منذ سنوات
والصرخة ترتفع في أرجاء وطننا، وفي كل قطر من أقطاره للاهتمام بالصناعات
الثقافية، اهتماماً يمهد لمواجهة من أي نوع وعلى أي مستوى لبعض مشكلات
الأمن الثقافي العربي ومتطلباته ولو من بعض الجوانب، ومنذ سنوات أيضاً،
والمشكلات تتفاقم والنداءات تتلاشى أو تنقلب إلى معاناة وإحباطات، ولا
نجد في الساحة الثقافية حضوراً نوعياً، في مستوى تحديات العصر لحل مشكلات
يفرضها العصر.
وخلال ذلك
كله لا تكف عجلة الزمن عن الدوران، ولا يكف العالم عن تحقيق تقدم ملموس
يتصاعد حسب وتائر عالية جداً لا سيما في امتلاك التقنيات وتقدم الصناعات
الثقافية المتطورة، بدءاً بصناعات المنشور والمقروء وانتهاءً بالمسموح
والمنظور، ومروراً بكل متطلبات ذلك وتقنياته وأدواته اللازمة لـه، وتتطور
أيضاً التجهيزات والمعامل التي تصنع التجهيزات على مستوى العالم، بتعاون
دولي وتواصل تقني بين الخبرات العلمية والفنية العاملة في تلك المجالات.
وفي وطننا
الذي يمتلك خامات أولية، ويحتاج إلى مواد مصنعة للإنتاج الثقافي بكميات
كبيرة، لا تنتج تلك المواد فضلاً عن عدم وجود إمكانات لتصنيع التجهيزات
وتطويرها. ولذلك يعاني من النقص ومن الخضوع بأشكال مختلفة لتحكم السوق
الخارجية، وتنعكس أزماته الاقتصادية على الوضع الثقافي أكثر مما تنعكس
على سواه. ونرى أن الأمور تسير باتجاه مغاير للاتجاه المنطقي الذي يجب أن
يسود، فبدلاً من أن يخصص دعم مالي أكبر للقضايا الثقافية ولمواجهة
احتياجات هذا القطاع عموماً، نجد أن التضييق والترشيد والتشديد يشمل
الساحات الثقافية أولاً ويتمركز فيها، ولا يكاد يتعداها إلى سواها.
وإذا كان
مجال الصناعات الثقافية واسعاً وشاملاً لكثير من المواد والتجهيزات
والأدوات. فإنني سأتوقف عند أحد أهم المواد التي تحتاج إليها صناعة
الكتاب والدورية كما تحتاج إليها المدرسة والجامعة والدائرة، وصناعات
أخرى ومجالات حياة عملية واسعة، أعني مادة الورق.
فالوطن
العربي عموماً لا يصنع أكثر من 35% من حاجته من مادة الورق. بصرف النظر
عن الجودة والأنواع. وهذه الكمية تجعله يلهث وراء استكمال النقص الحاد
اللازم لاستهلاكه الضروري من هذه المادة الحيوية جداً. ومعنى وجود نقص في
حدود 65% من هذه المادة يشير إلى أن هذه الصناعة الثقافية في مجال واحد
ومادة واحدة، يصنع قسم منها. هو أمن مهدد بنسبة
65% فما الذي نقف عليه إذا فحصنا حالة المواد الأخرى، بله الصناعات
الثقافية الأخرى والتجهيزات اللازمة لـها؟!
إن
الإمكانات الموجودة في بلد عربي واحد مثل السودان على سبيل المثال تكفي
لتطوير إنتاج مواد خام تكفي حاجتنا لصناعة الورق اللازم للوطن العربي،
إذا ما أخذ بالاعتبار تنمية زراعات معينة والاستفادة المثلى من ثروات
طبيعية، ومن وجود إمكانية لتطوير تلك الثروات.
أما حال
السودان فيكاد يكون كحال الأقطار العربية الأخرى بل أردأ بكثير بالنسبة
لتوفر مادة الورق، عصب صناعات النشر والتعليم في الوطن العربي، فهو الغني
(إمكاناً) الفقير واقعاً. وأنا أشير هنا إلى السودان بالنسبة لإمكان
إنتاج مادة خام واحدة وهي مادة الورق من مواد إحدى الصناعات الثقافية،
وهي صناعة النشر. وأشير إليه في إطار نظرة عربية للتكامل في مجال
الصناعات الثقافية مستقبلاً.
أما حاجته
لمادة الورق فهي تماثل حاجة كل قطر من الأقطار العربية لـهذه المادة التي
نستوردها بالعملة الصعبة.
وحين أشير
إليه في إطار نظرة عربية للتكامل في مجال الصناعات الثقافية مستقبلاً،
فإنما أدعو لتثبيت حقيقة مفادها أن رسم خطط لإيجاد حلول وتطوير صناعات
على المستوى القطري لمعالجة هذا النقض أو ذاك في أوجه حياتنا عموماً
العربية وحياتنا الثقافية خصوصاً أمر غير ممكن، لأن الإِمكانات القطرية
وكذلك سياساتها التصنيعية والاستهلاكية، أو برامج التطوير والتنمية فيها
ودخولها لميدان المزاحمة في الكم والنوع في عالم القرن الواحد والعشرين
أمر لا يمكن أن يتحقق إلا بالإِمكانات العربية المتكاملة على الصعد
جميعاً.
وإذا جاز
لنا ـ انطلاقاً من ملاحظة الواقع العربي المعيش اليوم ـ أن ننظر إلى ما
نطمح إلى تحقيقه نظرتنا إلى أحلام جميلة تفقدها اليقظة سحرها وحتى
وجودها، فإن ضغط الحاجة ومتغيرات العالم وأساليب عمله وإنتاجه وعلاقاته،
والتوجه السائد إلى قيام التكتلات والتجمعات الكبيرة صناعياً، وتجارياً
واقتصادياً وسياسياً، في أرجائه المختلفة، إن كل ذل سيفرض نظرة أكثر
واقعية على الأقطار العربية. وسيجعل من غير الجائز، بل ومن غير الممكن
للعربي أن يبقى أسير النظرة القطرية القاصرة، والحلول الآنية التي توفرها
إمكاناتها وسياساتها.
وعلى ذلك
فإن تلمس ما تعاني منه صناعات النشر وحدها في كل قطر عربي من احتياجات
ومشكلات وصعاب، سواء في توفر المواد الأولية اللازمة للطباعة، أو وجود
المطابع المتطورة والطاقات البشرية والخبرات الفنية اللازمة لتطوير هذه
الصناعات وإيصالها إلى أدنى مستوى عالمي مطلوب ومقبول، إن ذلك يوقفنا على
حالة من العجز وعدم التوازن والفقر وسوء التوزيع، وعلى انتشار قدر غير
قليل من الفوضى وسوء التخطيط وانعدام التعاون، الأمر الذي يجعلنا جميعاً،
في مجال صناعة النشر في الوطن العربي، نقع تحت ضغط التبعية شبه التامة
للآخرين، ولاسيما الغرب الصناعي، ونتعرض لمخاطرها باستمرار، فالمواد
الأولية وقطع الغيار والأجهزة، وزمام التقنيات الحديثة في تطورها،
والأساليب الفنية التي تحقق صيانة أفضل، واستخداماً أجود، ومردوداً
علمياً وإنتاجياً مجدياً، كل ذلك يتوقف على استيراد مادته وخبرته من
الآخرين، ودفع تكاليف ذلك بثمن مرتفع.
ولا أتكلم
هنا على الاستقلالية وانطلاقة الإِبداع والتطور التقني الذاتي، تلك
الحاجات التي ينبغي أن ينشأ مناخها وشروطها وظروف قيامها ونموها في
أرضنا، وأن يتملك مهندسونا وفنيونا وعمالنا تقنيتها تماماً. وأن يسيطر
الشعب فيها على قراره، وأن يتحكم بها بالقدر الأكبر وبالصورة الأمثل في
هذا المجال بحرية، ويحفظان لـه قدرته على الحركة بثقة واطمئنان.
والانتقال
من عالم الأحلام المستقبلية إلى عالم الواقع، حيث قسوة الظروف والمعاناة
والحاجة المباشرة، نجد أن وضع النشر في قطر عربي هو سورية يعيش حالة
معاناة حادة منذ سنوات، بسبب مادة الورق على الأقل، ولا تقوم هناك
إمكانات حقيقية لإنتاج هذه المادة محلياً ولو بنسبة ضئيلة، بَلْهَ
التفكير في إمكان الاكتفاء الذاتي. وبالتالي فإن توافر نسبة الأمن
الثقافي من الناحية المادية في مجال مادة خام واحدة هي الورق في إحدى
الصناعات الثقافية وهي النشر، نسبة ضئيلة جداً. ولا توجد إمكانية على
الإِطلاق للاكتفاء الذاتي قطرياً، لا في سورية ولا في غيرها من الأقطار
العربية، إذا ما اعتمدت السياسات القطرية لحل هذه المشكلة، ولا يوجد إلا
أمل واحد هو العمل في الإِطار العربي العام لإِيجاد صناعات ثقافية،
وإنتاج المواد الأولية اللازمة التي تخفف من نسبة الاعتماد على الغير،
وبالتالي تضييق هامش الأمن الثقافي في مجال الصناعة المنفتح على المتن
بغير حدود.
وهذا
يقتضي تفكيراً جدياً من موقع المسؤولية، بالعمل العربي الموحد الجاد
لمواجهة هذا الأمر الذي يهدد مستقبلنا كله.
وإذا
تأملنا قليلاً في معاناتنا اليومية من أجل تأمين مادة الورق للكتاب
المدرسي والجامعي، وللصحافة، ولمؤسسات النشر في القطاع العام فقط، وقفنا
على مقدار الحاجة وضخامة التهديد، ومدى الضرورة للتفكير في قضية الأمن
الثقافي عموماً وأمن الصناعات الثقافية على وجه الخصوص.
إن تأخر
صدور منشوراتنا الثقافية ودورياتنا يؤثر تأثيراً كبيراً على فعالية
الجبهة الثقافية وعلى دورها وعلى قدرتها على الاستمرار فضلاً عن التطور
والنمو والانتشار، كما يؤثر الكم الضئيل الذي نطبعه من الدورية أو الكتاب
ـ بسبب نقص مادة الورق والحرص على الاستمرار ـ يؤثر ذلك على مدى التواصل
العربي وانتشار المادة الثقافية المكتوبة ووصولها إلى المهتمين بها وإلى
من ينبغي أن تصل إليهم.
ويأتي
تحكم الأسواق الأجنبية بهذه المواد، وارتفاع الأسعار، والأزمات
الاقتصادية وموجات الغلاء التي شملت كل شيء، يأتي كل ذلك ليضاعف تكلفة
الإنتاج الثقافي المنشور، أي سعر الدورية والكتاب، الأمر الذي يجعل
القارئ العربي عامة وفي القطر العربي السوري خاصة في أزمة حقيقية مع
الكتاب والدورية.
إذ أن
القارئ الجاد والمهتم بالثقافة والمحتاج إليها هو في أغلب الأحيان قارئ
فقير أو ذو دخل لا يساعده على اقتناء الكتاب المرتفع الثمن، وحين يكون
الكتاب مستورداً يسعر على أساس السعر التجاري للدولار مما يجعل ثمنه
فاحشاً، ولا يمكن شراؤه. وحين يكون منشوراً في قطاع تجاري فإن سعره يكون
مرتفعاً أيضاً لأن التكلفة تحسب في ضوء السعر التجاري للدولار أيضاً وهو
سعر مرتفع قياساً لليرة السورية.
أما سعر
الكتاب أو الدورية أو المنشور الذي ينتج من قبل القطاع العام وما في حكمه
فإن ثمنه يكون أقل من ذلك المستورد أو المنتج في السوق التجارية
الداخلية، ولكنه يبقى مرتفعاً قياساً لدخل المواطن في سورية. الأمر الذي
يجعل المادة المعرفية علمية أو تقنية أو فنية، والمادة الثقافية التي
تحملها الكلمة المنشورة في دورية أو كتاب بشكل عام مادة يعكس التواصل
معها أزمة، أو تدخل والمتعامل معها والمحتاج إليها في أزمة، تنعكس شئنا
أم أبينا على الثقافة عموماً وعلى المواطن والوطن في النهاية.
فالغلاء
يجعل الكتاب والدورية (أدبية أو ثقافية أو علمية.. الخ..) في متناول
الغني الذي لا يقرأ ولا يشتري ـ باستثناء أغنياء الفساد الذي يزينون
بيوتهم بالكتب ـ وبعيدة عن متناول الفقير الذي يقرأ والمتعلق بالمعرفة أو
المحتاج إليها، والذي يشكل اقتناء الكتاب بالنسبة لـه أزمة مالية في ظل
ظروفه المعيشية ودخله الضئيل.
والدولة
التي ينبغي أن تحرص على الثقافة حرصها على الوجود، والتي تعمل للتنمية
غير آخذة بحقيقة: أن أساس التنمية، في كل المجالات، هو الوعي، وأساس
الوعي، هو المعرفة، وجزء كبير من المعرفة يحصل عن طريق الثقافة، أقول
الدولة لا تأخذ هذا الموضوع بالرعاية والدعم كما تدعم الخبز والسكر
والأرز والشاي مثلاً، ويبدو أنه شاع في زماننا الاهتمام بملء الفم وإشغال
القدم بالركض، أكثر مما شاع أو ينبغي أن يشيع ملء الرأس والروح بزاد يوجه
القدم والساعد ويستخدم الجسم كله بما فيه المعدة لخير الإنسان ولخدمة
معنى أن يأكل الإِنسان ليعيش لا أن يعيش ليأكل.
إن صاحب
الكلمة المكتوبة، وكذلك المؤسسة المعنية بنشر الكلمة المكتوبة، ممن يعتبر
أن ذلك رسالة ومبرر وجود، أصبحا في حالة ضنك، يعانيان من مرارة الحال
معاناة أشد مرارة من السؤال. فكيف السبيل إلى الخروج من ذلك؟! وكيف
السبيل إلى درء خطر رهيب مخيف يكمن في تصورنا ـ مثلاً ـ لتأخر مادة الورق
اللازم لطباعة الكتاب المدرسي والجامعي والصحف، أو لعدم قدرتنا على تأمين
ذلك، أو فرض حصار معاد يمنعنا من تحصيل ما نريد؟! ألا يوقعنا ذلك في أشد
المواقف حرجاً، ويعطل مدارسنا وأجيالنا؟!
إن الدولة
تقدم ـ مشكورة ـ الكتاب المدرسي والجامعي بما يشبه المجان، ولكننا نحتاج
حاجة فعلية إلى أن نلتفت لأمر الكتاب الثقافي عامة، وإلى تأمين المواد
اللازمة للصناعات الثقافية في مجال النشر، تجعل أمر نشر الكتاب ميسوراً،
وتسهم في دعم المواد اللازمة للطباعة، وعلى رأسها الورق، حيث يصبح سعر
التكلفة مقبولاً وأمر اقتناء الكتاب ممكناً. وهذا علاج للقريب من الوقت
وللعاجل من الأمر، وللقطري من زاوية الصورة العامة للمشكلة. ولكن الواجب
يقضي بوضع صيغ تعامل عربي يضع أسساً لكل المشكلة على صعيد الوطن العربي،
بتكامل بين أقطاره، وبإقامة صناعات ثقافية عامة، وصناعات نشر على وجه
الخصوص، وتأمين المواد اللازمة، لـهذه الصناعة عن طريق إنتاجها من
الخامات المحلية في الأرض العربية وبالخبرة والمال العربيين، وإقامة سوق
متكاملة لسد احتياجات السوق العربية من هذه المادة الحيوية جداً، بل أكاد
أقول لأهم الصناعات الثقافية التي تلعب دوراً رئيساً في مواجهة المستقبل
وإعداد الإِنسان لـه.
إن
الاستراتيجية العربية في هذا المجال لا بد أن ترسم على أساس قومي مسؤول،
وفي إطار التكامل العربي التام، وتلبية الاحتياجات السريعة والمستقبلية
على مدى منظور التطور الذي نخطط لـه، ولا بد من مباشرة ذلك بسرعة فائقة
لأن إنجازه سيتطلب وقتاً غير قصير.
أما تلبية
الاحتياجات اليومية، فهي من الضرورات التي لا يمكن مجاوزتها أو الصبر
عليها. فلا بد أن تعمل مطابعنا وأن تخف معاناتنا لتأمين لورق لصالح توفير
جهدنا ولتحسين شروط الإِنتاج الأخرى وشروط الإِبداع، وليس هذا من الأمور
السهلة في ظل الظروف والضرورات التي نعرفها، ولكنه ليس مستحيلاً، فضلاً
عن أنه أمر لا يقبل التأجيل، وهو ضرورة قصوى للثقافة، التي هي الحاجة
الأسمى للبشرية.
¡¡¡