المثقَّف العربي والمتغيِّرات / د.علي عقلة عرسان / دراسة / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1995

مدخل:

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

مطروح سؤال الناس على المثقفين وعنهم، وعلى الثقافة وعنها: ما العمل بعد كل ما حصل ؟! وما هو البديل الممكن لما حصل ؟! وكيف السبيل إلى مواجهة شافية نخرج منها بعافية ؟! وما الطرق والتوجهات التي تفضي بنا إلى مستقبل يُسْتَشْرَفُ على أرضية واقعية تعيش فيها المعطيات وتتفاعل بموضوعية وواقعية‍‍ ؟!‏

وما الذي يستطيع المثقف أن يقدمه تأكيداً لمصداقيته وتعزيزاً لسلامة رؤيته، في وقت تغيم فيه الرؤى ويضيق الفضاء، ويخفق الكلام في أربعة أركان الأرض بأجنحة رمادية مبشراً بالشيء ونقيضه، مسوغاً كل فعل، عابثاً بالقيم، ينتقي منها ما يشاء ويلغي ما يشاء ويتغاضى عما يشاء ويعطي ظهره لما يشاء؛ ثم يرتمي من بعد هو وأهله في ظل السياسات كسيحاً أو شبه كسيح، يتفرج على الممارسات المجترئة وهي تفترع طهر النفوس ونقاءها وحقوقها، وكل عوامل الوجود الحي في ساحات الحياة، وكل المساحات المقدسة في الضمائر والعقول؛ وتأخذ بقوة الفعل الذي تقيمه قوة عمياء أو مصلحة أكثر عمى، وهي تصرخ بوجه كل من يرفع نظره إلى سماء من أي نوع قائلة: هذا هو الذي يشكل الواقع القاسي بحرّه وقره، وهذا هو قوام جرعة " الحقيقة " التي يعطيها بما لها من طعم ولون وكثافة ومرارة وتأثير. هذا هو الفضاء الفعلي الذي يمكن أن تُبنى فيه أعشاش لا تسحقها الأقدام، ولا يعبث بها العابثون، ولا يقال: إنها من فصيلة ما يقدمه الوهم وتمحوه الصحوة؟‍ !‏

مطروح سؤال الناس أيضاً: من -هو- المثقف المعني بخطاب نوعي يأتي في ظرفه وتوقيته ويحقق تأثيره وأهدافه، خطاب يستمد قوامه وحضوره مما يعتمل في الحاضر، ويكون قادراً في الوقت ذاته على توظيف القوى والقدرات لجلاء صورة المستقبل وتحقيقها، وله تأثيره في صوغ التوجه والقرار؟‍ وهل يملك المثقف يا ترى من الأمر شيئاً؟‍ أم هو مجرد دعيّ له قدرة الحرباء على التلوُّن، وقدرة الخُلْد على فتح منافذ لا حصر لها في أعماق ظلام التربة، يتوغل فيها خوفاً ممن يلاحقونه بأشكال الملاحقة وأنواعها؛ وحين يخف ضغط الأحداث وتزول وطأة الخطر، يستعير من الطاووس ذيلاً، ومن البلبل صوتاً، ومن الصقر منقاراً، ومن الأسد لبدة ومخالب، ويأخذ بالتذمر والتضجر والتكبر، مصعِّراً خده للعالمين، ينفض ريشه ليخيف أو ليجلب الوهم بأنه قادر على أن يخيف وعلى أن يظل بظله من يشاء؛ وله من وراء ذلك العرض أو الاستعراض غايات مستورات لا يعرفهن إلاّ أصحاب العلم والخبرة؟‍؟‏

مطروح سؤال الناس عن المثقف وعلى المثقف: ماذا نفعل؟‍ !‏

وما الذي يجعلنا نقتنع بأن ما يدعو إليه خطاب الثقافة حق وفيه خلاص، وما الذي يجعلنا نسير وراء معترض، أو محرض، أو رافض لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، يطوف بنا على أجنحة الكلام والانفعالات، وحين يجدُّ الجد وتأتي ساعة الحسم والمواجهة يهرب ويتوارى زاعماً أن دوره الآن قد انتهى وأتت ساعة آل فيها الفعل والأمر إلى سواه ؟!‍‏

مطروح سؤال الناس البسيط على الثقافة وأهلها: هل أنتم منا أم علينا، أم لا منَّا ولا علينا ؟‍ وهل أنتم مع من يزقُّكم لتكبر حواصلكم وتسمن أبدانكم فتضيعون ألوانكم وأصواتكم وخطاكم، ولا تحسنون من بعد إلاّ اللفق الذي يتبع الزَّق ؟‍ !‏

مطروح سؤال الناس على المثقفين: لقد أتخمتمونا بالتحليل والتعليل والتفسير والتبرير، ولقد جابهتمونا بكل ما يكسر ظهورنا ويكثف الظلام في دروبنا... أفما لذلك كله من غاية أو نهاية ؟! وإذا كان الرد بالإيجاب: فإلام ترمون ومتى تنتهون ؟! فيقول قائلكم لنا، بعد أن يحاصرنا بمنطقه ويجلدنا بسياطه: هذه هي طريق الخلاص فاسلكوها، وهذا هو الذي إذا فعلتموه خرجتم من الظلمات إلى النور ؟‍ !‏

فهل يأتي يوم نسمع فيه كلاماً شافياً نظيفاً واضحاً صريحاً، يضع النقاط على الحروف، والأقدام على الطريق، والسواعد في دوائر الفعل البنّاء، أم أن سيل الكلام سيبقى يتدفق في كل اتجاه، فيُغْرِق الرؤى وواحات الوجدان، وأن الذاكرة ستظل مثقوبة فلا يكون في ذلك إلاّ عَمَهٌ وبعض راحة لمن ينشدها ؟! أم أنكم يا أهل الثقافة لن تتعبوا من جلدنا والتعالي علينا والارتقاء على جثثنا ؟! ويحكم هلاّ اهتديتم إلى حقيقة أنكم لن تقنعونا بشيء إلاّ إذا كنتم قدوة فيه، وتلاقت آراؤكم وأقلامكم عليه، ودخل صدقه إلى قلوبنا، ومنطقه إلى عقولنا ؟! أفلستم تذكرون رائدكم وتتذكرونه في كل وقت، وأنتم تلوحون لنا بكلام وتمارسون بعده فعلاً لا ينمّ عليه، حيث قال ذلك الرائد:‏

لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم ؟!‏

مطروح سؤال الناس على الثقافة والمثقفين إذ يقول: هل تملكون قلوباً تبصرون بها، وعيوناً تعقلون بها، وشجاعة تقودكم إلى الثبات في المواجهات، وإلى خوض خير الجهاد : " كلمة حق في وجه سلطان جائر"!! هل تنصرون الحق إذا حصّحص، وترمون الليل بشهبكم إذا عسعس، وتفتحون بوابة للأمل في القلوب التي أناخ عليها اليأس بكلكله ؟! وهل تراكم تجتمعون على موقف ورأي وكلمة... أم أن ترجمات الخُلف على ألسنتكم، وبؤر الاختلاف تعشش بينكم، وهناك من يلقي رَحْلَه منكم على أبواب السلطان فلا يرحل عن أعتابه إلاّ وقد تخلى له عن روحه ووجدانه ووجهه واللسان، ورهن عنده قلماً من أقلامه، لأن لديه جعبة من أقلام ـ سهام يلقيها على الصيد إذا وثب أمامه!؟‏

يقولون إن جبهتكم أكثر الجبهات تأثيراً إذا اتحدت، فما بالكم تعظوننا بما لا تتعظون به، فتدعوننا إلى الوحدة والتضامن وأنتم لا تجمعون أمركم بصدق على شيء، ولا تتحدون بمواجهة قضية من أهم قضايا الناس والعصر وأعدلها ؟ !‏

ومطروح سؤال الناس على الثقافة وأهلها: هل أنتم متفقون على رأي فيما يخص أعقد المشكلات التي تدعوننا إلى مواجهتها ؟! أفلا يليق بكم أن ترتبوا بيتكم أولاً ثم تدعوننا للدخول إليه، والاستماع فيه إليكم، والاقتداء من بعدُ بكم؟ !‏

وهل لكم من التأثير والحضور في الأمور ما يجعلكم أصحاب تأثير في القرار أو في الساحات التي تحيط به، وينهل منها أشعة رأي ورؤية ؟ أم أنكم غبتم أو غُيِّبْتم عن ذلك لأسباب لا تستطيعون حتى التصريح بها خوفاً أو طمعاً، ورضيتم من الغنيمة بالإياب؟‍!‏

يا أهل القلم... قد غنم من علم، وفاز من عمل بما علم، وتجنب الدخول في زكائب من يجمعون الرمم ويحشون جيوبهم بالأشخاص الدمى، يخرجونهم عند اللزوم ويعبثون بهم فيلعبون لهم حسب الحال المطلوب. فإذا كنتم لا تملكون أن تخلِّصوا أنفسكم من مصير تكرهونه.. أو لا تملكون أن تخلِّصوا فئة منكم مما تكرهون لها ولكم، فكيف بالله تقتحمون العقبة الكأداء، وتريدون أن تخلصونا مما نحن فيه أو تخلصوا بنا أوطاناً وأمة مما هي فيه، ونحن لا نملك لأنفسنا خلاصاً، بل لا نملك أمر أنفسنا ولا تملكون أمر أنفسكم ؟!‏

يا أهل الثقافة... الحرّ يحرّر، والعبد لا يصنع حرّاً ولا يحرّر أرضاً وإنساناً، ولا يقيم أود الحرية والقيم والإنسان بما تحتاج إليه من روح الوعي وريح الوجدان، وأنتم ما لم تباشروا السير في ذاك الدرب، فلن تعرضوا علينا درباً نراها ونسير فيها نحو المستقبل بأمان واطمئنان.‏

مطروح سؤال الناس على الثقافة وأهلها: هل تملكون حرية قرار، وأنتم إلى الأمن من جوع وخوف أحوج ما تكونون، وتلهثون آناء الليل وأطراف النهار لتحصلوا على ما يقيم أودكم وأود أسركم، وتضطرون أو تضطر كثرة منكم إلى تقديم البضائع الرائجة والمستساغة والمطلوبة في سوق الكلام، الذي فسد وأفسد وأمر بالفساد أو ران عليه، لكي تستمر حياتكم في حدود العيش الأدنى؟! فمتى وكيف تصلون إلى حياة الانعتاق من كوابيس الحاجة، فترون بحرية، وتعبرون من دون خوف، وتضعون حداً للشرانق التي تحيط بنا وبكم، وتفلحون في إيقاد شمعة تحرق الشرانق وتنفر الخفافيش التي تكاثرت في هذا الليل البهيم ؟ !‏

يا أهل الكلام نعرف أن اختياركم الحرّ لموقف حرّ أعلى شأنا من كل أنواع الحاجة وقيودها، ولكن كم هم أولئك النفر الذين يختارون ذلك ويقدرون عليه من بينكم، وكم هم أولئك الذين يشدونهم من أرجلهم نحو الطين والقيود والخوف، ويبيعونهم ألف مرة قبل صياح الديك كل يوم، من بينكم أيضاً ويشترون بثمنهم كأساً من الجعة ولذة عابرة ؟ !‏

يا أهل الكلام... نعرف... ونعرف... ونعرف... ولذلك فإننا نخاف حتى ونحن نستمع إلى الكلام، لأننا أخذنا نشعر أن الكلمة فخ... وهذا مؤذ لنا ولكم، فمتى وكيف تخرجوننا من ساحة الخوف تلك، التي انتم أسراها، إلى صبح الأمن والاطمئنان والمصداقية والرؤية الصادقة؛ ومتى نلهث وراء كلمة منقذة من دون خوف، ونطمئن إليها اطمئناناً مطلقاً فننام على وسادتها ونحلم أحلاماً جميلة ؟!؟‏

سؤال الناس مطروح على أهل الثقافة... وسؤال الناس وأسئلتهم مشروعة... ولكن أليس لأهل الثقافة أسئلة تطرح على الناس وأولها قولهم لهم: لا تقولوا لنا ما قالت اليهود لموسى :‏

{... إنّا لن ندخلَها ما داموا فيها فاذهبْ أنت وربُّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون...} سورة المائدة : الآية 24.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |