|
العالم يتغيّر، والعالم
دائماً في تغيّر ولا يمكن أن يكون إلاّ كذلك، لأنه محكوم بقانون الحركة الذي هو
قانون الحياة ذاتها، فالحياة حركة على نحو ما، وحتى حين تكون
حركة هدم فهي تؤسس لحركة بناء، وتثبت قانون التحوّل أو التغيير أو إعادة التكوين،
أو تجديد ذلك التكوين. وليس
بالضرورة أن يكون ذلك محصوراً في تغيير الشكل، فتغيّرات المحتوى العام ـ الروحي ـ والفكري والشعوري ـ تغيّر الرؤية والقيمة والسلوك والفهم
والنظرة إلى الحياة وإلى الآخر فيها، وإلى العلاقة بين الأشياء والأحياء، كل ذلك
يعطي معنى للتغيير ويثبت حضوره واستمراره.
الحياة حركة، وهذا تعبير
يصدق على معظم ظواهرها وجواهرها فالحرارة حركة، والسكون ـ في نظر العلم ـ نوع من
الحركة، وكل شيء فينا ومن حولنا محكوم بهذا القانون إلى حد كبير؛ ولكن الحركة
بالنسبة للفكر والسياسة والمجتمعات لا تتم دائماً حسب قانون واحد ثابت ساكن ذي
مدار وحيد، لأن الإنسان يعيد توظيف الطاقة والأشياء والمعلومات والعلاقات
والقوانين في ضوء المعرفة والمعطيات الجديدة المتجددة، استناداً إلى التجربة السابقة
والمصلحة القائمة والهدف المنشود،
وفق منهج يلبي حاجاته ويحفظ وجوده، ويجلب له الأمن والاطمئنان والمتعة والرفاه
والسعادة. ولأن
المعرفة في تجدد مستمر، ولأنها غنى، وإحساس بالفقر والحاجة يدفعان باتجاه الاغتناء
عن طريق الكشف والتحصيل، فهي دافع مستمر لتلبية حاجة إنسانية مستمرة تكاد تكون
غاية بحد ذاتها.
والمثقف بالمفهوم الشامل أو الواسع للثقافة، هو أكثر الناس صلة
بالمعرفة، أو هكذا ينبغي أن يكون، وحين يكون هذا هو شأنه فإنه يشعر بالحاجة إلى
تواصل مزدوج الاتجاه:
ـ تواصل مع المعرفة يجعله في حالة حياة، أو إن شئت في
حالة حركة مستمرة تؤدي به إلى التجدد وتجديد الرغبة في التجدد.
ـ وتواصل مع الآخر لينقل إليه المعرفة، تحت تأثيرات
ودوافع شتى وتحقيقاً لأهداف وقوانين تواصل عديدة.
فالمثقف المتصل بالمعرفة
والمتواصل مع تطورها ونموها وتجددها من جهة، ومع الآخر والحياة من جهة أخرى، هو
كائن قريب جداً من وظيفة سادن من سدنة الحركة النوعية، على الرغم من أنه محمول في
الوقت ذاته في تيار الحركة الصَّخَّاب؛ وموقعه هذا يفرض عليه أن يستفيد من التيار
الذي يحمله، وأن يجعل ذلك التيار مستمر الاندفاع، وأن يوظف حركته ما استطاع أو
يعقلنها أو يكتشف توجهاتها وقوانينها، ليتلاءم معها ويتحكم بها إن أمكّن ذلك،
وليجعل من ذلك كله شيئاً مفيداً وممتعاً له، ومساهماً في بقائه وتقدمه وإسعاده. كما يفرض عليه تواصله مع المعرفة تكاليف معينة لا يفرضها على شخص
سواه بالدرجة ذاتها وبالحساسية الخُلُقية ذاتها، ويرتب عليه من المسؤوليات التي
يفرضها الوعي ما لا يرتبه على سواه، فهناك إذن ذلك التمايز المكلف والمرهق والممتع
في الوقت ذاته، بين المثقف الواعي ذي المسؤولية الخُلُقية والموقف الإنساني
والرؤية المبدعة في الحياة، وبين المثقف الذي يستهلك المعطى المعرفي الإبداعي جزئياً،
وينشره ويفسره ويسوّغه، وقد يتعيّش منه ويرتزق عليه ويسيء إليه، وبين ذينك الصنفين
في أنموذج المثقف من جهة وبين مستهلك الثقافة العام والمحتاج إليها والموجهة إليه
أو المتوجهة إليه من جهة أخرى. فالأخير إمّا أن يكون جاهلاً يثقل عليه الزاد، أو
راغباً في المعرفة يحصل عليها بمقدار تتحكم فيه إمكاناته الذاتية أو المادية،
وظروفه والظروف المحيطة بانتشار الزاد المعرفي وبانتقاله وتوفير إمكانات الاستفادة
منه، وإمّا أن يكون حالة ظلامية تخشى نور الوعي فتنكمش ولا تنمو إلاّ بانتشار
الجهل، أو حالة إجرامية بحق الإنسانية تخشى انتشار الوعي فتحاربه، أو حالة بشرية
متورمة الأطماع والمطامح والنزعات والشهوات تفرض على الآخر مناخاً يلائم استمرار
حياتها ونموها كحالة مرضية، وتجد لزاماً عليها أن تحارب ما يوقف نموها، ولا سيما
الوعي المعرفي، وتحرر الإرادة، والإحساس بالمسؤولية الذي تقيمه الثقافة في الناس،
والحرية التي تحرك الإرادة في مسارات الحياة بإصرار واقتدار.
وهذا المناخ العام، بكل
معطياته ومقوماته، يفرض صراعاً بين أطراف تتواصل مع المعرفة / الثقافة / سلبياً أو
إيجابياً، ويقودها ذلك الصراع إلى مناحٍ للتحرك يزداد اتساعاً أو ضيقاً بمقدار انتشار المعرفة وتعدد
مساراتها، وتدفقها هي في تلك المسارات. ولا يعنيني الدخول في تفصيلات هذا الجانب
من الموضوع الآن، ولم أرم إلاّ إلى مجرد الإشارة إليه من بعيد، وسوف أركِّز جهدي
في إضاءة جانب رميت إلى تركيز الجهد فيه وهو المثقف العربي في عالم متغير، وأحدد ذلك
العالم بعالمنا اليوم بعد "الحرب العالمية الثالثة" التي حدثت وما زالت نتائجها تظهر وتتجلى
بأشكال مختلفة، تلك التي بدأت حرارة ظهورها بعد عام 1987 وانتهت بوقف إطلاق النار
في حرب الخليج الثانية يوم 27ـ 28 شباط 1991 الساعة الرابعة وعشر دقائق بتوقيت
دمشق. نعم
أقول الحرب العالمية الثالثة انتهت، وكانت أقل الحروب العالمية خسارة في الأرواح،
وأكثرها حصراً لجبهات المواجهة الساخنة، وأثقلها وطأة على العرب، وأشدها تأثيراً
عليهم، وأكثر الحروب فائدة للمنتصر فيها، وأعظمها اعتماداً على أسلحة الإعلام،
والثقافة، والجاسوسية، والاقتصاد.
لقد تهاوى نظام مركَّب
الأقطاب سيطر على العالم سبعين سنة تقريباً، وكان يستخدم القوة تحت شعارات
وأيديولوجيات ليحقق المصالح، ويأخذ بشعارات أخلاقية ليخوض في ظلها حروباً قذرة من
أجل النفوذ والتوسع والسيطرة واستغلال الآخرين ونهب ثرواتهم، وكان دائماً يترجَّح
بين قوة السلاح وقوة الشعار : الشيوعي والرأسمالي، ليكسب أكثر، وينتشر أكثر، ويفتك
بالآخرين أشد.
وتهافت أو قل انتهى صراع بين إيديولوجيتين، رأسمالية واشتراكية، شغَلتا العالم
بحرب باردة مكلفة. وإذا
كانت الحرب العالمية الثانية قد جعلت الشيوعية والإمبريالية / البرجوازية ـ
الرجعية ـ الاستعمارية المستغلة ـ السوداء ـ الشريرة... الخ / تتحالفان ضد النازية والفاشية، فإنها لم تستطع أن تجعلهما
بمنجى عن التنازع والتصارع والاقتتال، وإن كان أكثر اقتتالهما يتم بالوكالة، كما
أنها لم تجعل أي طرف من الأطراف المنتصرة ـ المتحالفة، يقصر عن رؤية مصالحه أو عن
السعي لامتلاك القوة ـ كل أشكال القوة النووية وغير النووية ـ للدفاع عن نفسه وعن
مصالحه في وجه حلفاء الأمس قبل أعدائه، وضد الشعوب والحكومات المستضعفة، وضد كل
أولئك الذين سحقوا بأشكال مختلفة وقاموا من رمادهم بأشكال مختلفة أيضاً.
لقد حسم الأطلسيون آخر
صراعاتهم مع أطراف حلف وارسو، أو قل حسم الإمبرياليون حربهم مع الشيوعيين، في
معركة أشباح تشكل نهاية حرب بين أعداء وبداية حرب بين حلفاء، كما كانت الحرب
العالمية الثانية نهاية حرب الحلفاء مع النازية، وبداية حرب الحلفاء فيما بينهم. وكانت تلك معركة المصالح
والشعارات والعقائد التي جرت آخر فصولها على أرض العرب، ودفع ثمنها العرب،
وأتت على كثير من مقومات القوة
والحيوية والوجود لدى العرب، وأعني بها حرب الخليج الثانية، التي أعقبت احتلال
العراق للكويت، وأخرجت العراق مدمراً بعد خروجه من الكويت. فما هي ملامح العالم الجديد، أو النظام العالمي الجديد، أو بعبارة
أدق ما هي ملامح التغير التي أصابت عالم ما بعد الحرب العالمية الثالثة تلك، التي
تمت بأقل الخسائر وأدت إلى أعمق النتائج ؟! سوف أحاول أن أسجل بعض النقاط التي
تساهم في رسم الصورة، ثم بعض الملامح لعالم اليوم ـ عالم الغد، بعجالة، لأنتقل بعد
ذلك إلى رؤية المثقف على أرضية ذلك العالم؛
مع الإشارة إلى أن المثقف لم ينفصل يوماً عن حروب العالم وصراعاته، عن سلمه
ونكباته وكوارثه...
فهو صانع الإيديولوجيا ومسخر السواعد والعقول معاً لخدمتها، وهو حامل الشعارات،
ومصنّع الزعامات وشريك الإعلام في صنع الأعلام وترويج الآلام؛ ومن تلك النقاط... الملامح أذكر أنه :
1ـ غابت عن ساحة الصراع الرئيسة، سياسياً وفكرياً
واقتصادياً وعسكرياً : الشيوعية، والمجموعة الاشتراكية، وفلكها العالمي المحيط
بها، وانعكس ذلك على العالم الاشتراكي بشكل صراعات وانقسامات ومآس ومجاعات، وحروب
محتملة، بدأنا نرى حرائقها في مساحات منه. كما انعكس على المرتبطين به
ومعه بأحلاف أو معاهدات، أو باتفاقيات اقتصادية وثقافية وعسكرية... الخ انعكس عليهم بأشكال مختلفة أثّرت تأثيراً مباشراً على أحوال أولئك المرتبطين
وأهدافهم ونضالهم وقضاياهم الرئيسة
وعلى أوضاعهم، حتى الداخلية والفردية منها في بعض الحالات والأماكن.
وإذا أخذنا العرب، من بين
أولئك، نجد أن الدول التي كانت عازمة على خوض الصراع مع العدو الصهيوني حتى
التحرير أخذت بمقولات التسوية السلمية والتنازلات الإقليمية، وحاولت أن تلائم
نفسها مع واقع جديد، تسود فيه قوة عدو لها انتصر بانتصار حليفه، أو ازداد غطرسة
بسقوط حليفها هي وباستعدادها
للارتماء على عتبة القوة.. أية
قوة. وفي
توضيح لذلك أشير إلى حادثة قد تشكل استطراداً ولكنها تدخل في صلب الموضوع وتوضح ما
رميت إليه : في الزيارة الأولى التي قام بها جيمس بيكر إلى سورية بعد نهاية حرب
الخليج الثانية وبداية العمل من أجل مؤتمر مدريد، حاول جيمس بيكر أن يعامل سورية
كدولة مهزومة في الحرب، على الرغم من كونها عضواً في التحالف الذي قادته الولايات
المتحدة الأميركية، وعلى الرغم من وقوفها ضد احتلال العراق للكويت، وإرسالها قوات
إلى هناك، ولم يكن ذلك الموقف إلاّ وليد اقتناع أميركي تام وشامل، بأن الاتحاد
السوفييتي ـ الذي كان حليفاً للعراق، وهو حليف لسورية أيضاً، وتربطه بالعراق
اتفاقية دفاع مشترك ـ أنه لم يستطع أن يفعل شيئاً لحلفائه، وثبت سقوطه أو عجزه أو
تسليمه أو انهياره أو اختياره موقف المتفرج المحايد، أو المتواطئ الصامت في درس
الحرب الأخير، ومن ثم، فإنه، أي بيكر، يعامل كل حلفاء الاتحاد السوفييتي معاملة
واحدة، وسورية من ذلك الصنف من الحلفاء. وقد كان لسورية موقف متشدد من ذلك حال دون
معاملتها معاملة المهزوم بالكامل على الأقل، أمام حليف الولايات المتحدة
الأميركية الاستراتيجي "إسرائيل"، ومن دون إسقاط حقوقها ومواقفها النضالية النابعة أصلاً من التزام سورية
بحقوق الأمة العربية ونضالها من أجل القضايا المصيرية، وعلى رأسها قضية فلسطين.
2 ـ انهارت منظومة حلف وارسو، ثم انهار الاتحاد
السوفييتي وانتهى، وتقسمت جغرافيته السياسية بعد أن تفكك الجص الذي ربط جغرافيا
البلدان التي أُلحقت بروسيا أو صنعت
الاتحاد السوفييتي بقيادة روسيا، ولم يعد لذلك حضور سياسي أو عسكري أو ثقافي أو
اقتصادي أو اجتماعي، الأمر الذي ترك نتائج كثيرة وهامة في كل مناحي الحياة، ليس في
تلك البلدان فقط وإنما في بلدان العالم النامي وتلك التي في طريق النمو،
وباستراتيجيات تلك البلدان على الصُّعُد المشار إليها جميعاً. وانعكس ذلك في العلاقات
الدولية وفي مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات الدولية المنبثقة
عنها؛ وأصبح مجلس الأمن، على سبيــــل المثال، مؤسسة أميركية إلى حد كبير (1)،
بعد أن كان مؤسسة شبه معطلة بسبب الصراع الذي كان يدور داخلها. وسوف أشير لاحقاً إلى ما نتج عن ذلك من ازدواجية معايير ومكاييل
في مجلس الأمن الدولي.
3 ـ انتهت الحرب الباردة في العالم وبدأت حروب من نوع
آخر تتمخض عنها الأحداث وصراعات المصالح وسوف يظهرها الزمن القريب ومن ذلك مثلاً :
ـ الحرب التجارية بين أميركا وأوروبا الغربية التي
توشك على الانفجار، وكلما اقتربت من ذلك تُعطى لها المسكّنات وتجمد إلى أن تحقق
أوروبا الغربية حضورها كقوة ذات استقلال شامل، بعد وحدتها، الأمر الذي يواجهه
الأميركيون بتحالفات جديدة في الشرقين الأدنى والأقصى والخليج العربي، وفي أماكن
وجود الطاقة والأسواق التجارية ومناطق النفوذ الهامة والمؤثرة.(2)
ـ محاولة استقطاب قوى جديدة تصبح ذات عضوية دائمة في
مجلس الأمن الدولي، على أرضية ما حققته من تقدم وازدهار ونجاحات في المجال
الاقتصادي بالدرجة الأولى، مثل اليابان وألمانيا الموحدة(3).
وذلك بغية كسب قوى أخرى تكون أطراف التحالف المقبل،
في حال انفجار الصراع البارد أولاً فالساخن أخيراً الذي أَذِنَت الحرب العالمية
الثالثة بولادته، بين أوروبا الموحدة وأميركا، وهي حرب على المصالح والنفوذ، وسوف
تكون ذات وجه اقتصادي ثقافي بالدرجة الأولى.
ـ
محاولة البحث عن صيغة للعلاقات ولكيفية اتخاذ قرارات مختلفة عن تلك التي
كانت سائدة ( النظام العالمي) في
أثناء الحرب الباردة، ولا سيما في مجال القرارات الدولية وفي الأطر والهيئات التي
تصنع تلك القرارات. ولكن ذلك بقي على مستوى اللعب بالأوراق في إطار
امتصاص موجات السخط في العالم، وتهدئة غضب بعض الشعوب، وتقديم أجوبة استهلاكية حول
قضايا وأسئلة جوهرية تطرحها الدول والشعوب، ولا سيما بعد أن أعلن جورج بوش أمام مجلسي الكونغرس، بعد نهاية
حرب الخليج الثانية، أن القهر والخوف لم يعد لهما مكان في العالم وأن عهداً جديداً
من العلاقات الدولية سوف يسود العالم، وأن حلولاً ملائمة لكل القضايا المطروحة سوف
تجد طريقها إلى الوجود، وأن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن سوف يستعيدان حضورهما
وهيبتهما، وستراعى مبادئ العدالة الدولية... إلى آخر ذلك من إعلانات
إيجابية زرعت الآمال في نفوس ودول وشعوب، ولكن الإعلانات تبقى دائماً شيئاً
مغايراً للتطبيق، لا سيما في لعبة المصالح التي تلعبها القوى الكبرى(4).
4 ـ
احتل الأقوياء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية / أي الحلفاء / بعد أن
سووا خلافاتهم وانتهوا من صراعاتهم، احتلوا مجلس الأمن بقيادة موحدة أُجبروا على
الانصياع لها أو اختاروا الرضا بها، وأصبح لزاماً عليهم أن يأتمروا بأوامرها تحت
تأثير القوى والمعطيات والمؤثرات الآتية :
ـ قوة السلاح النووي والتقليدي معاً بعد انهيار قوة
الاتحاد السوفييتي، أو إبطال مفعولها المناوئ للقوة الأميركية، واطمئنان الولايات المتحدة
الأميركية إلى تفوقها الشامل في العالم؛ وقد أشار إلى ذلك بوضوح وزير الدفاع
الأميركي " ديك تشيني " حين قال : " لا توجد دول حليفة معادية
لمصالحنا، بل إن قوى دول العالم، وأكثرها إمكانات وقدرات، هي دول صديقة لنا. وليس هناك منطقة في العالم تشكل خطراً على مصالحنا ويسيطر عليها
حكم معاد وغير ديمقراطي(5)".
ـ قوة الاقتصاد الأميركي وارتباطاته المؤثرة وسيطرته
على النفط، لا سيما في الخليج العربي كله بعد إخراج العراق من السوق.
ـ قوة الإعلام الأميركي المؤثر بوسائل تقنية متقدمة،
وانتشاره، وسيطرته، مع أخذ القوى الغربية الموالية تقليدياً للولايات المتحدة
الأميركية ـ لا سيما بريطانيا ـ بعين الاعتبار.
ـ قوة تأثير الجاسوسية الأميركية أو الـ
C.I.A على مواقع قرار متعددة سياسياً في العالم.
ـ سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على سوق السلاح
العالمي بالدرجة الأولى؛ حيث أصبح مكانها هو المكان الأول، بعد أن تراجعت مبيعات
الدول المنافسة، لا سيما الاتحاد السوفييتي، وبعد فتح أسواق مبيع جديدة تمت
السيطرة عليها كلياً من قبل أميركا، وهي أسواق الخليج العربي : السعودية ـ الكويت
ـ الإمارات العربية المتحدة ـ قطر ـ عمان ـ البحرين...الخ وتبين الأرقام الآتية
ارتفاع المبيعات الأميركية في السنوات الأخيرة مقارنة مع
مبيعات سواها
:
/ الأرقام بملايين الدولارات الأميركية /(6)
|
1990
|
1989
|
1988
|
1987
|
1986
|
1985
|
|
|
9528
|
11749
|
10503
|
12596
|
10304
|
8943
|
الولايات المتحدة
|
|
6397
|
12220
|
12559
|
14916
|
14731
|
13458
|
الاتحاد السوفيتي
|
|
1821
|
2577
|
2300
|
3011
|
4096
|
3970
|
فرنسا
|
|
1236
|
1800
|
1401
|
1817
|
1500
|
1847
|
إنكلترا
|
|
1003
|
874
|
1868
|
2553
|
1463
|
1352
|
الصين
|
ومن المعروف جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية
وفرنسا وبريطانيا تحديداً، قد زادت مبيعات كل منها في عام 1991 و1992 عن الدول التي كانت
تزاحمها، لا سيما في أسواق الخليج العربي، بعد أن توقفت مبيعات الاتحاد السوفييتي
تقريباً إلى أهم المستوردين لأسباب معروفة(7).
وبسبب من هذا كله أصبح القرار السياسي الأميركي هو
قرار عالمي ملزم / طوعاً أو كرهاً / للآخرين، وممهور ببصمات ممثلي الدول الأخرى
المقهورة أو المشتراة أو المبهورة بخاتم السيد الأميركي في حلته الجديدة.
5 ـ إن صورة المواجهة القادمة بين أقوياء ما بعد
انتهاء الحرب العالمية الثالثة، التي تجلت في مراحل ونتائج منها : الحرب الباردة
ـ وحرب الخليج الثانية ـ واحتلال
منابع النفط، والسيطرة على الطاقة والأسواق التجارية، لا سيما أسواق تجارة السلاح(8)،
صورة تُحدد معالمها بالدرجة الأولى المقومات والاحتياجات الآتية :
ـ تأمين المصالح الرئيسة المتمثلة بالطاقة، لا سيما
البترول، بالكميات والأسعار المطلوبة(9).
ـ تأمين الموارد البترولية اللازمة للتقدم الصناعي /
إعادة الدولار البترولي إلى الولايات المتحدة الأميركية /.
ـ تأمين بعض النفوذ للحفاظ على الهيبة والمصالح
والأسواق والهيمنة.
ـ المشاركة في القرار السياسي للآخرين : المالكين
للقرار والمؤثرين فيه.
ـ الصراع الخفي لتوسيع دائرة المكاسب والمصالح،
وتأمين السيطرة على الأسواق التجارية الواعدة (10)
ـ التوسع النسبي بامتلاك التَّقَانَة "
التكنولوجيا " العالية، والتصنيع النووي، والقوة الاقتصادية.
ومن ذلك نستنتج أن الحروب القادمة سوف تكون حروباً
اقتصاديه بالدرجة الأولى ـ ثقافية إعلامية بالدرجة الثانية ـ وتقوم قوة الردع في تلك الحروب على الأسلحة الاستراتيجية (
نووية وغير نووية) بالدرجة الأولى، وعلى الأسلحة التقليدية وذات القوة التدميرية
العالية بالدرجة الثانية، ولكنها لا تستخدم إلاّ عند الضرورة.
ومن أجل إبعاد شبح حرب بين الأقوياء بدأ تصنيع أعداء جدد، ورسم أهداف استراتيجية
جديدة وخطط ذات بعد زمني مديد،
ليتسنى للأقوياء الاستمرار في نهب الضعفاء أولاً، والتقليل من الاحتكاك المميت بين
دوائر نفوذهم ثانياً؛ وإعادة ترتيب الأولويات في ضوء التعايش الفعال فيما بينهم،
والاستمرار في خلق بؤر توتر وشياطين
جدد، وأعداء مشتركين، تاريخيين أو غير تاريخيين، لتبقى هناك مسوّغات لترويج السلع
السوداء، ولخلق مناخ تزدهر فيه تجارة الدم والسلاح والأسواق السود المرتفعة
التكاليف من كل نوع. وكبعض المؤشرات على ذلك نذكر قول : دجرجيان مساعد وزير
الخارجية الأميركي في 4/ 6/ 1993 إذ قال :" الإسلام هو الأيديولوجيا المعادية
للغرب " غلاف مجلة الإيكونومست.
ولإبعاد شبح الحاجة والبطالة والتضخم والمجاعات
والكوارث عنه، بدأ الغرب أو الشمال عموماً، بتأجيج صراعات والتسبب في خلق مشكلات
وكوارث من أنواع مختلفة، وتشجيع أوضاع وتنفيذ خطط للقضاء على :
ـ القنابل السكانية المتفجرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
ـ المزاحمة الاقتصادية الممكنة في بعض البلدان لا
سيما اليابان ـ والنمور الأربعة ـ ( كوريا الجنوبية ـ تايوان ـ هونغ
كونغ ـ ماليزيا.... الخ ). ومما لجأ إليه: ـ رفع وتائر تهديد الجوع والقهر والنهب
المنظم، ليبيد الناس بعضهم بعضاَ، ولتنشأ صراعات مميتة،
وكوارث تمحق غير الغربيين، ولا بأس، حسب وجهة نظرهم، من السكوت على انتشار الأمراض
وتفشي أنواع البؤس ( على حد تعبير هنري لوبين اليميني الفرنسي مثلاً )، وذلك باللجوء
إلى:
ـ تشديد الضغط على البلدان المتجهة نحو النمو، التي
لا تستطيع تسديد فوائد ديونها للدول الغنية.
ـ نشر أشكال الفساد والانحلال الاجتماعي والخُلُقي .
ـ تخريب البيئة عن
طريق دفن النفايات النووية، والتشجيع على قطع الغابات لسداد الديون، ونمو المرض والجهل، بهدف التخلص من أكبر قدر ممكن من البشر ما دام ذلك المد السكاني
مستمراً بالانتشار.
ويمكن،
من خلال قراءة الأرقام التالية، الوقوف على حالة العالم
التي خلقها، أو تلك التي استمر في المحافظة عليها، النظام الذي يسمي نفسه عالمياً
وجديداً.
* " يشير تقرير التنمية البشرية الصادر عن
الأمم المتحدة عام 1992 إلى أن 60%
من سكان العالم يحصلون على 55، 5% من الدخل العالمي ويملكون
84ر4 % من التجارة العالمية. بينما يحصل خمس
السكان في العالم على 82,7% من الدخل العالمي وعلى 2،81% من التجارة
العالمية وعلى 6، 94% من الإقراض التجاري. ويستهلك الشمال، حيث يوجد ربع سكان العالم فقط،
يستهلك : 70% من طاقة العالم 75% من معادنه و 85% من أخشابه و 60% من غذائه "
(11)
* " يبلغ دخل الفرد السنوي في دول الشمال 17000 دولاراً ولا يتجاوز
دخل الفرد في البلدان النامية 340 دولاراً في العام "(12)
* "إن مجموع ديون
البلدان النامية قفز من 650 مليار دولار عام 1980 إلى 1350
مليار دولار عام 1990 ولا تجد البلدان النامية سبيلاً إلى مقاومة أزمتها
الاقتصادية سوى في تصدير السلع الأولية إلى دول الشمال
التي لجأت بدورها إلى تخفيض الأسعار. وهكذا تقع الدول النامية في حلقة مفرغة فكلما ازدادت في دفع ديونها ازدادت هذه الديون " (13)
هذا فضلاً عن الأوضاع الناتجة عن استقطاب الطاقات
العالمية وهجرة العقول وتفاقم
الأوبئة والجوع والقهر في العالم المتفائل بالنمو.
6 ـ برزت بشكل جلي وفضَّاح ازدواجية المعايير والمكاييل في مجلس الأمن الدولي، ولدى
الأقوياء الغربيين المسيطرين عليه، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، وسوف
أتوسع قليلاً في هذه النقطة لأنها أكثر ما يكشف حقيقة ما يسمى " النظام
العالمي الجديد " وتوجهاته، وحقائق المتغيرات الدولية وانعكاساتها على العرب، وعلى الصراع العربي
الصهيوني، والقضية الفلسطينية، وما يتصل بالأمة العربية والعالمين العربي الإسلامي
بشكل عام.
لقد كان الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية،
منحازاً دائماً إلى جانب "إسرائيل"، وقد عمل ضد العرب بانحياز واضح، منذ أن فكرت بريطانيا في
الأربعينيات من القرن الماضي بإنشاء كيان صهيوني في الوطن العربي، واستمر هذا الأمر إبّان فترة الاستعمار المباشر وبعدها. وحين
أقيم الكيان الصهيوني رسمياً، على
أرض فلسطين باعتراف دولي في الأمم المتحدة، كان الغرب يتسابق مع الشرق / الولايات
المتحدة والاتحاد السوفييتي خاصة/
لدعم ذلك الكيان، وكان كل من الشرق والغرب يتطلع إلى أن يكون ذلك الكيان
أداته لتأمين أهدافه وسياساته ومصالحه وتطلعاته وأحلامه. ومنذ عام 1948 لم تحترم
""إسرائيل"" قراراً دولياً واحداً صدر عن الأمم المتحدة، ولم
تنفذ شيئاً مما طلب إليها أن تنفذه، واستمر هذا الوضع مع استمرار حماية الغرب لها
وتصاعد تلك الحماية، إلى أن أصبح كل قرار يصدر عن مجلس الأمن والأمم المتحدة معروفة نتيجته مسبقاً، ومعروف موقف الولايات المتحدة الأميركية بالذات منه: فهي ضد
العرب، وهي متعهدة تعهداً تاماً بحماية "إسرائيل" من القرارات "
المؤذية "، ومتعهدة بحمايتها من تنفيذ أي قرار دولي ضدها، فضلاً عن استخدامها
المستمر لحق النقض " الفيتو" لصالح "إسرائيل"؛ ونادراً ما استخدم قرار نقض من
أية دولة ما، من الدول التي تتمتع بذلك الحق في مجلس الأمن الدولي لمصلحة العرب،
وربما كان ذلك لأنهم كانوا دائماً يتقدمون بالشكاوى ويقفون على أبواب المنظمة الدولية ومجلس الأمن طالبين الإنصاف وتنفيذ القرارات ورفع العدوان والكف عن العبث بمقدَّراتهم،
ومجلس الأمن مع الأقوياء وليس مع الضعفاء.
في 24/ 11/ 1953 صدر أول قرار إدانة لإسرائيل هو
القرار رقم 101 " يحمل استنكاراً شديداً " لهجوم "إسرائيل"
على قِبْيةَ وتوالت القرارات منذ ذلك التاريخ :
106 ـ 111 ـ 127 ـ 162 ـ 171 ـ 228 ـ 237 ـ 248 ـ 250
ـ 251 ـ 256 ـ 259 ـ 262 ـ265 ـ 267 ـ 270 ـ 271 ـ 279 ـ 280 ـ 285 ـ 298 ـ 313 ـ
316 ـ 317ـ 332ـ 337 ـ 425 ـ 427 ـ 444 ـ 446 ـ 450 ـ 452 ـ 465 ـ 467 ـ 468 ـ 469
ـ 471 ـ 476 ـ 478 ـ 484 ـ 487 ـ 497 ـ 498 ـ 501 ـ 509 ـ 515 ـ 517 ـ 518 ـ 520 ـ
573 ـ 587 ـ 592 ـ 607 ـ 608 ـ 636 ـ 641 ـ 672 ـ673ـ 681 ـ 694 ـ 726 ـ 799 .
إضافة إلى القرارين الشهيرين /242 ـ 338/ وهناك قرارات
من بينها وافقت عليها الولايات المتحدة الأميركية ولكن أياً من هذه القرارات الـ
70/ الصادرة عن مجلس الأمن، والقرارت الصادرة قبل عام 1953 ابتداء من القرار 181/
لعام 1947 مروراً بالقرار 194 الذي ينص على حق العودة وعشرات القرارات الأخرى،
أقول إن أيّاً من هذه القرارات لم ينفذ؛ ولم يصدر بحق "إسرائيل" قرار
واحد على أساس الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لأن ذلك قد يقود إلى تنفيذ القرارات
بالقوة الدولية ويجيز فرض عقوبات على من لا يحترم تنفيذها.
وقد قامت الولايات المتحدة الأميركية باستخدام حق النقض " الفيتو" /30/
مرة لمنع اتخاذ قرارت إدانة شديدة " لإسرائيل " في مجلس الأمن.
وقد منعت عرض موضوع المبعدين على مجلس الأمن بعد امتناع "إسرائيل" عن
تنفيذ القرار 799 وفرضت على المعنيين صفقتها المعروفة مع "إسرائيل" حول هذا الموضوع، وقضت على القرار تماماً، وربما تم ذلك بتواطؤ بعض
العرب معها، لتحقيق مكاسب أمنية وأهداف سياسية ضيقة، ولتنفيذ اتفاقيات هزيلة كانت
تطبخ سراً في أوسلو كان من نتيجتها التصريحات والتحركات التالية، بعد أن ألغت الولايات
المتحدة الأميركية قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية، وذلك بعد انعقاد
مؤتمر مدريد :
ـ فقد
صرح مايكل ماكوري، المتحدث باسم الخارجية الأميركية في 17 ـ 18 / 9/ 1993 بما يأتي
: " إن الوقت قد حان لنرى إذا كانت هناك قرارات للأمم المتحدة تتضمن أشياء
مكدرة بحق "إسرائيل" يمكن إلغاؤها وتعليقها " عن السفير 18/9/ 1993 صـ 1.
ـ ثم
صرح الرئيس كلينتون بما يأتي : " إن السلام في تلك المنطقة، والمعزز كما يجب،
من خلال إلغاء قرارات الأمم المتحدة
القديمة، سيساعد على إطلاق الإمكانيات
الاقتصادية الضخمة في تلك المنطقة، وسيهدئ أحد المصادر الدائمة للتوتر في
الشؤون الدولية " عن السفير في
28/ 9/ 1993 صـ 11.
ـ وبوحي من ذلك، وتحت تأثيره وبدافع منه، عملت لجنة،
شارك فيها: أميركيون، وإسرائيليون وفلسطينيون ومصريون على إلغاء /31/ قراراً
للهيئة الدولية صدرت بحق "إسرائيل" جراء ممارسات بشعة قامت بها، وتم
اتخاذ قرار من الهيئة الدولية بذلك. ونحن نلاحظ هنا إلى أي مدى
يبلغ حرص الأميركيين على غسل ذاكرة الشعوب وتنظيف التاريخ من أية إدانات " لإسرائيل"، بينما يبقى
الاتهام المفتعل بالإرهاب وممارسة العنف ـ أي مقاومة الاحتلال وهو أمر مشروع ـ مما
يُلاحَق به العرب.
لقد كانت الولايات المتحدة الأميركية تدّعي أنها
باتخاذها تلك المواقف في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة تبطِل محاولات الاتحاد السوفييتي نصرة
حلفائه من العرب في أثناء الحرب الباردة، ولكنها على الرغم من وجود أصدقاء وحلفاء
لها من العرب فإنها لم تنصرهم يوماً في قضية فلسطين ولو بقرار واحد ضد
"إسرائيل"، اللهم إلاّ إذا كان أي من العرب لم يطالبها جدياً بذلك أو
منعها من اتخاذ مثل ذلك الموقف؟!
ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة وغياب المنافس، لماذا بقيت الولايات المتحدة الأميركية على
مناصرتها العمياء " لإسرائيل "، وحقدها المطلق على بعض العرب ؟! وفي وضع
صارخ مثل وضع الحصار المفروض على الشعب العربي في العراق، والشعب العربي في ليبيا، نرى أن الولايات
المتحدة قادت مجلس الأمن وفرضت عليه اتخاذ قرارات لا مثيل لها في تاريخه، وفرضت
نصوص تلك القرارات، التي جاءت على أساس الفصل السابع من الميثاق، وسارعت إلى تنفيذ
العقوبات وملاحقة تنفيذها بصرامة لا مثيل لها، ومثابرة وتقصّد للإذلال؛ وتابعت
تهديد كل من يحاول التفكير في طرح موضوع رفع الحصار عن الشعب العربي في البلدين. وفي حالتي :
حادث مثل لوكربي وحادث الطائرة الفرنسية، اللذين يُزعم أن الجماهيرية وراء إسقاط الطائرتين فيهما، نفذت القرارات على الجماهيرية
تماماً، ويطلب اليوم زيادة العقوبات إلى حدود فرض مقاطعة على صادرات ليبيا من
البترول؛ ولكن حوادث أخرى منها اختطاف "إسرائيل" لطائرتين عربيتين
" ليبية وسورية "، وإسقاطها عمداً لطائرة ركاب ليبية وقتل جميع من فيها،
في إطار ممارسة صريحة ومفضوحة لإرهاب الدولة، فإن الولايات المتحدة لم تفعل شيئاً،
بل باركت ذلك و سكتت عليه، ولم يتحرك مجلس الأمن لاتخاذ قرارات صارمة بشأن ذلك.
وكأنَّ إرهاب دولة "إسرائيل" أمرٌ مشروع
لأنه يوافق المصالح الأميركية والغربية، ودفاع العرب عن أنفسهم أمر يخرج عن نطاق
الشرعية الدولية لأنه يبقي للعرب حضوراً ما، والولايات المتحدة الأميركية لا تريد
لهم ذلك الحضور لأن "إسرائيل" لا تريده ولا تطيقه وأميركا تنفِّذ لـ
"إسرائيل" ما تريد. وإذا أخذنا حوادث القتل اليومي
المستمر في فلسطين المحتلة، أو أخذنا الأوضاع المأساوية في لبنان، أو أخذنا القرار 425 القاضي
بانسحاب "إسرائيل" الفوري من جنوب لبنان، أو القرار 799 القاضي بعودة
المبعدين من مرج الزهور إلى ديارهم، نجد أن الدور الأميركي يمثل تواطؤاً لا نظير
له ضد من أتى القرار لصالحهم، ويتواطأ ضد حقوق الإنسان التي تدعي الإدارات
الأميركية المتعاقبة أنها تحافظ
عليها؛ لا سيما في نطاق " النظام العالمي الجديد " الذي تصنعه وتقوده وتدعيه (؟!)
ويصدق في هذه الحالة قول بول فندلي
في كتابه " الخداع" : " إن ما يطغى على جميع التحديات على الرغم من
من أهميتها، هو انتهاك "إسرائيل" المستمر لحقوق الإنسان العربي، وتواطؤ الولايات المتحدة مع هذه الممارسات
ونفاقها فيما يتعلق بها " (14).
والولايات المتحدة الأميركية تزعم أنها : قائد للنظام
العالمي الجديد وصانع له، وبهذه الصفة تحافظ أولاً على حقوق الإنسان وثانياً على
الديمقراطية؛ ولكن يبدو أنها لا تحافظ إلاّ على مصالحها، ومصالح
"إسرائيل" الحليف الاستراتيجي لها، ذلك لأنها، حقاً وفعلاً، لا تحترم
حقوق الإنسان، وتزيّف الديمقراطية، وتكيل بأكثر من مكيال، ولا تحترم القيم الخلقية
في العلاقات الدولية؛ وهي على استعداد للاستمرار في نهب الشعوب وتدميرها، وإفساد
البيئة والمناخ والحياة، تحت اسم التقدم والمصلحة العليا لأميركا والغرب، وتحت
شعارات إنسانية في بعض الحالات؟.
إن الولايات المتحدة الأميركية قالت في حرب الخليج
الثانية على لسان الرئيس جورج بوش : "ليس هناك في العالم المتمدن مكان للقهر والإرهاب". ويبدو
أنها تقول ذلك بجدية مطلقة، ولكن العالم المتمدن بالنسبة لها هو الغرب وإسرائيل فقط؛
أمّا الآخرون فبهائم الأرض تجوز إبادتهم، حسب المفهوم العنصري الذي يتبناه الصهاينة والمتصهينون في الغرب.
ذلك أنه حين تمارس "إسرائيل" القهر والإرهاب المنظَّمَين ضد العرب،
وتقوم بتدمير البيوت والأجساد والآمال، وتسكت أميركا على ذلك أو قد تباركه، فذلك
يغدو فعلاً مشروعاً بنظر الغرب، لأنه لا يتم ضد العالم المتمدن الذي هو هم وحدهم، وإنما يتم ضد آخرين خارج
دائرة الأنسنة بالمفهوم الغربي لها. ؟!
ـ كانت الولايات المتحدة الأميركية مع الديمقراطية ولكنها
اضطرت للاختيار، عندما انتصرت
الديمقراطية أو كادت في الجزائر، فقالت بلسان مساعد وزير
الخارجية دجريجيان (سفيرها في "إسرائيل" حالياً): "إن واشنطن تنظر
بريـبة لتلك القوى التي يمكن أن تستخدم العملية الديمقراطية
للوصول إلى السلطة فقط لتقوم بتدمير العملية ذاتها من أجل الحفاظ على السلطة وفرض الهيمنة السياسية (....) وبينما نؤمن بمبدأ لكل شخص واحد صوت واحد
فإننا لا ندعم مبدأ لكل شخص صوت واحد ولمرة واحدة " (15) وعندما كان يلتسن في
البرلمان والقوات تحاصره كانت الديمقراطية إلى جانب يلتسن،
وعندما أصبح يلتسن رئيساً وحاصر البرلمان
وقصفه بمدافع الدبابات كانت الديمقراطية الأميركية معه أيضاً. ولم تكن في الحالتين إلاّ مع
مصالحها ومع من يؤمن بتلك المصالح ويخدمها.
لقد كانت أميركا بعد حرب الخليج مباشرة وفي أثناء الأزمة
التي سبقت الحرب، تبشر بعالم لا توجد فيه مبيعات للأسلحة ولا يتوجب فيه
استخدام القوة أو اللجوء إليها. لقد كانت في ذلك الوقت تحتاج
إلى حلفاء، وتنثر الوعود والكلام المعسول وتبشر بعالم مغاير، ولكنها بعد ذلك لجأت
إلى نقض ما قالت وفعلت عكس ما وعدت به تماماً، وهذا هو النفاق الصُّراح، فقد قالت
ما قالت لتضمن احتكار سوق السلاح وسوق النفط معاً، وتفوز بالسوق الاستهلاكية، وإذا
كان الحديث عن سوق النفط معلناً أو شبه معلن فإن الحديث عن سوق السلاح لم يكن
كذلك، ولكنه بعد انتهاء الحرب أصبح في المقدمة:
" إن واشنطن على استعداد للتعاون الأمني الوثيق مع حلفائها في الخليج
عبر " مبيعات الأسلحة " والتدابير الأمنية الثنائية، مثل إجراء
المناورات العسكرية المشتركة بين وقت وآخر، وتعزيز وصيانة الوجود البحري الأميركي
في الخليج، وتدابير حق الوصول وتخزين المعدات والأجهزة العسكرية المهمة في المنطقة " (16)
ولجأت أميركا لتقوية الترسانة العسكرية " الإسرائيلية
" ولدعم تطوير صواريخ مثل " حيتس، آرو ـ أي السهم" معها بضمها
بدءاً منه إلى مبادرة الدفاع الاستراتيجي " حرب النجوم" لعام 1986، وكذلك دعم وتطوير أنموذج الطائرة المقترح من قبلها (لافي) وتطوير دبابة
من دون عناصر بشرية.
وأعادت النظر بالاستراتيجية الجديدة مع "إسرائيل"، وستنتقل قواعدها
البحرية من نابولي إلى حيفا، وهي توسع ميناء حيفا منذ أكثر من عام تقريباً لتجعله
مركزاً للأسطول الأميركي السادس، ليس للصيانة وإنما لاستخدامه كقاعدة عسكرية تؤمن
مصالح أميركا، وأمن "إسرائيل"، وتؤمن أيضاً سيطرتها وتفوقها في المنطقة،
وقد قال الرئيس كلينتون متوجاً نهج الانحياز بوضوح قال: " سوف أنشط بقوة أكثر لوقف الصواريخ الخطيرة في الشرق الأوسط، وأصر
على جهود دولية قوية لإبقاء أسلحة الدمار الشامل خارج أيدي دول مثل إيران والعراق
وسورية وليبيا.
وعلى سياستنا أن تشمل ليس فقط الجهود لتقليص هذا الانتشار، بل يجب أن تشمل تأكيداً
لالتزامنا القوي لصيانة التفوق الإسرائيلي العسكري النوعي ضد خصومها المحتملين.
وأيضاً فإن إدارة كلينتون سوف تتعامل مع النزاع العربي
الإسرائيلي كنزاع متعلق ببقاء "إسرائيل" على قيد الحياة " وقال
كلينتون إثر لقائه مع إسحاق رابين في 15/ 3/ 1993 " لقد بدأنا حواراً يهدف
إلى رفع علاقاتنا إلى مستوى جديد من الشراكة الاستراتيجية لنكون شركاء في السعي
إلى السلام، وشركاء في السعي إلى الأمن " والأمن المقصود هو أمن
"إسرائيل" طبعاً. وهذا الذي يقوله الرئيس
الأمريكي الحالي هو قول صادر عمن يفترض فيه أن يدخل راعياً للسلام، وشريكاً نزيهاً
كامل الشراكة في المفاوضات؛ فأي انحياز وأي مفهوم للعدل، وأية مكاييل متعددة توجد في البيت
الأبيض الذي يدعي قيادة العالم إلى نظام جديد؟! بل وأي عالم وأي نظام جديد أصلاً؟!؟.
ـ لقد أوقفت أميركا المساعدات الطفيفة التي كانت
تقدمها لباكستان حتى تمنعها من تطوير سلاح نووي وامتلاكه. وقامت بحرب تدمير للعراق،
أعقبت حرب إخراجه من الكويت، لأنها تريد أن تمنعه من امتلاك السلاح النووي
ومن أي سلاح آخر قد يهدد "إسرائيل".
ـ وحاصرت ليبيا لتمنعها من امتلاك قوة ما، ولتمنعها
من القيام بأي تحرك قد يؤثر سلبياً على سياستها وعلى مخططاتها في المنطقة، وعلى ما
فرضته من مسيرات تصفوية للقضايا الرئيسة والمركزية فيها.
ـ ومنعت وصول أسلحة تقليدية إلى سورية، وتعاونت مع
الغرب، لاسيما مع ألمانيا، من أجل ذلك، وضغطت على دول مثل تشكوسلوفاكيا
سابقاً، وبولونيا لتمنعها من بيع دبابات لسورية. وضيقت على كوريا الشمالية
لأنها تبيع صواريخ لسورية، ولأنها تحاول أن تمتلك سلاحاً نووياً لنفسها. كما ضغطت على الصين من أجل عدم بيع أسلحة
لسورية. وكان هذا سيبدو مقبولاً ومعقولاً لو أن أميركا نفذت
مثل هذه السياسة في كل أنحاء العالم على قدم المساواة بين الدول، ولكنها لم تفعل
ذلك على الإطلاق.
ـ فقد سكتت على مشاريع تطوير السلاح النووي القائمة بين "إسرائيل" وجنوب أفريقيا، وهي
تأخذ منذ عهد نيكسون وغولدا مائير بعدم إثارة موضوع التسلح النووي الإسرائيلي،
وعدم السماح بإثارته.
ـ ولم تمنع "إسرائيل"، ولم تَدَعْ أحداً
يفكر في طرح موضوع منعها، من تطوير الأسلحة النووية لديها، تلك التي تزيد على مئتي
رأس نووي، مع وجود القدرة على إنتاج ذلك النوع من السلاح وتطويره. بل على العكس من ذلك قامت بتعاون استراتيجي مع "إسرائيل" لتطوير كل أسلحتها، ولاسيما الصواريخ البالستية، الحاملة لرؤوس نووية،
وإطلاق الأقمار الصناعية، وساعدتها على امتلاك تَقَانَة عالية في مجال الحواسيب
العملاقة من نوع " كربي"، وجعلتها تشارك في برنامج حرب النجوم، وقدمت
لها الأموال اللازمة لكل مشاريعها الاستيطانية والعسكرية والعدوانية، وقدمت لها
أيضاً مظلة سياسية وعسكرية لحمايتها، وسخَّرت كل قدراتها لترويجها
وتسويقها عربياً، وجعل عرب من العرب يخدمون بقاءها ومشروعها الاستيطاني، بدفع
أميركي، أليس هذا هو ازدواج المكاييل بعينه ؟! وازدواج المكاييل يبرز في قضايا أخرى مثل
قضية البوسنة والهرسك، مأساة العصر
وعار الإنسانية، وعنوان الإفلاس الروحي والخلقي في الغرب والشرق، الشمال
والجنوب، على حد سواء.
فقد سمح للصرب، حلفاء "إسرائيل"، بذبح
المسلمين وإبادتهم على أساس ( عرقي ـ ديني ) صريح، ومنع عن المسلمين البوشناق
السلاح، وبقوا في حالة الحصار قيد الإبادة الروحية / بالاغتصاب والقهر والتجويع
والحصار / والإبادة الجسدية / بالقتل والتدمير والحصار المطلق ومنع وصول السلاح؛
وبعد أن انتهى برنامج الصرب العنصريين أو كاد، تدخلت الولايات المتحدة الأميركية
لتظهر بمظهر الحامي للبوسنيين من الجوع ؟! ولكن حتى الطعام لم يصل إلى من يعانون
من المرض والجوع وحصار الموت.
ولم يتحرك مجلس الأمن ليتدخل من أجل وقف المذبحة، لأن
ذلك سيكلف الكثير حسب قول الأميركيين، وربما كانت الحقيقة الساطعة والمؤلمة
والبسيطة هي أن ذلك التدخل غير مغطى مالياً، أي أن المرتزق الأميركي لن يلقى من
يدفع له أجور التدخل، وهو غير معني بالأمور الإنسانية والخُلُقية حقاً إلا في
الإعلام، وحين يشكل ذلك ستاراً للتدخل المباشر من أجل فرض الإرادة والنفوذ والقرار
وتأمين المصالح الآنية أو البعيدة الأمد. والأميركي معني أيضاً بعدم
إحراج يلتسن أمام الروس الذين يدعمون الصرب بكل شيء، ويريدون أن ينجح عنصريوهم بإبادة المسلمين
البوشناق(17).
ـ موضوع الاستيطان ودعمه بضمانات قروض بعشرة مليارات دولار أمريكي، عدا
المليارات الثلاثة التي تقدم "
لإسرائيل " سنوياً، والتي أوصلت
مجموع المساعدات حتى الآن إلى ما يزيد على ستين مليار دولار قدمتها أميركا
" لإسرائيل " منذ الخمسينيات،
وهو ما لم تفعله دولة مع دولة.
ألا يشكل هذا مظهراً صارخاً من مظاهر ازدواجية
المكاييل حيال قضية واحدة هي
قضية حقوق الإنسان، التي تعني الأميركي كثيراً ويتشدق
بها الساسة الغربيون دائماً ؟؟
فهل يستحق اليهودي الذي يعيش في روسيا أو سواها أن
تكون قضية انتقاله إلى وطن الغير واستيطانه فيه بالقوة، وعلى حساب حياة
الفلسطينيين، قضية إنسانية تدفع من أجلها مليارات الدولارات وتغطّى عسكرياً
واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً، بينما تصبح قضية الفلسطيني الذي يطرد من وطنه أو
يباد في وطنه، فيضطر للدفاع عن نفسه وصغاره وبيته الوحيد ووطنه الوحيد، قضية
إرهابية مدانة تقع خارج حدود حقوق
الإنسان في العيش والحرية والكرامة وتستدعي تعاون جميع الدول لمقاومته ؟!
ألا يشكل هذا الموقف نقضاً تاماً لقضية رئيسة تتمسك
بها الولايات المتحدة الأميركية هي قضية حقوق الإنسان ؟! إن هذا المنطق المزدوج
موجود في أميركا بالدرجة الأولى وينبغي ألاّ نستغرب ذلك كثيراً، فأميركا قامت
أصلاً على مبدأ إبادة الشعب الأصلي ـ الهنود الحمر ـ وعلى أساس عنصري، واستيطاني،
ولذلك فهي تجد من المنطقي أن تنشأ دول بالطريقة ذاتها، وعلى حساب الآخرين
الأصليين، وأن تتكون من خليط من الشعوب والأقوام لتنفيذ أهداف تجارية وسياسية
ومصالح استعمارية كثيرة، وأن تقوم بإبادة الغير. العنصري يفهم العنصري
والولايات المتحدة الأميركية تفهم "إسرائيل"؛ ولكن لن يقيم ميزان العدل
إلاّ من يفهم العدل ويمتلك القوة ليضعه في نصابه الصحيح والسليم.
فهل هناك سوى مواجهة حازمة بالقوة، بكل ما يكوّن القوة : ـ الوحدة ـ التضامن ـ
السلاح ـ العلم ـ التَّقَانَة ـ الوعي ـ الضمير ـ العقيدة ـ الإيمان ـ العمل....
للتصدي لسياسة ازدواجية المعايير هذه التي تصلح عنوانا لما يسمى بالنظام العالمي
الجديد ؟!؟
إنه سؤال مطروح علينا نحن الذين نتلمس رقابنا يومياً
لنجد هل رؤوسنا ما زالت فوقها؛ ونفقد يومياً شيئاً من أمننا ومستقبل أجيالنا فنحبط أكثر ونخضع أكثر ونتنازل أكثر.
إننا سوف نحلم بالتغيير ونعمل له، وسيبقى الحلم أحد
المداخل المشروعة لتغيير الواقع، وعلينا ألا نميت ذلك الحلم في نفوسنا، على الأقل،
ولكن الحلم ينقلب إلى كابوس أو وهم
جنوني ومرض عندما لا يترجم إلى خطط وإمكانات وأفعال.
على صعيد آخر، ومن منظور عربي، نود أن نتعرف على
ملامح عالمنا، كما نراه، وعلى معالم النظام الذي يقال إنه جديد، من وجهة نظر بعض
العرب، وهو العالم الذي يشكله التغيير والذي يفرض بدوره تغييراً أو يتطلبه.
وبداية أقول : إن العلاقات الظاهرة، والقوى الفاعلة والمؤثرة، والعوامل الفعالة في
السياسة الدولية، قد تكون تغيرت كثيراً، كما رأينا مما عرضنا سابقاً، ويفترض أن
يمهد هذا الطريق لنظام جديد يحكم العلاقات والصلات ويقيمها على أساس من القيم
والمصالح معاً، ولكن يبدو أنه، كما حصل بعد كل من الحربين العالميتين الأولى
والثانية، بقيت المصالح والقوى المتغطرسة هي التي تحكم العالم وتتحكّم به وتقيم ما
تسميه نظاماً له وفيه. وفي مثل حالنا في زمننا الراهن
بعد ما أسميه الحرب العالمية الثالثة، استمر الحال على ما هو عليه حيث تحكم
المصلحة الوسخة والقوة المتغطرسة عالمنا، ولكن بقيادة واحدة شبه وحيدة هذه المرة.
وهكذا فإن جوهر قيم التعامل، ومفاهيم سيطرة القوة، ومرجعية مصلحة الأقوى، ومفاهيمه
وقيمه وخُلُقيَّاته وتفسيره للقرارات والقيم واحتكاره للمرجعيات، لم يتغير؛ ويبدو
أنه من الصعب أن يتغير، لأن القوة والمصلحة ما زالتا تعطيان مفاهيم الحق والعدل
تفسيراتها ومعانيها، وتلونها بلون رغباتهما وتطلعاتهما. وهذا يجعل القول بوجود التغير
الذي يمهد لنظام عالمي جديد صحيحاً، والقول إنه لم يقم نظام عالمي جديد أصلاً،
بالمعنى الذي ناور عليه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بعد حرب الخليج الثانية،
صحيحٌ أيضاً.
مما لا شك فيه أن الوضع العربي تغير كثيراً وتأثر
كثيراً بالمتغيرات الدولية.
ـ فلم يعد هناك عرب أميركا وعرب الاتحاد السوفييتي
وما بينهما؛ بل أصبح هناك عرب أميركا وعرب يتبعونهم على استحياء، وعرب ضائعون،
وآخرون رافضون للتبعية المذلة لأميركا أو لسواها ولكنهم يبحثون عن قوام وقيمة
وطريق، ويناضلون من أجل شق طريق لهم.
ـ ولم يعد هناك اتساع المد القومي، في مجالات التنظيم
والفكر، كما لم يعد الطرح الوحدوي قوياً أو متماسكاً أو واقعياً، إنه لم يتحقق
ولكنه لم يذب كلياً أو ينهزم في الوقت ذاته، وهكذا يكون العرب قد أضافوا ببراعة
إلى مستحيلاتهم الثلاثة مستحيلاً رابعاً فغدت: الغول والعنقاء والخل الوفي والوحدة
العربية.
ـ وتراجع التضامن العربي ذاته. وسقطت محاور سياسية عربية
مثل مجلس التعاون العربي، وضعف
المجلس المغاربي وكاد يغيب عن الوجود أو يشيع جثمانه، وحافظ مجلس التعاون الخليجي
على شيء من الحضور ضمن إطار مخلَّع تقريباً؛ ولم يعد للجامعة العربية حضور مؤثر
يذكر، وبدأت السياسات القطرية تأخذ مداها في كل ما يتعلق بالحفاظ على مصالحها
الخاصة ونظامها القطري، وتقيم تحالفاتها المكشوفة مع الغرب، وحتى مع العدو
الصهيوني، دونما اعتبار أو حساب يذكر للمشاعر القومية والدم الذي يسفك يومياً على
أيدي اليهود، أو للصراع العربي " الإسرائيلي" ومتطلباته وثوابته وأهدافه.
وبدأت تطرح في العلن، وعلى أرضية الخلافات العربية ـ
العربية المفزعة، مقولات تفضيل عدو العرب على العرب، فضلاً عن طروحات علنية تجعل
التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية
فوق أي تقارب مع العرب، والبحث عن الحماية في ظل الغرب، والتسلح للدفاع عن
النفس ضد العربي أولاً، وضد الجار المسلم ثانياً، وضد العدو الصهيوني أو الغرب
الطامع عاشراً أو أخيراً، بل وصل الأمر بعد اتفاق غزة ـ أريحا إلى المناداة بتحالف مكشوف بين
"إسرائيل" وفلسطينيين، ضد عرب فلسطينيين، فإلى أي حد وصلنا وسنصل يا ترى
؟؟
وانقسم الشارع العربي بعد حرب الخليج الثانية
جماهيرياً، فصار يؤيد سياسات قطرية لم يكن يؤيدها، وصار أقرب إلى تكريس التجزئة،
باقتناع، منه إلى تحمل كابوسها
المرحلي على مضض، كما كان حاله سابقاً. ولم يعد المال العربي المودع
في الخارج والذي يصل إلى ما يقرب من /850/ مليار دولار يغامر تحت أي ظرف في التوطن
في البلاد العربية، وازداد خوفه كما ازدادت خدمته لأعداء الأمة، وازدادت درجة
اليأس من ثمار التعاون العربي وجدواه. وحين يحافظ العرب على مظاهر
اللقاء والتنسيق والتعاون في المفاوضات مع العدو، أو في محاور " شكلية "
مثل دول إعلان دمشق، فإنما يفعلون ذلك إمّا تحت ضغط الخوف من الابتلاع أو تحت وهم
اقتناع الآخر/ سياسيا كان الآخر أم جمهوراً أم دولة عربية / بأن إمكانية العمل
العربي ما زالت قائمة، وأن العرب يفكرون عند الضرورة بعمل مشترك، وأن العروبة ما
زالت على فراش الموت ولم تمت فعلاً، وربما كان هناك أمل لها في الحياة، ولكن هذا
لا يلغي ما يجري في السر فعلاً وما قد يتفجر في طريقه من السر إلى العلن في وجوه
الناس من العرب، فيشوه الرؤى والوجوه معاً.
إن أمل
العرب في امتلاك القوة المحررَّة والإمكانات المالية التي تصنع تلك القوة، وكذلك
أملهم في التوصل إلى تحقيق تقدم على أساس امتلاك مقومات قوة أصيلة ودائمة؛ إن ذلك
ضعيف جداً، في الواقع الراهن، وحسب وتائر الأداء الحالي، لا سيما في مجالات العمل
المشترك الذي من دونه لا نجاة ولا خلاص. وينسحب هذا على التفكير
بالتحرير وعلى القدرة على المواجهة، لا سيما بعد أن أصبح السلاح ـ وهو سلعة سياسية
صعبة أصلاً ـ غير متيسر لهم بالنوعية والكمية الكافيتين لحسم معركة، وبعد أن أصبح
مزاج العالم ومناخه غير محبذين لحل الصراعات بالحرب. ولكن السؤال، الذي يطرح نفسه
على هذه الأرضية القائمة والقاتمة للواقع العربي الراهن، هو سؤال مثير ومضيء
ومنطقي وينطوي على كثير من مقومات الأمل، وهو يلخص في الكلمات البسيطة الآتية التي
أقدمها على شكل أسئلة وإلماحات وتساؤلات وهي:
ـ هل الوضع الدولي، والعربي ضمناً، سوف يستقر على هذا
الحال الذي يمثل الراهن الآن ومعطياته الظاهرة ؟ أقول بكل بساطة لا، لأن ذلك لا
يتفق ومنطق الحياة والتاريخ، منطق الحركة والتحول والتغير، وتداول الدول، ولا يتفق
مع التكوين الاجتماعي والتاريخي والعقيدي لأبناء الأمة، ولا ينسجم مع ما يقدمه
تاريخها في الأزمات من عبر واستنتاجات.
ـ هل سيادة القطب الدولي الوحيد الطرف هي قدر ؟ وهل
تراها تستمر إلى الأبد ؟ وهل قوته الفائقة ستبقى كذلك سياسياً واقتصادياً على
الخصوص؟؟ أقول أيضاً لا، والنذر تتوالى على شكل دلالات ومؤشرات، وتصادم مصالح؛
وتتجلى في التضخم، والعجز في الموازنات، وفي البطالة، وتهديد مؤسسات ومعامل وشركات
كبيرة بالإفلاس(18). والحياة دائماً تقوم على تواصل
قطبي صراع على الأقل، ويلزم لاستمرارها مثل هذين القطبين.
ـ هل سيبقى الغرب كتلة واحدة من دون تناقض على الرغم من عامل المصلحة
المختلفة بين دوله ؟
أعتقد جازماً بأن الأمر لن يستقر على ذلك الحال على
الرغم من اتفاقية "الغات". فهناك صراعات على التجارة،
وعلى الطاقة، وعلى بيع السلاح، وأسواق دول العالم الثالث، وعلى الهيمنة، فضلاً عن
الصراع حول الشخصية الثقافية، والرأي العام المسيَّر إعلامياً، وعلى قيم وتاريخ
ومقومات ذات جذور عميقة في النفوس والبلدان؛ ففرنسا مثلاً تشكو من الغزو الثقافي
الأميركي، وإذا كان الانفجار يؤجَّل أو يسكَّن، فإن هذا لا يعني أنه لن يحدث، أو أن
مسبباته قد زالت من الوجود.
ـ وهل عمالقة الشرق ونموره، سوف يبقون في حالة كساح
دائم ؟ إن من المشكوك فيه أن يبقوا هكذا؛ وهم يكتشفون يوماً بعد يوم أيضاً دروس
التاريخ الذي يخصهم.
ـ وهل الأمة العربية ستبقى سؤالاً معلقاً في الفراغ إلى
ما لا نهاية ؟ إن إلماحات الواقع، واستقراء التاريخ، والتحولات العميقة التي تظهر
بعض تجلياتها… كل ذلك يشير إلى أن الأمر لن يستقر على هذا، وإليكم ما لقيه ويلقاه
اتفاق غزة ـ أريحا من مقاومة وإحباط جراء معارضة بعض العرب له، وهم القلة المتفرقة
!!
ـ وهل الإمكانات التي تملكها شعوب فقيرة متعبة
ومستلبة على نحو ما، ستبقى هي الأخرى، وإلى الأبد، موضع نهب العالم الصناعي "
المتقدم " والدول القوية ؟ إن ذلك موضوع يستحق التأمل عبر سيرورة التاريخ
وصيرورة الواقع.
ـ ألا
يمكن أن يكون هناك دور مؤثر للوعي والفكر، وحتى للفقر والجوع والقهر، في
تغيير المعطيات الحالية، ومن ثم تقديم صورة أخرى مغايرة، لعالم أو لنظام عالمي
مغاير لذلك الذي ينميه الطموح الغربي الاستعماري السائد والصهيوني الاستيطاني
المتحالف معه ؟ ألن يكون للثقافة دور في إنقاذ شعوب العالم الفقير المقهور، وفي
رفع نير المعاناة عن تلك الشعوب وتخفيف كدَمَاتِه عن رقابها، وهي النور والوعي
وقداسة الكلمة المنقذة ؟؟ أم سيكون دورها الانفعال بما يقال لها وبما يملى عليها،
والتهويم على بعد يقيها الانغماس في الواقع والمعاناة بصدق يليق بها ؟؟.
ـ والشعب العربي الذي نُحِرَ من التسلط والنهب
والتبعية والطغيان، هل ستستمر معاناته وإهمال قضاياه، حتى من قبل حكامه ـ ظلامه،
إلى ما لا نهاية ؟!
ـ وهل ستستمر صور الإلحاق والإذلال والعجز والدونية،
معلقة مثل تمائم مقدسة في أعناق الفقراء، وفي أعناق العرب والمسلمين من بين أولئك
الفقراء ؟!
إن الصور التي تقدمها الحياة العربية، على الأقل، صور
توحي بإمكانات كثيرة للتغيير، وتوحي بوجود أشعة وتوهج في نهاية النفق المظلم؛ فعلى
هذه الأرضية المظلمة، أرضية المعاناة والبؤس، وأكاد أقول اليأس، يوجد نضال ولو
بالحجر والعصا والسكين، وتوجد مواجهة، ولو كلفت صاحبها حياته وخسارة سنوات من
عمره، ومستقبله، وكلُّ هذا ليس بلا دلالات، كما أنه ليس بلا نتائج تُرتجى وتُنتظر.
إن المثقف العربي الذي يلملم شتات نفسه ويبحث بشيء من السلحفائية والجبن، أو ربما
بتأثير ظاهر من المصلحية والرغبة في السلامة الذاتية، عن دور، إن المثقف العربي
يمكن أن يلعب دوره ليعيد تشكيل صورة العالم من حوله، وليقدم المخرج النظري الذي
تقدمه الثقافة العربية ويقدمه الوعي للناس، أولاً، فيحوله المؤمنون به إلى صبح
مشرق، وعمل قائم وسلوك وقيم ومعطيات على الأرض، تغيِّر الواقع بدورها وتساهم في
صنع صورة العالم وفي تغييره، ابتداءً من تغيير الذات وصورة المواجهات، كما تساهم
في وضع نظامه أو أنظمته، وفي كشف فساده وفساد أنظمته واقتراح البدائل لها.
فهل المثقف العربي يحقق
رؤية أو يستنتج رؤية خاصة به من كل ما يجري حوله وفي ساحة حضوره ويقدمها لمواطنيه،
أم أنه ضائع تائه يبحث، هذا إذا عرف عمّا يبحث ؟ أم أنه لم يختر بعد دوراً رائداً
يخرج عن ذلك الذي ترسمه له السياسة أو ترضى عنه ؟
إن سؤال المثقف والسلطة،
يأتي في مقدمة الأسئلة لمن يبحث عن دور في الوطن العربي، ولمن يبحث للثقافة عن دور
ورؤية في عالم متغير وسيبقى متغيراً. وليس كمثل الثقافة طاقة وقدرة على مواكبة
التغيير، وعلى اكتشاف ما ينفع الناس ويحفظ الأصالة والهوية الشخصية ومقومات الوجود
والتمايز للأمة، في اللحظات الصعبة وفي الزمن الذي يكون مفترقاً للتاريخ عند الأمم.
لقد أعلن الغرب بوضوح، ومن
منابر متعددة، وبأشكال مختلفة، عن أن القرن القادم سيشهد نشر الأنموذج الثقافي
الأميركي وأنموذج القيم الأميركية، والسلوك الأميركي، وأنه كما شهد القرن الحالي
انهيار الشيوعية والماركسية فسيشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام، وأنه لم
يعد هناك مجال للحديث عن أمة عربية، ولا عن طموحات قومية (19)، فأفق الطموح لأي
قطر عربي هو أن يرى نفسه آمناً في حدوده الحالية من دون أية أوهام أو أحلام أو تطلعات أو طموحات قومية من أي نوع، وفي مقدمتها التحرير
والوحدة، وهو على استعداد لأن يتعامل مع الشيطان على أرضية ذلك وفي سبيله.
لقد أُسقط التضامن العربي الأدنى فكيف بالحلم الوحدوي الأبعد ؟! وعلى
أرضية الانقسامات التي حدثت جراء حرب الخليج الثانية في الشارع العربي، سياسياً
وجماهيرياً وثقافياً، لم يعد هناك تفكير واقعي بمد قومي من أي نوع، كما يقولون،
وهناك هجوم مستمر على كل من يفكر تفكيراً قومياً أو وحدوياً على أي مستوى، وسيكون
هناك هجوم، وربما ملاحقة، لكل من
يرفض الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها، ويمارس عملاً فعالاً ضد الصهيونية
وكيانها المحتل لفلسطين.
على الصعيد الإسلامي أو
التفكير الإسلامي تبدّت ملامح وعي الذات، وبرز إلى حيّز العلن تيار فكري وسياسي
وتنظيمي يحاول أن يفرض حضوره بكل الصور الممكنة، فهناك من يسعى إلى الديمقراطية
وعندما يطالها أو يكاد، يُبْعَدُ عنها/ الجزائر مثلاً/ وهناك من يرى أن خير تعبير
عن الحضور في مناخ الإهمال ورفض الاعتراف بوجوده هو العنف، ويرى أن المسوّغ قائم
لإعلان " الجهاد" سواء على المحتل أو على السلطة القمعية التي يتهمها
بالكفر أو بالتبعية للكفار.
وكرد فعل على هذه اليقظة في هذا المنحى رفعت
"إسرائيل"، أولاً ثم أنظمة عربية ثانياً، ثم الغرب أخيراً ـ وقد كان
وراء ذلك أولاً بشكل سري ـ شعار : أن الأصولية الإسلامية أو الإسلام الأصولي هو
الذي يحتل مكان " الشيطان"
الآن، وهو يماثل خطر الشيوعية المنهارة على الغرب أو يزيد عليها خطراً.
ورأت أنه لذلك، لا بدَّ من توجيه الجهود لمحاربة ذلك التيار بكل الوسائل، ابتداء
من الاتهام بالإرهاب ـ حتى عند العمل المشروع على تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلـي
ـ ووصولاً إلى المقاومة والقمع والقتل في المواجهات الدامية التي تتمّ بين سلطة
اختارت العنف أو أُلجئت إليه، وبين معارضة اختارت العنف أو أُلجئت إليه أيضاً.
وذلك يجري في/ الجزائر ومصر/ وهذا الأمر سوف يفرض نفسه على المثقفين وسيضطرهم إلى
مواجهة أسئلة والرد عليها، وإلى الوقوف أمام اختيارات ووقائع واتخاذ مواقف منها.
وستلقي أسئلة ظلالها على
مواقف المثقفين جراء موقف الغرب والعدو الصهيوني من الثقافة القومية وثوابتها، ومن
توجهات الإسلام السياسي واتجاهاته،
وسوف يتوجب على المهتمين تلمُّس مناحي صراعات المثقفين العرب، وتوجهات
الثقافة العربية. ونتساءل عما إذا كانت تلك
الصراعات سوف تأخذ منحى داخلياً عربياً ـ عربياً، أم عربياً ـ إسلامياً بين
المثقفين، أم أنها سوف تتجه بهم إلى رؤية وواقع جديدين يتجسد معهما الخطر الخارجي
إلى الدرجة التي يتحتم معها مواجهته بأعلى مستوى من أي صراع داخلي أو ثانوي، فلا
تكون المواجهة عند ذلك مع جذورهم الثقافية ومع عقيدتهم، بل مع الخطر والغزو
والتآمر وأشكال الاستلاب الخارجي ؟!؟
ـ ولا تكون تلك المواجهة من أجل تبعية فكرية من أي
نوع تبشيراً بها أو ترويجاً لها، تحت أية ذريعة، وإنما من أجل المثاقفة التي تقوم
على الثقة والاحترام المتبادلين، والانجذاب نحو المعرفة والحقيقة والحرية، التي
تصدر عن حاجة واقتدار، ولا تغيّب الهوية من أجل احتياجات آنية ومصالح فردية.
ـ ولا تكون ضد تيارات ثقافية متعاونة صحية وإيجابية
الأهداف، وإنما ضد أشكال الغزو والمحو الثقافيين، وضد الإلحاق وفرض التبعية، وضد
المركزيات الثقافية المتعصبة المريضة والمتغطرسة المتعالية، كالمركزية الثقافية
الغربية التي ما زالت ترى نفسها ـ
تعصباً أو جهلاً أو غطرسة ـ فوق الثقافات الأخرى، وأنموذجاً يجب أن يُحْتَذَى،
وبديلاً للثقافات القومية.
ـ إن السياسة العربية، أو سياسة بعض الأقطار العربية،
ستأخذ بالاعتبار التطبيع مع العدو على أرضية السلام القادم/ مرفوضاً مفروضاً كان
أم مقبولاً مُقْبَلاً عليه/ وستحاول تلك السياسات أن تفرضه في حالات، وأن تداور في
مواقفها للتعامل معه في حالات أخرى، جراء تضمينه في الاتفاقيات التي ستسفر عنها
مفاوضات السلام الجارية؛ فكيف سيكون تعامل المثقفين العرب مع ذلك ؟ ؟
هناك مثقفون عرب يقولون :
إن الثقافة العربية لا تكتمل إلاّ بالثقافة
" الإسرائيلية
" ( تصوّروا ؟! )
فقد قال الكاتب المسرحي
المصري علي سالم " إن المسرح المصري لا يكتمل إلاّ بالمسرح " الإسرائيلي
" (20) وقام مثقفون عرب بإقامة
ندوة وحوار مع مثقفين " إسرائيليين " في غرناطة (12 ـ 13 ) ك1/ 1993
بإشراف اليونيسكو، مدفوعين بعواطفهم وارتباطاتهم لإنجاح اتفاق غزة ـ أريحا، ولكن
خابت آمالهم. وهناك مثقفون عرب يرفضون
التطبيع بكل أشكاله ويرون أن الثقافة العربية هي الحصن الأخير الذي يحفظ مواقف
الأمة وثوابتها وحقوقها، ولا ينبغي أن يُخْتَرَقَ هذا الحصن أبداً، وأن على
الثقافة أن ترفض العدو وكل أشكال الاعتراف به، بَلْهَ التعاون وتطبيع العلاقات
معه، فكيف ستكون الحال بين أولئك وهؤلاء ؟؟ وكيف ستكون حال الاثنين مع السلطة ؟
وكيف سيكون موقف الشعب من التطبيع مع العدو، في ظل معطيات الثقافة والسياسة،
وممارسات كل من السياسة والثقافة على أرضية الواقع من جهة، والالتزامات التاريخية
والخُلُقية من جهة أخرى ؟!
لقد أدت المتغيرات
العربية والدولية إلى مؤتمر جنيف، ثم إلى اتفاق غزة ـ أريحا، وإلى هبوب رياح
الاعتراف بالعدو والتفاعل وتطبيع العلاقات معه، والنظر إليه كجزء من النسيج
الجغرافي والاجتماعي والأمني والاقتصادي والثقافي للمنطقة. فكيف سيتعامل المثقف العربي
والثقافة العربية مع هذه الحقيقة السياسية الراهنة ؟! هل يغير قيماً ومقومات
وثوابت في الثقافة العربية قامت على أساس حق العرب في فلسطين، واعتبار
"إسرائيل" دولة احتلال لا بد أن يبقى الصراع معها على طبيعته صراع وجود،
مع وجود، أم أن تلك القيم والمقومات والثوابت والمفاهيم سوف تتغير لا سيما في
المجالات التربوية، وفي ما يقدمه الإبداع، ويهتم الأدب العربي بجعله مضموناً،
والفكر القومي بجعله محوره الرئيس ؟!.
في مصر العربية عقدت اتفاقيات كامب ديفيد منذ عام
1978 ونص بعضها على تطبيع العلاقات في كل مجال وعلى كل صعيد مع العدو الصهيوني،
ولكن يبدو أن الشعب العربي في مصر، أن ابن الشعب البسيط في مصر، هو الذي يرفض
التطبيع ويقاومه ويؤخره، تقوده أو تسير معه، شرائح من المثقفين، ولا أقول كل
المثقفين في مصر؛ وهو ينجح في فرض ذلك الموقف، أعني الموقف الرافض للتطبيع أو
المعـوّق له، على الرغم من دعوات السلطة وممارساتها، ودعوات بعض المثقفين
وأساليبهم وممارساتهم، الرامية إلى فرض ذلك التطبيع والترويج له.
فما هو موقف المثقفين العرب من دور تطبيعي جديد يفرضه " سلام " مع
"إسرائيل"، واعتراف بها، وحدود مفتوحة معها، وتمثيل دبلوماسي، وأسواق
اقتصادية مفتوحة أو مشتركة ؟! هل سيكونون ضده أم مروجين له ؟ هل سيكونون مع الحس
الشعبي الوطني القومي النظيف أم سيكونون مع ثقافة التطبيع ورموزه وسدنته وممارسيه
؟؟
ـ هناك من نذر نفسه للتطبيع وللتواطؤ مع العدو،
ولمحاربة من سماهم " الصهاينة العرب" ويعني بهم العرب المؤمنين بقوميتهم
وبحقهم في فلسطين وبعروبتها، والذين يرون أن الواجب القومي يقتضي العمل من أجل
تحريرها من الاحتلال الصهيوني، وطلب أن يتعاون مع " المثقف اليهودي " ضد
الصهاينة من "الطرفين " ليسود التطبيع والسلام بنظره.
فهل سينتشر هذا الأنموذج أم
تراه سيتراجع ويتقوقع ويتحنط أكثر مما هو الآن ؟ وهل سيبقى مسكوتاً عليه محمياً من
مفرزة الإعلاميين " المؤدلجين " الذين يناصرونه ؟! أم أنه سيفضح، ويوضع
في مكانه الذي يستحقه، ذلك المكان الذي تحدده وتحكم عليه ثوابت قومية وخلقية
ونضالية دقيقة وأصيلة ومحترمة ؟ إن ذلك سؤال مطروح على الثقافة العربية وعلى
المثقفين العرب، وحتى على الساسة الذين يلاحقون الناس ويحاسبونهم على مواقفهم
وآرائهم وأقوالهم وأفعالهم في السلم والحرب، ويكيلون أحياناً بمكيالين.
ـ المثقف العربي سيجد نفسه في مثاقفة غنية مع الغرب
الأوروبي وفي مواجهة ما مع الولايات المتحدة الأميركية... فهل سيكون قادراً على ذلك ؟
وما هو نوع تلك المثاقفة. وكيف تكون، وعلى أي مستوى ؟ مع وجود الخلل القائم في
مناخ حرية التعبير خاصة، وفي مناخ الحريات العامة بشكل عام والممارسة الديمقراطية
الشكلانية، والحالة المتردية لحقوق الإنسان في الوطن العربي ؟!
ـ وجه العالم القادم : وجه علم وثقافة وتَقَانَة
ومعرفة تقوم على معطيات علمية واضحة ودقيقة. والثقافة ملتصقة بالأرض والعصر
بمقدار ما تفتح ذراعيها للفضاء وما تكثفه من انتماء، وبمقدار تواصلها مع ما يقدمه العلم من معلومات وما يفتحه من
آفاق. إنها ليست ثقافة معلقة بين الأرض والسماء، ولا ثقافة
الخرافة والسحر، ولا ثقافة الغيب المطلق، بل هي ثقافة: إقرأ ـ وتأمل ـ وتعلم ـ
واطلب العلم، وابحث، إنها منهج : " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا
من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " فأين سيكون موقعنا
من ذلك وفيه؟ وما هو استعدادنا لممارسته وإغنائه، وما هو دورنا في توجيه الناشئة
نحوه ؟! وهل يمكن أن يتم ذلك من دون
تربية وتجربة ومعرفة عالية ؟!؟
ـ التحدي المطروح على المثقف العربي سيرتبط بتحد للغة
العربية وللحرف الذي ستكتب به تلك اللغة لتختزن في مصارف المعلومات، فهل سيقاوم الحرف
العربي محاولات الإبعاد المفروضة عليه من مصارف المعلومات والثقافة الحديثة،
لإبعاده عن ساحة العلم والتَّقَانَة المتطورة، ومن ثم إبعاد الثقافة التي يحملها
عن ذلك، وحرمانها من قطف ثمار الحضارة الإنسانية الحديثة والمساهمة فيها ؟! هل
سيصمد لتلك المزاحمة وللقاء الثقافات في معتركات شتى، ومنها هذا المعترك الحيوي
الهام ؟ هل سينهزم ؟ أم أنه سوف يقاوم ويسجل حضوراً ثقافياً وعلمياً متطوراً
فاعلاً ومشرقاً يمّكن أبناء الأمة من الحضور في العصر القادم على كل مستوى وصعيد ؟
؟ ما هو موقف المثقف العربي، الخلقي والإنساني، من قضايا أمته وشعبه وموطنه
ومواطنه؟
ما موقف المثقف العربي، الخلقي والإنساني، من قضايا
أمته وشعبه وموطنه ومن قضايا الإنسان في العالم ؟ هل سيتفرج على
ما يحدث من إهانة للإنسان واستهانة بحقوقه وقيمه وحرياته وحياته ؟ أم تراه سيقف في
الصف الأول من صفوف المدافعين عن القيم والأخلاق والحريات والحقوق وعن الإنسانية
والإنسان؟؟
ما موقفه من معنى المساواة أمام القانون ومن تطبيق
تلك المساواة، على الرغم من الاختلاف في الرأي والرؤية ؟ ما مفهومه للديمقراطية،
وللمارسة الفعلية لها، وما دوره في ذلك، وكيف يستطيع أن يمارس ذلك الدور ؟ هل
سيمارسه بغوغائية تحريضية سرية أم بوعي وعقلانية وعلانية؟ هل سيكون دمية تصرخ
بالديمقراطية وتطبق ديكتاتورية غبية، أم سيُعْمِل عقله في جميع المفاهيم والمقولات
والممارسات والتطبيقات والادعاءات، فيرفض ما ينبغي أن يرفض ويقبل ما ينبغي أن يقبل، بمقياس العقل
والوعي والضمير والانتماء الطوعي المسؤول لأمة في واقعها، ولثقافة في خصوصيتها،
ولمجتمع في واقعه المعيش ؟؟
و ما موقف المثقف العربي من القضايا القومية، من
الوحدة التي تضاءلت الآمال فيها، ومن التضامن العربي، ومن الثقافة العربية على
مستوى الوعي بها عربياً وتاريخياً وتواصلاً مع الثقافات الأخرى ؟؟
هل سيأخذ بمقولات ثقافية قطرية أخذت تتجلى بأشكال
مختلفة وتحت رايات ودراسات ومنظورات عدة / مثل الحديث عن رواية سورية، ومسرح مصري،
وقصة عراقية، وشعر مغربي / في نهج يكرس الخصوصية القطرية على حساب الانتماء القومي
والحضور العربي العام؟ أم سيتخذ نكهة البيئة في الحضور العربي للأدب الذي يصور
بيئات تكمل كل منها ملامح الهوية والخصوصية ؟ وماذا سيكون موقف المثقف من التواصل
مع الثقافة في مفهومها العربي ـ الإسلامي ومع العقيدة، سواء في البعد الأفقي أم في
البعد الشاقولي ؟؟ هل تراه سيرفض كل ما يقوله الإسلاميون والأصوليون منهم مثلاً
لمجرد أنهم قالوه، أم سيأخذ من تلك الثقافة والعقيدة، الصحيح والسليم، ويرفض تشنج
المتشنجين وتعصب المتعصبين وجهل الجاهلين، وما يسبغونه على الثقافة والعقيدة من
فهم قد يكون سقيماً وقد يكون سليماً ؟ وما نوع علاقة المثقف العربي مع السلطة في
قطره، والسياسة القومية في وطنه، والسياسة التي تحكم العالم ؟؟
هل سيدخل سوق الكلام ويغدو
سلعة تباع وتُشرى، أو بوقاً ينفخ فيه ويُوحى إليه لحنه، وزينةً ولوناً يشكِّل قوام
الوجه والقناع لحاكم وسلطة وسياسة، أو أداة تشوه ذلك الوجه لصالح سياسة أخرى وحاكم
آخر ؟ أم تراه سيكون حراً في موقفه وأميناً على رؤيته، ومخلصاً لوعي معرفي وموقف
خلقي يفرضان عليه أن يقول ما يرى أنه الحق، وما يعتقد أنه في صالح الأمة؟ وهل
سيكون المثقف العربي على عتبة العلاقات العربية ـ العربية الجديدة، والنظام العربي
أو العالمي الذي يتخلَّق، نافخا في نار الفتنة، أم صانعاً للوئام والقوة والتضامن
والوفاق، بموضوعية ومسؤولية ووعي وشجاعة خلقية وقوة روحية عالية ؟؟
هل سيكون ذلك الذي يتصيد
الفرص ويتحينها للانقضاض على مغنم خاص، ويخلق الشقاق من أجل دور ومنفعة ومكانة، أم
ذلك الذي ينسى منافعه ويضحي بمصالحه ويقدم نسغ عمره ودم وريده في سبيل نهضة جديدة
للأمة، ومكانة مرموقة لها بين الأمم ؟؟ لا أشك مطلقاً في أهمية الغنى الناتج عن
التعدد، ولا أقلل مطلقاً من أهمية الإثراء الذي يقدمه للثقافة الحوار بين مختلفين
على أرضية من الاحترام والرفعة والاقتدار والتقدير والاعتراف بحق الآخر في
الاختلاف، ولا أشك مطلقاً في ضرورة أن يكون لمثقفي أمة كأمتنا، تخوض صراعاً في
ظروف نعرفها جميعاً، لا أشك في أهمية أن يكون لهم دور فعال على جماهيرها وصَنَعَة
القرار فيها، من خلال احترام وهيبة يفرضانها بالمعروف والاستعلاء النبيل عن
السَّفاسف والصغائر والمهاترات، وبالالتزام الواعي بالثوابت والقيم والمقومات
الأصيلة للفكر والنضال، وأن يقوم ذلك فيما بينهم على اتفاق على ما يجمعهم واحترام
له، لأن في ذلك صوناً لمكانتهم وحفظاًُ لقوتهم، وسلامة لرؤيتهم، وتركيزاً لجهودهم.
إن خيل الانفعال جامحة جداً، وأجنحة العقل تنطلق
بالمرء منا إلى عوالم بلا حدود، وشطحات الخيال والفكر قد تقود إلى مسالك لا نهاية
لتعددها، فإذا ما توزعنا كتلة الخيط الذي يجمعنا وقطعناها، وتفرقت بنا السبل حسب
الأهواء والميول والجهد والاجتهاد، دونما اعتصام بثوابت ومعايير و روائز وقيم
ومقومات نحترمها وتشدّ نهايات الخيوط إلى مرتكز منا مكين؛ فإنّـنا سنصبح عرضة لأن
تتخطَّفنا الريح ونمعن في التيه، ونتوزع على المنابع والمشارب حتى لا يبقى لنا لون
أو طعم أو رائحة، ولا أرض تجمعنا أو صَبَاً ترتاح نفوسنا لانسيابها.
ألا إن الخطر من حولنا محدق، والرياح تتخطَّفنا من كل
جانب، والمغريات كثيرات، والمسالك عديدة، ألا وإن التفرق مَجْلَبَة للضعف والضياع...
فلنحلّق في الأجواء على هدي وهدى، ولنتعرف على المسالك من دون أن نضل مسلكنا إلى بيتنا، ولنشرب من
الينابيع محتفظين بمقدرتنا على التمييز بين صفو الماء وعكره، وليجمعنا الحنين
والانتماء والحب والإيمان حول نبع ثقافتنا وحضارتنا وما يحويه وطننا وتاريخنا
العريق من غنى، لنزيد الثراء ثراء، وليبق لنا في العالمين محترم ومهاب ومعروف،
يقدره الغير، ويجد فيه الشاربون منه لذة وصحة ومتعة، ورغبة في العودة إليه
والاستزادة منه .
الهوامش :
===========
1. قال الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون :
(( ونحن إذا
أردنا التدخل عسكرياً لحماية مصالحنا الحيوية علينا أن نحذو أنموذج الرئيس
الأميركي بوش في حرب الخليج، أي أن نوظف الأمم المتحدة لنا لا أن نكون أداة لها.))
ما وراء السلام ـ ترجمة : مالك عباس ـ صـ 46 دار الأهلية للنشر ـ بيروت.
2. قال
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الجنرال مانفريد فيرنر في مقابلة مع شبكة (C.N.N ) الأميركية : " نريد أن
نبني أوروبا أكثر أمناً وأماناً مع روسيا وليس ضدها، لا بد أن يتم ذلك بطريقة لا
تؤدي إلى انقسام أوروبا ". رويتر / عن النهار في 10 / 1/
1994 صـ 11
قال
الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران : " إن إدارة كلينتون تريد أن تأخذ في
الاعتبار هذه القدرة المتصاعدة لدى الاتحاد الأوروبي (...) إن التقدم الذي يمكن أن
نحرزه لتعزيز العلاقة التي تجمع الدول الأوربية بأميركا الشمالية، في إطار الحلف،
دفع نحتاج إليه لمواجهة متطلبات السلام والأمن في القارة الأوروبية". رويتر / عن النهار 10/ 1/ 1994 صـ 11
أعلن ليون بريتان مفوض
التجارة الخارجية الأوروبي أمام البرلمان الأوروبي في 18 / 3/ 1993 : " أن
حرباً تجارية بين أوروبا والولايات المتحدة قد تعرض العلاقات السياسية بينهما
للخطر.." عن جريدة البعث 19/ 3/ 1993 صـ 1
3 ـ من الملاحظ أن ترميم أو توسيع مجلس الأمن
لا يعتمد مبدئياً تحقيق عدالة بين الدول والمناطق والأعراق والديانات، وإنما يأخذ القوة
بالاعتبار، والمصلحة المتبادلة بين الدول الأقوى، ولا سيما أطراف الدول الصناعية. فالهند التي يتجاوز عدد سكانها /800/ ثمانمئة مليون شخص لا تزاحم
على مقعد دائم في مجلس الأمن لأن الأقوياء لا يفكرون بها. والمجموعة العربية كلها لا ذكر
لها، ومجموع المسلمين، الذين يتجاوز عددهم ملياراً ومئتي مليون شخص، ليس لهم ممثل
دائم في المجلس، ولا يجري التفكير بهم أو الاهتمام بتمثيلهم بين الكبار "
المالكين " لمجلس الأمن، أو المسيطرين على قراره. ونحن نلاحظ بوضوح تام الخلل
القائم في التمثيل، واعتماد التمثيل بالنسبة للدول الدائمة العضوية على القوة وعلى
مشاركة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، ومن أصبحوا سنداً لأولئك أو حلفاء
مصالح لهم. ونجد أن 10% من سكان العالم يملكون أربعة مقاعد دائمة في المجلس من أصل
خمسة مقاعد، وأن أولئك الأربعة ينتمون إلى ديانة واحدة، وإلى قارة تكاد تكون واحدة
من حيث تقارب التكوين السكاني. وكل هذا لا يجعل مجلس الأمن
قوة ذات استقلال وحياد واحترام عالمي شامل، فهو، موضوعياً، سلطة غريبة على العالم، وسلطة المستعمرين على
الشعوب، وسلطة الأغنياء على الفقراء، وسلطة الظَّلَمة الذين نهبوا الشعوب، وما
زالوا يسيطرون على مقدرات تلك الشعوب.
4 . ونحن
نعرف جيداً كيف طبقت هذه الشعارات وكيف نفذت هذه الوعود في البوسنة والهرسك وفي
الصومال، على سبيل المثال لا الحصر، ونعرف أيضاً التواطؤ الأميركي المستمر ضد
العرب، في القضية المركزية لنضالهم الوطني والقومي، قضية فلسطين، ونعرف مواقف
الإدارة الأميركية من سلسلة العدوان الوحشي على المدنيين في جنوب لبنان، وموقفها
من مسلسل الإبادة البطيء الذي ينفذ بوحشية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وضد
شبان الانتفاضة وأطفالها.
5 . تقرير وزير الدفاع الأميركي إلى الرئيس والكونغرس
الأميركيين، شباط 1992، ترجمة العميد الركن المتقاعد نافع أيوب لبّس، صـ 8، مركز
الدراسات العسكرية بدمشق 1993.
6. هذه
الأرقام مأخوذة من : قوانين تصدير السلاح ـ مركز الدراسات العسكرية بدمشق ـ1992 صـ
23 ـ ترجمة العميد الركن المتقاعد نافع أيوب لبّس.
7 . لقد باعت أميركا إلى السعودية
وحدها، وبصفقة، واحدة ما قيمته /20/ عشرون مليار دولار أميركي، وقد قبضت
"إسرائيل" عمولة مقدارها مليار دولار لأنها مررت صفقة بيع طائرات فـ 15
للسعودية، وصرح بذلك ديفيد ستاينر ممثل "ايباك" لجنة الشؤون العامة
للعلاقات الأميركية الإسرائيلية ـ حيث قال : " إنه حصل على المبلغ عن طريق
جيمس بيكر ". عن جريدة السفير اللبنانية 11/11/ 1992
8. جاء في جريدة السفير نقلاً عن خدمة " لوس
أنجلوس تايمز " ما يأتي" : وقد بدأت السعودية شراء كميات كبيرة من
الأسلحة في العام 1989 وقفز طلبها على الأسلحة بعد الغزو العراقي للكويت في آب
1990 كما طلبت المملكة معدات عسكرية أميركية بقيمة 30 مليار دولار من صواريخ
ستينغر المضادة للطائرات إلى
المروحيات الهجومية "أباتشي" إلى ناقلات الجنود وقطع الغيار. كما تسعى
فرنسا التي أوفدت رئيس وزرائها "إدوارد بالادور" إلى السعودية قبل
أسبوع، خلال الأسبوع الأول من ك2 / 1994، تسعى إلى بيع أسلحة وتطوير قطع بحرية
بصفقة تبلغ مليارات من الدولارات، وفرنسا تعاني من مشكلات في مصانعها للأسلحة قد
تؤدي إلى تسريح مئات العمال إذا لم تنجح تلك الصفقة. وفي الوقت نفسه يقوم وزير
الدفاع البريطاني مالكوم ريفكند بمفاوضات لبيع السعودية 48 طائرة من
طراز" تورنادو" بقيمة 8 مليارات دولار". عن رويتر ـ عن جريدة
النهار 8/1/1994.
9. لقد وصل سعر برميل النفط 13 دولاراً بعد أن كان
بين 18ـ20 دولاراً منذ سنة أو اثنتين. والمبالغ المترتبة خسارة
للمنتجين على ذلك كثيرة. وقد خفضت المملكة العربية
السعودية ما نسبته 20% من موازنتها لعام 1994 عن 1993 جراء ضعف الموارد، وذلك ناتج
بالدرجة الأولى عن انخفاض أسعار النفط.
10. يقول جفري غارتن وكيل وزارة التجارة الأميركية (
من خطاب في جمعية السياسة الخارجية ) : " إن من المتوقع أن يأتي ثلثا النمو التجاري في العالم بأسره في العقدين القادمين من الأسواق
الكبيرة الآخذة في البروز.
big emerging markets = bems ؟
و تشمل هذه
الدول : الصين ـ إندونيسيا ـ كوريا الجنوبية ـ الهند ـ تركيا جنوب أفريقيا ـ بولندا ـ الأرجنتين ـ
البرازيل ـ المكسيك "
من المحتمل، كما نقدر أن يحدث حوالي ثلاثة أرباع النمو في التجارة
الدولية في العقدين القادمين في الدول النامية. ومعظم هذا التوسع سيقع في دول
الـ Bems. ومن المحتمل أن تضاعف دول هذه الفئة حصتها من إجمالي الناتج المحلي العالمي
في ذلك الوقت، ليصل إلى 20% مقابل حصة نسبتها اليوم 10%. ومن المحتمل أن تفوق حصتها من
واردات العالم بحلول عام /2010/ مجموع واردات اليابان و الاتحاد الأوروبي. وستشكل دول الـBems أيضاً حلبة المنافسة في المستقبل. ومن المتوقع أن تكون اليابان
وأوروبا وعدة دول نامية من المنافسين الشرسين في تلك الأسواق ". عن النشرة الإخبارية الصادرة عن القسم الصحفي في السفارة
الأميركية بدمشق ـ العدد 4043 تاريخ 26/ 1/ 1994.
11، 12،13. كرم الحلو ـ جريدة الحياة ـ في 28/ 3/
1993 من تقرير الأمم المتحدة عام 1992
14. عن جريدة السفير في 1/6/1992
15،16. عن جريدة السفير 4/6/1992 من مقابلة له مع
مجلة الإيكونمست.
17. لقد فقد الغرب مصداقيته الأخلاقية، وأعلن إفلاسه
الروحي، وخواء الوجدان، وموت المبادئ فيه، على أرضية قضية البوسنة والهرسك، وازداد
إفلاسه وانعدام مصداقيته في الصومال.
18. لقد بلغت نسبة العجز في الموازنة الأميركية لعام
1992 فقط (400) مليار دولار وأصبح مقدار الديون حتى نهاية عام 1992 /4000/ أربعة
آلاف مليار دولار، ومن المتوقع أن تصبح نسبة الفائدة المترتبة على الديون في نهاية
عام 1995 إلى الضرائب 103%
19. قال جيمس بيكر في لقاء له مع المجلة/ العدد 715/
في 24ـ30 /10/ 1993 " خلال السنوات الثلاث التي كان فيها بوش رئيساً، وكنت
أنا وزيراً لخارجيته شهدنا هزيمتين : هزيمة الشيوعية، وهزيمة الراديكالية العربية.. هذه تتمثل في العراق ودول أخرى رافضة ومتطرفة. الهزيمتان فتحتا آفاقاً جديدة نحو الحرية، والاستقرار، والاقتصاد
المفتوح. لهذا بعد حرب الخليج رتبنا لمؤتمر مدريد لتأسيس نظام
جديد في الشرق الأوسط. ومؤتمر مدريد، كما نعرف جميعاً، سهَّل الاتصالات بين
العرب وإسرائيل، والتي أدت إلى الاتفاقية الفلسطينية ـ الإسرائيلية"
المجلة
ـ ص 41 تاريخ 24 ـ30 /10/ 1993
20. جريدة الحياة
|