مشكلات في الثقافة العَربيَّة - د.علي عقلة عرسان - دمشق - 2005

في المؤتمر الثامن لاتحاد الكتّاب السّوفييت

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها موسكو، ولكنها كانت المرة الأولى التي أراها فيها مغمورة بالشمس، والسماء فيها صافية ولون الخضرة يكتسب كل قدراته على الإيحاء وإحداث الفعالية في النفس.

ومن شرفة في الطبقة الثالثة بالجهة الغربية من فندق روسيا /55 ـ 03/ أخذت أتأمل الغروب، وكان القرص الأحمر يتهادى متدلياً نحو محيط مجهول. مشيّعاً بالحنان من الطبيعة وهو يرسل شعاعه بين برجين مشعين في الغرب الشمالي من الكرملين تنامت بينهما كتلة إسمنتية لبناء حديث، تمنيت لو أنها لم تشوه ذلك المنظر الجميل للغروب الذي يتجلى من خلالهما، حيث كان قرص الشمس الهادئ يتوسط تماماً المسافة بين البرجين ويتراخى باستسلام على أرضية قرميدية يحتضنها الأخضر الأخاذ.

وحتى منتصف الليل كان الضوء يغمر السماء في الأسبوع الأخير من شهر حزيران 1986 حيث انعقد المؤتمر الثامن لاتحاد الكتاب السوفييت/24 ـ 27 منه/ في بحبوحة من الضوء والشمس والاخضرار. قبل خمس سنوات حضرت المؤتمر السابع للاتحاد،وفي جو مثقل بخلفيات تحسها ولا تراها، كان يدوّم شيء غير مفهوم في قاعة المؤتمرات آنذاك كان هناك ضباباً بارداً يضع القلوب والألسنة والوجوه في علب مضيئة، الكلمات محسوبة، والمتحدثون يراعون إشارات مرور يعرفونها معرفة جيدة، ويدركون حساسية اللون فيها إدراكاً فائقاً، ونادراً ما كان المتحدثون ـ على ملاءتهم الثقافية والأدبية ـ يشيرون إلى عيب أو نقيصة، أو يذكرون مطالب ذات صلة بالأمور الكبيرة. كنت تشعر بهم "يرتلون" ونادراً ما كان يقع "النشاز" إن صح التعبير. وفي هذا الإطار المتثاقل كانت تمر أيام المؤتمر وأعماله، وتتحدد آفاق السنوات المقبلة، والمرء يشعر من خلال الاحتكاك والوجوه، بوطأة الجو على بلابل الحرية التي كانت ترغب في اعتلاء القبب الذهبية في الكرملين، ورفع ذلك الجرس الضخم الذي يزن عشرات الأطنان والجاثم منذ زمن على زاوية الرصيف أمام الكنيسة، وقرعه مرسلة نداء الكلمة في الأرجاء، متخلية عن أقفاص قاعة المؤتمرات الواسعة في ذلك البيت الأحمر الكبير.

كنت أوطن نفسي على حضور مؤتمر كذلك المؤتمر وأنا أتوجه إلى القاعة ذاتها عبر الفناء الواسع الفاصل بين كنيستين من أقدم الكنائس الروسية في الكرملين، تحوي إحداهما توابيت القياصرة قبل انتقال العاصمة من موسكو إلى لينينغراد (بطبرسبورغ) والأخرى تضم أيقونات رائعة تحيط بقاعة يحتل فيها مكان جلوس القيصر إيفان الرهيب والمطران الأكبر حيزاً بارزاً ويقدمان صورة من صراع كان يدور في تلك البقاع حاداً وصامتاً بين القصر والكنيسة. في قاعة الاجتماعات الضخمة لمجلس السوفييت الأعلى (مجلس الشعب) احتشد جمع غفير يربو على الألف شخص بينهم (560) مندوباً يمثلون أعضاء المؤتمر الذين جاؤوا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي ممثلين لآداب القوميات الناطقة بتسعين (90) لغة بينها (79) تسع وسبعون لغة يكتب فيها الأدب وهؤلاء هم الذين اختارهم الكتاب السوفييت من بين أعضاء الاتحاد البالغ عددهم 9600 تسعة آلاف وستمائة بمن فيهم المترجمون الذين ارتفعت أصوات في المؤتمر تنادي بتخصيص اتحاد لـهم يفصلهم عن الكتاب والأدباء لحكمة يعرفونها، فأهل مكة أدرى بشعابها، كما يقول المثل العربي. كانت الوجوه تحمل تجربة أصحابها وهمومهم وأعمارهم، ثلاثة فقط من بين المؤتمرين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً، إثنان منهم من لاتافيا /شاعرة ومترجم/ وفي القاعة أيضاً مدعوون إلى المؤتمر جاؤوا من حوالي خمسين بلداً حيث وجهت الدعوة إلى 67 بلداً في الأصل، وهناك أيضاً عدد من الصحافيين والمرافقين والمترجمين، وبعض كتاب فرع موسكو الذي يبلغ عدد أعضائه /2000/ ألفا عضو، وجرت فيه انتخابات فرعية صاخبة شكك بعض الكتاب من المؤتمرين بسلامتها علناً في أثناء المؤتمر. ومن التقرير المطول الذي قدمه رئيس الاتحاد جورجي ماركوف، إلى تقرير لجنة الرقابة إلى مداخلات الأعضاء تحدث 58 عضواً في الجلسات العامة و136 في اللجان، أخذنا نتحرك نحو مناخ جديد.

بارس ألينك من أوكرانيا أول من وضعنا في عمق المناخ الجديد، بحديث حار وجريء انتقد فيه بحيوية وعلنية مظاهر فساد في الحياة العامة، وموقف الإِعلام مما حدث في تشرنوبيل، وطالب بأن توضع على المحك مصداقية العلم والعلماء في تعاملهم اليقيني مع الذرة وفي إعلاناتهم التي لا يتطرق إليها الشك، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بمصير الإنسان والحياة، ودعا الآخرين إلى التفكير بمصير الناس في كييف أولئك الذين ينتظرون من الكتاب أن يزوروهم وأن يقولوا كل شيء لوجه الحقيقة.

وبدا أن قول الكاتب الكسندر إيشارين الذي تحدث في اليوم الثالث من أيام المؤتمر يحمل ملامح الإِحساس العام للوجدان في موقف الكتاب من مجمل القضايا العامة في القارة السياسية الكبيرة/ الاتحاد السوفييتي/ حيث قال: "لقد كنا نرفض أن نكون وجداناً للشعب. خلال عشرين سنة تعبنا من الكتمان ومن البوح بنصف الحقيقية".

وعلى أرضية من مقررات وتوجهات المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، وأقوال أمينه العام ميخائيل غورباتشوف الذي اجتمع بممثلي الكتاب لمدة تزيد على أربع ساعات قبل المؤتمر، ومنها قوله لـهم: "علينا أن نتعلم كيف نعمل في ظروف الديمقراطية، وكلما ازدادت الديمقراطية زاد دور النقد في الأدب". على تلك الأرضية بدأت أسمع أصوات الكتاب، وأقرأ أقوالهم، وأستقرئ مواقفهم، وتأتيني نفحات حرة أكثر وضوحاً وصدقاً وإخلاصاً، كأنها تجسد في بعض اللحظات ذلك المطلب الذي رفعه أحد الكتاب قائلاً "نريد إطلاق كامل الحريات أمام الكاتب". وكل ذلك يضعني في صورة الجديد، وعلى تماس مع الواقع كما تراه عيون مبصرة، وبصائر نافذة، وذوات مدركة عاشت وعانت وتمكنت من تخمير التجربة وتكثيفها في أقوال ومواقف.

وشعرت، بالاعتزاز والفرح، وأنا أرى الكلمة تتقدم بشموخ وتنتصر وتفجر طاقة العطاء، تتدفق بجرأة ومسؤولية، فتراجع الذات وتواجه الخطأ وتمارس النقد والنقد الذاتي، وتحقق وجودها وحيويتها المنقذة، طامحة إلى رسم الآفاق لمستقبل يعلو فيه شأن الحرية والقيم والإنسان، وتنفرج فيه فسحة الأمل أمام الإنسانية، فتنجز بعض طموحاتها الكبرى، إذا ما تحولت طاقة الحلم لدى روادها ونشّادها إلى طاقة عمل يجسد بها الإنسان معنى الحياة.

فرحت لأنني لمست منطقاً جديداً سديداً، لمحت فيه حلمي في أن يُعترف للآخرين بحق الوجود والاختلاف، ويرى أن الحرية أساس حيوية وفعالية العقل والقلب والكلمة. منطقاً بدا قادراً على أن يواجه بجرأة تراكماً كبيراً من الكلام والشعارات لينبش من تحت ذلك الركام حقائق الوجود الجوهرية، يرفعها عالياً، معلياً بذلك شأن الإِنسان حين يعلي شأن الأخلاق والقيم والروح والضمير في ذلك الكائن الذي يأكل ليعيش، ويعيش ليحقق ما هو أسمى وأعظم وأكبر من رغيف الخبز. والذي تكون فيه مادة الجسد في خدمة شعلة الروح وحيوية الذات وبصيرة العقل وتفجر الرؤية.

ربما كان من أهم عناصر الحيوية الخلاقة في الحياة، وعبر مسيرة الإنسانية في بحثها المضني عن الحقيقة في الحياة، توافر شرط اجتماعي هو وجود الآخر، وشرط إنساني هو احترام حقوق الوجود لـه وفي مقدمتها حق الاختلاف وحرية التفكير والتعبير. وفي توافر هذا ضمانة لتطور الإِنسان وتطور البحث، ولبقاء مقومات الحياة وسلامتها وحيويتها، وحين نتمسك بهذا فإنما نتمسك بأبسط ما يجعل للحياة معنى. فقديماً جداً قيل "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، فلا يجوز أن يقزم الإِنسان في مجرد المادة ويكره على الانحصار في دائرتها أو الانحسار إلى تلك الدائرة، فهو سيد المادة والمتصرف بها ليكون ما يريد لا لتستعبده قوانينها وينكفئ إلى كينونة لا تخرج عن ذلك المدار، والإنسان كائن يحتاج دائماً إلى تعزيز الثقة بسموه ليرتقي ويحقق قفزات حضارية وتمايزاً متواصل الارتقاء.

ودور الكتاب في الحياة يجسده دور الكلمة التي يجب أن نحملها بشرف أيضاً، والكلمة من دون مصداقية لا تقنع ولا تفعل فعلها. ووجدتني في هذا المؤتمر أشعر بالإِنسان فيّ ينتعش ويزهو، ولم لا؟‍ ألا ينتصر الإِنسان وتنتصر الحقيقة وتنتصر القيم كلما تحقق للأدب الحق مناخ يهزم الزيف والمتاجرين بالبضائع الكاسدة، والببغاوات التي تردد مالا تفقه؟‍! إن كل انتصار للعقل، وكل خطوة سديدة للمنطق، وكل باب حرية يفتح، وكل اعتراف بالآخر وحقوقه وحرياته، يتم في أي مكان من العالم هو انتصار لي.. للإنسان فيّ، وهو ضمانة للمستقبل، وأمل ينفرج أمام القلوب المتعبة.

وحين يجد الأدب، وتجد الثقافة ـ التي تقوم بالأصل على تعزيز القيم والأخلاق والمثل والحقيقة والحرية ـ حين يجد مقوماته ومناخاً خصباً لبقاء واستخدام ونمو تلك المقومات ألا يجد ذاته من جديد، وتتجدد اندفاعاته للأمام، وقدرته على العطاء، وعلى التمسك برسالته وأهدافه؟!

لقد جعلني هذا المؤتمر أؤمن بحتمية انتصار الكلمة المغمسة بالصدق، بانتصار الحرية والحقيقة والقيم، بانتصار الإِنسان ذلك الكائن الذي يخفق فيه قلب، وتكبر فيه رؤى ويجنح فيه روح، وينضج فيه عقل يتدبر ما فيه الكون.

إن هذا التوجه انتقاد لمسيرة نضالية وثورية تريد أن تواجه معسكراً معادياً لـها يستفيد من طاقات الإنسان الفرد عن طريق منح هذه الطاقات إمكانات العطاء بحرية تامة. ويبدو أن رهان المستقبل في الصراع هو رهان مرتبط بالاستفادة من قدرات الإنسان إلى أقصى الحدود وتطويرها بكل السبل، وهذه القاعدة الذهبية الخالدة التي تقول أغلى رأس مال هو الإنسان. وحتى يواجه الاتحاد السوفييتي ومعسكر الاشتراكية أمريكا ومعسكر الإمبريالية لا بد لـه من استخدام الطاقة البشرية والاستفادة منها إلى أقصى الحدود، والذين تحدثوا في المؤتمر عن الفساد والرشوة والبيروقراطية وانحلال القيم، وضحايا الإدمان وغير ذلك من العيوب الاجتماعية، كانوا يؤكدون أهمية القيمة (أخلاقية ـ روحية ـ إنسانية)، وأهمية الكلمات في صنع القيمة، وجعل الإنسان يعزز ثقته بسموه وبمكانته وبالمحافظة على ذاته وتميزه.

لقد تكلم الكتاب السوفييت بجرأة عن أهمية مناخ الحرية لخلق مناخ الإبداع الذي لا بد لـه من القيم والمثل والأخلاق، تلك التي ينبغي أن يجسدها المبدعون بالقول والعمل معاً، وأبدوا تمسكاً بالحقيقة تلك التي ترتبط بمرارة الواقع وتنبع منها، ودعوا إلى تمثل ذلك الأدب العظيم الذي غاص في أعماق النفس البشرية وأعلى شأن القيم، وأقام محكمة الضمير، وصور دقائق الحياة والواقع، وأسهم في تكوين الإنسان الذي يشعر بالكرامة ويثور من أجلها ويتمسك بقيم ومقومات الوجود الإنساني، أدب تولستوي، ودستويفسكي ومكسيم غوركي، وأكدوا أهمية آثار بوريس باسترناك وضرورة إقامة متحف لـه، وأدب أخماتوفا وشولوخوف وسواهم من الأدباء ليحفظوا أصالة الأدب وأصالة الأجيال، ورأيت في هذا وجه حق، ومنطلق صدق، ووقفت من كلامهم على بعض مشكلات البيئة في الاتحاد السوفييتي، ولاسيما شكوى سكان الشمال ـ في سيبريا على وجه الخصوص ـ من تحويل أنهار إلى الجنوب خشية تخريب البيئة، ويسأل الجنوبيون ألا يحق لنا أن نشرب ونروي الأرض من مياه الشمال؟ وتآخي القوميات يجيء من حرص على تماسك الدولة، وعلى هذا الأساس الخاص نفهم الشعارات المتكررة في الأدبيات الحزبية والثقافة السوفييتية والتي تتركز على الاعتراف بالقوميات وتآخيها، ومقاومة التعصب القومي الذي قد يقوض الدولة هناك إذا ما استشرى، ولكن حقيقة الأمر تشير إلى وجود الاعتزاز القومي واحترام المقومات القومية (اجتماعياً وثقافياً وجغرافياً وتاريخياً وسياسياً) في كل قومية من قوميات الاتحاد السوفييتي. وحين نسحب الشعارات الداخلية النابعة من واقع الدولة السوفييتية على قوميات وشعوب وثقافات، ونعمم ذلك الخاص، نقع في مشكلة "تفصيل الجسم على قد الثوب" وننسى أن الطبيعة والمنطق يقولان "يفصل الثوب على قد الجسم.".

في نهاية المؤتمر تم تغيير الصيغة السابقة للانتخابات، وانتخبت قيادة جديدة للاتحاد بينها مكتب تنفيذي مؤلف من ثمانية أشخاص، وكانت حصيلة التغيير تعادل 50% وتحقق شيء من التوازن في جو المؤتمر الذي كان فيه الصراع واضحاً بين: الجيل القديم والجيل الجديد ـ القيادة السابقة والمطالبين بالتغيير تمشياً مع الأوضاع الجديدة، وبالرغم من الصراع الساخن الذي كان واضحاً بين النقاد والمبدعين وشكوى المبدعين المرة أو قل سخريتهم المرة من النقاد والتي وضعت أمام الجميع مشكلة كثرة هؤلاء حيث يوجد حسب التقديرات واحد من كل خمسة أعضاء في الاتحاد هو ناقد وطريقتهم لا ترضي أحداً ويلخصها قول ساخر لتر ويابولسكي "مبدأ النقاد: "نصطاد النملة بالعصا والسمك بالمشط.".

وكل ما أرجوه أن يستمر المناخ الذي ساد المؤتمر الثامن لاتحاد الكتاب السوفييت، وأن يحقق الكتّاب أحلامهم المتواضعة بأن يسود حياتهم مناخ يمكّنهم من الإبداع، ويبدو أن هذه الكلمات السهلة صعبة التحقيق جداً في كثير من مناطق عالمنا اليوم، ولكن لا بد من الأمل، وكما قال شاعرنا القديم "ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل".

¡¡¡

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |