مشكلات في الثقافة العَربيَّة - د.علي عقلة عرسان - دمشق - 2005

حَركة النشر في سُورية واقع وَآفاق

يعرف المتتبعون جيداً للحركة الثقافية عموماً, والأدبية خصوصاً, أنه قبل إنشاء وزارة الثقافة والإِرشاد القومي عام 1958 في عهد الوحدة مع مصر, لم يكن في سورية قطاع نشر حكومي أو مدعوم من الدولة, يسهم في تذليل صعوبات النشر ويعالج مشكلاته, ويقيل عثرات الكتاب برد الحق والمحافظة عليه, ويقوم بنشر الثقافة الجادة وتقديم الدعم لمجالاتها, ويكون عوناً على إيصال الزاد الثقافي القومي الجيد إلى الجماهير والقيام برسالة أكثر مما يقوم بتجارة في ذلك الإِطار.

ولم يكن هناك منابر ثقافية جادة كافية, لا في الصحافة ولا في المجلات المحدودة العدد, تمكّن الأدباء والكتاب من إحداث حيوية مطلوبة وفعالة في الحياة الثقافية على مستوى الجماهير في ذلك القطر, بله على مستوى الأمة العربية. وعلى الرغم من وجود بعد الأندية والروابط الخاصة, فإن الكتّاب والأدباء كانوا يفتقرون إلى ما يحمي حقوقهم, ويحفظ لـهم مناخ الإِنتاج والإِبداع والنشر بحرية واطمئنان, ولا يجدون دار النشر التي يركنون إليها, والتي تعطيهم حقهم المادي والمعنوي وتصل بهم إلى ما يطمحون إليه من تواصل خلاق مع أوساط الأدباء والمثقفين ومع أوساط القراء على مستوى الوطن العربي.

كانت مجلتنا الآداب والأديب البيروتيتين وبعض المجلات العربية في مصر على رأس الدوريات التي تستقطب فرسان الساحة الأدبية والثقافية في سورية, شأنهم في ذلك شأن معظم الأدباء والكتاب العرب في المشرق خصوصاً, ولم تكن مجلات: النقاد ـ الثقافة ـ الدنيا ـ الرقيب ـ الضاد ـ الصياد.. إلخ تستقطب كتّاب الوطن العربي إلا فيما ندر, وبعضها شد اهتمام كتاب المهجر, لأنها باستثناء النقاد الأسبوعية, لم تكن قادرة على الحلول محل المجلات العربية ولا على مزاحمتها, حتّى بالنسبة إلى بعض الكتاب في سورية. وذلك لا يلغي دورها الإِيجابي الذي قامت به, ولكنه يبين مدى هذا الدور فقط.

ودور النشر الخاصة كانت هي المسيطرة على حركة النشر, وهي التي تتحكم في الاختيار وفي رسم التوجه العام, من خلال الرفض والقبول, وفتح سوق العرض والطلب أو الخضوع لـها, حسب مقياس الربح والرواج من وجهة نظرها هي, وبناء على توجهها وحركة السوق وتعاملها فيها, كانت بعض الأحزاب القادرة تروّج وتنشر وتنظم الحملات الإِعلانية, والإِعلامية, وتصنع الأسماء.

إن هذا الوضع الصعب لم يُخضع إرادة الأدباء وقدراتهم الإِبداعية لشروطه كلياً, ولم يشكل أقلاماً حسب الطلب إلا عند من كان لديهم الاستعداد لذلك, ولكنه كان يفرض عليهم جميعاً المعاناة من فقدان مناخ العطاء المتوازن والحماية اللازمة لحقوقهم, وغياب التواصل الفعال والخلاق مع جماهيرهم العريضة, والمعاناة من خلل في مناخ الحرية بالمعنى الشامل والدقيق للحرية وما ترتبه من مسؤوليات والتزامات في إطار رؤية واضحة. أمّا مردود الثقافة في الجماهير أو عليها فكان ضئيلاً نسبياً, إذا أضفنا إلى الأوضاع السابقة تفاقم مشكلة الأمية في البلاد.

بعد تأسيس وزارة الثقافة والإِرشاد القومي بدأت جهود الدولة في خدمة الثقافة تظهر وتتواصل, وبدأ تأكيد دورها في تكوين الإِنسان وتطوير نظرته إلى الأمور, ومن ثم في تكوين المجتمع والحياة وتطويرهما, بدأ ذلك ينتظم في خطط ونشاطات وبرامج تجد سبيلها إلى التنفيذ, وتنشأ من أجلها المؤسسات والإِدارات اللازمة, وتحكمها الأهداف العامة التي وضعت للعمل الثقافي على الصعد القطرية والقومية, وفي مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية عموماً.

بدأت حركة النشر في سورية تأخذ مكانها في القطاع العام إلى جانب القطاع الخاص بتواضع ملحوظ بعد الوحدة مع مطلع الستينات 1958 ولم يكن هناك, قبل هذا التاريخ, من جهد يبذل بجدية, فيما يمكن النظر إليه كقطاع عام, سوى جهد المجمع العلمي العربي ـ مجمع اللغة العربية بدءاً من عام 1967 ـ في مجال النشر, وهو جهد متخصص ومحصور وضيق الانتشار. والمجمع الذي أسس عام 1921 لم يصدر سوى (9) تسعة عناوين فقط قبل الاستقلال, بلغ عدد صفحاتها جميعاً (1272) صفحة, إضافة إلى (21) عدداً من مجلته مجلة المجمع العلمي العربي, وأصدر (69) تسعة وستين عنواناً بين (1945 ـ 1963) بلغ عدد صفحاتها (24501) صفحة إضافة إلى (19) عدداً من المجلة. أمّا باقي إنتاجه من الكتب وهو (165) عنواناً فأنجز في ظل ثورة آذار أي بعد 1963 كما أنجز في تلك الفترة (22) عدداً من المجلة, وبلغ عدد العناوين التي أنجزها منذ تأسيسه (243) عنواناً تقع في (105306) صفحات و(62) عدداً من المجلة.

أمّا وزارة الثقافة والإِرشاد القومي التي بلغت مطبوعاتها 1215 عنواناً تقريباً منذ تأسيس الوزارة حتّى غاية عام 1987 فقد صدر منها 32 عنواناً قبل عام 1962 و1183 عنواناً بعد ذلك, وكانت حركة النشر في تزايد منذ بدايتها في الوزارة فمن (4) أربعة كتب عام 1960 إلى ما يقرب من مئة كتاب عام 1985 أي قبل بداية أزمة الورق في السنتين الأخيرتين, وإذا أخذنا العدد الإِجمالي للصفحات المنشورة من الكتب والذي بلغ 490758 صفحة منذ تأسيس الوزارة نجد أن 485039 صفحة أنجزت بعد عام 1963 أي بنسبة 98.82%.

أمّا اتحاد الكتاب العرب الذي أنجز 591 عنواناً بلغ مجموع صفحاتها 101976 عدا الدوريات, فإنه أنجز بعد تأسيسه عام 1970 حين كان القطاع العام موجوداً ويباشر دوراً في حركة النشر. واتجه الاتحاد إلى الاهتمام بنشر الأدب العربي المعاصر بأنواعه المختلفة, وفسح مجال النشر واسعاً أمام الكتّاب في أقطار الوطن العربي تحقيقاً لأهدافه وانسجاماً في تكوينه القومي, ويبين الجدول الآتي منشورات الاتحاد حسب السنوات والأنواع "الأجناس" الأدبية منذ تأسيسه عام 1970 حتّى بداية عام 1988([1]).

 

المجموع

دراسة ونقد

أدب أطفال

مسرحية

شعر

رواية

قصة قصيرة

السنة

5

-

-

3

3

-

2

1970

13

2

-

-

3

1

7

1971

16

2

-

1

7

2

4

1972

19

5

-

4

7

-

3

1973

22

5

1

2

5

3

5

1974

17

-

-

-

8

5

4

1975

32

5

-

7

6

6

8

1976

24

5

7

-

5

4

3

1977

53

14

4

3

16

7

9

1978

53

16

5

4

15

2

11

1979

53

11

4

5

15

6

10

1980

52

20

5

4

12

3

8

1981

37

8

6

3

10

4

6

1982

46

16

5

3

12

3

7

1983

39

6

1

3

15

5

9

1984

45

11

4

1

17

5

7

1985

31

5

6

3

9

1

7

1986

34

10

5

2

8

2

7

1987

591

141

55

45

173

60

117

المجموع

وتتوزع نسب المنشورات على الأنواع "الأجناس" الأدبية حسب الآتي:

الشعر 29.27% ـ الدراسة23.85% ـ القصة 19.79%

الرواية 10.15% ـ أدب الأطفال 9.30% ـ المسرحية 7.61%.

ولم تزد نسبة المترجمات بين كل ما نشر في اتحاد الكتاب العرب منذ تأسيسه حتّى اليوم عن 1.69%.

ويمكن استقراء الجداول السابقة للوقوف على نمو أنواع أدبية على حساب أنوع, وظهور أنواع جديدة مواكبة لاهتمامات وتوجهات اجتماعية, ولاستخلاص نتائج في توجهات الإِنتاج والقراءة والنشر ومردود ذلك اجتماعياً وثقافياً, إلا أن مثل هذا الأمر يحتاج إلى إتمام إحصائيات أخرى, وإلى دراسة خاصة.

وإذا أخذنا النسب في إجمالي إنتاج الكتب في القطاع العام([2]) وجدنا أن مجموع ما صدر من عناوين ـ كتب ـ بلغ 2069 عنواناً في القطاع العام منذ الاستقلال حتّى غاية عام 1987 منها 1968 عنواناً صدرت بعد عام 1963 و101 فقط قبل ذلك التاريخ, وهذا يشير إلى أن نسبة 95.11% مما صدر من كتب في القطاع العام في سورية, صدر بعد الثورة, وتفوق النسبة في عدد الصفحات النسبة في عدد العناوين, حيث طبع من الكتب منذ الاستقلال 696768 صفحة تقريباً, أنجز منها قبل عام 1963 ما يقرب من 30900 صفحة والباقي وهو 665868 صفحة أنجز بعد ذلك التاريخ, وهذا يحقق نسبة 95.56% من مجموع عدد الصفحات المنجزة إجمالاً.

ويلاحظ في هذه النتائج والأرقام ما يأتي:

* أن ما يزيد على 98% من كتب مجمع اللغة العربية (المجمع العلمي العربي سابقاً) هي كتب تراثية محققة, ذات مستوى جيد وانتشار ضيق وقيمة علمية عالية.

* إن منشورات اتحاد الكتاب العرب مخصصة للأدب العربي المعاصر ولا تكاد تداخلها المترجمات, وكتب التراث لا تظهر بين منشوراته, وأن نسبة الإنتاج العربي المعاصر إلى المترجمات هي 98.47% من العناوين, وإن باب النشر مفتوح فيه للكتاب العرب جميعاً, ويعنى بتشجيع الكتاب الشباب, ويقدم عوناً لنشر الكتاب الأول.

* إن معظم الإنتاج الذي نشر في سورية تمّ من قبل وزارة الثقافة والإِرشاد القومي, وهي تعنى بنشر كتب متنوعة منها: التراث ـ الأدب العربي المعاصر ـ الدراسات المختلفة ـ الكتب العلمية بنسب قليلة.

وإذا عرفنا أن ما يزيد على 75% من منشورات الوزارة هو من الكتب المترجمة, وأن نصيب كتب التراث العربي من منشوراتها يبلغ 10% فقط, معظمها ملخصة عن أمات كتب التراث المنشورة سابقاً من قبل جهات أخرى, وأن الكتب التي تهتم بالفكر القومي والدراسات العربية الموضوعة في المجالات المعرفية المختلفة وكذلك الكتب العلمية, هي في حكم الغائبة, وإذا دققنا في الكتب المترجمة واتجاهاتها وأنواعها وعن أي اللغات تصدر في معظمها, إذا فعلنا ذلك عرفنا توجه حركة النشر في أهم قطاع من قطاعاته, وتبصرنا فيما نقدم وأي سبيل ننهج, وأي جمهور قراء نريد ونخاطب.

وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام التي سبق وذكرت والتي شملت عناوين وأرقام الإِصدارات الآتية من المجلات الثقافية ـ (أدبية ـ فكرية ـ فنية) المتخصصة, وقفنا على بعض إنجازات القطاع العام في مجال النشر والثقافة الجادة الموجهة للجماهير:

ـ 201 عدداً من مجلة الموقف الأدبي التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب.

ـ 53 عدداً من مجلة الآداب الأجنبية التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب.

ـ 30 عدداً من مجلة التراث العربي التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب.

ـ 305 عدداً من مجلة المعرفة التي تصدرها وزارة الثقافة والإِرشاد القومي.

ـ 32 عدداً من مجلة الحياة السينمائية التي تصدرها وزارة الثقافة والإِرشاد القومي.

ـ 24 عدداً من مجلة الحياة التشكيلية التي تصدرها وزارة الثقافة والإِرشاد القومي.

ـ 30 عدداً من مجلة الحياة المسرحية التي تصدرها وزارة الثقافة والإِرشاد القومي.

ـ 62 مجلداً من مجلة مجمع اللغة العربية التي يصدرها المجمع.

هذا عدا المجلات الجامعية. مثل: دراسات تاريخية وسواها والحوليات والصفحات الثقافية في الصحف الرئيسة والمجلات الأسبوعية الخاصة بالمنظمات الشعبية وبالنقابات المهنية وبالجيش والقوات المسلحة, وجريدة الأسبوع الأدبي التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب.

وقد رافق ذلك التوسع في مجالات النشر التي تبناها القطاع العام اهتمام بحقوق المؤلف المادية والمعنوية وعناية بالتشريعات والنظم التي تعنى بخلق مناخ ملائم للإِبداع, وتحسين شروط الإِنتاج والمناخ الإِبداعي ما أمكن, ليكون المردود أفضل على منزلة الثقافة وفاعليتها الاجتماعية قطرياً وقومياً.

والكم المشار إليه هنا يستدعي من دون شك وجود نوع متميز ويحققه, وقد برزت أعمال لقيت رواجاً محلياً وعربياً, وترجمت أعمال أدبية إلى لغات حية, وتفاعل القراء مع إنتاج أكثر من إنتاج, وهذه مؤشرات وَعي ونضج فيما أقدّر. فقد أصبح هناك إقبال على الدراسات بأنواعها, وعلى أدب المسرح والرواية وأدب الأطفال كتابة وقراءة, واحتلت بعد ذلك أنواع أدبية مثل: القصة القصيرة والشعر موقعاً تالياً في سوق الرواج, مع وجود استثناءات في كل نوع إما بسبب جودة ملحوظة للمادة وإما بسبب انتشار الاسم وشهرته, وإما بالاثنين معاً.

كما سجلت الحركة الأدبية وجود أجناس لم تكن موجودة, وتطور أجناس لم تكن على ما هي عليه من نضج وتطور, حيث لم تكن تحقق سابقاً وجوداً ورواجاً لدى القراء مثلما هو حالها اليوم, وهذا الشأن ينطبق على المسرحية والرواية وأدب الأطفال والدراسة والنقد الأدبي عمقاً وتنوعاً. وكل هذه الأجناس ـ عند التقصي ـ يرتبط الإِقبال عليها تأليفاً وقراءة, وكذلك التقدم في مجالات الإِبداع فيها, بالوعي المعرفي وبالتقدم الحضاري والنضج الاجتماعي.

ويلحظ المتتبع للحركة الثقافية في سورية, بوضوح تام, تنامي النشاط الثقافي الحي مع الجماهير والتواصل اليومي معها, فالمحاضرات والأمسيات والندوات واللقاءات الثقافية والأدبية تتم بشكل منتظم وتحضرها شرائح واسعة من الجماهير في المراكز الثقافية التي بلغت أكثر من ستين مركزاً داخل القطر وأربعة خارجه, وكذلك في فروع اتحاد الكتاب العرب وفي القاعات المخصصة للنشاطات في المنظمات الشعبية والنقابات المهنية وفي فروعها المنتشرة في أرجاء البلاد, وفي مراكز ثقافية أجنبية تعمل في دمشق. ومردود هذه النشاطات إلى الحركة الثقافية ليس قليلاً على الإِطلاق, وإذا أضفنا إلى هذه الفعاليات, تلك التي تحققها الاتفاقيات الثقافية بين الجهات المعنية بذلك في القطر والبلدان العربية والصديقة ولحظنا مردود ذلك وتأثيره, أدركنا مدى التغيير الذي تمّ في الحياة الثقافية عمقاً وتوسعاً, وازدادت الصورة وضوحاً.

على هذه الأرضية العامة الثابتة من الوقائع والمعطيات والإِنجازات, تلك التي ما كان لـها أن تتحقق, لولا الإِيمان الراسخ بمنزلة الثقافة ومكانتها, وتأثيرها وفعاليتها في تكوين الفرد والمجتمع, وفي عمليات تغير البنية الفكرية والخروج من دائرة التخلف والاستلاب, ولولا الدعم المادي والمعنوي لمؤسساتها والعاملين في حقولها, ولولا التفهم ـ ولو في حدود ـ لطبيعة هذا السلاح, سلاح الكلمة, ولكيفية التعامل معه والقتال به, والإِسهام بصنع ازدهاره, على هذه الأرضية ينبغي أن ننظر لنمو الثقافة في سورية في منظور الثورة ومساندتها.

وليس المستغرب أن تكون هذه هي الاقتناعات الراسخة والتوجهات الثابتة والسليمة للثورة في مجال الثقافة ودورها الاجتماعي والقومي والحضاري, بل المستغرب أن تشوب الممارسات التطبيقية شوائب في بعض المراحل تؤثر تأثيراً سلبياً في نمو الثقافة وتأثيرها, وفي نظرة المسؤولين لـها, ونظرة بعض فرسانها لمآلها وبؤس حالها.

فالثورة التي قامت أصلاً على أسس من الوعي والمعرفة وانطلاقة التعليم, وأشعات فكرها وصنعت رؤاها, وكونت نهجها القومي الوحدوي بهدي من نور الثقافة, وانتشرت مبادئها بجهود مخلصة لعناصر مناضلة عاملة في حقول التربية والتعليم, في الجامعات ومجالات العمل الثقافي, مؤمنة بدور الوعي المعرفي في قيام الثورة العربية واستمرارها وتحقيق أهدافها, وفي مقدمتها التحرير والحرية والوحدة نظرت الثورة إلى أن "الأمة العربية وحدة ثقافية" وهذا فهم دقيق وشامل لشخصية الأمة وعوامل نهوضها وتوحيدها, ولمقومات شخصيتها النضالية وتوجهات صراعها مع أعدائها ومع أنواع الغزو الثقافي وأشكاله التي ما فتئت تتعاور ساحتها. وربط الثورة, وتوجه المناضلين الثوريين العرب في سورية وسواها, إلى الربط بين الثقافة والحرية, وهو ربط ضروري وسليم وينبغي لـه أن يستمر سليماً في التنظير والتطبيق, لأن العمل الثقافي من دون حرية, عمل عقيم, ولأن الحرية من دون رؤية واعية تقيمها وتؤسس لـها ثقافة ناضجة, هي نوع من الفوضى وأسلوب في التخبط, وربما وسيلة هدر متميزة للطاقات والإِمكانيات في غير ما يبني ويمتع ويسعد ويحقق للأمة أهدافاً وللأفراد حياة آمنة وسعيدة.

وقد ربطت الثورة بين الثقافة والحرية والتقدم من جهة, وبين قابلية الانبعاث والنهوض القومي وإمكانيته من جهة أخرى, وأسس على ذلك وبوحي منه مشروعية الحلم الوحدوي والنهضوي العربي, وإمكانية تحققه, تلك المرتبطة بنمو الحرية ـ الفردية والجمعية ـ على أساس من نمو الوعي وإدراك الضرورات التي يفرضها العصر الحاضر, وعلى أساس أيضاً من تنامي الوعي والإِدراك بتنامي الحرية والمسؤولية معاً, واتساع أفقهما, وتجدد طاقاتهما الإِبداعية على الصعد والمستويات جميعاً. وبانسجام ذلك وارتباطه بالمصلحة القومية وبالرؤية الشمولية للجزء في إطار الكل, الأمر الذي لا تقيمه ولا تحققه إلا ثقافة عربية ملتزمة بالوطن والأمة, وبالجغرافيا وبالتاريخ, بعيداً عن الإِقليميات والقطريات والطائفيات والقبليات بل بمواجهة ذلك كله وعلى حساب تعصبه وربما وجوده ذاته.

وتأسيساً على أهمية الثقافة ومنزلتها في النضال الثوري والوحدوي العربيين, وعلى مكانة الحرية ومنازلتها من الأهداف الثورية والعمل الجماهيري الوحدوي التحرري العربي, وعلى علاقة الثقافة بكل من الحرية والثورة, وبحثاً عن عوامل الإِيجاب والسلب فيما حققه ذلك الإِنتاج من نجاحات وتراجعات في المجال الثقافي خلال المدة الماضية, واقتناعاً بأن حال الثقافة لم تعد حال تواصل ازدهار بالمعنى الذي يحقق للثورة مناخ نمو واستمرار, وللأهداف الثورية العربية تجسداً واستقراراً في أرض الواقع وفي وجدان الأجيال, وتطلعاً إلى البحث عن عوامل الخلل وأساليب مواجهته, بل قل معالجته ـ والساحات العربية تتشابه في هذا أو تتقارب ـ أريد أن أدخل إلى موضوع هام بطرح الأسئلة التالية بغية التحريض على تلمس الأجوبة عنها وطلب ذلك: ما هو جوهر العلاقة التي يشير إليها هذا الإِنتاج والإِنجاز بين الأدباء والكتاب وبين القيادة السياسية؟! وهل هي ذات مضمون سلطوي المآل والمثال؟! وما هي العلاقة بين الأدب والسياسة كما يراها الطرفان, هل هي علاقة تبعية أم علاقة جدلية بناءة, أم هي نوع من حوار الكمائن, وألغاز الغرماء, أم تسير على نهج الاحتواء ومحاولات الانفلات من الاحتواء؟! وهل هناك اختلاف جوهري نظرياً وعملياً؟! ما هو المناخ الذي توافر للأدب فنما وازدهر, أو ضمر وتراجع, وعلام يقوم, وكيف يمكن أن يستمر إيجابياً ويستعاد ازدهاره؟! وكيف نعالج أمراض ذلك المناخ ونتلافى أضراره ومخاطره على دور الثقافة وفعاليتها في تحقيق التنمية والتحرير والحلم القومي الوحدوي النهضوي العربي الجريح؟ وكيف نتجنب تأثير ذلك على منزلة الكلمة والإِبداع في خلق الوعي وتحرير الإِرادة, وإطلاق العقل والخيال والساعد, في مجالات الأمل والعمل, قطرياً وقومياً؟!

ويأتي على رأس ما نواجهه من قضايا تثير أسئلة وتحرض على تلمس أجوبة والتماسها في مظانها حرية التعبير ـ الالتزام ومناخ التفاعل والتواصل بين الثقافة والسياسة, الثقافي والسياسي من جهة, وبين الثقافة والجماهير من جهة أخرى. ومن البديهي أن ما يعني الثقافة ينصرف إلى منتجيها من الكتاب والأدباء والمفكرين ولا سيما المبدعين منهم.

من المعروف أن حرية التعبير هي الشرط الأول لانطلاقة الثقافة ونمو الوعي, والازدهار الأدب والفن والفكر. وكما أن الحرية هي أساس حياة الفرد وانطلاقته الخلاقة, وأهم عوامل تقدمه وشعوره بالكرامة وبمعنى الحياة وقيمتها وجدواها, وهي كذلك بالنسبة إلى المجتمعات والأمم, فإن حرية التعبير هي الركيزة التي يستند إليها الإِبداع وينبثق منها.

وحرية التعبير عند الكاتب لا تنفصل عن الحقوق والحريات العامة الأخرى التي للإِنسان وللمواطن. وذلك لأن أهداف التعبير هي نقل الرأي والخبرة والتحريض بهدف التنوير والتحرير وإحداث التغيير في الاقتناعات, ومن أهدافه التفاعل مع العقل والوجدان, والتكاثف أو التركيز في القيم والمعايير لإِحداث تغير غير عضوي فيها, يؤدي ـ بعدوى الفكر والرأي والأحاسيس ـ إلى تحقيق نقلة نوعية, ينتج عنها تحرير مرحلي للإِرادة, وإغناء للمعرفة, وإدراك لنهج أكثر تقدماً في الحياة والتعامل والإِنتاج, وتغيير في البنى والعلاقات والقيم المختلفة. وإذا كانت غاية الكتابة حرية القارئ وتكوين وعيه وإمتاعه, فإن الكاتب الحر, أو ذا الغرض في قضية الحرية, لا يجد ذاته وتأثيره, ولا يستكمل شرطه الإِنساني والإِبداعي, إذا كان القارئ عبداً. وفي معنى العبودية تأتي الأمية لأنها استعباد الجهل للإِنسان, ويأتي الخوف لأنه يزيغ البصر والبصيرة عن حقائق القصد والرؤية, ويلجم التفاعل الخلاق مع الرأي الآخر ويلغيه, ويأتي الإِلغاء بالهيمنة, ويأتي الاستلاب المسيطر على الملكات والفعاليات بالسيطرة على الحاجات والمصائر والإرادات, وتأتي التبعية بكل أنواعها وأشكالا ومسبباتها.

ولأن إحدى غايات الثقافة التحرير والتنوير, التحريض على التثوير والتغيير بسلاح الوعي والإِرادة الحرة والمعرفة العلمية, فلا يمكن للكاتب, كما أنه لا يريد, أن يلغي القارئ من حساباته, ذلك لأن غايته هي الوصول إلى بناء الوعي الإِنساني بالحرية والمعرفة وعلى أساس متين منهما, وبناء الحرية واستمرار تجددها وفاعليتها على أساس متين من الوعي المعرفي.

وبمقدار ما يحترم الكاتب حرية الآخر وعقله ومشاعره, ويشركه في تحمل المسؤولية, ويقدم إليه إبداعاً أصيلاً ناضجاً متصلاً بالواقع وشامخاً, منه وبه, نحو رؤية في الحياة, ورامياً إلى استبدال واقع أفضل مأمول ومرتاد به, ترسم ملامحه التطلعات الإِيجابية المشروعة على أساس من القيم الإِنسانية, بمقدار ما يؤثر الأدب في الحياة والناس, ويتصل بواقعهم, ويكون فعالاً وبناء في المجتمع والحضارة.

وحرية الكاتب خصوصاً, وحرية الإِنسان عموماً, ليست كلمة, وليست نصاً مجرداً, وليست حرية كلام فقد يذهب كرغوة الصابون, وإنما هي حرية روح وفكر وإرادة وفعل سجلت في نصوص وعبر عنها بالكلام, وهي أيضاً حرية مناخ, أو هي مناخ يوفر الحرية ويحفظ شروطها ومقوماتها ويضمن لممارسيها حقوق العيش الكريم والتصرف الحر, إنها تتصل لدى الكاتب بالاطمئنان والاستقرار النفسي والاجتماعي, وترتبط بضمان حد أدنى من مستوى المعيشة, ومن الضمان الصحي والاجتماعي, إنها تتصل بتوفير شروط إنسانية للعيش والعمل والإِنتاج والتفكير والتعبير, لا يشعر معها المبدع خاصة, ومتلقي الإِبداع والبشر عامة, بأن الواحد منهم مهدد بالحرمان ـ أي نوع وأي شكل من أنواع الحرمان وأشكاله ـ إذا مارس حريته بمسؤولية وصدق انتماء وسلامة نية وقصد وطوية, واستخدم قدراته وطاقاته بوعي لذاته وحقوقه وواجباته, أو إذا خرج عن حدود الطريق المرسومة للتفكير والتدبير, مع التساؤل المرير هنا: هل تبقى مع وجود طريق مرسومة للتفكير حرية تعبير وتفكير, أو حرية أصلاً؟!؟

ولأن الكاتب ـ بحكم تكوينه وانتمائه ورسالته وسلاحه ودوره ـ طليعة, أو ينبغي أن يكون طليعة لمجتمعه وفي أمته, ولأن عمله متصل بمصادمة الخطأ والخلل والفساد, وبالكشف عن معوقات التقدم في أعماق الذات وآفاق الحياة, وفي خفايا الواقع وظواهره, ومتصل أيضاً بالريادة وهي مطلوبة منه, ومأمول منه اكتشاف آفاق الإِرادة الواعية في ممارسة الحرية المسؤولة, وإدراك سلبيات غياب ذلك وإيجابيات حضوره, ومسؤول عن بقاء ذلك المجال مفتوحاً, ومندوب أيضاً إلى إضفاء السعادة على الحياة والمتعة فيها, واكتشاف منابعها ومآتيها, وإلى استثمار معطيات العمر والواقع بتفاؤل وإشاعة ذلك في الوجود, لأنه كذلك أو ينبغي أن يكون كذلك, فإن عليه واجباً أكبر, ويرتب هذا عليه مسؤوليات وتبعات, كما يرتب لـه حقوقاً, يأتي على رأسها ارتياد طريق الحرية بحرية.

والحرية قد يُنَصُّ على مبدأ ضمانها في الدساتير والقوانين, وتأتي الممارسات مغايرة للبيانات. وكم نلمس من سم في الدسم, ومن جراح في أثواب حرير تُجرّ على الشوك عبر وسائل النشر والاتصال الحديثة, وبجهود عقول وضمائر أفسدتها شهوة التسلط والرغبة في احتواء الغير, أو إفساد أحلامهم وأرواحهم وضمائرهم ورؤاهم ليكونوا أزلاماً وتبعاً, أو خلقاً غير مؤهلين لتبوّؤ مكانة وقيادة وتحمل مسؤولية. وأصبح هذا الرصيد من المعلومات والوقائع والمعطيات يضغط أنفاسنا ويثقل كواهلنا, ويشدنا إلى مرارة تنبت في كل أرض تدوسها أقدامنا وتلوذ بها أحلامنا. وأياً ما كان الأمر والثمن فلا بد من الحرية, لأنه لا بد من الثقافة والمعرفة والوعي ولا بد من التقدم, لا بد من التحرر بالوعي العلمي والقومي والوحدة, أي لا بد من الحرية.

فما هي حدود فهم الحرية عامة, وحرية التعبير خاصة في مفهوم الثورة وأدبياتها؟ لقد رفعت الثورة باحترام النص الآتي شعاراً "حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأي سلطة أن تنتقصها" ولا أزعم هنا أن هذا النص فيه تدقيق كبير لأمور تتعلق بحرية التعبير, بتنوع مظاهرها ووسائلها وأشكالها وأساليبها, ولكنه لامس القصد العميق من دون نص دقيق, وأثبت روح التمسك بالحرية وقيمتها ومنزلتها, فنص على أنها "مقدسة". وعندما وضع الدستور الدائم في سورية جاء النص مستوحى من ترسّخ الفكرة والقيمة والمكانة والمنزلة بشأن الحرية. ففي الفقرة 4 من المقدمة نُصَّ على ما يلي:

"الحرية حق مقدس والديمقراطية الشعبية هي الصيغة المثالية التي تكفل للمواطن ممارسة حريته التي تجعل منه إنساناً كريماً, قادراً على العطاء والبناء, قادراً على الدفاع عن الوطن الذي يعيش فيه, قادراً على التضحية في سبيل الأمة التي ينتمي إليها, وحرية المواطن لا يصونها إلا المواطنون الأحرار, ولا تكتمل حرية المواطن إلا بتحرره الاقتصادي والاجتماعي".

وهذا هو النص جلاء لأبعاد الحرية ومفهومها, وللآفاق التي يتطلع المشرع إلى بلوغها. وتثبت المادة 25/1 هذا الحق بوضوح حيث نصت على أن "الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم". وأكدت المادة 38 من الدستور حرية التعبير "لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية وبالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى, وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي, وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون".

إنها روح الشعار الذي رفعته الثورة بشأن الحرية ومنزلة الثقافة, تجسدت هنا في نصوص قانونية دقيقة. وتوالت التأكيدات على ذلك في نصوص واضحة تواترت في مراحل حساسة من تاريخ الثورة والتحرك النضالي الجماهيري في الاتجاه القومي التحرري, وسأذكر بعض النصوص بإيجاز اختصاراً لمراحل:

ـ "لما كان الإنسان غاية كل حركة ثورية أصيلة, وأغلى ما يمتلكه حريته وكرامته, لذلك فإننا سنبذل كل جهد لصيانة حرية المواطنين وكراماتهم"([3]) ـ "سنعمل على أن نوفر للكُتّاب المناخ الحر الملائم كي يمارسوا الكتابة والتأليف مطمئنين إلى حاضرهم ومستقبلهم, ولا رقابة عليهم سوى رقابة الضمير وما يفرضه الالتزام بمبادئ أمتنا وقضاياها الكبرى. ونعتقد أن التزام الكاتب الطليعي إنما ينبثق من إيمانه بأن مصلحته الحقيقية وحريته مرتبطتان بتأدية رسالته الفكرية وإيمانه بأنهما جزء من مصلحة الوطن وحريته والمواطن وحريته. كما نعتقد بأن الكاتب والأديب يفرض نفسه ودوره في المجتمع بالإِنتاج وبالالتزام بقضايا الشعب وإقامة أوسع اتصال مع الجماهير".

وفي هذه النصوص نجد:

* إيماناً بحرية التعبير, وبالدور الذي تلعبه في الحياة والتقدم, وفي تكوين الإنسان الذي يصنع هذا كله.

* ثقة مطلقة بالضمير الحي للأديب والمفكر, وحرصاً على مناخ الحرية الضروري للإِبداع وأهله ولمناخ التواصل الخلاق في مجالاته.

* ربطاً سليماً للحرية بالمسؤولية في إطار التزام بمبادئ الأمة وقضاياها الكبرى. وأي معنى للحرية من دون قيم ومبادئ, وخارج حدود مصلحة الإِنسان ومصلحة الوطن والشعب؟! وأي نضال وتجسُّد للحرية في الكلمة, خارج حدود الشرط الإنساني والواقع والمصير الإنسانيين, وبعيداً عن الالتزام المسؤول بالجماعة ومصيره وقضاياها, وبشروط العيش معها وفيها, وبصورة تحفظ الذات وتحفظ الآخر, وتحافظ على المناخ الملائم للحوار والحياة والتقدم؟!!

* ونجد أيضاً ربطاً لجودة الإبداع بانتماء الإِنتاج إلى الواقع المعيش وبصدوره عنه, وربطاً للجماهيرية بالمصداقية الواقعية ـ الفنية أعني ـ أو إشارة إلى المصداقية تستمد من الواقعية. وربطاً للانتشار الجماهيري والمصداقية الضروريتين للأدب والجيد والمؤثر, بالواقعية. وهنا أفهم الواقعية على أنها "انبثاق من الواقع والوقائع والمعطيات الفردية والجمعية, التاريخية والشعبية, لجماعة أو أمة في بيئة محددة, وفي زمن لـه نكهته في عصره وقضاياه ومعاناة أناسه, وتطلع للأفضل والمثال في العلاقات والعمل والخلق والحياة, من خلال رفع القيم والمثل لتحقيق الأهداف الإِنسانية الممكنة".

* تأصيلاً للأدب في تربة حضارة وأمة وعصر, أو الدعوة إلى ذلك, من أجل اكتساب الانتماء المحيي, وحمل الهوية والخصوصية. والهوية هنا محددة بالعرب: أمة ووطناً وقضايا وثقافة وتاريخاً نضالياً, وبمقومات الجغرافيا ـ لا سيما البشرية منها ـ ومعطياتها.

وفي تأكيد قيمة الحرية ومفهومها وآفاقها هذه, وربطها بالمسؤولية في إطار الالتزام بالجماهير وقضاياها, وبمبادئ الأمة وأهدافها, وبمصلحة الوطن, وبالواقع المعيشي والنضالي للناس.. في ذلك كله لم تُغفل ضرورة توفير المناخ بمواصفاته وشروطه العامة ومقوماته. والمناخ يتصل, كما سبق وأشرت, بالأمن والاستقرار, وبالضمان الاجتماعي, وبانتفاء الجوع والخوف, وبشروط استخدام حامل سلاح الكلمة لسلاحه في معركة المصير, والتواصل الفعال والخلاق مع الناس في واقع الحياة ومواقع العمل, وتجدد أفق المبدع ومعارفه, وبالوضوح والصراحة معه في كل شيء, لتكون الطريق أمامه واضحة. فيرى ويقوّم من موقع المالك لمعلومات ومعطيات سليمة يستند إليها التقويم.

وقد تجلى مثل هذا التوجه, وتم إدراك ضروراته في مراحل من تواصل الثورة والثقافة, والكتّاب والساسة, والأدبي والسياسي, تضمنه نص يقول: "إذا كانت قد مرت أوقات أحس خلالها كتاب قطرنا بالضياع, ونزع بعضهم إلى السلبية بسبب ضياع الحقيقة, وبسبب الحواجز التي كانت تفصل بين القطاعات والمؤسسات المختلفة في هذا القطر, فقد عملنا الآن وسنعمل على هدم كل هذه الحواجز, وإزالة كل ما يمكن أن يضعف دور الكاتب والأديب ودور أي مواطن في المجتمع عامة وفي معركة المصير خاصة, واستكمالاً لذلك فقد اتخذنا وسنتخذ كل الإِجراءات الممكنة التي تيسر لرجال الفكر في هذا البلد أن يضعوا طاقاتهم فيما يخدم مصلحة الأمة العربية...".

إذن فقد كانت الرؤية واضحة, والوسائل محددة, والأهداف بيّنة, الاستعداد قائم لتقديم كل ما يساعد الأدب والأدباء, والفكر والمفكرين, الكتابة والكتاب, الدورية الثقافية والكتاب, على ممارسة دور إيجابي بناء في الحياة, بانتماء واضح إلى هوية ثقافية ومصلحة قومية, وإلى أهداف نضال جماهيري رائده التحرير والحرية والوحدة والتقديم.

ويطرح السؤال التالي نفسه على ساحة الوعي: هل هناك أي إلزام لأي كاتب أو مبدع في هذا غير إلزام الضمير والوجدان الجمعي لصاحبه؟! إنني لا أرى إلزاماً, وإنما أرى اجتهاداً على طريق الوضوح والحقيقة والرؤية القومية النضالية من أجل تحقيق مستقبل أليق بالإنسان العربي وأمته, تلك التي كانت وما زالت إنسانية النزوع تاريخياً, وبناءة مؤثلة البناء في تاريخ الحضارة الإنسانية, ولم تعرف تعصباً مريضاً من أي نوع مثلما عرفته أمم أخرى ومارسته,. فكلف ذلك البشرية ملايين الضحايا وما لا يحصى من التضحيات. فأي ضير وأي ضرر في أن نكون أنفسنا, وأن نكون رواداً لشعبنا في انطلاقة إنسانية قوامها الحق والعدل, على أساس من حرية مسؤولة عن المصير الإنساني, بدءاً من الأهل والوطن, وانتهاء بالبشرية من كوكبنا؟!! أي ضرر في أن تكون عملية التلاقي النضالي الموضوعي سليمة وصحيحة في إطار مصلحة الفرد والوطن والأمة, وعلى أساس من احترام الحقوق والواجبات والحريات والآخر, ومناخ الحوار البناء, بين الأدب والسياسة, الأديب والسياسي, والثقافي والسياسي, في حياتنا العربية؟! ولماذا يراد لـهذه العلاقة أن تكون مريضة, محكومة إما بالتبعية والإلحاق, وإما بالمسخ والتشويه والمحاق؟! ولماذا يُراد ألا تكون نصوص التوجه والعلاقة سليمة, والممارسات الناتجة عنها أو المحققة لـها مغشوشة أو محكومة بالضدية والضلال.

إن الأديب ليس تابعاً ولا بواقاً, بل هو صاحب موقف مستقل, وحامل سلاح عريق في الأصالة والحرية والنضال, بل كان سلاحه هو السلاح المحرّر والمفجّر لطاقات العطاء الخلاق و الانعتاق, بيد من يحسن استخدامه, وهو ذو رؤية ينضجها ويقدمها في إطار من صنعة الكلام.

والقيادات السياسية الواعية, لا تريد ولا ينبغي لـها أن تريد, لا تبعاً ولا بواقين, لأن مصلحة الوطن والأمة أولاً, ومصلحة الثورة والدولة ثانياً, والمصلحة الشخصية لتلك القيادات ثالثاً, تكمن في أن يكون هناك ثقافة وأدب واعيان لرسالتهما, وفي أن يكون هناك دور ومنزلة وتأثير للثقافة والأدب في جبهات المواجهة الداخلية والخارجية وفي ميادين البناء والتحرير, من أجل صنع الوعي والازدهار, ولمواجهة أنواع الغزو الثقافي وأشكاله. وهذا لا يتحقق إلا بوجود أحرار يعون رسالتهم ويدركون أهمية دورهم, ويمارسون حقوقهم وواجباتهم بمسؤولية ووعي, يدافعون عن الكيان العام للفرد والوطن والأمة, عن القيم والمعايير السليمة, وعن الشخصية الثقافية ودورها, ويُغنون الوجدان القومي, ويشيدون مجد الحرية والديمقراطية, بمزيد من الحرية والديمقراطية. والحرية والتعبير لا يصنعهما إلا الأحرار الذين يدركون جيداً ما لـهم وما عليهم حيال الوطن والتاريخ والآخر.

والقيادة السياسية الواعية, لا تريد, ولا ينبغي لـها أن تريد, الأدب تابعاً والمثقف متزلفاً إمَّعَة يتشكل حسب الطلب والمقياس, لأنه لا ينبغي لـها أن تفقد جزءاً من مقومات بصيرتها, ولا أن تلغي النواقيس التي تنذرها بالخطر, ولا تريد أن تتعامى عن الخطأ وتتغافل عن الإِساءة والمسيء, حتّى لا تفرّخ الإِساءة فساداً والتجاوز للقوانين والمصالح العامة والقيم السليمة إفساداً. ولكن من حقها في الوقت ذاته وبدافع من المسؤولية والحرص على تأدية الأمانة القومية والتاريخية حيال الأمة والجماهير, من حقها أن ترفض وجود ألغام وقنابل موقوتة وسموماً تبث لصالح أعداء الوطن والجماهير والأمة, أعداء التقدم والوحدة العربية, والاستقرار والاطمئنان التنمية الاجتماعية والاقتصادية, وأعداء حركة التحرر والتحرير العربية, من حقها أن ترفض وجود ألغام مبثوثة في حقول الثقافة والأدب.

والقيادات السياسية الواعية, شأنها في ذلك شأن المثقفين المخلصين لأمتهم ورسالتهم, لا تريد ولا يريدون, أن تكون الثقافة تابعة لثقافات أخرى, أو واقعة تحت تأثيرات وتيارات مشبوهة أو مريضة, أو مستمدة لنسغها من تربة غير تربة الأمة الثقافية, وواقع الشعب ومعاناته وأحلامه وتطلعاته. على أن هذا لا يعني قبول دعوات التقوقع, ورفض التلاقح والتفاعل والتواصل الخلاق والبناء بين الثقافات والآداب.

وأمر الاستقلالية والحرية وأصالة الانتماء وسلامة التوجه والأداء, أمور تعني كل المخلصين للحقيقة والشعب والثقافة, تعني المناضلين في سبيل التقدم والحرية والوحدة العربية, تعني الساسة كما تعني الأدباء والكتاب, وتتصل بالثقافي كما تتصل بالسياسي. وعلى هذا فلا يوجد تنازع بين السياسي والأديب ـ [الكاتب ـ المفكر ـ المثقف] ـ إلا في إطار تقديم خدمة أفضل للثقافة والوطن والأمة, للحق والحرية والإِنسان. والسياسي المخلص لذاته ولمرحلته ووطنه, يرغب في أن يهدي المرء ـ ولا سيما الكاتب ـ إليه عيوب عهد ومرحلة ليتجاوزها, لأن في ذلك خدمة للقيم وللسلامة العامة, روحياً واجتماعياً, وخدمة للسياسي ذاته في مرحلته وعهده, وقيام من الأديب المثقف, بواجبهما بإخلاص واستقلالية وجرأة.

وإذاً فلماذا ينبغي ـ كما يرى بعض الكتاب وبعض الفئات والساسة ـ أن يكون الأدب والثقافة في خندق المواجهة المطلقة والمستمرة مع السياسة, وإذا لم يكن ذلك كذلك فهي التبعية أو الذيلية أو ما شابه ذلك؟! لماذا ينبغي أن تكون الكلمة ضد السلطة, والسلطة ضد الكلمة دون قيد أو شرط, وإلا أصبحت الكلمة سلطوية وشرطية ورجل أمن متخفياً في أثواب من حروف, وفقد السياسي سلطاته إذا لم يلمها في كيس.

إن الكلمة ضد الخطأ والفساد والخيانة والتآمر وضيق الأفق, ضد تبعية القرار السياسي للغير وضد الاستكانة والقمع, ضد ممارسات مغلوطة وسياسات لا تخدم مصلحة الوطن والشعب وقضايا النضال الجماهيري من أجل التحرر والتحرير والتقدم, من أجل عيش أفضل وازدهار أشمل, هي ضد سياسات لا تصب في الأهداف والمبادئ السامية للأمة, ولا تعترف بالأخلاق والقيم, ولا تحترم حقوق الإِنسان وحرياته, والمواطنية والكرامة, وليست على الإِطلاق ـ ولا ينبغي لـها أن تكون ـ ضد السلطة بصورة عشوائية فوضوية مطلقة, أخطأت السلطة أم أصابت, لمجرد أنها سلطة, ولا أن تكون ضد المسؤول لكونه مسؤولاً. إن معنى هذا أن يكون الأدب والفكر والضمير الريادي للشعب, وكذلك الكلمة الهادية والمنقذة, ضد مبدأ قيام السلطة, وضد كل ما يحفظ للاجتماع البشري المديني والحضاري أمناً أو نظاماً أو تقدماً واستقراراً. وهذا ضد مصلحة الإنسان وضد الحضارة والثقافة ـ في هذا العصر وفي هذه المنطقة من العالم على الأقل ـ لأننا نريد المدنية السليمة التي تقتضي التجمع وقيام المجتمع على أصول, وتريد الاستقرار والأمن, ونريد التقدم العلمي والتقني والحضاري, ونريد ذلك كله من أجل الإنسان, ومن أجل حياة تزدهر فيها الحرية وتُحمى فيها الحقوق وتمنع أشكال الاضطهاد والاستغلال والاستلاب, وتريد الدولة القوية المحكومة بالقوانين وبرأي الشعب وبتأثير الرأي والفكر السليمين وبالوعي المعرفي العميق, نريدها لتكون في خدمتنا, لا لتحولنا إلى عبيد أو أرقام, أو كتل هلامية بلا أرواح أو ملامح. والدولة في نهاية المطاف, ديمقراطياً, هي سلطة الشعب, وليست كما فهمها وقال عنها لويس الرابع عشر "أنا" ملكية. وعندما تكون كذلك أو تتحول إلى ذلك, تشهر الكلمة قوتها لإعادة الأمور إلى نصابها, بتوجهها إلى الشعب والعقل والوجدان والرأي العام, بالمنطق والحجة وكل قوى التأثير والتثوير. وعلى هذا فإنني أرى أن الالتزام بمعناه الأصيل, النابع من حرية والقائم على اختيار, والمتصل بمصلحة الإِنسان وبحقوقه وحرياته, وبمصلحة الوطن والأمة, وبنضالها وواقعها, يرتب تضافراً بين جهد السياسي ـ الذي يعرف دوره وحدوده ويحترم سلطة الشعب في يده وتكليف الشعب لـه ـ وجهد الأديب [الكاتب ـ المفكر ـ المثقف] ما دام الاثنان في خدمة الشعب والحقيقة والإِنسان, وما دام كل منهما يؤدي دوره بإخلاص لمبادئ أسمى, وأهداف أكبر من النزوع الشخصي لميل ومطمع وهوى. وأرى أن ذلك الالتزام ذاته يؤدي ـ أو ينبغي أن يؤدي ـ إلى تنافر ومواجهة, إذا كان أداء أحدهما ضاراً بمصالح الجماهير وقضاياها ونضالها, وحريات أفرادها وحقوقهم المقدسة في الحياة والعمل والتفكير والتعبير. والتنافر في هذا المجال هو حوار, إذا حكمته المصلحة العامة بحكمة, فهو البناء بوعي وإخلاص للإِنسان والوطن ومقومات الحياة والحضارة, وإذا لم تحكمه معايير فهو الفوضى والابتلاء, ومردوده السيئ يكون على الوطن والشعب والسياسة والثقافة, حيث يخسر كل منهم ما كان ينبغي أن يخدمه ويبنيه ويقويه, من جهد وعطاء ورؤية. وكل توجه لادعاء الوصاية في هذا المجال يؤسس للداء والابتلاء. فبأي حق ولأي سبب تكون تلك الوصاية والفوقية, وفرض القطعانية على الآخرين؟ وبأي حق من جهة أخرى, يدعي شخص أو فئة بأنه الضمير المطلق ومحتكر المعرفة والحكمة والحقيقة, والمعبر الذي لا معبر سواه عن الوجدان؟! إن ما يقدم من رأي وعمل وسلوك نافع, هو الذي يعلي ما فيه خير الإِنسان وخير الوطن والأمة والحياة, وكل فرد يمكن أن ينزلق إلى الخطأ, والعصمة من الزلل والخطل مفقودة.

ولذا فإنني لا أرى في الكلمة التي تشيد بعطاء بناء مخلص, وبنضال شريف والتزام مسؤول, وحرص على مصلحة الأمة والوطن والإنسان, وعلى منزلة الثقافة والأدب وفعاليتهما في الحياة أي مطعن أو تبعية, بل أراها تحمل جرأة الحق, وتصدع به لتعلي شأن قيمة ومثال. والعكس صحيح تماماً, عندما تتخذ الكلمة موقفاً في مواجهة الممارسات المغلوطة والسياسات التي لا تستلهم مصالح الأمة وتاريخها, ولا تقدس الحريات العامة ولا تحترم الديمقراطية الشعبية, أو تلك التي تسكت عن الحق, وتداجي الطغاة. وفي إطار علاقة موضوعية سليمة, تنمو الحركة الأدبية وتزدهر الثقافة, ويتم نمو سليم للعلاقات والمصالح, وتترسخ قيم ومعايير يكون مردودها إيجابياً وبناء على العباد والبلاد.

وفي سوريا, تمّ ازدهار ملحوظ للحركة الثقافية عموماً, ولحركة النشر على وجه الخصوص, ولم تكن غاية السياسة أن تكون الكلمة تابعاً ذلولاً أو بوقاً عليلاً, بل أرادت وتريد لـها أن تكون حرباً على الذل والتخلف والفساد, وأن تلتزم بأهداف النضال القومي التحرري الوحدوي التقدمي, وينصرف الرأي إلى الاعتقاد "بأن التزام الكاتب الطليعي إنما ينبثق من إيمانه بأن مصلحته الحقيقية وحريته الحقيقية مرتبطتان بتأدية رسالته الفكرية وإيمانه بأنهما جزء من مصلحة الوطن وحريته"(3) ولكن هل كانت العلاقة في مراحلها جميعاً سليمة وبناءة على الصعد كلها؟! هل جسدت الممارسات التوجهات التي تضمنتها النصوص النظرية, هل سلم توجه الكتابة من مراهقات سياسية وفكرية وأيديولوجية؟! وهل سلم الأدب وسلمت الثقافة من انعكاسات تلك الممارسات والمراهقات والتشنجات عليها سلبياً؟! إن قراءة متأنية وأمينة وواعية لتاريخ تلك العلاقة تشير إلى ظهور العلل وإلى بروز ضعف وتَرَدٍّ في تلك العلاقة, كما تشير إلى تأثير ألوان من الغزو الثقافي في بعض التوجهات الفكرية والأدبية, وإلى تسخير نسبي لبعض الكتابات لتوجهات إعلامية مغرضة أو دعاوية سقيمة, وتشير أيضاً إلى محاولات تحزبية وتآمرية لاستخدام الكلمة استخداماً غير موضوعي في حدود. ولكن الجسم العام للثقافة والسياسة, وللعلاقة بينهما, بقي سليماً نسبياً, وانعكس ذلك إيجابياً على منزلة الثقافة وإنجازاتها, وعلى الأدب والكتاب بوجه خاص.

وتحقق ذلك في إصدار قوانين وأنظمة تعزز الثقة بالكلمة وفرسانها, وبالثقافة ودورها في صنع الثورة والتحرير والوحدة العربية, ومنح الكتاب بموجب القوانين 72 لعام 1969 و31 لعام 1970 حقوقاً وصلاحيات وامتيازات وضمانات اجتماعية, وجاء على رأس ذلك منحهم حق إصدار ما يريدون من كتب ودوريات من دون رقابة من أحد ومن دون تدخل من السلطة, وكذلك حق السماح بإبداء الرأي بالمصنفات الأدبية حرصاً على حرية التعبير وسلامة التقويم الأدبي والفني والفكري, وحرصاً على القيم الفنية والأدبية, وعلى الفهم السليم لطبيعة العلاقة الإِبداعية والتعامل السليم مع مناخ الإِبداع وتنميته.

وفي ظل ذلك نما جو أدبي وثقافي مقبول, وأنتج محصولاً جيداً, ووضع ضوابط لنشر لا يمنع فيها إلا الرديء من الإنتاج الأدبي فنياً اعتماداً على قيم الصنعة الأدبية في كل جنس, وذلك الذي تتدنى لغته إلى مستوى يضر بالقارئ وبالأدب, وذلك الذي يحمل روح الدعاوة للصهيونية والعنصرية, أو يستخدم الجنس لأغراض الجنس والإِثارة, أو ذلك الذي يثير النعرات الطائفية والإِقليمية ويمس الأديان بما يجرح الناس ويسيء إلى معتقدهم ومشاعرهم.

وتحقيقاً لأغراض الثقافة الجادة, ووصولاً إلى ازدهارها, وضعت اعتمادات إضافية وأنشئت مؤسسات ثقافية كبيرة. ويكفي أن أشير رقم واحد ليبين القفزة المتحققة في الدعم المالي لبعض المؤسسات الثقافية. لقد كانت الاعتمادات المالية لاتحاد الكتاب العرب 200000 مئتي ألف ليرة سورية عام 1970 وقفزت إلى ستة ملايين ونصف المليون ليرة سورية عام 1988 ومثل هذا تحقق لقطاعات ثقافية أخرى, إيماناً بدور الكلمة وبدور الثقافة, ولكن هل اختصت الثقافة وحدها بهذا الدعم؟! وهل نالها من العناية مثل ما نال سواها من الميادين أم أقل, ولماذا؟!

إن الثقافة في أي قطر عربي جزء من الشخصية الثقافية العربية التي ما زالت المقوم الأشد صلابة وتماسكاً باعتمادها على ركيزة اللغة العربية في الوجود العربي الواحد, ولا يمكن التنكر لحقيقة أن "الأمة العربية وحدة ثقافية, والفوارق القائمة بين أبنائها عرضية تزول جميعها بيقظة الوجدان العربي" وما لم تأخذ الثقافة بكل مجالاتها اهتماماً ودعماً ملائماً ـ ولا أريد أن أقارن ما تأخذه بما تأخذه الرياضة في الوطن العربي من دعم و اهتمام ـ أقول ما لم تأخذ الثقافة دعماً وانتشاراً واهتماماً ملائماً فلن تحقق فاعليتها المطلوبة على الصعيد القومي بتكوين جيل عربي موحد الرؤية يعمل للوحدة ويحققها.

إن المهتمين والمتابعين والمعنيين في أوساط الثقافة العربية يعرفون حقيقة حركة النشر والتواصل العربي في المجال الثقافي, ويعرفون ما يعاني منه الكتاب والدورية, وما يعاني منه الكاتب المثقف, وربما كان السياسي في صورة ما هو قائم, ولكن غرقه في تفاصيل كثيرة وفي جزئيات سياسية قطرية, تجعله لا يرى المشكلة عربياً كما يراها الكاتب العربي والناشر والموزع, والمعني إجمالاً بالهم الثقافي, والذي ينظر إلى رقعة القراء والكتاب في الوطن العربي كله, كرقعة ثقافية وأدبية واحدة. وسوف أقدم أرقاماً من ساحة ثقافية واحدة, لـها تطلعات قومية عربية وحدوية وتحررية على مستوى الوطن العربي, هي الساحة السورية, لننظر معاً في ضوء ذلك, وفي ظل ظروف التجزئة وسوء التواصل العربي ثقافياً على الأقل, ما هو حال الثقافة عربياً, وما هو حال النشر والتفاعل الإِبداعي؟ ونفكر في مخرج من هذا التقوقع القطري الذي يزحف على ثقافتنا وأدبنا وكتابنا ودور النشر والتوزيع في وطننا, والذي سيؤثر تأثيراً كبيراً في قرائنا, وفي قرائنا المحتملين, وفي تكوين الأجيال العربية ووعيها القومي والتحرري والوحدوي, وفي أصالتها وهويتها الثقافية عبر التاريخ.

* لقد نشر القطاع العام في سوريا 2069عنواناً جديداً من الاستقلال عام 1945 حتّى غاية عام 1987 لمواطني القطر العربي السوري الذين يتجاوز تعدادهم يومئذٍ اثني عشر مليوناً ولا أقول لجماهير القراء العرب من أصل مئتي مليون عربي, أولئك الذين تُعنى أو ينبغي أن تعنى بهم الثقافة والسياسة.

وهذا الرقم يشير إلى أن كتاباً جديداً واحداً فقط صدر لكل 5799 مواطناً في سوريا, فكيف إذا أخذنا النسبة إلى سكان الوطن العربي؟ وهذا شيء لا يكفي على الإِطلاق بالنسبة إلى بلد يتطلع إلى تحمل مسؤوليات قومية وحدوية, وإلى تحرير الإِنساني العربي من التخلف والجهل, وإلى تحرير الأرض والإِنسان والإِرادة بالوعي, ومواجهة أنواع الغزو الثقافي وأشكاله, وإشاعة الفكر القومي التقدمي... إلى آخر ذلك من أهداف وغايات لا تقوم بها إلا الثقافة بالدرجة الأولى. وقِسْ على هذا, في الأرقام والتوجهات والغايات لأقطار الوطن العربي الأخرى.

* إن ما يطبع من كل عنوان جديد من الكتب, هو في حدود معدل وسطي لا يتعدى 3000 ثلاثة آلاف نسخة, وهذا الرقم يشير إلى أن كل 4000 أربعة آلاف مواطن في سورية لـهم نسخة واحدة من الكتاب. وكم يصبح الرقم إذا ما أخذنا النسبة إلى عدد جماهير الوطن العربي, أو إلى القراء المحتملين فيه؟! وإذا ما وضعنا في الاعتبار تواصلاً حقيقياً يؤدي إلى حيوية الثقافة وتأثيرها فعلاً في الجماهير؟!

* إن ما يعود من هذه النسب المطبوعة, بفرض حسن التوزيع والانتشار, لا يحقق للكاتب ـ الذي يتقاضى دخلاً على أساس نسبة من سعر الغلاف, تحرراً اقتصادياً يعزز حريته العامة واستقلاله, ويشيع من حوله الأمن والاستقرار, ويجعله يخلص كلياً للكتاب والإِبداع.

* إن هذا الذي ينشر من الكتب, وعدد النسخ, في القطاعات العامة ـ وقد أخذت أنموذجاً من القطاع العام في سوريا ـ لا يحقق توجهاً حقيقياً لتجسيد نظرات ونظريات الساسة, للثقافة, وفي المجالات التي تدخل فيها تعبيراً جذرياً باتجاه تحقيق أهداف قومية وإنسانية إيجابية.

* إن هذه الأرقام, في ظل القيود والحدود والرقابات العربية, وصعوبات الشحن, وعقبات تحويل النقد, لا تجعل حتّى الكتاب العرب على درجة من التواصل والتفاعل في حدودهما الدنيا مع حركة ثقافية عربية, من منظور شامل.

وبالتالي فإن هذا الواقع يمهد ـ بالرغم من اقتناعي التام بأن المسؤولين والساسة والمثقفين والأدباء والكتاب العرب جميعاً لا يريدون ذلك ـ يمهد إلى قوقعة ثقافية قطرية, وإلى سير حثيث باتجاه التجزئة الثقافية, وبالتالي إلى وضع قيود وعقبات جديدة غير تلك السياسية والاقتصادية والعسكرية.. إلخ في وجه الوحدة العربية, إنها التجزئة الثقافية التي ترفع رأسها الآن, وتدل على وجودها بسياسات ثقافية وتوجهات فكرية وتاريخية ونقدية, وربما لغوية ـ (عاميات) ـ متنوعة ومتعددة.

إن هذا الذي أشرت إليه ينبغي أن يحفزنا جميعاً, وعلى درجات مسؤوليتنا وأدوارنا, إلى النظر في هذه المشكلة ومعالجتها من منظور قومي يؤمن للثقافة العربية حيويتها وانتشارها, حريتها واستقلاليتها, ويحقق بها وانطلاقاً منها أهدافاً للجماهير وللحضارة, ما زلنا نتطلع إليها نحن العرب, ونزعم أننا على دربها سائرون.

¡¡¡



([1])  لا يشمل هذا الإِحصاء الكتب التي أنجزها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب الذي أسس في عهد الوحدة ونشط قليلاً ثمّ توقف, ولا مطبوعات مؤسسات إعلامية هي, الوحدة ـ دار البعث ـ تشرين/ من الكتب التي عددها قليل نسبياً, كما أنه لا يشمل أيضاً مطبوعات الإِدارة السياسية للجيش والقوات المسلحة والكتابين الجامعي والمدرسي.

([2])  هناك عناوين كثيرة صدرت في أجزاء, وقد حاولت قدر الإمكان تبينها إلا أن الرقم الذي أوردته يحتمل هامشاً ضئيلاً جداً من الخطأ.

([3]) : بيان القيادة المؤقتة للحركة التصحيحية, 16 تشرين الثاني 1970 م.

 

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |