"لا"
أصبحت تعني: نعم، في لغة السياسة العربية، ولو أن الأمر احتاج إلى وقت
لكي يصل ذلك إلى الأفهام بوضوح، إلا أنه وصل أخيراً ولو بعد حين، وهكذا
صارت الدلالة مؤكدة تماماً. وشرط هذه المعادلة الكلامية في التحقق هو
توفر عامل الزمن الذي قد يطول وقد يقصر حسب المناخ ووجود عناصر أخرى، إلا
أن التجربة تشير إلى سلامة الاستنتاج.
وكلما
كثرت اللاءات الرسمية العربية قلّت الاستعدادات الفعلية اللازمة
لإِكسابها معنى دقيقاً وتجسيدها على أرض الواقع، بل إن "اللاءات" الكبيرة
كثيراً ما كانت تواكب عربياً بالانصراف إلى التنازع والتدابر والخلاف بين
الأقطار العربية، أو بافتعال أزمات هامشية، الأمر الذي يجعل النتائج
الدلالية لـ "لا" مساوية لـ "نعم" فيصير الأمر إلى النقيض، والقرار إلى
أمنية، وتحول لاءات الرفض إلى تراجعات وتنازلات، وإلى استسلام وهزائم
وانكسارات شتى.
وينبغي أن
تكون للمرء قوة تخييل خارقة للمألوف حتى يصل إلى تصور إمكان انبثاق حمامة
من قنبلة في الكف الفلسطينية دون أن تتحقق تغييرات ملموسة لصالحها على
الأرض تمكّن من إعداد الذهن لـهذا التحول في التصور، ويحتاج المرء إلى
"مرونة" ومهارة من نوع خاص ليفهم أن الإعلان عن إدانة الإِرهاب ونبذه
والتخلي عن ممارسته بأي شكل كان "إرهاب الدولة والجماعات والأفراد" لا
يعني فقط ترك المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال، وتجنب الإضرار
بمصالحه، أينما وجدت مصالحه، ولا وسم المقاومة بأنها ممارسة إرهابية
وتشويه صورتها، وإلحاق إدانة بتاريخ الكفاح الشعبي المسلح من أجل
التحرير، وتلويث الشهداء بتسميتهم "قتلة"، وإدانة الأهداف التي عملوا من
أجلها والتخلي عنها، إن ذلك لا يعني هذا فقط بل ينصرف أيضاً إلى أمر آخر
هو الاستعداد للمشاركة الفعلية وتقديم أشكال العون المختلفة للكشف عمن
يمارس المقاومة الوطنية تحت اسم يطلقه عليه أعداؤه هو "الإِرهاب"، والعمل
على تصفية أولئك مع من يرغب في تصفيتهم فعلاً.
والمرء في
هذا الزمن العربي الرديء يحتاج إلى مهارات وملكات كثيرة ومتنوعة، ولكنه
أحوج ما يكون ـ على ما يبدو ـ إلى أن يفقد منطق الفهم السليم والإحساس
بما هو أخلاقي أو وطني، وبما هو وعي تاريخي وقيمة. ويحتاج في زمن
"المتغيرات السياسية المذهلة" والتي تحمل صلاحاً لأهلها وفساداً لأمرنا
نحن العرب، إذا لم نلتفت إلى مواقعنا ومصالحنا في ضوئها ـ يحتاج إلى
أعصاب وأحاسيس ومشاعر لا تتأثر بشيء، وإلى قدر من "البلادة الموضوعية"
مذهل، ليفهم ويستوعب ويسلم ويستسلم!؟!! يحتاج المرء إلى عقلانية وطواعية
"قانونية" تدخلانه عالم "الروتين" الأبدي، ليمجد حالة "بغل الناعورة" ذاك
الذي ربما يطرب على رتابة الأنين واستمراره.
فهل هذا
ممكن؟! وهل هذا موجود؟! وهل هذا مطلوب؟! إن مجرد طرح السؤال على هذا
النحو يجعل صاحبه "مؤهلاً" لأن يُنبذ خارج مدار الوقت، كما يجعله غير
مؤهل مواكبة العصر المثقل بالمرونة، تلك التي تبدو كافية لانتزاع هوية
الغَرَبِ الذائب على نسمات الفرات، لأنها تجعل صاحبها أجدر من الغَرَبِ
بحملها.
إن دروس
السياسة تبدو قاسية من دون رحمة، وتدخل حدود اللامعقول في بعض الأحيان،
وربما يداخل ذلك نسيجها في صيرورتها السريعة نظراً لتقلبها، أو
لانطلاقتها على غير معيار استراتيجي وقيمي ثابت. وإذا كانت قسوة تلك
الدروس لا تطاق، فإن الأسوأ في أمرها هو كيف نسوغها ونستسيغها ثم
نستحيلها وندمنها؟! وهل يمكن أن يتم ذلك دون أن تهتز ركائز وثوابت
ومقدسات عميقة الغور فينا، كنا نعتمدها معياراً عالياً، ونكبرها كثيراً
في مجالات: التفكير والتقويم والتدبير والتسيير؟!! وإذا استطعنا أن نصمد
لتلك الهزات الزلزالية الداخلية في العقل والروح والوجدان، ونسوغ تلك
الدروس ونستوعبها، فكيف نركن من بعد للثوابت والمقدسات، وإلى الركائز
الجديدة والبديلة!! وكيف نرويها بالدم والعرق والدموع، ونطلب إلى الأجيال
الجديدة أن تضحي وأن تموت تحت رايتها ومن أجلها، بعد أن جللنا من مات تحت
رايات "المقدسات والثوابت النضالية" السابقة بالخزي والعار، وتنكرنا
لطريق أولئك، ولغايات دعوناهم إلى الاستشهاد من أجلها!؟! هل تقبل ضمائرنا
ذلك؟! وهل يبقى هناك ضمائر تعمل بحيوية وسلامة في ظل هذه الفوضى القيمية
والمعيارية والتقويمية؟!
يقولون:
"السياسة فن الممكن" ولكن ما قدمته لنا السياسة العربية من شعارات وثوابت
نضالية لم يكن يشير إلى الممكن، بل لم يكن ليداخله شك من أي نوع بعدم
إمكان تحققه أبداً، ولم يهيأ حتى الظن لقبول شيء وسط، فكيف بقبول
النقيض؟! وما هو ممكن في زمن الانفراج الدولي، وفي ظل تقارب الجبارين،
أمريكا والاتحاد السوفيتي، وفي عصر تغيير السياسات والاستراتيجيات
والعقائد الأيديولوجية تغييراً جوهرياً، وفي ظل الانطلاقة التقنية
العملاقة، هذا الممكن المعروض علينا، هو الذي كان في ذهن أولئك الساسة من
الثوابت، وهو ما كنا نرفضه بشدة، لأنهم يرفضونه أيضاً بشدة، ويراد لنا أن
نقبل الآن على قبوله بحماسة لأنهم أقبلوا عليه بحماسة.
صحيح أن
رياح التغيير التي تهب على العالم تجعل من المتعذر علينا عدم الانسجام
معها، ومن المحال تجاوزها، ويصبح بقاؤنا في مواقعنا ومواقفنا التي
يغادرها الجميع ويطويها الزمن، نوعاً من الجمود في التيه.
إن عدم
مجاراة الريح العاصفة تكسر الساق الواقفة، هذا قانون طبيعي وعته الخبرة
الإنسانية، هذا كله صحيح، ومما يساق على مدرج المنطق ذاته أننا إذا لم
نقبل بما هو "ممكن" اليوم، وهو ما كان مرفوضاً بالأمس، فسيأتي وقت لا نجد
فيه شيئاً نطلبه أو نقبل به، وسوف نلوم أنفسنا على تعنتنا الذي لم ينفعنا
في السابق أبداً، ودروس التاريخ تشير إلى أننا نخسر بمرور الزمن، وتتقزم
أهدافنا باستمرار، وتطعن أحلامنا وطموحاتنا في الصميم على الدوام.
إن هذا
"الصحيح" الذي يتتالى دروساً، من فئات "وسياسات" كان سواه هو الصحيح الذي
كان يتتالى دروساً منها أيضاً، وما جعله اليوم رماداً في القلب انعدام
الفعل الصادق والتهيئة السليمة لمقومات تثبيته بوسائل التثبيت المعروفة
على أرض الواقع.
ودروس
"الموضوعية والواقعية السياسية" تترى دون توقف، ولكنها جميعاً تتركز في
تيار يريد أن يهدم نقطة استناد رئيسة في الشخصية، وهي النقطة الأساس التي
تتصل بالثقة والتماسك والأمل.
ويقدم سيل
الدروس حصاداً من حقل واحد، ولا يحاول أن يلتفت إلى دروس أخرى تقدمها، أو
يمكن أن تقدمها، حقول أخرى عبر التاريخ العام للبشرية، أو عبر التاريخ
الخاص لأمتنا العربية. وحصيلة الدروس المراد استيعابها تلغي كل جدوى
بالاعتراض على "الممكن" وتدعو إلى حلب الضرع قبل أن ينشف، وإلى "اهتبال"
فرصة "عربية" بسرعة "عصرية".
وهذا
الحشد المركز يعمل على قطع الطريق على كل تفكير مغاير، وللوقوف بوجه
طروحات ودروس أخرى، إنه تكثيف في حقل الرمي يهدف إلى شلّ كل قدرة على
الحركة والرد، بل وحتى إلى تدمير الصمت الصامد.
وإذا حاول
المرء مواجهة نفسه والآخرين بسؤال:
"ولم
العجلة ما دمنا لن نربح شيئاً، ونحن كما كنا خاسرون؟!!.". فإن الجواب
يأتي مشبعاً بالهجوم والعدوانية والسوداوية:
"سوف نخسر
كل ما تبقى، وما يحققه العدو من سبق في مجال التسلح سيجلعنا غير قادرين
على أخذ شيء، وما نربحه اليوم من اعتراف العالم بحقنا دليل على صواب
توجهنا!؟" غرابة تثري غرابة أشد، أو لم يكن العالم معترفاً بهذا الحق في
حدود ما نقبله اليوم وما نكتفي به، ألم نكن نحن الذين لا نقوى على انتزاع
ما يعترف لنا العالم به، وكنا لا نقبل ـ رغم عدم قدرتنا ـ بهذا الذي نقبل
به اليوم وهو ذاته ما كان وما زال يعترف لنا به العالم ويرفضه العدو؟!
حقيقة أن
التغيير الفعلي لم يحدث إلى في صفوفنا وأتى على حساب قضيتنا، وكان نتيجة
لعملنا قبل أن يكون نتيجة لعمل سوانا، أو لمتغيرات خارج كياننا.
وكل
الإجابات المحتملة، عن أسئلة غير محتملة، تدخلك في متاهة، وتجرك إلى
اليأس، وترميك على قارعة الطريق لُقى غير مرغوب فيه، وأنت تختنق
بالخلافات العربية، وبروح العداء "الأخوي"، وبانتشار رياح ضعف، وسموم
تفتك في روح الصمود والمقاومة، بل وفي مقومات الثقة بالنفس وبالغير
وبالغد.
وعلى عتبة
"السياسة فن الممكن" يرتمي "الممكن" الذي "اقتطفناه"، وينفتح ويغطي
الأفق، إنه الاعتراف بإسرائيل وبحقها في الوجود وبالعيش بأمان، ونبذ
المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال التي سميت من قبل بعض دعاتها
"إرهاباً" وأدينت، والممكن، على هذا، هو التسليم والاستسلام حتى من دون
أن يرضى العدو أو يعترف الكيان الصهيوني بوجودنا على خريطة العالم، بله
اعترافه بحقوقنا وأرضنا ودولنا.. والمغرق في الغرابة أن يحتفي "بعضنا"
ويحتفل بمجرد قبول أميركا بفتح الحوار معه، ولا يدرك أن ثمن ذلك القليل
جداً كان التنازل عن استراتيجية استمرت أربعين سنة، وتقديم الجزء الأعظم
من الوطن للعدو المحتل.
وفي ظلال
هذا "الممكن، الفحل"، الذي قدمه لنا التناحر والتدابر والاقتتال العربي،
علينا أن نحفر قبوراً لآمالنا وطموحاتنا وتطلعاتنا القومية، ولكرامتنا
وحقنا في الوجود، ورؤانا المستقبلية. وحين ترفض أن تتنفس رائحة هذا
الممكن العفن، وتشدك من رأسك المحني عند جيفته، قامات الشهداء وصفحات
التاريخ وإرادة البقاء وروح الحرية والإِباء، وترفعك إلى أعلى، عندها
ينخّل جسمك برصاص حراس جيفة ذلك "الممكن"، وينهالون عليك بأسياخ الحديد
المحمي، تخترق كل ما هو حي فيك وفي تاريخك كله، وتسلخ نفسك عن مروءتها
كما تسلخ جلد وجهك ووجه شعبك، وتمرغ تضحياتك وشهداءك بالوحل، وتقزِّم فيك
حتى العظم ذاته، ذلك الذي يحمل مقاييسه الرقمية الدقيقة.
وأولئك
الحراس يؤدون مهمة واحدة على اختلاف في دوافعهم ومنطقهم وخلفياتهم.
* منهم من
يندفع في حرصه على الممكن نتيجة للمعاناة والمرارات التي ذاقها، وينهل من
ذلك العذاب الصرف الذي يتعرض لـه في الحصار والتشرد والملاحقة، وأنواع
الخوف والقلق التي تلاحقه.
* ومنهم
من يريد موطئ قدم على أرض الوطن بأي ثمن يشعر فوقها بالانتماء إلى دولة
وراية وأرض، ويحمل هوية وجواز سفر.
* ومنهم
من يندفع بحكم توليه لمهمة الحراسة تنفيذاً للأمر الذي يصدر إليه، وهو لا
يعترض ولا يتدخل، وإنما ينفذ ويسير وراء الشعار الذي يصنعه سواه.
* ومنهم
من يعي جيداً ما يفعل، ويذهب في التفكير إلى درجة الاختيار الواعي،
وينطلق من مقولة: خذ وطالب، وهو يعتمد على منطلقات الإخلاص والمسؤولية،
ويحاول أن يبرر فعله وقبوله لنصف الرغيف ونصف الوطن ونصف الحق، ويفلسف
ذلك انطلاقاً من معطيات الواقع والتجربة طوال سنوات التشرد.
* ومنهم
من يندفع إلى ذلك، ويغذيه ويثير زوابعه ويصنع دوافعه، تبعية وولاء،
لاعتقادات وأفكار ومواقف ترد إليه من انتماء لما هو خارج حدود جغرافياً
الوطن وتاريخ الأمة، ويعتقد أنه بذلك الذي يقوم به يسجل موقفاً "حضارياً"
أو "تقدمياً" أو طليعياً، ولا يفتقر لا هو ولا من خلفه لتقديم المبررات
والدفوعات.
* ومنهم
من ينتمي إلى جيل تعب، ويريد أن يرتاح على نحو، بعد أن لعب كثيراً وفقد
كثيراً.
ولا يخلو
ذلك الوسط الذي يحرس "الممكن الفحل" ويريد أن يهتبل فرصة سنوحه، لا يخلو
من عناصر تبيع وتشتري، أو من عناصر مدسوسة، أوصلها إلى حيث هي نوع من
أنواع الاختراقات التي تمارسها أجهزة المخابرات وتتبادلها.
ولا تكمن
الخطورة في وجود حراسة ومدافعين عن هذا النهج أو ذاك، ولا في تعارض وجهات
النظر والمواقف وتعدد الاجتهادات والآراء، ولكن الخطورة ـ من وجهة نظري ـ
تكمن في نوع الدفوعات والحجج، وطريقة سردها، وما تحيل إليه من منابع
ومصادر، وما ترتبه أو قد ترتبه من نتائج، وفيما يخلقه من أجواء تؤثر
تأثيراً بالغاً على أبناء الشعب العربي وروحه العامة، وبالتالي على
القضايا المصيرية لأمتنا.
وسأكتفي
بإيراد نوع من أردأ الحجج والتسويغات التي تلهج بها ألسنة فريق لا بأس به
من حراس "الممكن ـ الفحل" الذي جادت به الخطوات السياسية العربية
"الجزئية" في تناولها للصراع العربي الصهيوني وتعاملها معه، وتناولي
لـهذا النوع من المقولات سببه تأثيرها السيء واستثمارها للألم وللواقع
العربي المر بطريقة مؤذية ومضرة على الصعيد جميعاً.
ينطلق ذلك
النوع من الأقوال معتمداً على إسناد عام ـ يقوم به بعضهم ـ للشعب العربي
الفلسطيني، حيث يبرر كل ما آل إليه أمر القضية بمنطق يفضي في النهاية إلى
وضع العربي الفلسطيني بمواجهة العربي، وبصورة اتهامية استفزازية، مثير
لمشاعر عنيفة ولذكريات مريرة، ولمعاناة كثيفة وعميقة الوقع، لدى المعنيين
بالقضية المركزية للصراع العربي الصهيوني ـ قضية فلسطين، والذين ترتكس
عليهم مرارتها ونتائجها اليومية.
ولسان حال
أولئك يقول باتهام للآخر المعارض أو المتسائل أو المطعون بالنتائج، لسان
حال أولئك يقول لـه:
"من أنت،
وماذا قدمت أمتك العربية لنا؟! لقد ذُبحنا وشردنا على أيدي الأعداء؟! لقد
انتظرنا طوال هذه السنوات الأربعين فماذا فعل لنا العرب حقاً؟! لا شيء..
وعود.. وكلام.. يروونه بدمنا عند اللزوم.
نحن الذين
نعاني، ونحن أصحاب الحق وأصحاب القرار الذي لا ينبغي أن يحد أو يصادر أو
يضيق عليه، إننا أصحاب الجرح وأصحاب الدار، ونحن أهل لفرحنا وترحنا،
ونعرف ما يصيبنا تماماً. ونحن حين نقبل.. نقبل بوعي وإدراك لما هو واقع
ولما هو ممكن.. ولما هو مقبول.. وإذا كانت لدينا دولة.. يكون لنا هوية..
ويكون لنا كيان.. ولو على جزء من الكل.. ما دام ذهب أو يكاد.. ولا أحد
يعيد منه شيئاً.. إننا.. وإننا.. وإنكم.. وإنكم.. الخ..".
وتتوالى
سلسلة من الطعنات في كل الاتجاهات.. لا يوجهها اليأس أو المعاناة فقط،
وإنما يوجهها أحياناً شيء آخر أكثر مرارة، وهو الجحود، أو تغطية التعب
والتسليم بهجوم يرسخ الجحود، ويستثير رداً من نوعه وطبيعته، وعند ذلك يقع
المحذور، وتدور عجلة الاتهامات وتبدأ مسيرة التنافر.
إذ كيف
يتقبل العربي الذي ينظر لنفسه كشريك في السراء والضراء، والذي قدم وعانى
بدرجة تزيد أو تنقص عن أخيه العربي الفلسطيني بحكم موقعه ودوره، كيف يقبل
مثل هذا الاتهام، الذي يوجه بصورة أقرب إلى المطلق؟!
وكيف يمكن
أن يقبل "الوعي والمنطق" السليمان أو يوضع العربي بمواجهة العربي
الفلسطيني، وكأنهما في تضاد، ولمصلحة من يتم ذلك، وعلى النحو الذي يراد
لـه أن يتم عليه؟!؟ وما النتائج القريبة والبعيدة لمثل ذلك، حتى بعد قيام
الدولة الفلسطينية على جزء من أرض فلسطين بمواجهة "دولة إسرائيل" المعترف
بها، أو "الدولة اليهودية" التي يتنادى المتطرفون اليهود وعلى رأسهم
مائير كاهانا لإعلانها في الضفة الغربية؟!
هل حقاً
لم يقدم العرب شيئاً لفلسطين وللقضية المركزية، في تاريخهم المعاصر،
ونضالهم المرير طوال السنوات التي انقضت من هذا القرن؟!؟ من أجل من إذن،
ولماذا استشهد عشرات الألوف من البشر على جبهات القتال العربية في
الجولان وسيناء ولبنان والأردن؟! ولماذا ومن أجل مَن ولماذا يعاني
اللبنانيون ويموتون في الجنوب منذ عشرات السنين؟! وتحت أية راية ومن أجل
أية قضية استشهد السوريون والمصريون والأردنيون واللبنانيون والعراقيون
والمغاربة في مواجهات مع العدو الصهيوني؟! ألم يكن ذلك من أجل فلسطين ومن
أجل قضية التحرير وحقوق الشعب العربي الفلسطيني؟!
ولأي سبب
يا ترى احتلت "إسرائيل" الجولان وهدمت القنيطرة وعشرات القرى السورية؟!
ومن أجل أية قضية تم احتلال سيناء، وقناة السويس، وتم تدمير بور سعيد
والسويس؟!.
ولأي غرض
ولأية قضية تدفع أقطار المواجهة مع "إسرائيل" وعلى رأسها سورية، طوال
أربعين سنة نسبة عظمى من دخلها القومي لأغراض الدفاع؟! ألم يكن ذلك من
أجل فلسطين ومن أجل حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي سبيل قضية العرب
المركزية، قضية فلسطين؟!؟
ولماذا..
ولمن... ولأية أغراض، تدفع الدول العربية كلها، وفي مقدمتها دول الخليج
العربي والجماهيرية والجزائر.. أموالاً لمنظمة التحرير ولفصائل المقاومة،
ولدول المواجهة مع العدو الصهيوني، أليس من أجل فلسطين وشعبها ولغايات
تحريرهما وحريتهما؟!
أبعد هذا
الألم الممض طوال سنوات وسنوات، يمكن أن نقبل مقولة سهلة تقال على فراش
مريح أو في قاعة فندق من الدرجة الممتازة.. أو في .. أو .. في ... الخ.
ماذا قدم لنا العرب، وماذا فعل لنا العرب ولماذا ننتظر رأياً من العرب؟!
ومن هم
العرب من ثم، لِمَ يستثيرُ غبار هذه الأسئلة وينقب عن مرارتها: أليسوا
الكل الذي منه ذلك الجزء؟! فلم تقف الذات في صراع مع نفسها، ولمصلحة من
خلق هذا المناخ؟!
أوليس هذا
وسواه من طروحات هو ما يجرّئ سياسات عدوة على طرح مشروعات مثيرة يصفق
لـها مروجون ودعاة في الجانبين، من أمثال طروحات أوريه هسه بإقامة تحالف
فلسطيني ـ إسرائيلي ضد الأردن انطلاقاً من "دولة" فلسطينية في قطاع غزة
فقط؟!
وطروحات
صهيونية على لسان أكاديميين يهود يقيمون في دول صديقة مثل: فاسيلييف من
أكاديمية ـ العلوم السوفييتية، بإقامة "كونفدرالية" دولة اتحادية بين
"إسرائيل ـ والفلسطينيين؟؟!".
مرة أخرى يجترح السؤال قلباً ولساناً وضميراً لينفطر على فراغ الآذان،
صاغية كانت أم غير صاغية: لمصلحة من تروج مثل تلك الطروحات التي ترمي إلى
وضع العربي الفلسطيني بمواجهة العربي؟! مستفيدة من تاريخ الضعف العربي
والتناحر المقيت، وغياب التنسيق والاستراتيجية الواحدة الآسرة؟!؟
إن الدم
الذي قدمه ويقدمه الفلسطينيون على طريق التحرير ولاسيما في الأرض
المحتلة، وفي عصر الانتفاضة، وهو الأغزر والأطول عمراً، والأكبر أثراً،
والأكثر ذكراً على ألسنتنا جميعاً. نحن أبناء الأمة العربية، وهو الذي
أسهم أكثر من سواه في فضح الطبيعة العنصرية "لإسرائيل" وكشف ممارساتها
وعرّاها في العالم كله.
ولكنه لم
يكن الدم الوحيد الذي أريق، ولا الشعلة الوحيدة التي أضيئت على طريق
تحرير فلسطين، ولم يكن الدم الفلسطيني على الإِطلاق، دماً مطلولاً من قبل
العرب عموماً، وأبناء دول المواجهة العربية على وجه الخصوص.
والمعاناة
التي يتعرض لـها أبناء فلسطين هي لذع النار المحرقة في كياننا وعمق
أكبادنا يومياً، وهي التي تستقطب جهدنا الحيوي، ولا فضل لأحد منا ـ حياً
أو ميتاً ـ فيما قدمه ويقدمه من معاناة وتضحيات، على طريق فلسطين ومن أجل
الشعب العربي الفلسطيني، ليس لأننا ننظر إلى القضية من منظور قومي عربي
شامل وسليم ونرى أنها تعني كل فرد من أفراد الأمة، وأن القيام حيالها
بالواجب يشكل فرض عين لا فرض كفاية، فحسب، ولكن لأن الصراع بين الأمة
العربية ـ والصهيونية، مجسّداً بإسرائيل، صراع ينبغي النظر إليه في إطار
الفهم الصحيح لأهدافه، والفهم الصحيح أيضاً لطبيعة إسرائيل العنصرية،
وسياستها التوسعية، ولحقيقتها الصهيونية النازية، بما ينطوي عليه ذلك من
فهم واستيعاب للتاريخ الطويل للصهيونية ـ الماسونية عبر العصور.
وإذن يحق
لي أن أعيد التساؤل: كيف ولماذا يثار مثل هذا الطرح في المناخ العربي
المشوب بالضغائن، ولماذا يثار تحت شعارات مختلفة، وبعضها ينطوي على حق
يراد به باطل، ولماذا يثار تحت شعار: تبرير الاعتراف بإسرائيل دولة لـها
حق الوجود والعيش بأمان على أرض فلسطين؟!؟!
ويثار
متخفياً بفرحة قيام الدولة الفلسطينية!؟
مَنْ من
العرب ليس مع قيام الدولة الفلسطينية؟! ومن منهم يتنكر لحلمه ونضاله
وآماله، التي كانت وما زالت من أجل عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه وإقامة
دولته المستقلة فوق ترابه الوطني المحرر؟! مَنْ من العرب لا يفرح بقيام
دولة فلسطينية ولو على أمتار من الأرض الفلسطينية المحررة؟!؟ ومن منهم لا
يدعم ذلك ولا ينادي به؟!؟
أزعم أن
قيام الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين، أو حتى خارج أرض فلسطين مطلب
شعبي ورسمي عربي، ولا يماري في ذلك أحد.
ولكن إذا
كان شرط فرح العربي وقبوله بقيام الدولة الفلسطينية وصدق نواياه نحوها،
إذا كان كل ذلك مرهوناً ومشروطاً ـ فلسطينياً أو عربياً على نحو ما ـ وهو
المناخ الذي يعنيني ـ بالاعتراف "بإسرائيل" وبحقها في الوجود على أرض
فلسطين التي تحتلها، فأجزم ولا أزعم بأن الأكثرية الساحقة من أبناء الأمة
العربية يرفضون الاعتراف بإسرائيل، ويرفضون الربط بين الاعتراف بها وبين
قيام الدولة الفلسطينية.
لقد كان
هذا وما زال شرط الأميركيين وحلفائهم، وشرط الصهاينة الأول، وشرط الذين
اعترفوا ويعترفون بدولة "إسرائيل" في العالم، والذين ساهموا في قيامها
واتخذوا مواقف من ممارستها على امتداد تاريخ قيامها على أرض العرب مدعمة
بالقوة، شتى مصادر القوة، ومن دول ومجموعات دولية، تغيرت، قرباً وبعداً
من "إسرائيل"، حسب تغير التحالفات والمصالح والصراعات في الساحة الدولية.
وما دام
الأمر ـ بالوثائق التاريخية ـ على هذه الدرجة من الوضوح، في كل نواحيه،
وما دام التقصير العربي، يرد عربياً على الجميع بمن فيهم أقرب المكتوين
بالنار، وما دام المصير سيبقى مشتركاً، فلماذا تثار هذه المقولات، وتنبش
تلك القبور، وتنكأ تلك الجراح. ولماذا ترتبط الآن بتسويغ الاعتراف
"بإسرائيل" من قبل منظمة التحرير!!
لقد كانت
لعبة عض الأصابع تحكم كثيرين من اللاعبين في الساحة العربية، وكانت تتوقف
على: من يصرخ أولاً، وفي مجال الصراع العربي ـ الصهيوني، يبدو أنها كانت
تتوقف على من يعترف أولاً؟! وهكذا كانت تدفع أو تندفع فئات باتجاه
الصراخ. وبعض الجهات المعنية بالصراع كانت قضية الاعتراف لديها واردة
أصلاً ولكنها تحتاج فيما يبدو إلى عامل الوقت والمناخ الملائم، وتهيئة
الظروف لإنضاجها.
ومنذ أن
ارتفعت من بيروت، وبصوت عال، أغنية أو موال، "يا وحدنا" في بعض الصفوف
العربية الفلسطينية كانت تخطط لمناخ ما، واستمر التنويع على هذا الوتر
بمرافقة قضايا مثارة، وأسئلة مبتورة تنتفخ على جنبات الطريق النضالية،
راسمة إشارات استفهام كبيرة.
وكانت
الأسئلة المرة تثير أيضاً ذكريات ومعاناة مرة، فيسيل الدم ليكتب أسئلة،
ويرسم إشارات استفهام، ويجف الدم وتبقى الأسئلة وإشارات الاستفهام، وتعبأ
الأسئلة والإشارات في سلال، ويدور حملة "الصبار" بسلالهم على الجميع
ليعرضوا وجعاً يتراكم وبقايا دم تجمدت أسئلة وإشارات تذوي وتجف وتغور في
الأعماق باستمرار، وتفعل فعلها في ظلام النفوس. وتذوي وتجف بجفاف الدم،
الذي صار أسئلة وإشارات استفهام، القضية الأم، وينمو الصبار في الحلوق
ويكثر الشوك أسيجة للقلوب ومتاهات للأبصار، وظلمات للبصائر، وتغيم الرؤى
والدروب أمام السائرين.
"يا
وحدنا" و"نحن... و..أنتم".. وكثير من الوجد في الوجدان المستباح، يا
"وحدنا" مشفوعة بالدم المراق ـ وأياً كانت الأسباب فهي نتيجة ـ ومحاطة
بالمرارة والمعاناة.. كانت تقود إلى طرح السؤال الآخر: إلى متى.. وكيف؟!؟
وهل نحن، بكل ما نحن فيه من ألم ممض، هل نحن في قفص الاتهام؟! أنتم
ونحن.. وهل نقدر على ما لا تقدر عليه دولكم؟!؟
ويكبر
الجرح وتزداد الهوة اتساعاً، ويعرش الصبار ويمتد شوكه ليتغذى من القلوب
دماً ومشاعر أخوة. وتتمازج الآهات والدماء والدموع في الدرب. وفي جانب
آخر منه ينتشي الصبار ويكبر الحقد وينتشر الظلام وتعمى القلوب التي في
الصدور، وهناك من يا ترى يغذي الحقد والشوك والظلام، ومن لـه مصلحة في
زيادة درجات ومساحات الشعور بالعزلة والوحدة، ولاسيما في الساحات
الفلسطينية؟! ومن لـه غرض أشد بإشاعة الهجران والخذلان ومناخ اليأس؟! ومن
لـه مصلحة ورغبة في الاستماع إلى الأغنية التي تزرع الشك والحقد وترويهما
بالمشاعر والألحان وإجادة الغناء والتأثير؟! ومن الذي يريد أن يغرس
الإِحساس بالوحدة واليأس وبتركيز المصاب على طرف، وتأكيد وحدانية الطرف
الذي يدفع الثمن الفادح والذي سيدفع باستمرار... من دون أمل يلوح في
الأفق، أو نجمة يشق شعاعها ثوب الليل؟!! إنه العدو وحده وأولئك الذين
يبتلعون طعمه، وتسممهم دعاواه، فيضيعون على متاهات الدروب التي يشقها
للضياع، هم وحدهم الذين يعملون من أجل ذلك. وعلى درجات عرش "القرار
الوطني المستقل" تقطعت شرايين التواصل بين القضية الفلسطينية وبعض أجزاء
جسمها العربي، بنظر كثيرين من المعنيين، من الذين يستثار فيهم جانب عاطفي
على لحن معزوفة التوحد الهجراني، والملاحقة التشتيتية، وانبثاقات الدم،
ومن الذين يرون في اللحن تجسيداً للجحود.
ويصبح
"القرار" قيثارة تعزف عليها كل الألحان، من قبل كل الفرقاء، وتنشد عليه
الأغاني المتناقضة. وتغذي هذا كله الخلافات القطرية في الوطن العربي، وما
أكثرها، فينضج على نارها، ويزداد التعلق بذلك ألقاً، كما يزداد إيهاماً
وإبهاماً، ويتخفى الحمل الثوري الكاذب في ظلال ذلك المناخ الخصب، ويرعى
نفله، ويستمر التوق إلى نوع من أنواع الحمل، كلما انكشف الكذب، وفي جوف
العتمة دائماً يتم التلقيح، فكيف إذا أضيف إلى تلك العتمة ظلم، ومن نوع
ظلم ذوي القربى؟!؟
وأعلن هنا
أنني لا أتهم أحداً، ولا أخوّن أحداً، ولا أزاود على أحد، فلكل مواطن كل
الحقوق ـ نظرياً ـ مثلي، ما لم يثبت بالوثائق ما يجيز سحب حق أحد أو
انتقاصه.
وأشهد أن
كثيرين سواي، يدهم في النار أكثر من يدي، ومن حقهم ألا تحرق جلودهم، وأن
ترتاح أجسادهم، وأن يبنوا أعشاشهم على أشجارهم التي تنبت في أرض دورهم
وبساتينهم، وأشهد أني ما فزعت فزعهم، ولا روِّعت كما روّع بعضهم، وأشهد
أيضاً أن أسنان مشطنا ليست متساوية، وأن بين الناس في مساحة تفاوت يميز
بين راحة وراحة، وأن في دارة المكتوين بالنار من ينعم بما لا ينعم به
سواه في أية دارة من وطننا العربي.
وأعلن بعد
ذلك أنني مع القرار الوطني الفلسطيني المستقل ما دام مع التحرير، وأنه
يصبح غير فلسطيني وغير مستقل، ويفقد انتماءه للشعب وللأمة عندما يخطئ هدف
التحرير أو يتحلل منه.
والأمة
العربية التي دعمت الهوية والاستقلالية الفلسطينية بكل الوسائل
والإِمكانات، كانت وما زالت مع القرار الفلسطيني المستقل الذي ينبثق من
شخصية شعب يعي جيداً محاولات العدو لأن يطمس شخصيته، وأن يلغي قراره
بإلغاء وجوده أصلاً، ويدرك أن ذلك الوجود خالد ومتجدد في وجود الأمة،
والقدرة على الثبات بوجه العدو هي قدرة تنبع من قوة الانتماء للأمة
والتقوّي بها.
وإن الأمة
العربية التي أكدت دائماً بوضوح أن قضية فلسطين هي قضيتها المركزية، وأن
صراعها مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وأن حق
الشعب العربي الفلسطيني في العودة، وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة
على أرض وطنه المحررة، إن ذلك كله هو الذي يستقطب نضالها ويوجه خطاها..
هذه الأمة لم تكن لتتنازل عن انتمائها لتاريخها النضالي، وعن انتمائها
لقضية فلسطين وانتماء قضية فلسطين إليها، عندما يصبح معنى الاستقلال
بالقرار، تفريطاً من أي نوع بالحق أو بالأرض، واعترافاً بسيادة العدو على
جزء من الوطن أو جزء من الشعب. فالحق وحدة أخلاقية وقانونية وإنسانية لا
تتجزأ، في نظر الشعب والتاريخ وفي مقاييس الوجدان.
والحق ليس
أن نعترف للعدو بحق إقامة دولته على أرضنا، ونعتبر ذلك فعلاً حضارياً
وتقدمياً يكسر ما تبقى من "الحاجز النفسي" الذي يقوم بيننا وبين من قام
بينه وبين البشرية كلها حاجز التعالي العنصري والغطرسة، على أساس اعتقادي
استعلائي تتناقله أجياله عبر التاريخ، مستبيحاً أرض الغير وحقوقهم
ودماءهم وأعراضهم وأموالهم وحرياتهم اعتماداً على تقسيم عنصري يضع البشر،
كل البشر، في مرتبة السلالة الصاعدة من قشرة الأرض لتكوّن "الغوييم"
الذين هم في خدمته هو، المنتمي للسلالة المختارة النازلة من السماء،
والتي تتمتع بصفة الإنسان ومواصفاته وحدها من دون سواها.
إن الأمة
العربية هي التي تخوض صراعها مع العدو الصهيوني العنصري على أساس تحليلها
الدقيق لطبيعة هذا العدو وأهدافه، باستقراء التاريخ البعيد والقريب لـه،
وهي التي ترى فيه عدواً يهدد وجودها ذاته، ويخوض ضدها حرب إبادة، ويطمع
في أرضها كلها، ويؤسس لإِقامة كيانه على أنقاض وجودها الحيوي الفاعل
ذاته، مغذياً ذلك بعقيدة صهيونية عنصرية نازية واضحة. والأمة العربية لا
ترى ولا ينبغي لـها أن ترى أن "إسرائيل" التي تجسد الحلم الصهيوني، هي
كيان يمكن القبول به أو التعايش معه، أو الركون إليه. وعند هذا الحد لا
تغدو المشكلة هي أن نحاصر العدو ليعترف بنا، أو ليرضى عن وجودنا، ولا أن
نشن عليه "حرب السلام" لنعري أطماعه ووقوفه في وجه السلام ونفضح طبيعته
المعادية لـه، ويكون ذلك منتهى طموحاتنا، ويكون ثمن هذا الطرح أن نعترف
بوجوده ونقدم لـه أرضاً وأمناً. بل إن المشكلة الجوهرية تبقى أو ينبغي أن
تبقى في تركيز الصراع على أساس أنه صراع وجوده مع وجود من أجل البقاء
بأمان فوق أرض الآباء والأجداد، وليس صراع دول على حدود ومصالح ومنافع.
ويبقى جوهر المشكلة متضمناً في السؤال الذي يرشح ألماً وجرأة: هل نسلم
لمن انتزع وطننا منا مقاليد أمرنا ونتركه يتابع ملاحقتنا ليبيدنا؟! وهل
نسلم لـه بحق في وطننا أصلاً، ونترك لـه أمر الاختيار بين أن يقتلنا أو
يحيينا اعتماداً على كرمه وأريحيته، ونعيش على ما قد يجود به علينا من
أرض أو اعتراف أو حياة؟!
"السياسة
فن الممكن" والممكن العربي في ظلها كان رديئاً حتى الآن، وإذا كان من غير
الممكن الحصول على أرض للدولة الفلسطينية التي نريدها، ونؤمن بضرورة
قيامها، ولا اعتراف "أمريكي ـ أوروبي" بها، من دون الاعتراف بإسرائيل
التي ترفض الاعتراف بأي وجود حيوي فلسطيني، بله بدولة فلسطينية على أرض
فلسطين، إذا كان ذلك غير ممكن نظراً للواقع والوقائع والوضع العربي
والدولي، فإن "الممكن" الذي يقدمه لنا فن السياسة العربي الراهن، يغدو
ممكناً في حالة واحدة وهي: أن يفرض السياسي المعترف بإسرائيل، ذلك
الاعتراف "بالقوة" على الشعب العربي، وأن يرفض الشعب العربي أي اعتراف
"بإسرائيل" مهما كلفه ذلك من تضحيات، ويتابع إعداد نفسه وظروفه للتحرير
بكل الوسائل. إن ذلك سيضع جهد دول عربية عديدة ـ معترفة بإسرائيل ـ
بمواجهة الشعب في تلك الدول، ويبدو أن الحياة العربية اعتادت هذه
التناقضات المدهشة، وإذا كان الحاكم العربي سينجح ـ تأسيساً على تاريخ
نجاح القمع العربي ـ في انتزاع اعتراف، أو صمت على اعتراف بإسرائيل من
الشعب العربي في القطر الذي يحكم فيه، فإنه سيكون محققاً، لأكثر من مقولة
"فن الممكن في السياسة العربية" ولكنه سيحقق ذلك لصالح أعداء الأمة،
ولصالح وضع يفرض التغيير الجذري بوعي عربي جذري في الحياة العربية، ويمهد
لذلك بقوة.
إن الوعي
السياسي العربي الحقيقي يستدعي مثل هذه المعارضة أو "التكتيك" إذا كان
"الحكام الذين يلوحون بالاعتراف بإسرائيل" يقصدون التكتيك ويرغبون فعلاً
في تحرير فلسطين كلها من العدو الصهيوني، ويذهبون في تحركاتهم إلى المدى
المرن مراعاة للواقع، ويخططون باستراتيجية ثابتة لخلق ظروف ملائمة
للتحرير عربياً ودولياً، معتمدين على حقيقة أن استعادة الأرض من المحتل
"الإسرائيلي" لن تتم إلا بالقوة. أما إذا كانوا يعملون في هذا الاتجاه ـ
اتجاه الاعتراف بالعدو ـ باقتناع استراتيجي كامل فتلك طامة كبرى. وفي
كلتا الحالتين على الشعب العربي أن يواجه بكل الأساليب قضية "الاعتراف
بإسرائيل" وأن يعمل بجدية من أجل تحرير الأرض العربية المحتلة كلها.
والذين عليهم أن يقودوا هذه المعارضة عربياً، هم المثقفون بكل فئاتهم،
ساسة ومفكرين وكتاباً.. الخ. وعلى رأسهم الطلائع المؤمنة بوحدة الوطن
والأمة العربية، وبالمنطلقات القومية السليمة، وبقوة الفعل التي تحققها
شخصية ثقافية عربية متماسكة ومتوازنة، بكل مقوماتها وقدراتها، وبسيطرتها
على طاقات الأمة وثرواتها المؤمنة بذلك إيماناً غير مدخول ولا مريض ولا
مشوه.
وإذا كان
من حق السياسي ومن واجبه ـ بحكم موقعه ومسؤوليته وبحكم توافر المعلومات
لديه ـ أن يتخذ قرارات خطيرة بهذا المستوى، سواء كانت، من وجهة نظره،
تكتيكاً واستراتيجية، فإن عليه ألا يصادر حق الأجيال القادمة في تحقيق ما
عجز هو وجيله عن تحقيقه، وألا يقدم وثيقة إدانة من الشعب لتاريخ الأمة
ونضالها وشهدائها، فالشعوب لا تكتب وثائق انهزامها وإذلالها واستسلامها
بدماء أبنائها، وإنما هي تدفع ذلك الدم وتقدم تلك التضحيات لكي لا يكتب
التاريخ سطراً يشينها، وحتى لا تسجل على نفسها وثيقة تكبل إرادتها. ولقد
دفعت الأمة العربية دماً وأموالاً وجهوداً على طريق فلسطين حتى لا تقبل
وثيقة ذل، وقدمت أقطار عربية على رأسها سورية، تضحيات لا حدود لـها، حتى
لا تصفى القضية الفلسطينية، وحتى لا يُدمغ تاريخ الأمة العربية ونضالها
على طريق فلسطين بوثيقة استسلام مذلة، أو تنازل يعيبها أمام شعوب العالم،
ودفعت سورية ثمن موقفها ذاك دماً، واستنزافاً اقتصادياً وتضحيات شتى منذ
عارضت كامب ديفيد واستسلام "السادات" وتفريطه، وكانت سابقاً تدفع مع
شقيقاتها العربيات وفي مقدمتها مصر، كل ما يمكن أن يقدّم لخدمة الحق
والشعب العربي في فلسطين، ودفاعاً عن النفس والأمة جرّاء النزوع العدواني
والبرنامج الاستيطاني الصهيوني المفتوح الذي تنفذه "إسرائيل" في الأرض
العربية، وكانت تضحيات الفلسطينيين ومعاناتهم بلا حدود، واستمرت تلك
التضحيات والمعاناة منذ بداية القرن دفاعاً عن عروبة فلسطين وعن الأمة
العربية التي غرست في قلبها حربة الحقد بدءاً من أرض فلسطين.
وإذا ما
أخذنا الدم الفلسطيني وحده بالاعتبار على طريق هذه القضية، فإن ذلك يكفي
ليرفع في وجه "الاعتراف بإسرائيل" أكبر الاعتراضات وأقواها، فهو دم لم
ولن يذهب هدراً، فكيف بقوافل الشهداء العرب كلها على هذه الطريق المقدسة.
إن
الانتفاضة وهي تكلل اليوم بالغار جبين المسيرة النضالية من أجل فلسطين
وحقوق الشعب العربي الفلسطيني ترفع الأنموذج الذي يطرح نفسه، وتلك الدروس
المستقاة من تاريخ الصراع العربي الصهيوني، كل ذلك كفيل بأن يحفز الطلائع
الواعية والمسؤولة في هذه الأمة، والقوى والأحزاب والحكومات المعنية
بالحق العربي والكرامة العربية فعلاً، إلى أن تتحاور وتنبذ خلافاتها،
وتضع جدولة لأعمالها، حيث يغدو الالتزام بالقضية والعمل من أجلها باتجاه
استراتيجي واضح يهدف إلى التحرير، هو أساس الروائز والمعايير التي يقاس
بها الإيمان الحق، والانتماء الحق للعروبة، وهو معيار الوطنية والتقدم،
والحيوية.. وحتى الحياة، فما جدوى العمر والسعي والمال، من دون كرامة
ووطن وتاريخ نظيف، ومن دون موقف مشرف بين أمم الأرض؟!!
إن هذا
الذي أعرضه وأدعو إليه، لا ينطلق من منطلق التخوين لأحد، أو الاتهام
لأحد، ولا ينطلق من المزاودة، أو الهرب من المشكلة إلى الأمام، بل هو
دعوة إلى تحديد موقف مبدئي على جبهة معينة بالمبادئ، وهي الجبهة
الثقافية، وهي مسؤولة مسؤولية تاريخية عن مواقفها ودورها في مثل هذه
القضايا الجوهرية والرئيسة في حياة الأمم والشعوب. وموقفها ـ منطلق الوعي
المسؤول والنظرة الشاملة ـ سيكون سنداً ودعماً للحق العربي، يبقى باب
النضال مفتوحاً، وقدرة الأجيال في تجدد، كما أنه من جهة أخرى منطلق قوة
حتى للحاكم الذي يحكمه ظرف ما، ويجبره على اتخاذ خطوات تكتيكية مرحلية
على طريق القضية الرئيسة، منطلق يبقى أساس التوجه للتحرير أمامه قائماً،
ويشكل أرضية عمل أوسع لـه يستخدمها ويعتمد عليها، إذا ما نظر إلى ذلك كله
بوعي معرفي تام، في إطار رؤية قومية وسياسية سليمة وواضحة.
إن
"إسرائيل" والصهيونية وأعوانهما يخططون ويوحون لعناصر مثل "كاهانا"
بإقامة "دولة يهودية" في الضفة الغربية في حال اضطرار "إسرائيل" في يوم
من الأيام للانسحاب منها، وهو تخطيط يرسمه العدو بكل أجهزته، وعند ذلك
سيجد الذرائع لتدخل من أجل "الأقلية اليهودية" من المستوطنين في الضفة
وسيترك يداً قادرة على تخريب "الدولة الفلسطينية" إذا قامت في الضفة
والقطاع.
وفي أحسن
حالات حسن النية ـ على فرض إمكان تخيل وجودها ـ فإن الصهيونية ستقايض
"عرباً" بـ "يهود" بين الأرض المحتلة عام 1948 والأرض المحتلة عام 1967
كما تقايض الأرض مقابل السلام، وبذلك تطرد ما يقرب من مليون عربي فلسطيني
من ديارهم وهم أولئك الذين لم تستطع طردهم عام 1948 فهل نحن قادرون على
تحرك مرن، يوزع الأدوار بثقة ويفتح الآفاق الإبداعية أمام المواطنين
لخدمة وطنهم بإخلاص؟! إن المبادرة الرسمية تهيئ مناخاً لذلك. إننا بحاجة
إلى فسحة من الديمقراطية، والرؤية الشمولية البعيدة النظر، والتعاون
المثري للحياة والموقف، والمرونة في التحرك ضمن المنظور الاستراتيجي
الثابت الذي ترقى أهدافه إلى درجة التقدير، ونحن بحاجة لاستثمار روح
المواطنة الحقة، بعد تعزيزها انطلاقاً من الثقة واحترام حقوق الآخر
وحرياته وأساليب تعبيره عن حبه لوطنه وإخلاصه لأمته وعمله من أجل الحرية
والتحرير والتقدم، انطلاقاً من حقيقة ملزمة هي حقيقة الانتماء المسؤول
والواعي للأمة، في إطار حقيقة تقول: إنه لا وطنية خارج حدود التاريخ
والجغرافيا في شمولها العلمي والعصري للأمة، وميزان الإخلاص هو العمل
للأمة ولأهدافها بإخلاص، وكل منا مدعو إلى ممارسة ذلك أياً كان دوره
وموقعه ومسؤوليته. فهل نحن فاعلون؟!!
¡¡¡