|
العالم يتغيّر، والعالم
دائماً في تغيّر ولا يمكن أن يكون إلاّ كذلك، لأنه محكوم بقانون الحركة الذي هو
قانون الحياة ذاتها، فالحياة حركة على نحو ما، وحتى حين تكون
حركة هدم فهي تؤسس لحركة بناء، وتثبت قانون التحوّل أو التغيير أو إعادة التكوين،
أو تجديد ذلك التكوين. وليس
بالضرورة أن يكون ذلك محصوراً في تغيير الشكل، فتغيّرات المحتوى العام ـ الروحي ـ والفكري والشعوري ـ تغيّر الرؤية والقيمة والسلوك والفهم
والنظرة إلى الحياة وإلى الآخر فيها، وإلى العلاقة بين الأشياء والأحياء، كل ذلك
يعطي معنى للتغيير ويثبت حضوره واستمراره.
الحياة حركة، وهذا تعبير
يصدق على معظم ظواهرها وجواهرها فالحرارة حركة، والسكون ـ في نظر العلم ـ نوع من
الحركة، وكل شيء فينا ومن حولنا محكوم بهذا القانون إلى حد كبير؛ ولكن الحركة
بالنسبة للفكر والسياسة والمجتمعات لا تتم دائماً حسب قانون واحد ثابت ساكن ذي
مدار وحيد، لأن الإنسان يعيد توظيف الطاقة والأشياء والمعلومات والعلاقات
والقوانين في ضوء المعرفة والمعطيات الجديدة المتجددة، استناداً إلى التجربة السابقة
والمصلحة القائمة والهدف المنشود،
وفق منهج يلبي حاجاته ويحفظ وجوده، ويجلب له الأمن والاطمئنان والمتعة والرفاه
والسعادة. ولأن
المعرفة في تجدد مستمر، ولأنها غنى، وإحساس بالفقر والحاجة يدفعان باتجاه الاغتناء
عن طريق الكشف والتحصيل، فهي دافع مستمر لتلبية حاجة إنسانية مستمرة تكاد تكون
غاية بحد ذاتها.
والمثقف بالمفهوم الشامل أو الواسع للثقافة، هو أكثر الناس صلة
بالمعرفة، أو هكذا ينبغي أن يكون، وحين يكون هذا هو شأنه فإنه يشعر بالحاجة إلى
تواصل مزدوج الاتجاه:
ـ تواصل مع المعرفة يجعله في حالة حياة، أو إن شئت في
حالة حركة مستمرة تؤدي به إلى التجدد وتجديد الرغبة في التجدد.
ـ وتواصل مع الآخر لينقل إليه المعرفة، تحت تأثيرات
ودوافع شتى وتحقيقاً لأهداف وقوانين تواصل عديدة.
فالمثقف المتصل بالمعرفة
والمتواصل مع تطورها ونموها وتجددها من جهة، ومع الآخر والحياة من جهة أخرى، هو
كائن قريب جداً من وظيفة سادن من سدنة الحركة النوعية، على الرغم من أنه محمول في
الوقت ذاته في تيار الحركة الصَّخَّاب؛ وموقعه هذا يفرض عليه أن يستفيد من التيار
الذي يحمله، وأن يجعل ذلك التيار مستمر الاندفاع، وأن يوظف حركته ما استطاع أو
يعقلنها أو يكتشف توجهاتها وقوانينها، ليتلاءم معها ويتحكم بها إن أمكّن ذلك،
وليجعل من ذلك كله شيئاً مفيداً وممتعاً له، ومساهماً في بقائه وتقدمه وإسعاده. كما يفرض عليه تواصله مع المعرفة تكاليف معينة لا يفرضها على شخص
سواه بالدرجة ذاتها وبالحساسية الخُلُقية ذاتها، ويرتب عليه من المسؤوليات التي
يفرضها الوعي ما لا يرتبه على سواه، فهناك إذن ذلك التمايز المكلف والمرهق والممتع
في الوقت ذاته، بين المثقف الواعي ذي المسؤولية الخُلُقية والموقف الإنساني
والرؤية المبدعة في الحياة، وبين المثقف الذي يستهلك المعطى المعرفي الإبداعي جزئياً،
وينشره ويفسره ويسوّغه، وقد يتعيّش منه ويرتزق عليه ويسيء إليه، وبين ذينك الصنفين
في أنموذج المثقف من جهة وبين مستهلك الثقافة العام والمحتاج إليها والموجهة إليه
أو المتوجهة إليه من جهة أخرى. فالأخير إمّا أن يكون جاهلاً يثقل عليه الزاد، أو
راغباً في المعرفة يحصل عليها بمقدار تتحكم فيه إمكاناته الذاتية أو المادية،
وظروفه والظروف المحيطة بانتشار الزاد المعرفي وبانتقاله وتوفير إمكانات الاستفادة
منه، وإمّا أن يكون حالة ظلامية تخشى نور الوعي فتنكمش ولا تنمو إلاّ بانتشار
الجهل، أو حالة إجرامية بحق الإنسانية تخشى انتشار الوعي فتحاربه، أو حالة بشرية
متورمة الأطماع والمطامح والنزعات والشهوات تفرض على الآخر مناخاً يلائم استمرار
حياتها ونموها كحالة مرضية، وتجد لزاماً عليها أن تحارب ما يوقف نموها، ولا سيما
الوعي المعرفي، وتحرر الإرادة، والإحساس بالمسؤولية الذي تقيمه الثقافة في الناس،
والحرية التي تحرك الإرادة في مسارات الحياة بإصرار واقتدار.
وهذا المناخ العام، بكل
معطياته ومقوماته، يفرض صراعاً بين أطراف تتواصل مع المعرفة / الثقافة / سلبياً أو
إيجابياً، ويقودها ذلك الصراع إلى مناحٍ للتحرك يزداد اتساعاً أو ضيقاً بمقدار انتشار المعرفة وتعدد
مساراتها، وتدفقها هي في تلك المسارات. ولا يعنيني الدخول في تفصيلات هذا الجانب
من الموضوع الآن، ولم أرم إلاّ إلى مجرد الإشارة إليه من بعيد، وسوف أركِّز جهدي
في إضاءة جانب رميت إلى تركيز الجهد فيه وهو المثقف العربي في عالم متغير، وأحدد ذلك
العالم بعالمنا اليوم بعد "الحرب العالمية الثالثة" التي حدثت وما زالت نتائجها تظهر وتتجلى
بأشكال مختلفة، تلك التي بدأت حرارة ظهورها بعد عام 1987 وانتهت بوقف إطلاق النار
في حرب الخليج الثانية يوم 27ـ 28 شباط 1991 الساعة الرابعة وعشر دقائق بتوقيت
دمشق. نعم
أقول الحرب العالمية الثالثة انتهت، وكانت أقل الحروب العالمية خسارة في الأرواح،
وأكثرها حصراً لجبهات المواجهة الساخنة، وأثقلها وطأة على العرب، وأشدها تأثيراً
عليهم، وأكثر الحروب فائدة للمنتصر فيها، وأعظمها اعتماداً على أسلحة الإعلام،
والثقافة، والجاسوسية، والاقتصاد.
لقد تهاوى نظام مركَّب
الأقطاب سيطر على العالم سبعين سنة تقريباً، وكان يستخدم القوة تحت شعارات
وأيديولوجيات ليحقق المصالح، ويأخذ بشعارات أخلاقية ليخوض في ظلها حروباً قذرة من
أجل النفوذ والتوسع والسيطرة واستغلال الآخرين ونهب ثرواتهم، وكان دائماً يترجَّح
بين قوة السلاح وقوة الشعار : الشيوعي والرأسمالي، ليكسب أكثر، وينتشر أكثر، ويفتك
بالآخرين أشد.
وتهافت أو قل انتهى صراع بين إيديولوجيتين، رأسمالية واشتراكية، شغَلتا العالم
بحرب باردة مكلفة. وإذا
كانت الحرب العالمية الثانية قد جعلت الشيوعية والإمبريالية / البرجوازية ـ
الرجعية ـ الاستعمارية المستغلة ـ السوداء ـ الشريرة... الخ / تتحالفان ضد النازية والفاشية، فإنها لم تستطع أن تجعلهما
بمنجى عن التنازع والتصارع والاقتتال، وإن كان أكثر اقتتالهما يتم بالوكالة، كما
أنها لم تجعل أي طرف من الأطراف المنتصرة ـ المتحالفة، يقصر عن رؤية مصالحه أو عن
السعي لامتلاك القوة ـ كل أشكال القوة النووية وغير النووية ـ للدفاع عن نفسه وعن
مصالحه في وجه حلفاء الأمس قبل أعدائه، وضد الشعوب والحكومات المستضعفة، وضد كل
أولئك الذين سحقوا بأشكال مختلفة وقاموا من رمادهم بأشكال مختلفة أيضاً.
لقد حسم الأطلسيون آخر
صراعاتهم مع أطراف حلف وارسو، أو قل حسم الإمبرياليون حربهم مع الشيوعيين، في
معركة أشباح تشكل نهاية حرب بين أعداء وبداية حرب بين حلفاء، كما كانت الحرب
العالمية الثانية نهاية حرب الحلفاء مع النازية، وبداية حرب الحلفاء فيما بينهم. وكانت تلك معركة المصالح
والشعارات والعقائد التي جرت آخر فصولها على أرض العرب، ودفع ثمنها العرب،
وأتت على كثير من مقومات القوة
والحيوية والوجود لدى العرب، وأعني بها حرب الخليج الثانية، التي أعقبت احتلال
العراق للكويت، وأخرجت العراق مدمراً بعد خروجه من الكويت. فما هي ملامح العالم الجديد، أو النظام العالمي الجديد، أو بعبارة
أدق ما هي ملامح التغير التي أصابت عالم ما بعد الحرب العالمية الثالثة تلك، التي
تمت بأقل الخسائر وأدت إلى أعمق النتائج ؟! سوف أحاول أن أسجل بعض النقاط التي
تساهم في رسم الصورة، ثم بعض الملامح لعالم اليوم ـ عالم الغد، بعجالة، لأنتقل بعد
ذلك إلى رؤية المثقف على أرضية ذلك العالم؛
مع الإشارة إلى أن المثقف لم ينفصل يوماً عن حروب العالم وصراعاته، عن سلمه
ونكباته وكوارثه...
فهو صانع الإيديولوجيا ومسخر السواعد والعقول معاً لخدمتها، وهو حامل الشعارات،
ومصنّع الزعامات وشريك الإعلام في صنع الأعلام وترويج الآلام؛ ومن تلك النقاط... الملامح أذكر أنه :
1ـ غابت عن ساحة الصراع الرئيسة، سياسياً وفكرياً
واقتصادياً وعسكرياً : الشيوعية، والمجموعة الاشتراكية، وفلكها العالمي المحيط
بها، وانعكس ذلك على العالم الاشتراكي بشكل صراعات وانقسامات ومآس ومجاعات، وحروب
محتملة، بدأنا نرى حرائقها في مساحات منه. كما انعكس على المرتبطين به
ومعه بأحلاف أو معاهدات، أو باتفاقيات اقتصادية وثقافية وعسكرية... الخ انعكس عليهم بأشكال مختلفة أثّرت تأثيراً مباشراً على أحوال أولئك المرتبطين
وأهدافهم ونضالهم وقضاياهم الرئيسة
وعلى أوضاعهم، حتى الداخلية والفردية منها في بعض الحالات والأماكن.
وإذا أخذنا العرب، من بين
أولئك، نجد أن الدول التي كانت عازمة على خوض الصراع مع العدو الصهيوني حتى
التحرير أخذت بمقولات التسوية السلمية والتنازلات الإقليمية، وحاولت أن تلائم
نفسها مع واقع جديد، تسود فيه قوة عدو لها انتصر بانتصار حليفه، أو ازداد غطرسة
بسقوط حليفها هي وباستعدادها
للارتماء على عتبة القوة.. أية
قوة. وفي
توضيح لذلك أشير إلى حادثة قد تشكل استطراداً ولكنها تدخل في صلب الموضوع وتوضح ما
رميت إليه : في الزيارة الأولى التي قام بها جيمس بيكر إلى سورية بعد نهاية حرب
الخليج الثانية وبداية العمل من أجل مؤتمر مدريد، حاول جيمس بيكر أن يعامل سورية
كدولة مهزومة في الحرب، على الرغم من كونها عضواً في التحالف الذي قادته الولايات
المتحدة الأميركية، وعلى الرغم من وقوفها ضد احتلال العراق للكويت، وإرسالها قوات
إلى هناك، ولم يكن ذلك الموقف إلاّ وليد اقتناع أميركي تام وشامل، بأن الاتحاد
السوفييتي ـ الذي كان حليفاً للعراق، وهو حليف لسورية أيضاً، وتربطه بالعراق
اتفاقية دفاع مشترك ـ أنه لم يستطع أن يفعل شيئاً لحلفائه، وثبت سقوطه أو عجزه أو
تسليمه أو انهياره أو اختياره موقف المتفرج المحايد، أو المتواطئ الصامت في درس
الحرب الأخير، ومن ثم، فإنه، أي بيكر، يعامل كل حلفاء الاتحاد السوفييتي معاملة
واحدة، وسورية من ذلك الصنف من الحلفاء. وقد كان لسورية موقف متشدد من ذلك حال دون
معاملتها معاملة المهزوم بالكامل على الأقل، أمام حليف الولايات المتحدة
الأميركية الاستراتيجي "إسرائيل"، ومن دون إسقاط حقوقها ومواقفها النضالية النابعة أصلاً من التزام سورية
بحقوق الأمة العربية ونضالها من أجل القضايا المصيرية، وعلى رأسها قضية فلسطين.
2 ـ انهارت منظومة حلف وارسو، ثم انهار الاتحاد
السوفييتي وانتهى، وتقسمت جغرافيته السياسية بعد أن تفكك الجص الذي ربط جغرافيا
البلدان التي أُلحقت بروسيا أو صنعت
الاتحاد السوفييتي بقيادة روسيا، ولم يعد لذلك حضور سياسي أو عسكري أو ثقافي أو
اقتصادي أو اجتماعي، الأمر الذي ترك نتائج كثيرة وهامة في كل مناحي الحياة، ليس في
تلك البلدان فقط وإنما في بلدان العالم النامي وتلك التي في طريق النمو،
وباستراتيجيات تلك البلدان على الصُّعُد المشار إليها جميعاً. وانعكس ذلك في العلاقات
الدولية وفي مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات الدولية المنبثقة
عنها؛ وأصبح مجلس الأمن، على سبيــــل المثال، مؤسسة أميركية إلى حد كبير (1)،
بعد أن كان مؤسسة شبه معطلة بسبب الصراع الذي كان يدور داخلها. وسوف أشير لاحقاً إلى ما نتج عن ذلك من ازدواجية معايير ومكاييل
في مجلس الأمن الدولي.
3 ـ انتهت الحرب الباردة في العالم وبدأت حروب من نوع
آخر تتمخض عنها الأحداث وصراعات المصالح وسوف يظهرها الزمن القريب ومن ذلك مثلاً :
ـ الحرب التجارية بين أميركا وأوروبا الغربية التي
توشك على الانفجار، وكلما اقتربت من ذلك تُعطى لها المسكّنات وتجمد إلى أن تحقق
أوروبا الغربية حضورها كقوة ذات استقلال شامل، بعد وحدتها، الأمر الذي يواجهه
الأميركيون بتحالفات جديدة في الشرقين الأدنى والأقصى والخليج العربي، وفي أماكن
وجود الطاقة والأسواق التجارية ومناطق النفوذ الهامة والمؤثرة.(2)
ـ محاولة استقطاب قوى جديدة تصبح ذات عضوية دائمة في
مجلس الأمن الدولي، على أرضية ما حققته من تقدم وازدهار ونجاحات في المجال
الاقتصادي بالدرجة الأولى، مثل اليابان وألمانيا الموحدة(3).
وذلك بغية كسب قوى أخرى تكون أطراف التحالف المقبل،
في حال انفجار الصراع البارد أولاً فالساخن أخيراً الذي أَذِنَت الحرب العالمية
الثالثة بولادته، بين أوروبا الموحدة وأميركا، وهي حرب على المصالح والنفوذ، وسوف
تكون ذات وجه اقتصادي ثقافي بالدرجة الأولى.
ـ
محاولة البحث عن صيغة للعلاقات ولكيفية اتخاذ قرارات مختلفة عن تلك التي
كانت سائدة ( النظام العالمي) في
أثناء الحرب الباردة، ولا سيما في مجال القرارات الدولية وفي الأطر والهيئات التي
تصنع تلك القرارات. ولكن ذلك بقي على مستوى اللعب بالأوراق في إطار
امتصاص موجات السخط في العالم، وتهدئة غضب بعض الشعوب، وتقديم أجوبة استهلاكية حول
قضايا وأسئلة جوهرية تطرحها الدول والشعوب، ولا سيما بعد أن أعلن جورج بوش أمام مجلسي الكونغرس، بعد نهاية
حرب الخليج الثانية، أن القهر والخوف لم يعد لهما مكان في العالم وأن عهداً جديداً
من العلاقات الدولية سوف يسود العالم، وأن حلولاً ملائمة لكل القضايا المطروحة سوف
تجد طريقها إلى الوجود، وأن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن سوف يستعيدان حضورهما
وهيبتهما، وستراعى مبادئ العدالة الدولية... إلى آخر ذلك من إعلانات
إيجابية زرعت الآمال في نفوس ودول وشعوب، ولكن الإعلانات تبقى دائماً شيئاً
مغايراً للتطبيق، لا سيما في لعبة المصالح التي تلعبها القوى الكبرى(4).
4 ـ
احتل الأقوياء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية / أي الحلفاء / بعد أن
سووا خلافاتهم وانتهوا من صراعاتهم، احتلوا مجلس الأمن بقيادة موحدة أُجبروا على
الانصياع لها أو اختاروا الرضا بها، وأصبح لزاماً عليهم أن يأتمروا بأوامرها تحت
تأثير القوى والمعطيات والمؤثرات الآتية :
ـ قوة السلاح النووي والتقليدي معاً بعد انهيار قوة
الاتحاد السوفييتي، أو إبطال مفعولها المناوئ للقوة الأميركية، واطمئنان الولايات المتحدة
الأميركية إلى تفوقها الشامل في العالم؛ وقد أشار إلى ذلك بوضوح وزير الدفاع
الأميركي " ديك تشيني " حين قال : " لا توجد دول حليفة معادية
لمصالحنا، بل إن قوى دول العالم، وأكثرها إمكانات وقدرات، هي دول صديقة لنا. وليس هناك منطقة في العالم تشكل خطراً على مصالحنا ويسيطر عليها
حكم معاد وغير ديمقراطي(5)".
ـ قوة الاقتصاد الأميركي وارتباطاته المؤثرة وسيطرته
على النفط، لا سيما في الخليج العربي كله بعد إخراج العراق من السوق.
ـ قوة الإعلام الأميركي المؤثر بوسائل تقنية متقدمة،
وانتشاره، وسيطرته، مع أخذ القوى الغربية الموالية تقليدياً للولايات المتحدة
الأميركية ـ لا سيما بريطانيا ـ بعين الاعتبار.
ـ قوة تأثير الجاسوسية الأميركية أو الـ
C.I.A على مواقع قرار متعددة سياسياً في العالم.
ـ سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على سوق السلاح
العالمي بالدرجة الأولى؛ حيث أصبح مكانها هو المكان الأول، بعد أن تراجعت مبيعات
الدول المنافسة، لا سيما الاتحاد السوفييتي، وبعد فتح أسواق مبيع جديدة تمت
السيطرة عليها كلياً من قبل أميركا، وهي أسواق الخليج العربي : السعودية ـ الكويت
ـ الإمارات العربية المتحدة ـ قطر ـ عمان ـ البحرين...الخ وتبين الأرقام الآتية
ارتفاع المبيعات الأميركية في السنوات الأخيرة مقارنة مع
مبيعات سواها
:
/ الأرقام بملايين الدولارات الأميركية /(6)
|
1990
|
1989
|
1988
|
1987
|
1986
|
1985
|
|
|
9528
|
11749
|
10503
|
12596
|
10304
|
8943
|
الولايات المتحدة
|
|
6397
|
12220
|
12559
|
14916
|
14731
|
13458
|
الاتحاد السوفيتي
|
|
1821
|
2577
|
2300
|
3011
|
4096
|
3970
|
فرنسا
|
|
1236
|
1800
|
1401
|
1817
|
1500
|
1847
|
إنكلترا
|
|
1003
|
874
|
1868
|
2553
|
1463
|
1352
|
الصين
|
ومن المعروف جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية
وفرنسا وبريطانيا تحديداً، قد زادت مبيعات كل منها في عام 1991 و1992 عن الدول التي كانت
تزاحمها، لا سيما في أسواق الخليج العربي، بعد أن توقفت مبيعات الاتحاد السوفييتي
تقريباً إلى أهم المستوردين لأسباب معروفة(7).
وبسبب من هذا كله أصبح القرار السياسي الأميركي هو
قرار عالمي ملزم / طوعاً أو كرهاً / للآخرين، وممهور ببصمات ممثلي الدول الأخرى
المقهورة أو المشتراة أو المبهورة بخاتم السيد الأميركي في حلته الجديدة.
5 ـ إن صورة المواجهة القادمة بين أقوياء ما بعد
انتهاء الحرب العالمية الثالثة، التي تجلت في مراحل ونتائج منها : الحرب الباردة
ـ وحرب الخليج الثانية ـ واحتلال
منابع النفط، والسيطرة على الطاقة والأسواق التجارية، لا سيما أسواق تجارة السلاح(8)،
صورة تُحدد معالمها بالدرجة الأولى المقومات والاحتياجات الآتية :
ـ تأمين المصالح الرئيسة المتمثلة بالطاقة، لا سيما
البترول، بالكميات والأسعار المطلوبة(9).
ـ تأمين الموارد البترولية اللازمة للتقدم الصناعي /
إعادة الدولار البترولي إلى الولايات المتحدة الأميركية /.
ـ تأمين بعض النفوذ للحفاظ على الهيبة والمصالح
والأسواق والهيمنة.
ـ المشاركة في القرار السياسي للآخرين : المالكين
للقرار والمؤثرين فيه.
ـ الصراع الخفي لتوسيع دائرة المكاسب والمصالح،
وتأمين السيطرة على الأسواق التجارية الواعدة (10)
ـ التوسع النسبي بامتلاك التَّقَانَة "
التكنولوجيا " العالية، والتصنيع النووي، والقوة الاقتصادية.
ومن ذلك نستنتج أن الحروب القادمة سوف تكون حروباً
اقتصاديه بالدرجة الأولى ـ ثقافية إعلامية بالدرجة الثانية ـ وتقوم قوة الردع في تلك الحروب على الأسلحة الاستراتيجية (
نووية وغير نووية) بالدرجة الأولى، وعلى الأسلحة التقليدية وذات القوة التدميرية
العالية بالدرجة الثانية، ولكنها لا تستخدم إلاّ عند الضرورة.
ومن أجل إبعاد شبح حرب بين الأقوياء بدأ تصنيع أعداء جدد، ورسم أهداف استراتيجية
جديدة وخطط ذات بعد زمني مديد،
ليتسنى للأقوياء الاستمرار في نهب الضعفاء أولاً، والتقليل من الاحتكاك المميت بين
دوائر نفوذهم ثانياً؛ وإعادة ترتيب الأولويات في ضوء التعايش الفعال فيما بينهم،
والاستمرار في خلق بؤر توتر وشياطين
جدد، وأعداء مشتركين، تاريخيين أو غير تاريخيين، لتبقى هناك مسوّغات لترويج السلع
السوداء، ولخلق مناخ تزدهر فيه تجارة الدم والسلاح والأسواق السود المرتفعة
التكاليف من كل نوع. وكبعض المؤشرات على ذلك نذكر قول : دجرجيان مساعد وزير
الخارجية الأميركي في 4/ 6/ 1993 إذ قال :" الإسلام هو الأيديولوجيا المعادية
للغرب " غلاف مجلة الإيكونومست.
ولإبعاد شبح الحاجة والبطالة والتضخم والمجاعات
والكوارث عنه، بدأ الغرب أو الشمال عموماً، بتأجيج صراعات والتسبب في خلق مشكلات
وكوارث من أنواع مختلفة، وتشجيع أوضاع وتنفيذ خطط للقضاء على :
ـ القنابل السكانية المتفجرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
ـ المزاحمة الاقتصادية الممكنة في بعض البلدان لا
سيما اليابان ـ والنمور الأربعة ـ ( كوريا الجنوبية ـ تايوان ـ هونغ
كونغ ـ ماليزيا.... الخ ). ومما لجأ إليه: ـ رفع وتائر تهديد الجوع والقهر والنهب
المنظم، ليبيد الناس بعضهم بعضاَ، ولتنشأ صراعات مميتة،
وكوارث تمحق غير الغربيين، ولا بأس، حسب وجهة نظرهم، من السكوت على انتشار الأمراض
وتفشي أنواع البؤس ( على حد تعبير هنري لوبين اليميني الفرنسي مثلاً )، وذلك باللجوء
إلى:
ـ تشديد الضغط على البلدان المتجهة نحو النمو، التي
لا تستطيع تسديد فوائد ديونها للدول الغنية.
ـ نشر أشكال الفساد والانحلال الاجتماعي والخُلُقي .
ـ تخريب البيئة عن
طريق دفن النفايات النووية، والتشجيع على قطع الغابات لسداد الديون، ونمو المرض والجهل، بهدف التخلص من أكبر قدر ممكن من البشر ما دام ذلك المد السكاني
مستمراً بالانتشار.
ويمكن،
من خلال قراءة الأرقام التالية، الوقوف على حالة العالم
التي خلقها، أو تلك التي استمر في المحافظة عليها، النظام الذي يسمي نفسه عالمياً
وجديداً.
* " يشير تقرير التنمية البشرية الصادر عن
الأمم المتحدة عام 1992 إلى أن 60%
من سكان العالم يحصلون على 55، 5% من الدخل العالمي ويملكون
84ر4 % من التجارة العالمية. بينما يحصل خمس
السكان في العالم على 82,7% من الدخل العالمي وعلى 2،81% من التجارة
العالمية وعلى 6، 94% من الإقراض التجاري. ويستهلك الشمال، حيث يوجد ربع سكان العالم فقط،
يستهلك : 70% من طاقة العالم 75% من معادنه و 85% من أخشابه و 60% من غذائه "
(11)
* " يبلغ دخل الفرد السنوي في دول الشمال 17000 دولاراً ولا يتجاوز
دخل الفرد في البلدان النامية 340 دولاراً في العام "(12)
* "إن مجموع ديون
البلدان النامية قفز من 650 مليار دولار عام 1980 إلى 1350
مليار دولار عام 1990 ولا تجد البلدان النامية سبيلاً إلى مقاومة أزمتها
الاقتصادية سوى في تصدير السلع الأولية إلى دول الشمال
التي لجأت بدورها إلى تخفيض الأسعار. وهكذا تقع الدول النامية في حلقة مفرغة فكلما ازدادت في دفع ديونها ازدادت هذه الديون " (13)
هذا فضلاً عن الأوضاع الناتجة عن استقطاب الطاقات
العالمية وهجرة العقول وتفاقم
الأوبئة والجوع والقهر في العالم المتفائل بالنمو.
6 ـ برزت بشكل جلي وفضَّاح ازدواجية المعايير والمكاييل في مجلس الأمن الدولي، ولدى
الأقوياء الغربيين المسيطرين عليه، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، وسوف
أتوسع قليلاً في هذه النقطة لأنها أكثر ما يكشف حقيقة ما يسمى " النظام
العالمي الجديد " وتوجهاته، وحقائق المتغيرات الدولية وانعكاساتها على ا |