|
الفكر ومستقبل الصراع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان للصراع العربي الصهيوني تأثير عميق على الفكر العربي خلال العقود الخمسة الماضية، ويمكن أن نتبين ذلك الصراع بوضوح من خلال توجهات ذلك الفكر، حيث تتجلى في تياراته أوفي إنتاج مفكريه. وقد ركز أولئك المفكرون على جوهر الصراع بوصفه صراع وجود بين الأمة العربية والكيان الصهيوني، وعلى أن حسم هذا الصراع لا يكون على حساب الأمة العربية وحقوقها الثابتة؛ لا سيما في الأرض والمقدسات والسيادة التامة والوجود الفعلي للشعب على الأرض وفي مواقع القرار.
ورأى المفكرون في الدعوة إلى الوحدة العربية مدخلاً لتحقيق قوة قادرة على حسم الصراع بالوسائل الممكنة والمجربة تاريخياً من قبل الشعوب، وقد ناضل فريق منهم من أجل الوحدة وربط مصيره ووجوده بها، وكرس فكره لذلك؛ كما ناضل فريق آخر من أجل بلورة وعي قومي، وإطلاق تيار شامل، من شأنه أن يبث في الأجيال العربية تمسكاً بالثوابت القومية، وفي مقدمة تلك الثوابت : استعادة الوجود، وتحرير الأرض، والسيادة فوقها؛ ورأى ذلك النفر من المفكرين أن إطلاق ذلك التيار لابدَّ أن يؤدي إلى تنظيم قومي يجعل الدعوة للعمل العربي المشترك، على أسس قومية يكون رائدها الأول هو التحرير، من أبرز أهدافه وأكثرها جذرية وأهمية.
وتوجه فريق نحو الدعوة إلى تحقيق تقدم حضاري شامل، يعطي مكانة خاصة للثقافة وامتلاك علوم العصر، لأنه وجد أن الصراع العربي الصهيوني، ومن قبله الصراع ضد الاستعمار الغربي، لا يحسم إلاّ بالقوة، وأن مفهوم القوة قد تغير كثيراً، فلم يعد مرتبطاً بالكثرة والشجاعة قدر ارتباطه بامتلاك الأسلحة المتطورة التي يحققها العلم والتَّقَانَة، اللذان يسيَّران آلة الحرب الحديثة، ويمكّنان من امتلاكها واستخدامها استخداماً ناجحاً في ساحة المعركة، ويمكِّنان من تطويرها أيضاً، ومن تطوير كل أوجه الحياة الأخرى. ووجد أولئك النفر من المفكرين أن الصراع مع العدو الصهيوني يتطلب امتلاك وسائل العصر وأدواته، وأن ذلك لا يتحقق من دون دخول فعلي في العصر على أرضية العلم والقوة؛ وكل سعي لامتلاك العلم والقوة خارج التفكير بإمكانات الأمة العربية وقدراتها، محكوم عليه بالفشل، لأن طاقات أي قطر عربي ستكون عاجزة عن تحقيق أي نجاح يذكر في ميادين التصنيع الحربي، وتقديم الحامل الاقتصادي القادر على كفايته وإسناده، فضلاًً عن الحاجة إلى تطوير الصناعات المدنية، الضرورية لكل تقدم وتحرر ونهوض. ولذلك رأوا أن كل تفكير جدي بالتقدم والتحرر والتحرير، في الوطن العربي، لابدَّ له من أن يستند إلى عمق عملي نظري وتطبيقي، وبعد قومي حقيقي، لأن العرب في صراعهم مع الصهيونية لا يواجهون "إسرائيل" وحدها، وإنما يواجهون القوى الغربية التي أوجدتها وغرستها في هذه المنطقة من الوطن العربي لتحقيق أهداف عديدة وبعيدة.
وأخذ فريق من المفكرين العرب بالدعوة إلى تطوير المجتمع العربي وتنميته وصولاً إلى تحرره وتحريره، ومن ثم التحرير الشامل به وبقواه، وذلك انطلاقاً من إيمانهم بأن الجهل لا يحرر، وأن الذي يصنع حرية الوطن والمواطن هو مواطن واعٍ حُرٍ قبل كل شيء، فلا يكون الخلاص من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ـ وهو درجة عالية وفريدة من الاستعمار ـ إلاّ بالخلاص من الجهل ومن أشكال الاستلاب الداخلي.
ومن الملاحظ أن هَمّ أولئك هو التحرير الشامل للأرض بحسم الصراع العربي الصهيوني لصالح الأمة العربية حسماً تاماً بالوسائل المعروفة والمجربة، ومدخلهم إلى ذلك النهوض بالإنسان وتحريره، ومن ثم التحرير به؛ وأن الاستعمار بأنواعه، ولا سيما الاستيطاني والمباشر منه، كان أخطر ما يؤرقهم ويقضُّ مضاجعهم ويحفزهم على المقاومة بالوسائل التي يرونها، والدخول إلى ذلك من المداخل التي يرتضونها ويقررونها. ولم يخل توجه فكري عربي معاصر من تأثر بالصراع العربي الصهيوني، ومن نزوع نحو موقف منه، حتى في التوجهات الفكرية ذات الانتماء القطري الضيق أو الطائفي الأضيق، ولدى المفكرين الذين أخذوا بالمقولات الفكرية " المتعالية " على الانتماء، والمرتكزة إلى تبعية للمركزية الثقافية الغربية " الأوروبية".
قلة قليلة من المفكرين العرب هي التي أضمرت رأياً أو موقفاً لا يقر بحسم الصراع مع العدو الصهيوني بالقوة، وتلك القلة لم تكن تجاهر بقولها في كل الظروف، وبعض أولئك كان يخفي رأيه حين يكون داخل الوطن ويصرح به حين يكون خارجه، أو عندما تتأزم أمور ذات بعد طائفي؛ ويبقى ذلك في حدود الغمغمة وحالات النزق، ويتصل بارتباط مكشوف بالعدو أو بالغرب الذي يناصره تاريخياً، أو ينبع من ذلك الارتباط.
تيار من " المفكرين" أو المثقفين العرب، وقع ضحية سهلة للصهيونية في هذا المجال، مأخوذاً بشعارات ذات طيف إنساني عريض، ومدى طوباوي موصول بالواقع بأعمدة قوس قزح زاهية تنتهي ولا يريد لها أصحابها أو أتباعها أن تنتهي؛ ويظلون أسرى السحر الذي اتبعوه أو ابتدعوه، يرونه علماً، وأنى للسحر أن يكون علماً ؟؟ وقد فعل ذلك الفريق فعلاً ضاراً وضارياً في الحياة الفكرية العربية، وأشاع مقولات أثرت سلبياً على الصراع العربي الصهيوني بالنسبة للعرب، وأدخلتهم في متاهات عديدة وفي صراعات مرة، وأعشت الرؤية على طريق التحرير، وحرفت بعض مسارات النضال، حتى وضعتها في الاتجاهات المضادة للتحرير؛ إذ رفعت شعارات مضللة جعلت قوى الأمة تقتتل فيما بينها قبل أن تقاتل عدوها، أو حتَّمت عليها ذلك. وقد اكتشف ذلك التيار بعد فوات الأوان، وبعد سقوط فكره في زمانه، اكتشف أنه، في قضية أمته المركزية، كان ضحية للصهيونية التي كانت توجهه مدة تزيد عن نصف قرن، من دون أن يكتشف اللعبة وأهدافها، ومن دون أن يتنازل عن "احتكار الوطنية " وعن ادعائها لنفسه، وانتزاعها من الآخرين الذين " لا يستحقونها !؟ "، من وجهة نظره، لأنهم لم يلتهموا أكداس وهمه ولم يلوكوا مصطلحات الصهيونية التي لُقِّنَهَا تلقيناً وحفظها حفظاً متيناً ونفذها تنفيذاً أميناً.
وخارج نطاق الفكر القومي نمت تيارات وتوجهات فكرية كانت تتفق معه في الأهداف النهائية، بالنسبة للتحرير ومقاومة الصهيونية، ولكنها تختلف معه في المنظور العام لمدى الصراع وحجمه واستهدافه ومراميه البعيدة؛ أي أنها تخالفه في إتباع الأساليب وإقامة التحالفات والنظر إلى مدار الصراع، ومن ثم مدار المواجهة والأزمة ونوع التحالفات والمرتكزات الفكرية والاستراتيجية اللازمة لمقاومة الهجوم الصهيوني الغربي الشامل على الأمة العربية وشخصيتها وعقيدتها ومقومات ثقافتها ووجودها وحيويتها.
ولم تكن تلك الخلافات بلا ثمن، كما أنها لم تكن عابرة من حيث نتائجها، بل على العكس من ذلك، فإنها كانت وما زالت باهظة التكاليف، فادحة الثمن، عميقة الغور، ولم تؤثر سلبياً على زمن حسم الصراع فقط، وإنما أثرت على النظر إليه بوصفه صراعاً أصلاً ؟! ومن ثم على النتائج النهائية التي وصل إليها بالذات.
ومنذ بدأت المتغيرات الدولية تفعل فعلها في الساحة العربية، بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها واحتراق العرب بنارها، أخذ الفكر العربي -والمفكرون العرب- يراجع مقولات ومواقفه وحساباته، في ضوء الثوابت والمتغيرات، وأخذ كل تيار أو فريق من المفكرين والمنظرين يعيد إنتاج أفكاره حسب معطيات الحدث وأطواره في حالات، وحسب المصالح والمنافع في أخرى، وحسب نظرته التاريخية للقضية الفلسطينية وللصراع الذي يدور بسببها، وحسب مواقفه وثوابته بالدرجة الأولى، وبدت ملامح اتجاهات جديدة، أو تعديلات على اتجاهات قديمة، أو انتصارات واستنصارات لرؤى وتوجهات ثابتة ازدادت وثوقاً بمقدار ما ازدادت هماً وغماً مما جرى ويجري في أرض العرب وفيما يسمى عالمهم، وبرزت تيارات تدعو إلى "الواقعية والعقلانية" مدعية أنه لا حل للقضية إلا "بتسوية" تضمن لكل أطراف "النزاع" وجوداً آمناً وحلاً "عادلاً" وتأخذ من عالم ما بعد الحرب الباردة مدخلاً لمنظور جديد يتماشى ومعطيات "النظام العالمي الجديد" الذي تسمح ازدواجية مكاييله ومعاييره بأن يصبح الظلم عدلاً، والحق باطلاً، والمقاومة من أجل تحرير الوطن "إرهاباً" والصراعات القومية "نزاعات" حدودية قطرية لا بد من تصنيفها بالطرق الودية!؟! وبرزت، رغم الظلام والإحباط، تيارات أكثر جذرية، بالنسبة للصراع، مما كانت عليه في تاريخها السابق، كأنما نضال وثوابت قضية، وجوهر صراع.
وتدافع في الساحات العربية والدولية مروجون لفكر انهزامي استسلامي يتدرع بكل شيء، ويتذرع بكل شيء أيضاً، ليسوّغ انتهاء الصراع بانتصار الأعداء، وضرورة التسليم بذلك لأنه من الحكمة والحضارية والإنسانية والموضوعية والواقعية والشجاعة الأدبية، وهذا الاتجاه له من يرعاه ويدعمه ويحميه ويوصل صوته ويلمّع أعلامه، وفي الساحة العربية اليوم عدد من أولئك يتزايد، يوماً بعد يوم، ويرتفع صوتهم ساعة بعد ساعة.
فهل يستطيع أصحاب النظرية الجدية الجذرية إلى الصراع العربي الصهيوني، على أنه صراع وجود مع وجود، أن يصمدوا ويحافظوا على جوهر الصراع وجذريته واستمراره وتاريخيته، أم تراهم سيغوصون في دوامات الكلام، وتتفجر فيهم الألغام الموقوتة، وما أكثرها، فلا يحسنون دفاعاً ولا يحسنون صموداً!؟! إن التماس جواب على ذلك السؤال وأمثاله منوط بالمستقبل، وبكلام يتصل به ويؤسس له.
والله من وراء القصد.
|