لا أماري
في أن وضعنا العربي محزن ومؤسف إلى أبعد الحدود، وفي أن وطناً تغطي ساحته
الخلافات والصراعات الداخلية والجثث، وأشلاء الحريات والحقوق العامة، وطن
محكوم عليه لا محكوم لـه، ولا أشك لحظة في أهمية دور الثقافة، سلباً
وإيجاباً، في الإسهام بصنع هذا الواقع وبالخروج منه. وأنا أرى كما يرى
سواي على الأقل، أي دور يُعطى الثقافة العربية الأصيلة ـ من خلال رصيد
الإمكانات المتاحة لـها ـ في الحياة العربية وعلى الصعد جميعاً، وأي
ممارسات توجه إليها وإلى العاملين في حقولها، وكيف يتم الاحتواء
والانضواء والاكتواء، في العلاقات القائمة بين منتج الثقافة والمسؤول
عنها ومتلقيها، وضمن شرائح كل فئة.
في ظل هذا
الواقع أرى تركيزاً كبيراً يتم على ظاهرة قديمة تتنامى وتبرز كلما سنحت
لـها فرصة أو لاءم وقت، وهي ظاهرة تأنيب الذات وإذلالها واتهامها بحجة
الحرص عليها، وتحت غطاء نقدها لتستيقظ وتعرف ما لـها وما عليها، وتحت هذا
البرقع، برقع الحرص، الذي يراد لـه أن يستر الشمس، يتم التأسيس لتثبيت
التيئيس وتغذيته، ولتعميق جذور عدم الثقة بالذات، وتوالي سلسلة الإحباط،
وفصل العربي عن مقومات شخصيته الثقافية وأصالته ومجتمعه وواقعه المعيش،
ليزداد ضياعاً وغفلةً وانصرافاً عن استخدام المجدي والفعال من الأعمال
والمعارف والمعايير والقيم، وأساليب التفاعل والتواصل الناجعة مع الذات
ومع الآخر، في إطار شمول الاتصال لـ: الأفراد والجماعات والأمم. من أجل
أن يكون المرء أولاً، وليغني كينونته والكينونة الأخرى، وليزداد بالوعي
حرية وبالحرية وعياً، وبالتالي ليصبح حضوراً معرفياً فاعلاً، وحرصاً على
الحضور النوعي، في عصر كثر فيه الشخوص، ثانياً.
أن نكون:
نعم لأن نكون، ولكن أن نكون من ماذا وكيف؟! هذا هو الأهم. قد ينهض قول:
إن الكائن يغنيه الاتصال ولا يلغيه، واتصال "الملغي" أوجب عليه وأكثر
فائدة لـه، أياً كان نوع الاتصال ومداه. وأنا أقول نعم لـهذا في حدود
وجود الكائن متمايزاً من سواه، مدركاً لما هو ولما لديه، حياً في تربة
ثقافية ومناخ اجتماعي يحميه ويعاطيه ويواكبه في تناميه، وفي تفاعله مع
الآخرين. أما إذا كان "الكائن" فرداً ممحوقاً معزولاً محاصراً بالشك
السلبي والاستلاب، مع غرور وتعالٍ يجعلانه أسير تخييلات من نوع خاص تريه
أنه خلق لمهمات من نوع خاص أيضاً، تليق فقط بالأرقى والأفلح والأرفع، في
جماعة يحكمها "التخلف"، وإنه المنذور لبلوغ عصر النور، والمنظور إليه
ليتحمل مسؤولية نقل "متخلفيه" إلى ساحة تقدمه ورؤاه,، ساحة "طليعيته"
التي تنبع فيما يبدو من حيث هو فريسة تامة لثقافة أخرى سحقته حتى العظم،
فامتثل لـها وعاش "وجوده فيها" سراباً ولهاثاً وتقليداً وتمجيداً، وأراد
أن يكون ظلاً لـها في أرضه، وأن يكون أبناء جنسه على شاكلته؛ إذا كان
"الكائن" فرداً من هذا النوع الذي يرى خلاص أمته في انسلاخها من جلدها
وهويتها وشخصيتها الثقافية، وفي أن تفصّل جسمها على ثوب مجلوب، فإنه في
هذه الحالة لا يزيد على أن يكون
]كباسط
كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه[،
ويشكل أمثاله: رؤوس حراب، عيوناً وأعواناً وصدى صادحاً، لدعاة الغزو
والاستلاب الثقافيين، والتبعية للغير في كل مجال.
إن الوضع
العربي وضع لا يريح ولا يرضي القاصي والداني، وكل من يهمه أمر الأمة
مستقبلها ومصيرها مدعو إلى التفكير بصوت مسموع ليضيء ببصيرته ليل الطريق،
فأمتنا حقيقة في صراع داخلي مثلما هي في صراع خارجي، بل قد يكون صراعها
الداخلي أشد وأمضى وأكثر خطورة، الأمر الذي يجعل قواها تتصادم ومقومات
حيويتها تتآكل. ومن الأهمية بمكان أن نسأل: كيف المخرج ، ولم هي كذلك؟!
على أرضية من الحرص على معرفة الذات ومعرفة الآخر، في ظل تمايز الذات
والاعتزاز بها وتحديد الآخر واحترامه. ووصولاً إلى ذلك نحتاج إلى أن
نستقرئ التاريخ القريب والبعيد، تاريخنا وتاريخ الأمم، ونستبطن الواقع
الاجتماعي والتكوين النفسي والعَقَدي للناس في كل ساحة وقطر، وندرس
مكونات ومقومات القوة والأمن والسلامة على الصعد والمستويات جميعاً، غير
متناسين أولاً وقبل كل شيء أننا نفعل كل ذلك من أجل أن نكون نحن، في
تمايزنا عبر التاريخ، وفي انغراسنا، أزلاً أبداً، في تربة أرض وتربة
حضارة خاصتين، مما يجعل منّا "هوية" في مناخ حي، وأننا نبذل الدم والجهد
والتضحيات الجسام، لتبقى لنا تلك الهوية، التي تتجسد أكثر ما تتجسد في
الشخصية الثقافية للأمة، ممثلة في حقوقها الرئيسة: اللغة والدين والتاريخ
والسمات والقيم والعادات الخاصة. أن تكون مسيرتنا في ظل الوعي والوضوح
التامين، هذا مطلب ملح، وأن نبدأ الاحتكام في تقدير قيمة وصلاح "المعرفي"
لدينا ولدى الآخر، في ضوء معايير العقل والعلم والضمير وأهداف الحياة
والوجود والسعي الإنساني للأفضل، في ظل معايير إنسانية، وطنية ومواطنية،
حقة، في ظل احترام للإنسان والمعرفة والقيمة والبحث والحقيقة، فهذا هو
الشرط الإنساني الأول للعمل والعيش، والشرط الأول للمعرفة الحقة والتقدم
السليم. ومسيرة الإصلاح والتأصيل والوعي بالذات وبالآخر، مسيرة السعي
لإلغاء "الغياب" والغياب المعرفي ـ إذا كنا فعلاً في حالة غياب تام
معرفياً كما يقال لنا ـ تلك المسيرة تبدأ في أعماق الذات أولاً وفي
مراجعة معاييرها ومقدساتها وثوابتها، لنخرج من ليل أليل إلى مشارف الصبح
على هدي مصابيح البصائر ولترى عيوننا ونكتشف طريقنا والـ "نحن"، فيها،
والآخر من موقعنا. أما الاستمرار في استيراد أدوية إلى هذا الجسم تؤذيه
أكثر مما تشفيه، وجلده والتمثيل فيه، فتلك نكبة الحكمة أولاً وثانياً
وثالثاً. إن ظاهرة "جلد الذات" خرجت عن حدود دائرة النقد البناء لتدخل
بنا وتدخلنا في أحد طورين:
ـ إما
الإِحساس بالدونية، وساحة مرض الشعور بالإِثم تأسيساً على خطيئة حمل
الهوية العربية، أو الوجود عربياً، وهي في هذه الحالة مرض.
ـ أو حالة
التطهر من حمل عبء الواقع والمسؤولية عنه، وعن تغييره، والهرب منه إلى
الأمام، بممارسة الشكوى وإصدار الأحكام، والتنصل من الانتماء، أو التعالي
الطهراني على الأمة، وهي حالة لا يجوز معها لحاملها أن يدعي القدرة على
العلاج.
والذين
يمارسون طقوس الطورين على أمتنا ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ في استكمال
إنجاز المخططات الخارجية الرامية إلى التفتيت والتيئيس وتوسيع دائرة
الاستسلاب واستمرار تآكل مقومات اعتبار الذات، لنبقى في حالة استنزاف،
ونصل إلى التبعية التامة ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً، ونصبح في المحصلة:
أفواهاً تستهلك إنتاج الغير، وسواعد تعمل لتسدد ثمن المستهلكات.
الذين
يقومون بهذا الدور التبشيري من أبناء أمتنا، وفي طليعتهم مثقفون ومسؤولون
ـ وإن اختلفوا فيما بينهم بالتوجه والاعتقاد والأساليب حسب الانتماء
والهوى، إلا أنهم يصبون جهودهم ليشرعوا أبواب صرحنا الثقافي العريق
ووطناً للاستباحة، لا للتفاعل مع الثقافات بوعي ـ أولئك يشرعون الأبواب
لتتعارك على ساحات وطننا ثقافات هم في خدمتها، وهدفها أن تكون أو لا
نكون، ووضعهم هذا يجعلهم في حكم المتواطئ وربما أكثر.
إن كل
مقومات كيان المرء والأمة، من قوة وثقة ووعي، كل الفعاليات الحيوية فيه،
تتراص وتتعاون لتواجه الضعف والمرض والانهيار، وأرانا مخترقين حتى العظم،
إبان مواجهتنا لأنواع المحن، حتى تتسرب السموم واللقاحات الفتاكة إلى
أعماق كياننا وشخصيتنا ونفوسنا وعلاقاتنا الاجتماعية وقيمنا الروحية
والخلقية، ويتم التشكيك في مقومات الصحة والسلامة فينا. وابتلاؤنا من
الداخل يكاد يزيد على ما نبتلى به من الخارج، وربما كان من الأصح القول:
إن من تمثلوا المخططات الرامية إلى إضعافنا وإتلافنا وجعلنا أمة تبعاً في
كل شيء، تحت مسميات وشعارات وغايات متعددة متنوعة ـ سواء أحملوا اسم
الضحايا وسمتهم، أم حماسة الوسطاء ووصمتهم ـ هم الأكثر تأثيراً وإنجازاً
لتلك المخططات، ولاسيما أولئك الذين يريدون لنا أن نرد موارد التطبيع مع
الصهاينة، والتعاطف العميق مع الغرب الاستعماري، ومنح عقولنا وقلوبنا أو
تأجيرها لعقيدة الشرق الأوروبي، أولئك الذين يحملون جميعاً "زاد" الآخرين
إلينا من دون فحص واختبار ملاءة، ويقتحمون جماجمنا وساح وعي أجيالنا
الغضّة، بنظريات ومعايير وقيم منها الفاسد وغير الناضج، أو غير المهضوم
والمفهوم من قبلهم، ومنها المراهقات الثورية والانفعالات العارمة، تحت
اسم الحرص وشعارات دخول العصر، ويريدون تعبئتنا في علب وعرضها على
أساتذتهم ليروا مدى نجابة تلامذتهم ومدى قدرتهم على التأثير والتغيير!.
لقد
أصبحنا "بفضل" هؤلاء، ساحة مواجهة لسياسات وثقافات وعقائد ومصالح متضادة
تتصارع بأموالنا وقوانا على أرضنا وفي كياننا ذاته، على حساب وجودنا
وحضورنا المعرفي نفسه، ونحن شبه ذاهلين عن ذواتنا من هول واستغراب، ومن
تخدير وتغييب وتضييق وتخويف وكم أفواه، حتى ضعنا وأضعنا وضاع فينا صوت
الحق ونداء الحرية، والكلمة المنقذة، والوعي، وأكاد أقول الكرامة. وعلى
الرغم من ذلك، أو بسبب مباشر من ذلك، نجد دائماً أن وصفات "النطاسيين
المعالجين لأدواء أمتنا، تلح على تقديم دواء متطرف الشدة والتركيب، فعال
إلى أبعد مدى في تفتيت قوى الدفاع والإقناع لديها، وسواء وصفوا السلفية
أو قطع كل صلة بها وبما توالد منها، الكتب الصفراء أو اللامعقول، المادية
المحضة أو المثالية المحضة، وبالأخص الآن نهج التعاطف العميق مع الغرب
والعالم الحر "الآخر الذي يفهمنا أكثر مما نفهم نحن أنفسنا" على حد قول
الدعاة، فإن تلك الوصفات جميعاً تطلب أن يرافق ذلك كله "بحمية" شديدة
دقيقة، لا يقرب فيها العربي كل ما هو عربي، خصوصاً الثقافة والأصالة، وأن
يأخذ الوصف دون إعمال عقل قد يؤدي إلى التردد والتشكك فيها مما سيؤخر
الشفاء. وتتلاحق الوصفات والمذمات وما يرافقها من إحباطات بحيث لا تترك
لـهذه الأمة لحظة راحة وتأمل واسترداد نفس، بله التفكير في أمر صلاحها
حقاً واختيار نهج ترتضيه يتلاءم مع ما كانت وما تريد أن تكون بدءاً مما
هي فيه.
وأخر وصفة
أتت من نطاسيين في "المعرفة" اغتربوا واختلفوا، حتى احترفوا واتفقوا،
"يحققون إمكان التعارف، تلك الحركة من الاتصال والانفصال في آن، رؤية
الذات، خارج الأهواء وبخاصة الأيديولوجية، معايشة الآخر داخل حركته
العظيمة ذاتها في لغته وإبداعاته وحياته اليومية" ـ /لاحظ جيداً وبصورة
خاصة في لغته، وحياته اليومية، وتثبت من حياته اليومية لأنها "مربط
الفرس"، آخر اتفاق في التشخيص يقول: "لا وجود لمعرفة عربية لـها مشاركتها
الخاصة، المتميزة، في استكناه العالم الحديث أو صياغة أسئلته" و"ثمة غياب
معرفي عربي بهذا المعنى عن خريطة المعرفة الإِنسانية اليوم". وهذا استدعى
لديهم طرح السؤال الذي ينطوي على تأكيد بأن "الإنسان العربي نفسه غائباً
بمعنى ما". وعلى أرضية هذا الاتفاق على "غياب الوجود الحيوي للإنسان
العربي معرفياً على الأقل" يتوجه التوكيد على ضرورة معرفة الذات التي لا
تتم إلا بمعرفة الآخر، ولأن ذلك الآخر "الغربي على الخصوص" يعرفنا أكثر
مما نعرف أنفسنا، ولأن معرفة الآخر تقتضي "الاتصال وتعاطفاً عميقاً"
فعلينا أن نزيد من وتيرة الاتصال به و"التعاطف العميق" معه.
وإذا كان
هذا شيئاً ثابتاً من مظاهر الحقيقة والحرص، فإن فيه أيضاً شيئاً من تجيير
المنطق لصالح غرض وهوى، يتراءى لصاحبه على أنه إخلاص محض. إن معرفة الآخر
ضرورة، والتعامل معه حاجة حياتية لا يستغنى عنها، والعرب أحوج ما يكون
إلى معرفة ذاته وتجديد معارفه وتطويرها ليكون أكثر فاعلية وحضوراً، لا
ليلغي غياباً مطلقاً، أما قضية التعاطف العميق مع الغرب التي علينا أن
نقبلها، والتي تشبه كسر الحاجز النفسي التي طرحت على أمتنا يوماً وسببت
ما سببت، فهل هي الشرط الوحيد اللازب لنجاح التواصل مع الغرب ومعرفته؟!
وهل الغرب "الآخر" تعاطف معنا "تعاطفاً عميقاً" عندما اتصل وبينما يتابع
الاتصال بنا بهدف برئ هو معرفته للآخر "نحن" معرفة عميقة؟! متى فعل ذلك
وكيف؟! هل تم ذلك في فترة الاستعمار المباشر أم غير المباشر؟! أم إبان
فترة الاستنزاف والتهديد والإرهاب المستمرة حتى يومنا هذا؟! وهل يفعل ذلك
"بتعاطف عميق" والتعاطف لا بد من أن يحمل شيئاً من الاحتراف ونبل الغاية
وشرف الوسيلة؟! وهل الاستعمار وتحقيق النهب الاقتصادي والتوطن الثقافي في
العقول والضمائر، ومحو الثقافات الأصيلة وتشويهها، والممارسات العسكرية
وأنواع الغز وويلاته، تلك التي مورست ضد شعبنا العربي ومازالت تمارس،
جاءت لتحقيق ذلك التعاطف العميق، ورغبة نبيلة في معرفة الآخر ومعرفة
الذات؟!
يبدو أن
مجرد طرح مثل هذه الأسئلة يتضمن بنظر البعض، توجهاً شوفينياً أو تخلفاً
وعدم رغبة في "الانفتاح"، أو قوقعة وعدم قدرة على التعامل مع "الآخر"، أو
يفسر، في أحسن الافتراضات، على أنه عدم إدراك للعصر ولموقعنا وموقع الآخر
فيه، قصور عن فهم حركته المتسارعة قدماً، وقصور عن استكناهه والإسهام في
صوغ معارفه وأسئلته!!
ولا يسمح
لمقولات أخرى تصنف مثل هذه النظرة في باب "لثم الضحية ليد الجلاد"،
وتنويعات على وتر عقدة "الزنوجة" لدى بعض النفوس، لا يسمح لتلك المقولات
بمجرد رفع رأسها.
إن هذه
الدعوة التي يبدو أن ظاهرها الحرص ولحمتها وسداها جلد الذات العربية،
تنطوي على استمرار في مخططات قديمة جديدة تتوسل إلى ترسيخ التبعية وإلغاء
الشخصية الثقافية العربية أو شلها:
ـ بتأكيد
دونية العربي حيث لا يملك ذاتاً قادرة على معرفة نفسها بله الآخر.
ـ بعدم
صلاح ما يملك من رصيد معرفي وتجربة ومعاناة وتاريخ وقيم وتراث، لإِخراجه
من تخلفه، بل إقناعه بعدم صلاح ذلك الرصيد كمعطى خام يوظف لنفي حالة
"الغياب" عنه.
ـ بإعلان
مبدأ الإنابة ـ الوصاية/ عنه وعليه/ بطليعة تعيش الحياة اليومية للآخر
"الغرب"، وتعايش الإبداع والمعرفة والأسئلة، التي يملكها "الآخر" وتتعاطف
معه تعاطفاً عميقاً فوق أرضه. وكل ما سوى تلك الطليعة غير قادر ـ فيما
يبدو ـ على رؤية سبل الخروج إلى طريق الحضور المعرفي الممكن للأمة في
مستقبلها.
فليهنأ
الذين في "الوطن" يعيشون معاناته لأنهم ينعمون بالجهالة، بينما يشقى
سواهم في النعيم، ولينظروا ـ إذا استطاعوا النظر ـ في أمر التعاطف
العميق، أو التبعية التامة لمنطق يرى أنه "العلم" في حين لا يعترف به
العلم، ذينك اللذين "قد يخرجانهم من حالة "الغياب" إلى حضور المعاصرة.
لكن الشرط القائم في كل من الأمرين أو التوجهين هو أن تنسى أيها العربي
ما أنت ومن أنت، ما كنت وما تريد أن تكون، من أجل أن تكون ما يريدون.
إنها حالة غسل دماغ طوعية باسم المعرفة والحضور في العصر. فهل يقبل
اللاهثون وراء مخرج من طوق الضيق والرهق في الوطن الرحيب، هذين الحلين
الجاهزين، أو الخيارين الوحيدين؟! أم أن بقية من صلابة ورؤية وبصيرة
ورغبة في البحث والنضال تشير إلى حل آخر، خيار آخر، فيه التمايز
والخصوصية والوجود المتنامي عبر التاريخ، ويحقق الحضور الحيوي في عصر
المعارف، ومعرفة العصر؟! إن الزمن لا ينتظر، والرهان قائم، وخسارة الرهان
خسارة وجود الفعل وفعالية الوجود.
¡¡¡