مشكلات في الثقافة العَربيَّة - د.علي عقلة عرسان - دمشق - 2005

بَقايا أسئلة

في كل يوم يتعمد شارعنا العربي بالدم، وتتهادى أكفنا بالشهداء، شهيداً إثر شهيد نلحدهم في المقابر، ونراهم يتقاطرون ذكرى إلى جانب ذكرى، ولكنهم لا يتراكمون في الذاكرة كما يتراكمون في الثرى. فذاكرتنا مثقبة على عكس حلوقنا التي تكتنز الألم وتخصبه، وتكبر فيها الغصة ويعشش فيها الصاب، وعلى عكس قلوبنا التي تفترش الصبار ويفترشها. ولا نلبث بين جرعة ألم وأخرى، أن نلهو بالكلام ويلهو بنا الكلام، نلوكه ويمضغنا، ونصبح في مهب الريح شكاوى وكلمات، من دون أن ينقلنا ذلك خطوة جادة واحدة على طريق الخلاص، تلك التي نراها ونعلن عزمنا على السير فيها، ونتبادل من أجل سلوكها التهم والتحقير وسوء التدبير، من دون أن نرزق مجرد الخطو على ترابها.

وفي كل يوم يتجدد فينا الإحساس بالتخاذل والخذلان، وتكبر المأساة وتتضخم الشعارات ويتواكب ذلك مع الكذب على الذات، ذلك الذي ينمو في الاتجاهات جميعاً، والذي أخذ يشكل أكثر من غشاوة تزيغ البصر والبصيرة، وتمنع سلامة الرؤية وتدقيق التوجه بالإنسان وإليه. وهانحن وجماهيرنا صفوفاً نلهث وراء الأرز والرغيف والإِعاشة وتتآكل فينا الأحاسيس السليمة بمنزلتنا في الوطن وفي الحياة. وترانا ندلف من سقم إلى سقم ومن عتمة إلى عتمة، وننصرف عن الاهتمام بالعام إلى الاهتمام بتفاصيل الخاص، ولا نستفيد من دروس تتالت، ونكبات توالت، وسنوات ألقحت في المأساة وبها، وحبلت بالمر، وأنجبت الأسى، ودافت سمها وسقتنا حتى استقر شرابها في نقي العظام، وما زال يغذي بؤسنا ويتغذى بنا وبألقنا، ولا يترك لنا حتى مجرد الأمل بالخروج مما نحن فيه إلى ضوء ما نؤمل النفوس ببلوغه وباستشراف آفاقه. وكأن لنا من أنفسنا أعداء يقوون بقوة الألم وضخامة المعاناة وقسوتها، وكأن لنا عند ذواتنا تأثراً نأخذه وديناً نستقصيه، أهي عقدة أم طبيعة أم وهم ترضعه أجيال لأجيال؟! إن استقراء تاريخنا البعيد، والوقوف على قيمنا عبر التاريخ لا يفيد بأن لنا مثل هذا الذي لنا اليوم، فما السر وما المآل وما العمل؟!

منذ نيف وأربعين سنة ونحن نعبِّد طريق العودة إلى فلسطين بالجثث والدم والدموع والتضحيات، وكلما مر عام ابتعدنا عن تحقيق هدفنا أعواماً، وكلما مر عقد من السنين قدمنا مرغمين أرضاً، وتنازلات للعدو، الذي يكبر بتصاغرنا، ويستنسر بغاثه بتعصفرنا، ويزداد ولوغاً في دمنا وتمزيقاً لقوامنا كلما ازددنا حرصاً على بلوغ درجة أعلى من الاستسلام باسم "السلام" وكأنما خبر فينا شيئاً يجرنا من أعناقنا إلى التنازل أمام جبروت الحقد والقوة.

وهانحن بعد مدة من بدء انتفاضة أهلنا الأولى في الأرض المحتلة التي قدمت مئة وسبعين شهيداً عدا مئات الجرحى والخسائر العظام، لا نستشعر أن ذلك أحدث تغييراً جدياً يذكر في أسلوب "الفرجة" العربية على ما يجري للذات العربية، وبقيت العلاقات العربية متردية، والمواجهة العربية في حدود الكلام الحذر والحجر باليد والإِعصار في القلب.

ومن الطبيعي في ظل مناخ كهذا أن تتطاول ذراع "إسرائيل" التي مازالت تتباهى باستخدام القوة، وأن تمتد بغطرسة وعنجهية إلى أماكن بعيدة من وطننا، وأن تصطاد من تريد وتأخذ ما تريد، وتمارس حقداً ووقاحة ما عليهما من مزيد، عرفاً عن ذلك الكيان الذي يعرف كيف يزيف ويخوف، في ظل غيبوبة عربية، وتناحر وتدابر مخزيين يلفان النفوس على الرغم مما يتصاعد من كلام على الشفاه.

وهاهو ما جرى قبل سنوات في بيروت، حين اغتالت إسرائيل الشهيد كمال ناصر وزملاءه. يتكرر اليوم في تونس على صورة أبشع، وبتظاهرة إرهابية رسمية أوسع، موثقة ومصورة وموزعة. وحين يقدر لذاكرتنا أن تستعيد على نحو ما عمليات الموساد التي تمت ضد مناضلينا في مناطق مختلفة، فإن ذلك يجعلنا نستصغر شأن كل ما تقوم به أجهزتنا العربية، ونراه يكاد ينحصر في ملاحقة العربي للعربي في نفسه وبيته وحيه ومدينته وقطره ووطنه الكبير، بينما يسلم العدو من سطوتها ومن ردودها وردعها ومهاراتها. فهل نحن لُقى تتداولنا الأيدي، وتملك من قبل كل قادر على السطو، أم أن لنا شأناً يتجسد في إرادة ترفع الجباه بفعل يلغي العطالة المستقرة في نفوسنا؟!! وهل يحق لنا أن نحلم مجرد حلم لا أكثر، بأن تتوجه أجهزتنا العربية إلى العدو لتخمشه حين يجرحنا، وتجرحه حين يذبحنا؟! وهو المتمادي في تشويه وجوهنا دورياً، وفي إحداث جراح لا تندمل في الكبرياء والكرامة والثقة بالنفس، معززاً ما يوحي هو به ويركز على تجسيده من زعم بقدرته التامة وبعجزنا التام؟!

لقد أعقبت استشهاد "أبو جهاد ـ خليل الوزير" مبادرات عربية طيبة، تتيح الدخول في مناخ عربي جديد، يعزز التفاهم والتوجه النضالي والمواجهة المجدية، وينعش الآمال بالتحرير والتحرر، ويمكّن من فتح صفحة جديدة على أسس قومية تحررية وواضحة تستفيد من التجارب المريرة التي تمت حتى اليوم. فهل يحق للعربي المدمى بخناجر "إسرائيل" ورصاصها، أن يأمل بفسحة من العمر لخط مواجهة مشرفة بين الأمة العربية وعدوها، وبينها وبين جذور الضعف وبذور الفرقة في ذاتها؟!! هل يحق للعربي أن يستشرف مستقبلاً أكثر لياقة بتطلعه وطموحه إلى قيام جبهة تستعيد ألقها ومدها القومي، وقدرتها على المواجهة وحمل ثمار المهج التي تتميز غضباً، لتضع حداً للزحف الذليل باتجاه الاستسلام والمساومة والخنوع، والركض وراء مؤتمرات لن تسفر إلا عن اعتراف بالكيان الصهيوني على الأرض العربية، كبرت مساحة تلك الرقعة التي يشغلها أم صغرت، وهو الأمر الذي يسعى العدو لـه، حيث بالاعتراف وحده يوطده عزم مهاجريه على البقاء، ويحيطهم بنوع من الاطمئنان والأمان، ويجعلهم يركنون إلى أن الوسط العربي يقبلهم ويتعامل معهم.

إن المراهنة الصهيونية خصوصاً والإمبريالية عموماً، تقوم على إمكان قبول الجسم العربي للكيان الدخيل. وتلك المراهنة تحاول أن تنتصر في ظل الضعف العربي وغياب طروحات الصمود والتصدي والتحرير، وانسحابها لصالح طروحات "كامب ديفيد" و"سلام" الاستسلام، وظلال المؤتمرات الدولية التي تريد أن تنتزع من العرب اعترافاً بإسرائيل.

إن أكثر من أربعين سنة من المقاومة العربية، وما يفوق عدد تلك السنين من المقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني ـ الاستيطاني في فلسطين، وما قدمه الشعب العربي من دماء في حروب / 1947 ـ 1956 ـ 1967 ـ 1973 ـ 1982/ وما بينهما من وقت سجلت أيامه بالدماء والتضحيات والآلام والدموع، وأضيئت غياهبه بأرواح شهداء تقندلت في سماء قضية العرب الأولى، إن كل ذلك تم حتى لا يتحقق اعتراف بإسرائيل، وتم لتسقط تلك المراهنة، فبأي حق، ولأي سبب أو غاية، ينبغي أن يذهب كل ما فعلناه هدراً؟! ولماذا يخسر الشهداء والمضحون مسوّغ الشهادة والتضحية؟! وهل يجوز لنا أو لأي فصيل منا، أو جيل بعدنا، أن يمنح العدو، بعد كل تلك السنوات والتضحيات، ما كان يريد أن يفوز به أو بنزر يسير منه، عام 1947، وهل يجوز أن نصادر حق الأجيال القادمة في التحرير والحرية والكرامة، وفي اتخاذ القرار المشرف الذي تراه لاثقاً بقراءتها للتاريخ الذي تنتمي إليه وينتمي إلى أمتها؟!

إن مسؤولية إقامة مناخ المقاومة والمواجهة والتحرير، تتصل بمسؤولية خلق مناخ عربي تنمو فيه إرادة الأمة الواحدة، وروح التضحية والحرية والمسؤولية عن كل ما يجري فوق الأرض العربية. وإذا ما أردنا لـهذا المناخ ولتلك الروح أن يسودا في النفوس والإرادات والقرارات والممارسات، وأن يتجسدا على أرض الواقع. فلا بد من الاعتراف بأن المناخ العربي السائد لا يساعد على ذلك ولا ينميه، وأن لا بد من تغييره باتجاه بناء، وإن مسؤولية ذلك تقع على كل منا، وعلى المسؤولين العرب في كل درجات المسؤولية، وأن الوصول إلى تشخيص دقيق للمناخ وأمراضه وعوامل تغيره وإصلاحه تقتضي مراجعة صريحة للذات في ظل معايير وقيم تضع العام فوق الخاص، والقومي فوق القطري، والتحرير فوق تدرجات التبرير، وإرادة الشعب فوق إرادة الحكام، والحرية في أعلى درجات القداسة والمسؤولية، والمساواة ـ الديمقراطية ـ أساساً للوقوف أمام القانون والشعب والتاريخ والمعايير، والمواطنة أساس قيام الوطن الذي تحترم فيه الحقوق والحريات والواجبات، ويعاقب ويثاب فيه على معيار لا يتغير بتغير الأشخاص المعروضين عليه، والأفعال المقدمة إلى ميزانه.

وإن مثل هذا الذي نراه أساس البناء السليم للفرد وللجماعة، ولحسن المواطنة، وحسن المواطن، وقيم التحرير والبناء والتدبير، وليس غريباً على شعبنا ومواطننا وتاريخنا وعقيدتنا، ولا هو مستحدث في تاريخ الشعوب أو في تاريخ المقاومة من أجل التحرير والحرية، بل هو أكثر ما نعتز به وجوداً حياً، وكثرة ونقاء عبر تاريخنا العربي، وهو ما نجد أننا بحاجة لأن نستظل ظله، لنبني في سمائه عمراناً على أرض اعتزت بالعمران وقدمته كما قدمت مفهومه "الخلدوني" للعالم، قبل أن يعرف العالم علم التاريخ.

ولا نجد أن ذلك الذي نتطلع إليه يبنى إلا في ظل الاقتناع بأن طريق الخلاص الحق مما تعاني منه الأقطار والجماعات والفئات والأفراد في الوطن كله، أن ذلك الروح لا ينمو إلا في تربة عربية حقيقية نقية تضربها شمس الفكر، وتخصبها المعاناة واستقراء التاريخ، تربة حقيقية سمادها التجربة والدم الغزير الذي أريق ويراق، والدمع والآلام والتضحيات، وذرات ترابها من تلك الأفئدة التي يعصرها الألم لما آل إليه شأن الأمة من انحدار في هذا الزمن، وذلك الروح والمناخ والتربة، كل ذلك لا يوجد ولا ينتج ولا ينمو إلا بعيداً عن التزييف والشعارات والمناورات والمزايدات، عن الذرائعية والتبرير المبرمج للبقاء خارج إطار الالتزام القومي بتبعاته ومسؤولياته، وبعيداً عن التراشق بالكلمات والتصريحات وعن كل أشكال الهرب إلى الأمام، أو التقوقع في الماضي هرباً من مواجهة متطلبات العصر والوقت والآن.

إن الدم العربي الذي أريق على طريق فلسطين، أعز وأطهر وأطيب من أن تنمو عليه الفطور السامة، ويثمر التخاذل والاستسلام، ويؤدي إلى التفريط بالحقوق والأرض والكرامة. ولهو أعز وأغلى وأنقى من أن ندوسه أمام الأجيال والتاريخ، بمجاوزتنا للأهداف التي أريق من أجلها. وأننا بأنواع وأشكال نكوصنا عن السير في الطريق المؤدية إلى بلوغ غايات الاستشهاد وأهدافه، ذلك الذي أعلى وما زال يعلي صرح التحرير، وشأن الإنسان العربي، وإرادة البقاء وروح الكرامة لدى شعبنا، إننا بذلك إنما نطعن الشهداء من الخلف، ونسيء إلى قدسية الشهادة، وللمبادئ والأسس والقيم والأهداف التي بذلت المهج وتبذل رخيصة في سبيلها. وكل تقصير في إشاعة مناخ عربي يساعد على تحقيق مواجهة العدو، وإقامة توازن استراتيجي معه بهدف إزالة العدوان وتحقيق التحرير للأرض وللإِرادة ـ لا إلى إحداث توازٍ بين كفتي ميزان القوى للإبقاء على الوضع القائم في إطار من التوازن من دون حسم للقضية القائمة، ومن دون وضع حد للاستنزاف المستمر لطاقات الأمة ومقومات قدرتها، والمضي في تعطيل انطلاقتها الحضارية من جديد ـ إن كل تقصير أو مراوغة أو تلكؤ في هذا المجال، يؤدي إلى تخريب قيم الأجيال وإرادتها، وإلى فساد كيان الأمة وعزيمتها، ونقض لكل ما تبنيه وتتطلع إلى تحقيقه من أهداف وإنجازات وعمران، وهو يؤذيها في مقدساتها وقراراتها وحسها القومي ووعيها التاريخي، وينمي عدم الثقة، ويزعزع المصداقية بين الجماهير والقيادات من جهة، وبين الأقطار بعضها ببعض، والأجيال والجماعات بعضها ببعض من جهة أخرى.

لقد واكب المواطن العربي، المحروق الكبد، مؤتمرات القمة العربية منذ بدأت مسيرتها في الأربعينات، وما زال يلمس نيات طيبة وممارسات رديئة، وكلمات معبرة عنه، وأفعالاً لا تمت إليه بصلة، ويقف على رغبة في وحدة الكلمة والموقف والصف في مجالات العمل وعلى صعده ومستوياته جميعاً، ولا يجد حرصاً على شيء من ذلك، إلا لماماً، وبصورة عابرة لا تعمر ولا تقيم البنيان لبنة لبنة و مدماكاً مدماكاً. ومن حقنا، ونحن الذين ندفع ثمن الضراء، وتفوتنا الذاكرة في السراء، أن نسأل: إلى متى يستمر ذلك، وما سببه؟! ولماذا يكون لنا ـ ونحن الذي نعاني الأمرين ـ أقنعة تمنع قسمات الوجوه من أن تعبر عن الدواخل؟! ومن حقنا ـ نحن المواطنين العرب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق ـ أن ندعو إلى معرفة مواطن العلل، وبواطن الأمور، والوقوف على أسباب الخلل، وأن ندعو إلى مجاوزة هذا الوضع لتقوم لنا قائمة في وجه أعداء لا يرحمون، وعصر لا يعرف التوقف لانتظار المتأخرين، وواقع يغري بقسوة العيون والقلوب، ولا تقوم في ظل ذلك قائمة إلا لأمم متماسكة وشعوب تعرف ما لـها وما عليها، وتمارس دورها بوعي معرفي يقودها، ورؤية تاريخية تهديها إلى ما يبنيها وينعشها ويقيم أسس حياتها وحيويتها.

من حقنا، نحن المواطنين العرب، أن نسأل أنفسنا وأن نسأل مسؤولينا، عن الأسباب التي تمنع التبادل والتعاون الاقتصاديين بين أقطارنا، والتي لا تسمح بقيام طرق مواصلات عاملة بين مدننا، وعن نتائج شلل التواصل والتفاعل الثقافيين بين أبناء الثقافة الواحدة واللغة الواحدة، وعن مسوّغات النظر إلى المواطن العربي في المطارات ومراكز الحدود العربية نظرة اشتباه واحتقار، ومعاملته معاملة مزرية، وتوجيه الإهانة إليه بمعاملة الأجنبي من غير العرب، معاملة أكثر احتراماً وإكراماً ولياقة؟‍! ألا يمكن أن يقوم حد ما يمنع انعكاس خلافات الحكام على شكل احتقار متبادل من الأجهزة للمواطن ابن الشعب الواحد؟!

ألا يحق للمواطن العربي أن يسأل: لماذا يتأخر ويتبلد الحس القومي، وتنام العواصم العربية على الأذى، ولا يشعر الأخ بألم أخيه وجرحه؟! ولماذا يدفن العرب أحياء في فلسطين، ويجلدون ويعذبون في كل قرية من القرى العربية المحتلة، ولا تتحرك الجماهير العربية، حتى لمجرد التعبير عن صراخها الذي ترمّد في القلوب؟! أليس بالمواطن العربي نبني ونحرر ونتقدم ونعتز، وبه نوحد الوطن، ونواجه أنواع التحديات وأشكالها؟! ومن أجله ومن أجل روحه المعنوية وأصالته وصلابته ووعيه ومستقبله، نحكم ونرسم ونقرر ونبرر ونسوّغ، فأين هو فعلاً مما نريد من منه ونريد لـه؟، وأين دوره وإرادته في صنع القرار وصوغ المستقبل، وتحديد ملامح الرؤية القومية الوحدوية التحريرية للعرب أمة ووطناً؟!

ألا يحق للمواطن العربي أن يسأل عن قوت يومه كيف أصبح وكيف يغدو، وعن أبنائه كيف يسكنون ويطعمون ويتعلمون ويتزوجون ويكوّنون أسر المستقبل، ومستقبل الأمة؟! ألا يحق لـه أن يشارك في وضع تصوّر لكيفية تربية أبنائه وتعليمهم وتنشئتهم على أساس من الاتصال الوثيق بقيم الأمة، والاحترام العميق للوطن والكرامة، والحس السليم بمعنى الانتماء إلى أمة عربية، وقضايا تحرير وحرية، والوقوف على حقوق وواجبات في ظل المساواة التامة والمسؤولية أمام الضمير والقانون والشعب والوطن والتاريخ؟!

ألا يحق لـه أن يعرف لماذا هو هكذا محروم من أن يكون على خريطة الوجود بكل حيوية الكائن الموجود وفعاليته؟! ومن ثم لماذا لا تكون أمته موجودة بكل حيوية الأمم وفعالياتها؟!

إن تلك الأسئلة وسواها، من حق المواطن العربي أن يطرحها على نفسه وعلى مسؤوليه، وأن يواجه ذاته بالحقيقة كما يواجه بها سواه، لاسيما وأن الأحداث والوقائع كلها تشير إلى استمرار مناخ الضعف والتخاذل والاستسلام، وإلى استمرار تصاعد المدّ العدواني وتصعيد النزوع الاستعماري للسيطرة بأشكال متطورة ومتنوعة، وإلى ممارسة كل أنواع التخريب للقيم والشخصية والثقافة والعلاقات، والاقتصاد والاجتماع، والعمران كله، وإلى استخدام الإرهاب الرسمي والإجرام والمذابح وكل أنواع العدوان عند الضرورة، ضد الأمة العربية أقطاراً وجماعات وأفراداً من أجل تحقيق أهداف أبجديتها: منع الأمة العربية من: الوحدة والتحرر والتقدم والتحرير، وإبقاؤها أمة تبعاً، وسوقاً استهلاكية لسلع الغير، وطاقة من أفواه وسواعد، توظف لما هو في غير صالحها وصلاحها، وخلق أعداء لـها من جلدها، وتنفيذ مخططات ومؤامرات وأهداف بأيدي أبنائها وبأموالها، أولاً وقبلاً كل شيء، ولا يحين دور الغير إلا عندما تستدعي الضرورة القصوى تدخلاً مباشراً أو إيحاء مباشراً. فهل نحن منتهون إلى يقظة واعية واحترام لذواتنا وأمتنا قبل فوات الأوان، أم أن ما سجلته السنوات المتوالية من مرارة وتدابر وتطاحن، سوف يبقى مستمراً، ولا نتقن إلا فن الفرجة على ذواتنا ووطننا في الوقت الذي تأكلنا فيه النار؟!

إن الأمل مشرعة آفاقه، وما زال في الأمة مَنْ وما ينقذها ويسير بها إلى تحقيق أهدافها وعزتها بثقة وسلامة، ولكن الخلاص من أسرار النظرة الضيقة، ومن إطار الخاص والقطري والذاتي، وصولاً إلى العام والقومي والموضوعي، وإلى رؤية عربية واعية بماهيتها وبما لـها وبما عليها، هو الذي يضعنا في طريق الخلاص، وأملنا بذلك كله كان وما زال وسيبقى.

¡¡¡

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |