها الاعتبارية, ويعترف بها عربياً ـ وسأوضح هذا الأمر لاحقاً بشيء من التفصيل ـ أو تعمل تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, وتسهم فيها منظمات قومية معنية كاتحاد الناشرين العربي, والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب, واتحاد الموزعين, واتحاد الحقوقيين العرب, حيث تقوم هذه الهيئة بمتابعة ما يتعلق بهذه الحقوق على الصعيدين العربي والدولي, وتدقق في أعمال اللجان القطرية المعنية بهذا الأمر, في إطار اتفاقية عربية ـ دولية, طرفاها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, واليونيسكو, ويمكن أن تنسق مع "الويبو" إذا اقتضى الأمر ذلك. وتعمل على وضع صيغ تنظيمية تمكن المجموعة العربية بصفتها وحدة ثقافية واحدة ـ لغة وثقافة ـ من الاستفادة الفعلية من مساعدات اليونسكو المخصصة للدول النامية من أجل تغطية حقوق المؤلف وإيجاد الحلول والأنظمة في صيغ ضبط للعلاقات ـ كالاتفاقيات وسواها ـ تسهل على المجموعة العربية حماية حقوق المؤلفين, أياً كانت جنسياتهم, في أقطارها, وحماية حقوق مؤلفيها في العالم.

54 ـ إن أقطاراً عربية قليلة جداً, منها تونس, تنضم إلى الاتفاقية العالمية لحماية حقوق المؤلف, ولكن بقية الأقطار لا تهتم بذلك, وليس من الممكن التغاضي عن هذا الموضوع مستقبلاً ونحن نواجه متغيرات في العلاقات الدولية, في الوقت الراهن وفي المستقبل, كما أنه ليس من المقبول منطقياً أن نخطط لدخول القرن الواحد والعشرين حضارياً دون أن نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.

55 ـ يتنامى الاهتمام برعاية المبدعين العرب سواء منهم الذين يتعاملون مع الكلمة أم مع غيرها من أدوات الإِبداع ووسائله, وقد وضعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تشريعاً نموذجياً لـهذه الغاية ما زال يدرس في مؤتمراتها, وهو من الأمور الإِيجابية التي ينبغي أن نشير إليها بارتياح, مما يجري على الساحة العربية. ولا بد من التأكيد على أهمية العناية بهذه المجالات وسواها مما ينعكس إيجابياً على حركة النشر في العمق والجوهر, أي على مضمون ما ينشر وقيمته عمقاً وتألقاً وشمولاً إنسانياً, مع حمل الهوية والخصوصية. فحين تتم العناية الكافية بالمبدعين يرتد ذلك إيجابياً على الإِنتاج الإِبداعي, وعلى قيمة المنشور وأثره وتأثيره. ويحتاج التشريع المقدم إلى إعادة نظر, ورفع قيمة الخدمة المقدمة ونوعها, وتوسيع مجال شمولها, كما يحتاج إلى أن يلحظ بشكل من الأشكال موضوع التكافل الاجتماعي لحماية المبدعين في حالات العجز والمرض المعقد عن العمل, والإِصابات, وتسهيل العيش في ظل تلك الظروف, مع إعطاء موثبات ومحرضات على تحسين مناخ الإِبداع ووسائله ومردوده على المبدعين, ولا سيما أولئك الذين يضنيهم البحث وتجهدهم المعاناة وصولاً إلى التجديد الأصيل, والمتألق بخصوصيته وهويته القومية, من العطاءات الإِبداعية.

       والمؤمل أن تولي المنظمة العربية هذا الموضوع عناية خاصة, حتّى لا يأتي هذا التشريع مفرغاً من غاياته, ونوعاً من تبرئة الذمة حيال قرار دفعته إلى مؤتمر من مؤتمراتها.

       ولا أشك في أن ذلك يتحقق, كما لا أشك بإيجابية انعكاسه على مضمون ما ينشر وقيمته.

56 ـ وفي مجال آخر من مجالات عمل المؤلفين صعوبات لا تتعلق بمن يكتبون الشعر والرواية والقصة والمسرحية. وإنما بأولئك المهمتين بالنقد والبحث والدراسة, وبالقضايا الفكرية على أنواعها, والمتصلين بالتغيرات والمستجدات من المعلومات والتقنيات والمعارف, نجدهم يعانون كثيراً من فقدان التسهيلات التي تمكنهم من صرف معظم جهدهم في البحث. فالتسهيلات المكتبية غير متوافرة, وتدفق المعلومات الجديدة إليهم يعاني من اختناقات مستمرة, أو هو يستمر في حالة اختناق, ولا توجد جهات علمية أو مراكز تسهل تقديم الإِحصاءات والمعلومات الميدانية الدقيقة التي يطلبها الباحث, والحصول على المراجع أو المصادر العربية وغير العربية متعب جداً فضلاً عن ارتفاع تكلفته المادية, وعما يكلف الباحث والمؤلف من وقت وجهد مهدورين. والمخصصات المالية للدراسات الميدانية والمختبرية في بعض الحالات ضعيفة أو معدومة, وميادين البحث الجامعي ـ ما عدا استثناءات ـ لا تساعد على تقديم خدمات وفرص متكافئة وشاملة لجميع الباحثين.

       وحيال هذه المعوقات يجد المؤلف ـ الباحث نفسه محاصر بمقومات التخلف أو مسبباته, وتأتي دراسته, بعد أن يرهق في إنجازها, لتأخذ وقتاً طويلاً وصعوبات كبيرة في مجالات الطباعة والنشر, مما يجعل بعض ما يستند من تلك الدراسات إلى تدفق المعلومات, قديماً وغير مجد, بعد زمن قصير من صدوره, أو عند صدوره, نظراً للسرعة الهائلة في تدفق المعلومات وتجددها وتطور أساليب البحث, وتقدم العلوم وفنون البحث والدرس.

57 ـ إن تحديث أساليب البحث وتسهيل توصيل المعلومات للباحث, وتقديم أنواع الخدمات المكتبية والمعلوماتية, ومقومات البحث العلمي الدقيق, كل ذلك أصبح من ضرورات العصر, ومن مستلزمات اللحاق بركب التقدم. ويكاد الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني ينتقل الآن ـ ولا سيما في مجالات البحث العلمي والتقدم الفكري ـ إلى سباق على امتلاك المعرفة والتقنيات وربما كانت أحدث أساليب التجسس المعاصرة وأجداها هي تلك التي يمكن أن يطلق عليها "الجاسوسية العلمية" سواء أمارست دوراً إيجابياً أم تخريبياً, في إحداث التخلف والفراغ والسطحية وبهرجة التسميات والرسميات, مع فراغ قتّال في المضمون والجوهر, وأخطر نوع من ذلك, هو الذي يوجه إلى الأجيال في الجامعات التي تخرج كما لا يكاد يخلو من الكيف أو النوع.

58 ـ ولا بد من جهد ومال ووقت /عربي/ يبذل من أجل وقف التدهور في هذه المجالات, وتقديم إمكانات وتسهيلات للمعنيين بالبحث على أنواعه ومستوياته وفروعه المعرفية كلها, والذي يصب في نهاية المطاف في ساحة "النشر" الكبرى مغذياً العروق المعرفية لشعبنا بالزاد الملائم. وإذا كان مصرف المعلومات قد تمّ التفكير به, فلا بد من أن تكون هناك شعب متعددة فيه لأنواع المعلومات, أو مصارف لأنواع المعرفة, وقد أصبح من الضروري تخزين موجودات ـ عناوين وعناوين فرعية وخلاصات ـ المكتبات العامة على حواسيب, وربط ذلك بمركز معلومات عام رئيس وليكن المكتبة القومية, أو المركز القومي العام للمعلومات, الذي يربط بدوره بالقمر الصناعي العربي من جهة, وبمصارف المعلومات العالمية من جهة أخرى عبر الأقمار الصناعية, ليتمكن الباحث أو المركز العلمي أو المكتبة العامة في أي قطر عربي, وكذلك المكتبة العامة أو المركز الثقافي في أية مدينة عربية, من الحصول على المعلومات وعلى الفهارس وأماكن وجود الكتب وأنواع المعرفة المخزنة المطلوبة لبحثه أو دراسته من حيث هو مقيم إن أمكن.

59 ـ ومن المفيد التخطيط عربياً, وبضمانة مصارف أو جهات عربية معنية وبمساعدة الصندوق العربي للإنماء الصناعي والاجتماعي, من أجل تسهيل حصول الباحث والمؤلف العربي المعني على الحاسوب المنزلي المتقدم ـ بتقسيط مريح ـ الذي يمكنه من الحصول على ما يريد من معلومات من القمر الصناعي العربي ومن المكتبات العامة والمكتبة القومية المركزية, ومراكز المعلومات. ومن المستحسن العمل من دون إبطاء على أن يؤهل كل باحث نفسه للبرمجة وللتفاعل والتعامل مع هذه التقنية المتطورة قبل أن تغمره رمال التخلف وتغمر بالتالي أمته حيث هو عقلها ووعيها وعينها المبصرة وبصيرتها.

60 ـ والجهات العربية المعنية, التي تحرص على مستوى المنشور من التأليف العربي في أي مجال, وتسهر على جدته ومعاصرته ودقته وإفادته للأجيال, لا بد أن تحث الباحثين على ذلك, وأن تقدم لـهم التسهيلات اللازمة للوصول إلى هذه المرحلة من العمل والتعامل بتقنيات العصر ومعها, وتقديم الضمانات اللازمة من أجل حصولهم على ما يريدون منها, وهو ما يحقق انعكاساً إيجابياً على المضمون المقدم في المنشور من التأليف والإِبداع العربي, سواء كان مصنّعاً على الورق أو في وسائل إيصال أخرى.

       إن العوائق المادية الكبيرة ستحول دون اقتناء كثرة من الباحثين المهتمين بهذا النظام المعلوماتي ـ أو نظام الحصول على المعرفة بسرعة ودقة ـ الأجهزة اللازمة لذلك, وهذا بالذات ما يقتضي البحث لإيجاد تسهيلات وضمانات لتحقيق هذه الغاية. أمّا أمر تحديث تسهيلات نظم العمل في المكتبات العامة ومراكز المعلومات والبحث والجامعات.. إلخ، في الوطن العربي فلا مفر منه ولا غنى عنه, ولا يمكن التأخر في موضوع الالتفاف إليه بأهمية قصوى.

61 ـ سينقسم الناشرون في الوطن العربي إلى قسمين:

ـ قسم يمثله القطاع العام الحكومي وما في حكمه.

ـ قسم يمثله القطاع الخاص, وهم ناشرون أفراد, قد يكون لبعضهم أكثر من مركز في القطر الواحد أو في قطرين عربيين, وقلة منهم يشكلون شركات نشر محدودة الإِمكانات والحركة. وهؤلاء هم الذين يتعاملون بالدرجة الأولى مع المنشور المصنع على الورق, أي مع الكتب والدوريات. أمّا الجهات المتعاملة مع المنشور المصنع بالوسائل المعتمدة على أساليب البث والتوصيل والاتصال الحديثة ـ أشرطة أفلام وأشرطة إذاعة وفيديو.. إلخ ـ فسوف لا أركز على بحث شؤونها في هذا المجال, مع أهمية معالجة أمورها كقطاع مؤثر جداً في مجالات النشر الحديثة, وكقطاع فاعل أيضاً في الأفق المستقبلي للنشر العربي بوجه عام, وقد أفرد لذلك دراسة خاصة.

62 ـ يغيب عن ذهن كثيرين أن الناشر, ولا سيما في القطاع الخاص, يوظف أمواله وجهوده في مجال العمل الثقافي لا ليقوم بخدمة مجردة من دون غرض شخصي, بل ليقوم بهذه الخدمة في ميدان مهني اختاره, وليحقق ربحاً, وليحافظ على استمراره في مجالات العمل والإنتاج, ويتم ذلك فيما يبدو لي, نظراً لسمو المادة الثقافية في ذهن المتلقي ـ القارئ عن أن تكون تجارة وموضوع فساد أو غش أو تلاعب أو جشع وموضوع تجارة أصلاً.

       وفي حين يقوم القطاع العام, في بعض الأقطار العربية, بخدمة جليلة جداً لحركة النشر, لا سيما في مجال الكتب والدوريات, ويوظف أموالاً وجهوداً في هذا المجال, ويوفر المادة الثقافية والمعرفية منشورة بأسعار معقولة, ويتحمل في سبيل ذلك خسارات مالية ملحوظة, فإنه لم يستطع أن يعوض عن وجود القطاع الخاص, ولم يقلل من أهمية دوره, ولم يستطع أن يغطي حاجات ثقافية قام ذلك القطاع بها بسرعة إنجاز وسرعة انتشار واضحتين.

       كما أن القطاع العام لم يستطع التغلب في كثير من الحالات على قيود وصعوبات تعترض انتشار الكتاب في الوطن العربي وتعيق تدفقه, مثل قيود الشحن وتحويل العملة, والوصول إلى أسواق بعيدة نسبياً, وإحداث حيوية ذات مردود ظاهر في معارض الكتاب العربية التي أخذت في التزايد والتنوع والتحسن.

63 ـ يغيب عن ذهن كثيرين أن الناشر, لقدرته المالية, ورسالته العامة في تبني أهداف قومية ومعرفية وإنسانية أكثر شمولاً والتزاماً, قد قام بإنجاز منشورات ذات أهمية خاصة ـ لا سيما في مصر وسورية والعراق والكويت والجماهيرية ـ فإنه لم يوجد الصيغ العلمية الناجعة لحل مشكلات النشر على المستوى القومي. وفي حين حقق حماية لحقوق المؤلف وثقة في التعامل معه وأرسى بعض المبادئ والمعايير والقيم الإيجابية, فإنه لم يستطع أن يأخذ بأيدي المؤلفين إلى مستوى الانتشار والكفاية, بإصدار طبعات من الكتاب الواحد, وبالترويج الأمثل لما يطبع, وبالعناية بالمؤلف, كمتعامل لـه حاجات ومتطلبات يريد من يكفيه مؤونتها ويغنيه عن تفاصيلها لينصرف باطمئنان إلى إنتاجه ضمن شروط حياتية مطمئنة. وفي الوقت الذي حقق فيه القطاع العام تفوقاً تاماً, وقدرة متميزة, على إصدار الدوريات الثقافية الجادة وتغطية حَاجاته, وتوفير الإِمكانات لـها, مما شكل بديلاً ممكناً ـ من حيث الاقتدار المالي والقدرة على الاستمرار وتحقيق التنوع على الأقل ـ للقطاع الخاص في هذا المجال, فإنه لم يستطع أن ينجح تماماً في تقديم البديل المحتمل التام القدرات والمواصفات والإِمكانات للقطاع الخاص والناشر الفرد المتألق في نشر الكتاب وخدمته.

64 ـ لقد قام القطاع الخاص ـ لا سيما قطاع النشر في لبنان ـ بتيسير نسبي لتدفق الكتاب إلى الأقطار الوطن العربي, ولعبت بيروت دوراً إيجابياً في هذا المجال, من جهة تصنيع الكتاب وطباعته وتسويقه فضلاً عن إتاحة فرص النشر لكثيرين. ولا يمكن النظر إلى مجمل نشاط القطاع الخاص في مجال النشر على أنه مفيد وجاد ومتجدد ومعاصر, في كل ما ينشر, فهناك كميات كبيرة من الكتب والعناوين لا تفيد شيئاً, إن لم تشكل ضرراً, ويقف وراء إنتاجها تجار غير مسؤولين, في قطاع النشر, عن أية التزامات أو معايير أخلاقية وقيمية.

65 ـ وقد أدخل هذا القطاع آفات على حركة النشر ما زالت تعاني منها السوق العربية للكتاب, وما زالت تؤذي ناشرين ومؤلفين وقطاعات عامة وخاصة على السواء في الوطن العربي وفي بعض دول العالم([8]), وتشكل إساءة بالغة لسمعة الناشرين العرب. ومن هذه الآفات آفة تزوير الكتاب التي راجت مدة غير قليلة من الزمن وغزت أسواقاً وأصابت بأذاها أشخاصاً ومؤسسات, ويبدو أن بعض عقابيل هذا الداء ما زالت موجودة في حالة كمون, أو في حالة نشاط نسبي بعد فترة حركة سريعة. ولا يحدث هذا الكمون نتيجة اقتناع من المزورين والعابثين, بالحقوق الخاصة والعامة, وإنما نتيجة أوضاع غير ملائمة لنشاطهم في بعض الساحات, وقيام حركة متابعة يقودها اتحاد الناشرين العرب منذ تأسيسه. وإضافة إلى التزوير وبعض مظاهر الفساد في التلاعب بالحقوق الخاصة بالمؤلف: مثل المحاسبة على جزء من الطبعة وإغفال الباقي, أو المحاسبة على طبعة والتجاوز عن الطبعات اللاحقة, والمماطلة في دفع الحق, وبيعه لناشرين آخرين من دون علم المؤلف. إلى آخر ما هنالك من أساليب لا تشرف العلاقة النبيلة التي ينبغي أن تقوم بين الناشر والمؤلف, إضافة إلى ذلك هناك قضية التلاعب بأسعار الكتاب, وجعلها متحركة حسب الاختناقات في الأسواق العربية المحرومة من تدفق الكتب إليها, وهناك أيضاً ترويج يبنى على غش القارئ بنسخ غير جيدة, أو منقوصة, قدمتها فئات اعتمدت تزوير الكتب وسحب طبعات مصورة منها دون عناية تذكر.

66 ـ وهناك أيضاً أضرار تلحق بالمعرفة ذاتها وبالأمانة العلمية, وبالتالي تعرض مصداقية العلاقة بين الناشر والمؤلف, وبين الناشر والقارئ, لحالات من الشك وانعدام الثقة. ويذكر المهتمون جيداً بالكتاب العربي ولا سيما الكتب التي تعود لغير المعاصرين من المؤلفين ـ كيف أنهم لا يطمئنون إلى طبعه دار معينة لأسباب تتعلق بالأمانة أو بالدقة, ناهيك عن قلة عناية بعض دور النشر الخاصة بالتحقيق وبالعودة الفعلية إلى الأصول والإِعلان أحياناً على أغلفة بعض الكتب عن هيئة محققة أو مدققة, ولا وجود أصلاً لمثل هذا, ولا جهد ولا تدقيق في متن الكتاب, الأمر الذي يجعل القارئ ضحية لترويج فاسد المضمون منطو على غش, ويجعل المجتهدين من المؤلفين والمحققين والناشرين, عرضة لانتهاك حقوقهم وسرقة ملكياتهم وجهودهم ممن اعتادوا السطو من دون رادع من خلق أو وجدان أو قانون.

67 ـ وبمقدار ما يشكل هذا الوضع من ضرر وخطر على حركة النشر وعلاقة الناشر بكل من (المؤلف ـ المحقق ـ المترجم) أو بالقارئ, أو بالناشر الآخر, بمقدار ما يستدعي معالجة جادة وجذرية لا تستند  إلى شهامة بعض المسؤولين واهتمام بعض الأنظمة لسبب أو لآخر, بل تقوم على أساس تشريعي يقمع هذه المظاهر المؤذية, ويضع حداً لمرتكبيها, ويقيم القواعد ويسن القوانين لملاحقتهم ولتخليص الحقوق في هذا المجال والمحافظة عليها, خدمة لجميع الأطراف المعنية, بما في ذلك الحفاظ على حق القارئ الذي يقع ضحية في جميع الأحوال, وتنعكس عليه حالات الأذى بشكل أو بآخر, إلا في حالات نادرة, وذلك حين يتاح لـه الحصول على كتاب مفقود بسعر مقبول نتيجة طرح بعض نسخه المزورة في السوق, ولكنه يدفع جزءاً من الضريبة في صفحات وملازم ممسوحة, ويدفعه على شكل معاناة في القراءة, وعدم دقة في بعض الكتب.

68 ـ ويبقى للناشر الخاص فضل ودور ـ فليس كل ناشر مجرد تاجر ولص, كما أنه ليس كل تاجر مجرداً من القيم ولا يحكمه سوى قانون الربح بأي شكل كان, فهؤلاء يشكلون استثناء إذا ما أخذنا جسم حركة النشر في الوطن العربي بالاعتبار.

       وتبقى لـه إسهاماته المتميزة في حركة النشر العربي والتي لا يجاريه فيها القطاع العام. وعلى ذلك فإن حركة النشر ـ وألفت الانتباه إلى أنني أركز على النشر المصنع على الورق ـ تحتاج إلى وجود القطاعين وتعاونهما وتكاملهما, كما تحتاج إلى ولادة قطاع مشترك يسهم فيه القطاعان بحركة تعاون متكاملة, لا بد من قيامها بدور تحتاج إليه الساحة العربية وحركة النشر في أفقها المستقبلي. وهذا القطاع, الذي نتطلع إلى قيامه بخدمات نوعية لحركة النشر, يمكن أن يحقق الدقة والثقة وسلامة التعامل وسرعة الحركة والتوجه لخدمة الأهداف الكبرى والنبيلة والقومية للثقافة العربية من جهة, وأن يحقق قدرة على الحركة وتحقيق الربح وتيسير وصول الكتاب إلى طالبه, وسهولة تدفقه في شرايين الوطن العربي المتعطشة إليه من جهة أخرى.

69 ـ إن الناشر ـ بصورة عامة ـ يعاني هو الآخر, وبصورة حادة, في بعض أقطار الوطن العربي. والناشر الشريف الجاد, المعني بالنشر كرسالة, يقع في معظم الأحوال بين المطرقة والسندان, بين المؤلف والموزع والقارئ, ويتحمل مسؤوليات أخلاقية, وتلقى عليه أسئلة تنطوي على الإِدانة من الرأي العام والقارئ وبعض الفئات المسؤولة, لأنه يتحمل بصورة أو بأخرى تبعات الوضع العام الذي تمر به أزمة النشر, وتنعكس عليه في الوقت نفسه إجراءات عربية سياسية واقتصادية وإجراءات رقابة وسواها, مما قد يضر بمصالحه المادية, ويعيقه عن أداء رسالته ويجعله متحملاً لمسؤوليات تتصل بالوضع القائم في الوطن العربي, بالنسبة لسوق الكتاب ورواجه, وحالة الاتصال والتواصل الثقافية المتردية.

70 ـ إن الناشر يعاني من أزمة فقدان الورق أو نقصانه في الأسواق العربية حيث تشكو أقطار عربية شكوى مريرة من أزمة الورق, لا سيما في سورية والجزائر وتونس والسودان والأردن, على الأقل. ويؤدي فقدان هذه المادة إلى ارتفاع أسعارها وإلى دخولها السوق السوداء في بعض البلدان التي تسود فيها قوانين وأنظمة حصر تداول العملة الصعبة بالدولة ومصارفها الرسمية, وفي تلك التي يتولى فيها القطاع العام أمور الاستيراد والتصدير والتجارة الخارجية. وحين تتوافق هذه الزيادات في الأسعار مع ارتفاع أثمان المواد الأولية الأخرى اللازمة للطباعة, وأجور العمال والفنيين, وتكلفة التعامل, مع المواد المصنفة الداخلة في تقنيات ومستلزمات الطباعة الحديثة ـ التنضيد الضوئي ـ لا سيما الأفلام والأقراص الحساسة والأحماض.. إلخ فإن تكلفة الكتاب تغدو كبيرة وبالتالي يتضاعف سعر الغلاف الذي تدخل في تحديده أمور أخرى غير التكلفة الفعلية, وعلى رأسها عمولة الموزع ونفقات الشحن وهامش الربح الضئيل المطلوب للناشر, إضافة لحقوق المؤلف.

71 ـ إذا كان الناشر في قطر عربي لا تستقر الأسعار فيه على حال وتتعرض فيه العملة المحلية والاقتصاد لأزمات جادة ـ مثل لبنان ـ فإنه سيضطر إلى فرض السعر وتقاضيه على أساس العملة الصعبة "الدولار". وعندما يكون القارئ ـ المستهلك ـ من مواطني قطر عربي تنخفض فيه القيمة الشرائية لنقده المتداول ويتعرض هو الآخر لأزمات اقتصادية ـ وما أكثر هذه الظاهرة في الوطن العربي, حيث معظم الأقطار يعاني اقتصادها ونقدها من ضائقات وأزمات, وتروج فيها الأسواق السوداء والحياة السوداء أيضاً ـ عند ذلك يصبح سعر الكتاب المقدر بالدولار قياساً إلى النقد المحلي ـ في سورية أو مصر أو الجزائر أو لبنان أو العراق ـ سعراً باهظاً لا يتحمله دخل الفرد, وينعكس ذلك على رواج الكتاب, وعلى عدد النسخ المطبوعة منه. ويرتد ذلك على الناشر وعلى المؤلف, ويتحمل المسؤولية المعنوية والأخلاقية الناشر في معظم الحالات.

72 ـ وربما يستفيد نسبياً ـ أو لا يتضرر كثيراً بالأحرى ـ من هذا الوضع, الناشر الموزع, ومعظم الناشرين الخواص في الوطن العربي يملكون منفذاً للبيع ـ مكتبة ـ ويتولون منها جزءاً من التوزيع يباشرونه بأنفسهم, ولا يملك تلك القدرة القطاع العام أو ما في حكمه إلا نادراً.

       ولكن الناشر الذي لا يتعامل إلا مع الموزع محكوم بشروط صعبة منها:

ـ إنه يوظف رأس مال في النشر, ويعمل هو, ويتحمل أجور بعض العاملين معه, ونفقات طباعة الكتب.. إلخ.

ـ إنه يرتبط بعقود مع المؤلف والمطبعة, وهذا يشكل التزامات مالية لا بد من أدائها.

ـ إنه مسؤول عن تأمين المواد الأولية اللازمة للطباعة أو عن دفع قيمتها حسب تكلفتها. وبالتالي فهو محكوم بالمتغيرات الكثيرة في سوق العرض والطلب, بالنسبة للمواد الأولية الضرورية لصناعة الكتاب.

ـ إنه مسؤول عن التسويق والترويج, بمعنى الدعاية والإِعلان في أكثر الأحيان.

ـ وأخيراً هو مسؤول عن أداء نسبة بين 8 ـ 15% من سعر الغلاف إلى المؤلف ـ وهذا حق طبيعي, وعن أداء نسبة 40 ـ 50% من سعر الغلاف أيضاً إلى الموزع إذا كان لا يوزع هو.

ـ وهو مطالب في الأقطار العربية التي تحكمها قيود للنقد الأجنبي بأن يعيد قيمة ما يصدره من الكتب بالقطع الأجنبية إلى مصارف بلده, إذا ما شحنها على نفقته, إضافة إلى تكاليف اللف والحزم والنقل والشحن, وهي ليست قليلة ـ هذا في حالة كونه موزعاً أو شاحناً على نفقته ولحسابه الخاص.

      وحيال هذا الوضع ما الذي يبقى من سعر الكتاب وريعه للناشر؟ إنه قليل نسبياً ـ ولكن فلنعرف جيداً أن الناشر يدرس أموره بدقة فلا يخسر إن لم يحقق هامشاً جيداً من الربح.

      وإذن فالتبعة العامة ـ أو قل الغرم ـ تقع في النهاية على القارئ "المستهلك" أمّا الذي يفوز بحصة الأسد فشخص رابع قابع في الظل, إنه الموزع.

73 ـ يتقاضى الموزع في الوطن العربي ـ مؤسسة عامة أو خاصة ـ نسبة عمولة تصل أحياناً إلى 50% ولا تقل عن 40% من سعر الغلاف, ويأخذ عدداً من النسخ لأغراض الرقابة والتسويق والإِهداء, ويستلم الإِبداع والتأليف والفكر, الذي أصبح "بضاعة أو سلعة" في أرض مستودعه ولا يدفع ثمنها, وإنما تبقى أمانة لديه, يحاسب عن المبيع منها كل ستة أشهر أو كل عام.

       وإذا كانت البضاعة دوريات شهرية أو فصلية أو أسبوعية ـ إلخ ـ فإن المرتجع منها لا يرد إلى صاحبه, ويعود تقدير هذا المرتجع إلى شخص الموزع وقيوده, وهو يمتنع تماماً عن تقديم كشوف دقيقة للتوزيع ونقاط البيع ومنافذه وكميات المرسل من المطبوعة إلى كل قطر, في أحيان كثيرة, والمعول عليه في النتيجة رقمه وكلمته.

74 ـ وفي هذه الصيغ من التعامل يتقاضى الموزع نسبة خالصة من سعر الغلاف قد تصل إلى 20% بعد تخصيص نسبة للبائع ونسبة لتغطية تكاليف الشحن والتسويق في حدود 30% دون أن يوظف رأس مال أو يعطله, وهو يتحمل نفقات العاملين معه ويغطي أجوره أيضاً. وعلى هذا نجد أن سعر الغلاف يتوزع إلى النسب التالية:

       8 ـ 15% للمؤلف.

       35 ـ 42% للناشر بما في ذلك تكاليف طباعة الكتاب وثمن الورق, وعائداته من رأس ماله الموظف.

       50% للموزع بما في ذلك أجور الشحن والتسويق ونسبة تتراوح بين 10 ـ 15% هي عمولة البائع المباشر.

       وقراءة هذه الأرقام من حيث دلالاتها ونتائجها تشير إلى أن الرابح الأول, و أن أكثر الأطراف توافر فرص لتحقيق ربح, هو الموزع في سوق النشر العربي.

75 ـ وهذه العلاقات ومردوداتها على أطرافها, وما ينتج عنها في تيار الممارسة المستمرة, تستوجب وضع ضوابط أكثر دقة وأكثر عدلاً. ولا يستطيع أن يقوم بها بكفاءة إلا خبراء معنيون بالأمر وبإشراف الاتحادات القومية المعنية ـ (الكتّاب ـ الناشرون ـ الموزعون ـ مهن الطباعة.. إلخ وحبذا لو ينضم إلى ذلك بعض الكتبيين ممن يمثلون مستوى متقدماً من الباعة المباشرين) وينبغي, في جميع الأحوال تحميل الموزع العربي مسؤولياته المعروفة عالماً وعلى رأسها التعريف بالكتاب, والإِعلان عنه والترويج لـه, بالأساليب الناجعة واللائقة. كما لا بد من إلزامه بأصول التعامل مع الناشرين وتقديم كشوف دقيقة لـهم وإقامة جسور الثقة بينه وبينهم, ليتمكنوا هم بدورهم ـ أن يقيموا جسور الثقة أيضاً مع المؤلفين والمبدعين. ولا يكفي على الإِطلاق أن يتخذ اتحاد الموزعين العرب قراراً يراه في صالحه, باعتبار كشوف أي موزع هي نهائية ودقيقة وغير قابلة للمراجعة حتّى يجبر الآخرين ـ ولا سيما الناشر ـ على الإِذعان.

       وعقود الإِذعان عقود ضعيفة وواجبة النقض. وإذا عرفنا أن مؤسسات التوزيع بعض بالأقطار العربية هي مؤسسات تابعة للقطاع العام وتحصر التوزيع بها حصراً بموجب القوانين والأنظمة القطرية النافذة, أدركنا سيطرتها على السوق, وتحكمها بالمنشور من الإِنتاج في ذلك السوق, واستخدامها لسطوة السلطة في تعاملها مع الآخرين, الأمر الذي يجعلها تماطل بدفع الحقوق وتمارس تجاوزات على العقود وأعراف التعامل, وتجعل المتعاملين معها في حالة إذعان حتّى لا يخسروا السوق, ولكي يستوفوا حقوقهم, وحتى لا تخلق لـهم متاعب غير متوقعة أو غير منظورة من طرفهم لصلتها بمواقع نفوذ في سوق التعامل مع الكتاب والدورية, ولا سيما الرقابة وأجهزة القطع وجهات عديدة أخرى. وغني عن التأكيد إن إشاعة مناخ تعاوني قومي بن الاتحادات القومية والمنظمات العربية المسؤولة, في إطار تفهم من الحكومات العربية, كفيل بإيجاد حلول لمشكلات قائمة, ويفتح آفاقاً أوسع أمام مستقبل حركة النشر في الوطن العربي.

76 ـ إن الموزع في بعض القطاعات والحالات يلعب دوراً سياسياً واضح الانتماء ودوراً ذا خلفية أيديولوجية أو طائفية أو إقليمية في كثير من الحالات, ويؤثر دوره ذاك سلبياً أو إيجابياً على نوع من المنشورات أو المطبوعات ـ سواء الكتب أو الدوريات أو الصحف.. إلخ, ويبرز ذلك في التقويم والحدب وسوء التوزيع, وعدم وصول الدورية أو الكتاب إلى أقطار أو نقاط توزيع أو منافذ بيع وتغييبها في المستودعات أو تأخير توزيعها. وهذا كله يؤثر سلبياً على الناشر والمؤلف ويشكل موقفاً أو ينبثق من موقف لـه الصبغة السياسية في نهاية المطاف.

77 ـ وهناك تواطؤ يقوم بين أكثر من موزع لصالح دورية أو ضدها ولصالح بعض المنشورات أو الناشرين أو المؤلفين بسبب يعود للمحتوى وأحياناً لارتباطات ومضاربات تجارية, ولانتماءات قطرية وطائفية وإقليمية, الأمر الذي يجعل الناشر والمؤلف تحت رحمة أولئك الذين قد يتحكمون بالسوق في فترة من الزمن. ويظهر الخوف جلياً في مجال الصحف حيث نجد مؤسسات صحفية قوية لا تخضع لابتزاز, وتقدم تنازلات وتقبل بقيود وشكليات محاسبية غير مقتنعة بها, ولكنها تتغاضى عنها أو تقبلها خوفاً من تلاعب الموزع وتحكمه بالسوق, واتقاء لحدوث فصول غير لائقة وأعمال ضارة قد يقوم بها كيداً فتلحق أضراراً أكبر بالناشر.

78 ـ ومن العيوب ا لظاهرة في علاقة الموزع بالناشر, عدم تقديمه كشوفاً دقيقة, وعدم إبلاغه عن وقوع مصادرات, ومطالبته بأجور شحن أحياناً من الناشر, خلافاً للعقد, وتجاوزاً على الحق. وتأتي قرارات اتحاد الموزعين واتفاقيات أطراف التوزيع غير منصفة ولا مشجعة.

       وكل هذا يحتاج إلى ضبط العلاقة قانونياً ورفع مستوى المعيار الأخلاقي والقيمي بين المتعاملين في مجالات النشر والتوزيع بصورة عامة. وهي مسؤولية لا بد من أن تبادر إلى القيام بها هيئات ومؤسسات واتحادات قومية في إطار العمل العربي العام وحماياته القانونية والإِدارية والمالية. ومن المفيد بل من الضروري أن تقوم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, وبتأييد من الجامعة العربية والدول العربية بالدعوة إلى عقد اجتماع للاتحادات القومية المعنية, الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ـ اتحاد الناشرين العرب ـ اتحاد الموزعين العرب ـ اتحاد أصحاب المكتبات (أو المهن المكتبية", ـ اتحاد الحقوقيين العرب وسائر الجهات المعنية, لبحث هذا الأمر والخروج بحلول للمشكلات المعلقة ومواجهة الصعوبات في هذا المجال, والتي تنعكس معاناة ونقص تدفق, وانعدام ثقة في مجالات النشر والتوزيع, وتصب حمولتها السيئة على القارئ والثقافة والتنمية والوعي.

79 ـ وإذا كان من حقنا أن نطالب الموزع العربي بالتزامات, فلا بد من أن نواجه معه المشكلات المعقدة والمزمنة التي تعيق حركة تدفق الكتاب والدورية في أقنية التوزيع عموماً, والتي تكاد تكبله تماماً, وتلغي حركته في بعض الأقطار العربية. وقد أشير إلى مشكلات كثيرة في قوائم التوصيات المتخذة في ندوات دولية وعربية وقطرية ناقشت قضايا الكتاب والصعوبات التي تعترض النشر على الصعيدين القومي والقطري, واتخذت قرارات من جهات مسؤولية عربياً, وقد تكون لديها جميعاً النيات الطيبة والاقتناع التام بضرورة حل هذه المشكلات ولكنها معوقة إما بفعل سياسة قطرية وإما بحكم ظرف موضوعي يسود أرض الواقع, وإما بفعل تداخل قضايا وتشابكها في قطاعات مختلفة لا بد من أن توجد لـها حلول قومية عامة في إطار تنسيق وتعاون وتمويل عربي, وفي أكثر من مجال عام.

80 ـ ومن هذه المشكلات المعقدة المزمنة أتوقف عند مشكلتين فقط:

       مشكلة الشحن وتكاليفه ووسائله:

       فمن المعروف جداً أن الوطن العربي يعاني من نقص خطير في المواصلات إجمالاً, وفي شبكات اتصاله البرية على وجه التخصيص, لا سيما بعد أن قام الكيان الصهيوني في موقع استراتيجي بعزل آسيا العربية عن أفريقيّا العربية برياً. وعلى الرغم من تحسن وضع شبكة الطرق البرية الدولية وغير الدولية المخصصة للسيارات والشاحنات في أجزاء من الوطن فإن هذه الشبكة تعاني من مناطق اختناق بين أقطار عربية كثيرة. أمّا شبكة الخطوط الحديدية ـ وهي الأكثر نفعاً والأقل كلفة والأيسر استعمالاً وضبطاً ـ فتكاد تكون مشلولة على الصعيد القومي, ويبدو وضعها في بعض أجزاء الوطن العربي أكثر سوءاً وتخلفاً مما كانت عليه في العهد العثماني, ويعود ذلك لأسباب سياسية وأمنية ـ قطرية وإلى غير ذلك مما يدخل في حسابات الدول المحافظة على واقع التجزئة, وأن أقطارنا للأسف غدت متمسكة بجغرافيتها التي صنعها الاستعمار وأقام لـها من بعض أبناء الأمة العربية في كل قطر سدنة وحراساً يحمونها باسم الوطنية وتحت رايتها, تلك الوطنية التي غدت على أرض الواقع والممارسة معارضة أو مصادمة للقومية وصيغة اعتراضية عليها, والتي يتم التمسك بها تماماً.

       ويكفي أن أشير على سبيل المثال لا الحصر, إلى: الخط الحديدي الحجازي الذي كان يربط الحجاز بالشام ويتفرع فيهما إلى ما يعرف اليوم بسورية والأردن ولبنان وفلسطين ويربطهما بأوربا والعالم عبر تركيا, هذا الخط الذي تعطل اليوم في معظم أجزائه وتوقفت خدماته.

       وإذا كانت أقطار الوطن العربي في آسيا تعاني من فقدان هذه الشبكة, فالوضع في أقطاره في إفريقيا ليس أحسن حالاً. ومن المؤكد أن إقامة هذه الشرايين في جسم الوطن العربي هي الكفيلة بضمان تدفق أفضل لتيار الحيوية والحياة في أوصال الأمة المقطعة, والكفيلة أيضاً بإعادة ربطها اقتصادياً بعد أن كانت القوافل قديماً متكفلة بهذا الربط من خوارزم حتّى الأندلس.

81 ـ وإذا كان وضع النقل البري في شقيه الخطوط الحديدية ـ والطرق المعبدة, في حالة غير مرضية, ويعاني من أوضاع مرة غير تلك التي تفرضها نقاط الحدود وأنظمة الجمارك والأمن العام على البضائع والبشر, فإن النقل البحري العربي لم يدخل بعد مرحلة المعاناة لأنه شبه غائب عن الوجود, فكيف يعاني المفقود أصلاً؟!.

       وحتى النقل النهري في خطين تاريخيين عربيين هما خط دجلة والفرات عبر شط العرب إلى البحر العربي ـ وخط وادي النيل العريق, قد تقطعت أوصاله وضاقت أوعيته, بسبب السدود والنزعات وقيود الحدود.

82 ـ وهذان الأسلوبان الحيويان في تأمين النقل السريع وتبادل البضائع والسلع ومنها "البضائع أو السلع الثقافية", بالاصطلاحات الجمركية التي تصر على إخضاع الإِنتاج الثقافي لـهذه التسميات, هذان الأسلوبان غير متبعين, حتّى في الحدود الدنيا, ومردودهما على الاقتصاد والتواصل الاجتماعي والثقافي كبيراً جداً, ودورهما الإِيجابي كبير أيضاً, ولا بد من تمكين الأمة العربية من التواصل عن طريقهما إذا أردنا أن ندخل العصر وأن تدخله صلاتنا ومواصلاتنا وحركتنا الثقافية, وإذا أردنا لـها مستقبلاً متطوراً بدرجة ملحوظة, تختلف عن سلحفائية الانتقال التي تحكم التحرك والتطور العربيين حالياً.

       ومن البدهي أن تمكين الأمة من امتلاك شبكة مواصلات بحرية ونهرية, وبرية بشقيها ـ أي السكك الحديدية والطرق المعبدة للسيارات ـ يحتاج إلى تعاون عربي عام وإلى قرارات سياسية حكيمة وشاملة, وإلى سياسة اقتصادية واحدة وتكامل في الجهد العربي, وإلى سوق اقتصادية عربية موحدة وقائمة فعلاً. أو باختصار إلى رؤية قومية مستقبلية تأخذ متغيرات العالم بالاعتبار, وتضع العام فوق الخاص والقومي فوق القطري, لتتم برمجة إنقاذ على أسس علمية عصرية تجعل أمر لحاقنا بركب التقدم التقني الصاعق, وبحضارة القرن الواحد والعشرين من الأمور الممكنة ولو نظرياً.

83 ـ إن الشحن بين أقطار الوطن العربي يتم اليوم بوسائل برية وبحرية محددة, وأحياناً بالطائرات, وهو في جميع الأحوال يكلف غالياً, ويتطلب حل تعقيدات كثيرة, وقد تنبهت الاتفاقية العربية لتيسير تداول الإِنتاج الثقافي, إلى الموضوع وقررت تقديم تخفيضات تصل إلى 75% من تكلفة الشحن بالنسبة للمطبوعات الثقافية ـ ولا يفوتني أن أشير بالتقدير إلى أن تونس تطبق هذا منذ سنوات ـ إلا أن هذا التشريع لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ, ولا نعرف كيف يمكن أن يحل المشكلة, وأسطول الطيران العربي الفقير لا يكفي لنقل المواطنين العرب بين العواصم فكيف إذا وضع برامجه لتأمين الاتصال بين المدن الكبيرة. وفيما أعرف إن أسطول الشحن الجوي العربي على الصعيد القطري ـ إذا هو غير موجود قومياً ـ أسطول أكثر من فقير وأكثر من عاجز عن مواجهة احتياجات الوطن على صعيد النقل السريع. ولا مناص من مواجهة عربية شاملة وسريعة لـهذا الموضوع لأن مردود ذلك على جميع القطاعات إيجابي وحيوي, ولا بد من أن نضعه في اعتبارنا ونحن نخطط لحركة نشر عربية ناشطة, ولكل تبادل حيوي على المستوى القومي في جميع الحالات.

84 ـ أمّا المشكلة المعقدة والمزمنة الأخرى فهي مشكلة تحويل العملة وسيولة النقد بين أقطار الوطن العربي, وهذا واقع يحتاج تغييره إلى قرارات سياسية واقتصادية شاملة, ويأتي حل قضايا النشر والتوزيع المتعلقة به في إطار الحل العام شأنه شأن موضوع الشحن وإيجاد شبكة المواصلات والاتصالات العربية العصرية. ويمكن للمؤسسة المنتظرة ولقطاع متخصص في مجال النشر والتوزيع على المستوى القومي أن يوجدا حلولاً لـهذه المشكلة نظراً لأن احتياجاته للنقد ستشمل ساحات عربية عديدة.

85 ـ إن موضوع تدفق الكتاب. وأخذ القراء العرب والقراء المحتملين منهم بعين الاعتبار, ووضع الخطوط والبرامج وسياسات النشر ومشاريعه على أسس قومية شاملة, كل ذلك يوفر مناخاً أفضل وتحريراً واقعياً أعمق للطاقات الإِبداعية والمادية والبشرية على مستويات عدة في الوطن العربي, ولا بد أن يأخذ المتطلعون إلى أفق مستقبلي أرحب في مجال النشر العربي هذه الأمور بالعناية المناسبة.

86 ـ القارئ

       إذا كان المؤلف يشكل أحد قطبي عملية الإِبداع وأهم أطرافها وأشدها معاناة من جهة وأهمية في انطلاقها وتأثيرها من حيث النوع من جهة أخرى, فإن القارئ يشكل القطب الثاني, الذي تصب عنده الحصيلة النهائية وتنعكس آثارها عليه سلبياً وإيجاباً, ويتمكن تأثيرها فيه ويتجلى في درجة الوعي ومعيار الذوق والقيمة وفي مقدار القدرة على التغيير والتثوير, والعيش بعمق شعور, ووضوح رؤية. وهو القطب الذي تتجمع لديه محصلات جهود واجتهادات الأطراف المعنية بحركة النشر ويتحمل نتائج جهودها واجتهاداتها وطموحاتها وأطماعها بصورة أو بأخرى. فالقارئ هو حقل الكلمة الحرة وحاضنها, وحلقة الدرع التي تحمي صاحبها وهو المستفيد من المادة المعرفية, والذي يجني الثمر الفاسد في بعض الأحيان ويدفع ثمنه مع ذلك وهو مسؤول عن استمرار حركة النشر وازدهارها بوصفه الطرف الذي يؤثر تأثيراً كبيراً في تغذية حركتها من حيث التلقي واستمرار الحاجة وتنوعها, ودفع تكاليفها وتجسيد الانتفاع بها.

       القارئ العربي محكوم بكل معوقات الحياة العربية ليس في مجالات حركة النشر فقط وإنما في مجالاتها جميعاً, ابتداءً من استقرار وضع التجزئة وانعكاساته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية عليه, وانتهاء بآخر مجازر الرؤى والأحلام والتطلعات المشروعة للإِنسان, تلك التي يواجه إحباطاتها في ذاته ومحيطه, جراء سلسلة من الأسباب والمسببات تبدأ بجهله وتخلفه وسلبيته, وتنتهي بهيمنة القوى الكبرى على قراره ومقدراته وثقافته. وهذا القارئ المحروم من زاد المعرفة وثمرات المطابع والقرائح, لكل الأسباب التي أشير إليها سابقاً, وفي توصيات ورصد أوضاع تمّ في أكثر من مناسبة وندوة ودراسة ومؤتمر, ولعدم قدرته في المحصلة على توفير مناخ العيش الذي يسمح للمعدة والرأس بغذاء متوازن أو متقارب, نتيجة للفقر وضغط الحاجة وفقدان الخدمات وتراخي الإِرادة وتآكل التطلع والطموح ولكثرة ترسبات القهر والإِحباط. هذا القارئ يبقى في النهاية هو المقصود بحركة النشر, وهو أهم محركاتها والمقصود برسالتها النبيلة, إذ هو أسمى أهدافها وجوهر ديناميتها.

88 ـ لا أريد أن أشير إلى الصعوبات التي نعرفها مما يؤثر على علاقة القارئ بالكتاب, وعلى علاقته بالمؤلف والمبدع وحركة الإِبداع, فكل ذلك أصبح معروفاً ومكروراً, وأشد تلك الصعوبات بروزاً وقسوة: الثمن المرتفع للكتاب, وندرته في الأسواق والتجمعات التي تحتاج إليه, ولكنني أريد أن أتوقف عند دور القراء, والقراء المحتملين في ازدهار حركة نشر متكاملة في الوطن العربي, ومحققة لتدفق ملائم لحركة الكتاب, وقادرة على توفير النوع الجيد المتميز في كل مجال من مجالات المعرفة والإِبداع, والكم والتنوع الشاملين لقطاعات القراء وأنواع اهتماماتهم من جهة, ولقطاعات المعرفة العملية والتقنية والإِنسانية كلها بما في ذلك دقائق المعلومات التي يتفجر سيلها ويتدفق باستمرار من جهة أخرى.

89 ـ وإذا استطاعت حركة النشر العربي, التي تعاني من بؤس حقيقي اليوم في الانتشار والتواصل من جهة, وفي شمولها لحقول المعرفة وأنواعها ولعمق ما ينشر في تلك الحقول من جهة أخرى, أقول إذا استطاعت أن تضع خططها المستقبلية وبرامج تحركها وإنتاجها على أساس نظري بسيط ـ هو أقرب ما يكون إلى الواقعية التامة مستقبلاً بمقاييس الإِحصاء والعقل والمنطق ـ وهو وجود مائة ألف قارئ عربي لكل كتاب جيد, في حقول المعرفة العامة والإِنسانيات, وعشرة آلاف قارئ على الأقل في حقول متخصصة, فإنها ستنجح في تحقيق مشاريع تجسد هذا الحلم وتغذيه وتنميه وتستطيع أن تركن إلى قدرة هذا الكم البشري المتميز من حيث النوع بصورة عامة, على خلق تيار تقدم وازدهار في كل مناحي الحياة العربية, الأمر الذي سينعكس إيجابياً بدوره على ازدهار حركة النشر والإِبداع وينمي عدد القراء المحتملين من جديد.

90 ـ إن كسب معركة الثقة التي لا بد لجسور اتصال تعمل بالاتجاهين من أجل خوضها والفوز فيها, من الأمور الجوهرية والبنيوية في العلاقة مع القارئ ومن أجل الوصول إلى ذلك لا بد من تذليل صعوبات كثيرة وخلق مناخ ملائم وتعاون شامل بين جميع المعنيين الذين يهمهم أن يكون قطاع النشر العربي قطاع خدمة عليا تلبي حاجة الفرد وحاجة الأمة من الغذاء المعرفي والتدفق الإِبداعي, في روح متعطش للانتعاش, اللذين من شأنهما أن يضعا الأمة العربية على طريق المستقبل بكل مستلزماته واحتياجاته المادية والمعنوية علمياً وعملياً وأخلاقياً.

91 ـ إن عدد القراء العرب يحصره واقع حركة النشر العربي بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف كمتوسط عام وهذا يعني أن نسبة القراء الذين يشترون الكتاب إلى عدد السكان في الوطن العربي هي 0.0024% في حالة متوسط عدد النسخ الرائجة من الكتاب خمسة آلاف نسخة. وهذه نسبة متدنية إلى أبعد الحدود, فضلاً عن أنها غير صحيحة على الإِطلاق. حيث إن الكتاب لا يصل إلى سكان الوطن العربي بوفرة, فلا يروج منه بعد ذلك, أي لا يباع, سوى خمسة آلاف نسخة.

       ولذلك فإن الإِحصاءات والنسب في هذا المجال ليست سليمة الدلالات, لأن شروط السبر ليست موضوعية ولا تأخذ بالاعتبار معطيات البيئة والواقع العربيين.

       وتبقى نسبة 0.048% وهي نسبة عدد القراء الذين يقتنون الكتاب إلى عدد السكان في الوطن العربي, في حال افتراض رواج مائة ألف نسخة من الكتاب, تبقى هذه النسبة متدنية جداً أو تكاد تكون أقل رقم معقول ممكن, فيما إذا تحققت مناخات ملائمة لحركة نشر عربية تشمل الوطن العربي, مع الأخذ بعين الاعتبار وجود نسبة مرتفعة من الأمية تتراوح بين 40% و80% في الأقطار العربية فضلاً عن الأمية الثقافية.

92 ـ وهذا التطور المستقبلي المنتظر يجعل إمكانية خفض تكلفة الكتاب والدورية أمراً ممكناً جداً, كما يتيح فرص تحرير المؤلف والمبدع اقتصادياً وبالتالي تحرير قلمه وطاقته الإِبداعية من القيود الخارجية والداخلية المنظورة وغير المنظورة, ولا سيما تلك التي تفرضها الحاجة والسلطات السياسية القطرية, بصورة ظاهرة أو خفية, على المؤلفين والمبدعين, وعلى حركة النشر والإِبداع, سواء بسبب من محدودية النظرة السياسية القطرية, أو بسبب حصر أفق الكلمة, وخنق جناح الفكر والإِبداع ضمن جزر وأسوار وحدود التجزئة السياسية والجغرافية والبشرية السائدة في الوطن العربي, وانعكاس ذلك من خلال مخافر تركزت في وجدانات المبدعين ولا وعيهم. هذا فضلاً عن مردوده الذي لا يمكن التكهن بمداه على حركة الوعي العربي عمقاً وشمولاً وعلى الحس القومي والتكوين الوحدوي والوجدان العربي والمد النهضوي والحضاري.

93 ـ إن الوضع البائس للمؤلف والمبدع والناشر والموزع والقارئ ولجميع العاملين في حركة النشر العربية في وضعها الراهن, وكذلك بؤس مردودها ومناخها, كل ذلك لم يعد يلائم العصر, ولا يتفق مع درجة الوعي بحدود المشكلة وأبعادها من وجهة نظر الذين يعانون منها على الأقل, فضلاً عن وجهة نظر أولئك الذين يعلنون عن رغبتهم في أن تتجاوز تلك الحركة حدود البؤس, ويُعْمِلون إرادتهم من أجل أن تدخل دائرة النور التي تضفيها شمس المجموعة العربية الشاملة لجمهرة المعنيين بالمعرفة والمنتفعين منها والذين يعلقون آمالاً كبيرة عليها.

94 ـ وأعتقد أن هذا المدى الذي أوصلتني إليه ملامسة وضع القارئ العربي في الواقع الراهن الذي يشير إليه متوسط عدد النسخ المنشورة من الكتاب العربي اليوم, وذلك الذي تنير أفقه أبسط الأرقام المعقولة والمقبولة منطقياً في مجال النشر مستقبلاً, في أدنى الأرقام التي يبشر بها أفقه, يسمح لـه بالانتقال إلى ملامسة بعض المشاريع القومية التي تسمح بتغيير جوهري في واقع حركة النشر العربي, وتفتّق بعض قطب السُّتُر التي تحجب وجهه, وسوف أكتفي بأن تكون ملامستي سريعة وموجزة, تتذوق بعض مشهد الحلم, ولا تتعرض لصعقته التي ستكون مدمرة بالنسبة لواقف مثلي, بين قطب مشرق للرؤية وآخر يشحنه الواقع المجلل بالسواد.

       وإذا كانت الحاجة تبدو في درجتها القصوى لإِحداث تغييرات نوعية وجذرية في واقع النشر العربي على صعيد القطاعين العام والخاص, وصولاً إلى إنتاج متميز من حيث الكم والكيف, وإلى تصنيع أفضل للكتاب بكلفة أقل, وإلى انتشار حقيقي للمادة الثقافية والإِبداعية المطبوعة, ووضع تعاملي, وعلاقات عمل محكومة بوجدان مهني ورؤية ومسؤولية قوميتين, وقوانين مرعية التنفيذ شاملة لساحات العمل الثقافي في أقطار الوطن العربي, وإذا كنا نتطلع إلى أفق مستقبلي يحتاج منا إلى إحداث ما يشبه الثورة ـ استلهاماً لروح المسؤولية والجدية والسرعة في الثورة ـ في أساليب الإِنتاج وعلاقاته ونظمه ووسائله وأدواته وأطره البشرية وتشريعاته, فإن ذلك يحتاج إلى صيغ تعاون مجربة ومطمئنة, يسهم فيها رأس المال العام والخاص, أو تقوم بها شركات مساهمة قومية محدودة المسؤولية, ومضمونة من جهات حكومية ومصرفية وتعمل في إطار خطة شاملة, وبوحي من حس تاريخي بالمسؤولية أمام الأمة وأجيالها وماضيها, لتحقق نقلة نوعية في مجالات النشر المختلفة, وفي ارتباط وعلاقة من يصل إليهم الكتاب والدورية والإِنتاج المنشور, بكل الوسائل, ويمكن أن يغيرهم أو يغير بهم ويعيد تكوينهم على نحو أكثر سلامة وإيجابية.

       فيمكن أن يشارك في تحقيق ما نحتاج إليه ونتطلع إلى قيامه: شركة أو مؤسسة قومية للنشر والتوزيع, وربما لإِنتاج بعض الصناعات الثقافية أيضاً, المتصلة بهذا القطاع, ولا سيما صناعات الورق والأحبار والأفلام والاسطوانات وكل ما يتصل بذلك.

95 ـ لقد استشعرت أكثر من جهة عربية ضرورة إقامة مؤسسة قومية للنشر على مستوى الوطن العربي, تتوافر لـها الإِمكانات المالية والتسهيلات القانونية والجمركية وتُذلل أمامها العقبات, لتمارس دوراً قومياً نوعياً في مجال النشر, فقد أوصت الخطة الشاملة للثقافة العربية بشيء من هذا واستشعر الحاجة إليه اتحاد الناشرين العرب وبعض الجهات المعنية في الجماهيرية العربية الليبية حيث تمت المبادرة إلى عقد الملتقى الأول للنشر في مصراته/ أيلول 1987 ومن ثمّ قام اتحاد الناشرين بالمتابعة ووضع النظام الأساس للمؤتمر القومي للنشر, الذي تنبثق عنه دار قومية للنشر والتوزيع, تركز اهتمامها على الكتاب. كما توجه المجلس القومي للثقافة العربية إلى شيء قريب من التكامل مع المنطلق السابق حيث وضع مشروعاً لشركة مساهمة محدودة لإِنتاج الإِبداع الفني وأقره نهائياً في الرباط حزيران يوليو 1989 وخطت دور نشر عربية خطوة أولية على طريق صيغ أخرى لتغيير الواقع الراهن مثل دعوة دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد لإِيجاد صيغة تعاون عربي في أنموذج النشر المشترك الذي واكبته أو استنبتته, ندوة تحت هذا العنوان عقدت في بغداد/ أيلول سبتمبر 1986/ بمشاركة اتحاد الناشرين العرب, وهو يرمي إلى إيجاد صيغ قانونية وحلول عملية لبعض صعوبات نقل الكتاب وتنقله وتخفيف تكلفته والحفاظ على حقوق المتعاونين في نشره عربياً حيث هم في أقطارهم.

       وقد قرر المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تنفيذاً لاقتراحات وتوصيات ـ أو قرارات ـ مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي, قرر في دورته لعام 1987 ما يلي:

       "دعوة الدول العربية إلى التعاون فيما بينها على إقامة المؤسسات الثقافية القومية التي تخدم الثقافة العربية في أبعادها القومية: كمؤسسات النشر والتوزيع والإِنتاج السينمائي والتلفزيوني والإِذاعي وسائر وسائل الاتصال المتطورة".

       ووضعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أو كلفت مكتباً بوضع "دراسة جدوى تمهيدية حول إقامة مؤسسة عربية للنشر والتوزيع" وناقشت مشروعها في اجتماع عقد في تونس /يوليو (حزيران) 1988.

96 ـ وكل هذا يشير بوضوح إلى نضج فكرة إقامة مشاريع طباعة ونشر وتوزيع قومية متطورة بإسهام إداري ومالي عربي سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي, وإدراك مدى الحاجة إلى ذلك, والاستعداد أيضاً لإِقامة مشاريع صناعات ثقافية شاملة, في إطار إقرار واضح وثابت بأن مثل هذه الصناعات تحتاج إلى الإِمكانات المادية والبشرية العربية, وإلى سوق الاستهلاك العربية أيضاً, وإنها مشاريع لا بد من إنجازها لتحملنا إلى مدخل العصر ومدخل النهضة والتطور الحقيقيين, ولا سيما في مجالات التعامل مع الثقافة والاستفادة منها والاعتماد على تقنيتها, وفي ضوء اقتناع تام بألاّ تنمية على أي صعيد من دون الاعتماد على الثقافة ومن دون الانطلاق من الوعي المعرفي وكل ما يغذيه وينميه.

97 ـ وتشير الدلائل والتطورات والمتغيرات جميعها إلى التوجه نحو التعاون العربي, ولاستشعار الحاجة الماسة إلى توظيف الطاقات والقدرات العربية من خلال رؤية موضوعية لضرورة قيام تكامل عربي على الصعيد الاقتصادي خاصة, لمواجهة متغيرات سياسية واقتصادية وتقنية عالمية, ولإِيجاد الأرضية الممكنة لإِقامة صناعات ومشروعات عربية ضخمة يكتب لـها النجاح والبقاء باعتمادها على سوق العرض والطلب عربياً, وتلبيتها لاحتياجات المواطن العربي المادية والمعنوية.

98 ـ وهذا كله يضعنا بمواجهة حقائق واقع يحتاج إلى التغيير, وآفاق مستقبل يقتضي توظيفاً واعياً للإِمكانات المادية والبشرية, في إطار عربي لتحقيق قفزة نوعية, في مستوى الكم والنوع, في مجال الصناعات الثقافية العربية عامة, وفي حقل النشر والتوزيع وتصنيع الكتاب شكل خاص, وإنتاج المواد الأولية اللازمة لذلك عربياً, بما يحفظ الحد الأدنى الممكن من مقومات الأمن الثقافي العربي في هذا المجال, ويوفر مناخاً ملائماً لتكوين الخبرات وتطوير القدرات وامتلاك ناصية التقنيات الحديثة في هذه المجالات ومواكبة تطورها والإِسهام في تطويرها من خلال معايشة دقائقها وآلياتها من الداخل وفي خضم العمل الفعلي, وإتقان التعامل مع الأجهزة وتشغيلها وصيانتها والإِسهام بتطويرها وإنتاجها مستقبلاً, وإغناء المعطى الحضاري العربي عموماً والتقني منه خصوصاً, لتحقيق إسهام عربي أوسع في حضارة الإِنسان المعاصر, والقرن المقبل.

99 ـ وانطلاقاً من تلك المقومات والمعطيات والضرورات والمتغيرات جميعاً, فإن إنشاء مؤسسات أو شركات قومية كبيرة على الصعيد الشعبي أو الرسمي أو المشترك, أو على مستوى مشاركة المنظمات والاتحادات القومية المعنية, أصبح من الأمور الضرورية التي لا تقبل شكلاً من أشكال التأجيل, والتي تقتضي من المدركين لأهميتها وضرورتها من جهة ولخطورة غيابها أو تغييبها من جهة أخرى, تقتضي منهم بذل جهد غير عادي من أجل إقامتها على أسس فنية وسليمة, وفي الإِطار القومي الشامل, من حيث التخطيط العلمي الواعي, والوضوح التام للأهداف والغايات والوسائل وتلبية الحاجات وتوفير الإِمكانات والخامات الأولية اللازمة لتصنيع المواد التي يتطلبها سير هذا المشروع وازدهاره وتمكينه من إنتاج يتلاءم ومتطلبات ساحة الإبداع والتأليف, وجماهير المنتفعين من هذا الإِنتاج.

100 ـ ولا أزعم أنني أختار الاختيار الأصوب أو الأمثل حين أتطلع إلى قيام "شركة قومية للنشر والتوزيع" تعتمد على مشاركة القطاعين العام والخاص وتكون شركة مساهمة محدودة تعمل وفق أنظمة خاصة ومعترف بشخصيتها الاعتبارية عربياً, ومدعومة من صندوق عربي عام أنشئ أو ينشأ لدعم الإِنتاج والتصنيع الثقافتين, أو من صندوق التنمية الصناعية والاجتماعية: وأن تسند المسؤولية في هذه الشركة إلى ممثلين من المقتدرين على العمل والخبراء في مجالاته ومراحله المختلفة ومن المعروفين بانتمائهم القومي, واستشعارهم لدور حركة النشر ومنزلتها في الحياة الثقافية وفي حياة الأمة.

       ولا بد من أن تتم ضمانة هذه الشركة من مصرف أو مجموعة مصارف عربية ضماناً لـها ولكسب ثقة المساهمين ولتغطية الاحتياجات المالية الكبيرة لمثل هذا المشروع.

       وهذا لا يمنع من أن تكون الأسهم مطروحة للتداول على مستوى الأفراد والمنظمات الشعبية مساوية أو تزيد على تلك التي يمكن أن تملكها المؤسسات الرسمية العربية المساهمة أو الدول بهدف تكوين قاعدة شعبية عريضة تحمي العمل الثقافي وتنقيه وتحرره من الخلافية السياسية العربية ما أمكن وكذلك من قبضة السلطات القطرية وسياساتها.

       وهذا التوجه لا يمنع على الإطلاق من تبنى الأهداف العريضة والعظيمة التي رفعتها الخطة الشاملة للثقافة العربية وجعلها أهدافاً شعبية تهم الجماهير وتدفعها... للمساهمة في تحقيقها, وهذا أمر منطقي ووضع طبيعي لأن الثقافة ما زالت تشكل الأرض الواحدة المشتركة للأمة العربية والتي تنغرس فيها الأحلام والتطلعات القومية.

101 ـ ولا بد من أن تأخذ هذه الشركة بالاعتبار في برامجها وهي تخطط لعمل قومي عام, الواقع الراهن للنشر العربي والتطلعات المستقبلية, فهي مشروع للمستقبل ولتحقيق نهضة شاملة في مجال النشر, وينبغي أن ينعكس هذا في نظمها و أساليب عملها وفي التزاماتها حيال أطراف عملية النشر وفي سياستها لتقديم المعرفة بأنواعها للمحتاجين إليها.

       وكل ذلك أشير إليه سواء في ندوات أو في الخطة الشاملة أو في مشاريع لإنشاء مثل ذلك التجمع الإِنتاجي، ويمكن الانتفاع من ذلك وهو كفيل بتغطية الحاجة المستشفة نظرياً.

102 ـ ولا أريد أن تفوتني الإِشارة إلى ضرورة الاهتمام بدرجة قصوى بموضوع التكامل بين قطاعات الإِنتاج الثقافي والصناعات الثقافية حتّى نخرج من قبضة سيطرة الآخرين علينا ونقيم مشاريع قابلة للاستمرار وقادرة على تحقيق الربح والازدهار, وإذا كان النشر الذي يقدم المادة المعرفية المصنعة على الورق سيبدأ مسيرة مضمونة, فلا بد من التفكير بإقامة صناعات للورق وضمن منظور يأخذ بالاعتبار تكامل قطاعات العمل العربي في مجال ما.

       وموضوع تصنيع الورق أساس في المحلة الأولى لسد حاجة السوق العربية التي تعيش على الاستيراد وتقع في أزمات متلاحقة وتنعكس هذه الأزمات على المؤلف والناشر والقارئ, والموزع بأشكال مختلفة, فضلاً عن ضرورات توفير الحد الأدنى من الأمن الثقافي في المجال, المادي منه, ولا أشير لجوانب تتصل بالمضمون الذي يتكفل بإشاعتها الغزو وأشكال تجلي الهيمنة والانسحاق تحت سطوة ثقافات أخرى.

       أي بتصنيع المواد اللازمة لـهذه الصناعات التي تتوافر مادتها الخام والقدرات على تصنيعها في وطننا, فالورق الذي لا يغطي الإِنتاج العربي لـه أكثر من 35% من حاجة السوق لـه, يمكن أن يصنع بكميات تكفي الوطن العربي كله, في قطر عربي كالسودان تتوافر فيه الخامات اللازمة لذلك بكميات ضخمة, ففي مشروع الجزيرة لزراعة القطن وحده ثلاثة ملايين فدان, وسيقان القطن المتبقية فيها تحرق وتكلف المواطنين جهداً لإِزالتها من أجل تهيئة الأرض للزراعة من جديد, وهي مادة ملائمة جداً لتصنيع عجينة الورق وكذلك الكميات الضخمة من بقايا قصب السكر المعصور في مصنع سكر (كنانة) والمساحات القابلة لزراعة هذه الخامات وكميات ورق البردى والحلفاء الموجودة بغزارة.

103 ـ إن إنشاء هذه الصناعة في السودان مربحة وطنياً وقومياً ومحققة لأغراض شتى وقابلة لتحقيق توزيع من مركز مقبول لمادة الورق على الأقطار العربية والمراكز المحتاجة إليه ويمكن هناك أخذ الضمانات اللازمة لمشروع ناجح يكون توأماً أو يدخل في عقد إنشاء خاص أو تحت إدارة ومسؤولية شركة قومية واحدة للنشر والتوزيع وصناعة الورق برأس مال عربي شعبي ورسمي وبخبرة وقدرات عربية تامة تحقيقاً لأهداف وسياسات تنبع من هذا الوطن وتخدم مستقبله.

       إن المشاريع كثيرة والتصورات الممكنة التنفيذ ليست قليلة والمال العربي موجود والضرورة قائمة, تبقى الإِرادة والتنظيم وبذل الجهد من قبل مؤسسات ومنظمات وجهات تحرص على صنع المستقبل الأزهى وتعمل من أجل ذلك بجدية وإخلاص.

104 ـ إن آفاق النشر مستقبلاً لا يمكن أن تنحصر في شركة أو دار قومية ولن تكون هي البديل عمّا هو قائم على الإِطلاق وإنما هي مؤسسة تعمل بمسؤولية معينة ضمن أفق واختصاص يحددان لـها في إطار خطة وبرامج توزيع المهام أو تنسيق بين القائمين بها, وإن الجهات العاملة في قطاع النشر العربي اليوم رسمية أو غير رسمية تحتاج إلى نقلة نوعية في إمكاناتها وخبراتها وبرامجها لتحقق وجوداً حيوياً مذكوراً في القرن المقبل ولتتمكن من أداء دور والقيام بواجب بين القطاعات الكبيرة العاملة والمتنافسة, تلك التي تشير الدلائل والمعطيات إلى قيامها.

       وما لم يقم صندوق قومي ضخم لدعم ورعاية المجال الثقافي عامة, ومجال النشر خاصة وكذلك الصناعات الثقافية اللازمة, فستبقى إمكاناتنا على مواجهة المستقبل وتحقيق أفق أرحب في رؤية قومية شاملة, إمكانات ضئيلة غير مؤهلة لتغيير الواقع البائس, وهذا الصندوق الذي نؤمل في أن يشمل دعمه الأطراف المعنية وفق أسس وأنظمة ونظرة متطورة ومتفهمة لمعنى العمل الثقافي والإِبداعي واحتياجاتهما, يمكن أن يكون شريكاً في الشركات والصناعات الكبرى, على أن يكون عربي الهوية والهدف والتمويل والتخطيط حتّى لا نكتشف ذات يوم أن المال أو العقل الاستعماري أو حتّى الصهيوني يحكم إنتاجنا الثقافي وصناعاته أو يتحكم بذلك.

105 ـ إن الحلم يراودني بتحرير المؤلف والمبدع, بتحرير القارئ والسوق, وبطباعة مائة ألف نسخة من الكتاب الثقافي العام أو من كتب الأدب والدراسات الإِنسانية وخمسة وعشرين ألف نسخة من الكتب المتخصصة وعشرة آلاف من الكتب العلمية الخالصة والتقنية في طبعة أولى, أتطلع إلى سوق مفتوح ومزدهر, وإلى تلاق خلاق للكتاب والمبدعين والمفكرين يعيد لساحاتنا العربية حيويتها ووحدتها, ويربطها روحياً وعلمياً بالأصالة والعصر الذي يتقدم بسرعة والذي يوجه إلينا إنذاراً حاسماً بإلقائنا خارجه إذا لم نتعلق بقطاره, وتكون لنا عربات في ذلك القطار نعمرها بقوة وتحمل هويتنا وتدل على وجودنا في ركب الحضارة والبشرية المزدهر والمتقدم باستمرار.

إنني أحلم وأرى إمكانات وقدرات لا حصر لـها قادرة على تحقيق ذلك الحلم, ولم أفقد الأمل ولن أفقده فإننا أكبر من الضياع والفناء وهذه أبسط دلائل قراءات التاريخ البعيد والقريب. ونحن أحوج ما نكون إلى الثقة بالنفس, والعمل الآن وبسرعة.

والله ولي التوفيق

¡¡¡



([1]) كانت قد صدرت من قبل ووقعت عليها ـ 14 ـ دولة وصدقتها ست دول فقط.

([2]) انظر شيئاً من ذلك منشوراً في مجلات: الثقافة العربية ـ الناشر العربي ـ الكاتب العربي ـ الآداب ـ المطبوعات الرسمية للألكسو ولاسيما الخطة الشاملة ـ توصيات اليونيسكو حول الكتاب في المنطقة العربية ـ مجلة الموقف الأدبي.. إلخ.

([3]) وقد أجريت سبراً بسيطاً في بعض هذه الإحصائيات فلمست ما أظن أنه خلل فيها. فعدد مؤسسات النشر, كما هو وارد في الاستبيانة الثقافية الملحقة بالخطة الشاملة للثقافة العربية هو /207/ دار للنشر بين عام وخاص, مع الإشارة إلى غياب إحصائيات فلسطين وعدم وجود دور في موريتانيا, وقلة هذه الدور في الإمارات العربية المتحدة من دون ذكر لأي رقم, وإشارة إلى عدم شمول الإحصاء للقطاع الخاص في مصر العربية وإغفال ذكر لبنان مركز النشر الأكبر في الوطن العربي, وقارنت ما هو مذكور في الاستبانة من دور نشر في دول الخليج العربي, [العراق ـ الكويت ـ البحرين ـ قطر ـ عمان ـ الإمارات العربية ـ السعودية] وهو /67/, مع ما ذكر في إحصائية أخرى منشورة لجاسم محمد جرجيس في الناشر العربي فوجدت عدد هذه الدور /295/ داراً, والفرق كبير جداً كما هو واضح, ولا يمكن أن تكون الفوارق ناتجة عن إنشاء دور نشر في الفاصل الزمني القصير بين الإحصائيتين. وفي الاستبانة ذاتها نجد حقل الكتاب يحتوي على معلومات عن دور النشر مختلفة عن تلك الموجودة في الحقل المخصص للنشر من الاستبانة.

     كما أجريت سبراً آخر في سورية, فوجدت أن عدد الكتب لمطبوعة فيها بين عام 1984 ـ 1989 أي في خمسة أعوام هو /7009/ عنوان حسب بيبلوغرافيا مكتبة الأسد الوطنية, ومعلومات قسم التزويد في المكتبة من خلال أرقام الإِيداع. بينما يشير الرقم الوارد في استبانة المنظمة إلى /421/ عنواناً عام 1984 وهذا العام كما أعرف من أعوام الإنتاج المتميزة في مجال النشر, وإذا كان الإمكان اعتبار متوسط الإنتاج السنوي خلال السنوات الخمس بين 1984 ـ 1989 هو /4000/ نسخة فقط قياساً على الاستبانة فإن مجموع إنتاجها يكون /4000/ نسخة. وهناك فرق ظاهر بين الرقم /7009/ و/2000/ من النسخ.

     وأظن أن هذا الخلل ينسحب على إحصائيات اليونيسكو التي تصدرها, لأن مصدر التغذية بالمعلومات واحد وهو جهة من وزارات التربية يزود موظفوها الجهات العربية والدولية بمعلومات وإحصائات غير دقيقة, وهم لا يجتهدون لتمحيصها ويرسلونها كيفما تيسر. ويقتضي هذا إعادة نظر في الاستبانات والإحصاءات, وأخذها من مصادر مختصة وموثوقة في كل قطر, وحبذا لو يتم مسح شامل في القطاعات الإنتاجية والصناعية المهتمة بالثقافة, وإقامة دوائر مختصة بذلك وقادرة على المتابعة إن لم تكن موجودة.

     وعلى ذلك فإن الاستنتاجات أو الاستخلاصات التي تستقى من واقع إحصائيات اليونيسكو, والألكسو عن مدى إسهام الوطن العربي في الإنتاج الثقافي وعن حركة النشر ودوره, ليست بالضرورة دقيقة وصالحة لتبنى عليها برامج عمل وأحكام معينة.

إن نسبة /0.9/ من إنتاج الكتب في العالم تضعها إحصائية اليونيسكو للوطن العربي عام 1978 وهي نسبة متواضعة جداً. وتشير إحصائية أخرى لليونيسكو إلى /3202/ عنواناً كمجموع لإنتاج الدول العربية عام 1988 ـ 1998 /عدا الأردن ولبنان والمغرب, وهو رقم قريب مما أنتجه الكيان الصهيوني وحده حيث قدم في الفترة ذاتها / 2214 عنواناً. وهذان الرقمان أو النسبة والرقم يشيران إلى خلل واضح جداً. ولكنهما في حالة خلل تام, فقد سجل لسورية مثلاً إنتاج سنوي مقداره /119/ عنواناً. وهو إنتاج يشمل بعض جهات القطاع العام فقط, بينما إنتاج القطاع الخاص, وهو غزير, لم يدخل في الإحصاء, حيث تشير أرقام الإِيداع السنوي في مكتبة الأسد الوطنية ما يقرب من /770/ عنواناً خلال الفترة المشار إليها 1988 ـ 1989 ومما يزيد من خلل الإحصائية أن لبنان, وهو من أهم أسواق إنتاج الكتاب العربي بقي خارج نتائج الإحصاء واستنتاجاته.

وبالتالي فإن الإحصاءات التي تبنتها سجلات اليونيسكو وأشير منها إلى الآتي:

نسبته إلى إنتاج العالم

عدد العناوين

السنوات

0.8%

2200

1955

1.1%

3700

1960

0.9%

4000

1965

0.9%

4700

1970

0.9%

5600

1975

0.9%

4900

1978

     إن هذه الإحصائيات غير ثابتة الدلالات وهي تشير إلى عدم تقدم أو ركود تام في إنتاج الكتاب حيث بقيت نسبة إنتاج الوطن العربي من الكتاب إلى الإنتاج العالم 09% تقريباً خلال ربع قرن, وأبقت نسبة إنتاج أوربا إلى إنتاج العالم أكثر من 50% من الإنتاج.

     ولكن الخلل الذي نتحدث عليه لا يعني على الإطلاق أن نسبة ما ينتج يمكن أن تعدل لتصل إلى الحد المقبول أو الحد المتدني, إن إنتاجنا يحمل مدلولات مثيرة جداً. ويسجل تخلفاً عن المشاركة المطلوبة في حركة إنتاج المعرفة والاستفادة منها ومتابعتها وتبادلها. وهذا أمر ينبغي أن ينظر إليه باهتمام شديد في إطار التنمية الثقافية خصوصاً والتنمية الشاملة للوطن العربي على الصعد جميعاً. ومن الموضوعي والعلمي والتقدمي الذي نشده ونتطلع إلى تحقيقه أخذ دور الثقافة بالاعتبار في تحقيق تقدم ملموس, وقفزة نوعية في مجالات التنمية, لأنه لا تنمية إلا بتنمية الوعي المعرفي في مجالات المعرفة جميعاً, وبرصد الإمكانات المالية اللازمة لذلك في الموازنات والخطط وجهود في مجالات العلم والمعرفة أيضاً, وفي إنزال الثقافة منزلتها اللائقة من حياة الإنسان واهتمامه.

([4]) وذلك بإضافة دولة فلسطين التي تهملها إحصائيات عربية وغير عربية, وبمعدل سكاني تقريباً في حدود أربعة ملايين نسمة.

([5])  ونادراً جداً ما يصادر كتاب استكمل إجراءات الرقابة بعد السماح بتداوله, ويبقى النادر استثناء لا يحكم على أساسه.

([6]) اتحاد الكتاب العرب في سورية يقدم هذه الشروط لقاء تنازل لمدة أربع سنوات.

([7]) الدول العربية التي صادقت على الاتفاقية هي: الجمهورية التونسية ـ دولة الإمارات العربية المتحدة ـ الجمهورية العراقية ـ المملكة العربية السعودية ـ دولة الكويت ـ دولة قطر.

([8]) قامت في إيران حركة واسعة لإِعادة سحب عن طريق التصوير لعدد من الكتب باللغة العربية, لا سيما بعض كتب التراث وطرحتها في أسواقها وفي أسواق عربية, ضمن فتوى تجيز نشر المعرفة وعدم احتكارها, وتم ذلك من دون عودة للناشر العربي, ورغم أنه فعل مفيد لنشر العربية إلا أنه مضر بحق الناشر.

 

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |