|
الحاجة إلى ترتيب البيت الفكري العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا أظن أننا نحتاج إلى مزيد من الكوارث والهزائم والمصائب، وإلى مزيد من المغامرين والمقامرين والطغاة، وإلى نوعية فذة من الطوباويات والعنتريات، نضيفها إلى ما حفل به رصيدنا من ذلك كله؛ لكي نستشعر أهمية وضرورة إجراء مراجعة شاملة في حياتنا وعلاقاتنا وأفعالنا، ولا سيما الثقافي من شؤونها وشجونها، لما لذلك من تأثير على ما سواه؛ خاصة ونحن على أعتاب مرحلة من أشد مراحل نضال أمتنا المعاصر خطورة وحسماً، مرحلة انعقاد مؤتمر سلام حول الصراع العربي ـ الصهيوني، والقضية المركزية في هذا الصراع، قضية فلسطين.
فالمؤتمر الذي ينعقد، في ظل تمزق وضعف عربيين ظاهرين في جسم الأمة وقيمها، وتتسع مظاهرهما وتتعدد ظواهرهما؛ هذا المؤتمر مختل التوازن مسبقاً لمصلحة العدو الصهيوني، سواء من حيث التحالفات والضمانات السياسية، أو من حيث الوجود الفعلي على الأرض وما يتم عليها من تغيير لفرض الأمر الواقع، التي تتسارع وتائر صنعه وفرضه بتواطؤ ظاهر للعيان.
وأبسط ما يمكن أن يسفر عنه المؤتمر من نتائج سيكون ضاراً بصورة العرب وبمستقبلهم، ومؤثراً بشكل كبير على موقعهم بين الأمم، وعلى نظرتهم إلى أنفسهم في الأعماق والسرائر. فمجرد اعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود والعيش بأمان في حدود دولة مستقرة على أرض عربية وداخل النسيج السكاني للمجتمع العربي، وفي قلب التكوين الاقتصادي والأمني والاجتماعي لهذا المجتمع، هو سحق لكثير من القيم العادلة، ومسح لوجه العربي وملامحه، واستخفاف بنضاله وتضحياته وشهدائه؛ ولن يكون ذلك وحده ما يمكن أن يسفر عنه مؤتمر يدخله العرب على أرضية الكارثة التي ألحقها بهم، الغزو الصدَّامي للكويت، ذلك الذي ألحق بالأمة وبعلاقات أبنائها وبقضاياها المصيرية وبهيبتها ومكانتها بين الأمم، ما ألحق من بؤس ومقت وتراجع.
ويبدو أن جهود التنسيق العربية الوجلة أو الحيية، التي قد تسبق المؤتمر، لن تقدم شيئاً للمؤتمر العربي الذي يرتَّب لكل قطر على حدة ولكل سؤال على حدة؛ فالتنسيق ـ إن تم ـ محكوم بالمثل العربي القائل : " العَلِيق عند الغارة خسارة ". ونظراً لكون السياسة تخوض اليوم معركتها الكبرى من دون أن تتاح لها فرصة إعادة ترتيب البيت العربي، فإن الثقافة، وهي الحصن الأخير، والجبهة المعوَّل على وعيها وصمودها، مدعوة إلى أن تلعب دوراً في التمهيد للمواجهة المقبلة، والرد على الأسئلة والاحتمالات المطروحة. وهي لا تستطيع أن تمارس دوراً، وتتصدى لقضية بهذا الحجم ما لم ترتب البيت الثقافي العربي أو تعيد ترتيبه ـ هذا إذا كان قد رتب أصلاً ـ لتستطيع أن تتماسك في وحدة موقف ورؤية وجبهة، ولتنضج أجوبة متفقاً عليها، رداً على أسئلة ترفع رؤوسها وتتحدى.
فهل تتمكن الثقافة العربية يا ترى من ترتيب البيت الثقافي العربي؟! وما الأسس والمعايير التي ستضعها لذلك ؟؟ وكيف تتوصل إليها في ظل توزع ولاءات المثقفين على خلافات السياسيين، وفي ظل سوق الكلام العربي المفتوحة، وحقيقة تبعية الثقافة للسياسة، التي غدت صارخة في ترفعها فوق الانتماء القطري و المذهبي والحزبي، لتجد فيها نفسها وخصوصياتها وخلاصها وحضورها الفعال ؟!
بداية أقول بوجود مسؤولية تاريخية للمثقفين حيال ما يجري، سواء أكان المثقفون يملكون من أمرهم شيئاً أم لا يملكون؛ وأقول بأهمية أن يكون للثقافة رؤية واستقلالية وصوت وموقف؛ وأن تشكل حضوراً فاعلاً في ساحة القرار السياسي العربي، لتدافع عن ثوابتها ورسالتها، وعن الجماهير، التي تزعم، أو يطيب لشرائح من نسيجها أن تزعم، بأنها ضميرها وصوتها الحر. وأقول بإمكانية أن تبقى الثقافة العربية، كما كانت بالأمس، الأرض المشتركة التي تستعصي على التقسيم بالنسبة للمثقفين العرب، وبإمكانية أن تغدو هذه الأرض المكان الأصح والأنسب لاستنبات روح جديدة ومعطيات ومقومات إيجابية، تمكِّن العرب من الوقوف بثبات فوق ركائز صلبة، ومن أن يستمدوا نَسَغَاً مغذياً من مصادر واحدة تساعدهم على اكتشاف أن ما يجمعهم هو أكثر بكثير مما يفرقهم، وأن ما يشكل الهوية والقيم والعقيدة ومكنون اللغة وحملها، بالنسبة لهم، هو أهم بكثير من المصالح المادية والمكاسب الدنيوية العابرة والخصومات والمنافرات. وأقول أيضاً بإمكانية أن تقوم الثقافة السليمة والمسؤولة بتكثيف درجة الوعي المعرفي وإنعاش القيمة الخُلُقية والروحية والحس القومي والشعور الديني السليم، ليشكل ذلك كله أرضية لتحرير الإنسان واحترام حقوقه وحرياته، وتعزيز شعوره بالمساواة وممارسته لها، على أرض وطن لا يعلو فيه رأس فوق القانون، ولا يتميز فيه فرد عن فرد إلاّ بمقدار ما يقدم للوطن من خدمة، وما يضحي به ويصنعه ويقدمه من أجل الآخرين.
وانطلاقاً من اقتناعي بمسؤولية الثقافة وبأهمية دورها وبقدرتها على أن تقدم شيئاً في هذه الظروف بالذات، وبضرورة وأهمية وحيوية أن تقدمه بسرعة واقتدار؛ أدعو إلى إعادة ترتيب البيت الثقافي العربي في ضوء استخلاص لعبر ودروس من المتغيرات الدولية المهمة في المجال السياسي ـ الثقافي، والإيديولوجي ـ التنظيمي، وفي ضوء المتغيرات العربية التي نتجت أو يمكن أن تنتج عن المتغيرات الدولية أو بفضلها؛ وكذلك في ضوء المعطيات العربية التي سبقت أزمة الخليج واحتلال الكويت ثم الانسحاب منها، ورافقت الأزمة والاحتلال وأعقبتهما، وما تبع ذلك من تأثيرات وتفاعلات وتحديات.
وإعادة ترتيب البيت الثقافي العربي تستدعي أولاً وجود استعداد ذاتي على مستوى فردي، وعند جماعات ذات توجه مشترك، لإجراء مراجعة صريحة بمسؤولية وشجاعة وموضوعية، ومن ثم الدخول في حوار مع الآخر على أساس الاعتراف بحق الآخر في الوجود والاختلاف والتعبير عن نفسه بحرية. والمراجعة المطلوبة ليست على الإطلاق مراجعة شكلانية، ولا هي مفروضة، بمعنى أنها ناتجة عن انهيارات فكرية وسياسية، إيديولوجية وتنظيمية واقتصادية، جرت في مكان وشلت قدرة أناس في مكان آخر؛ ولكنها مراجعة تمليها حركة داخلية عميقة من التأمل والتحليل والتدقيق والاستخلاص، في ضوء ما تم وليس تحت ثقل ركام ما تم من انهيارات.
والمراجعة التمهيدية مطلوبة من الشيوعيين الذين انهار عالمهم وسقطت مرجعيتهم؛ ومن القوميين والاشتراكيين والناصريين والإسلاميين.. الخ، حتى يدخل أهل الثقافة أو الطليعة منهم، دائرة الحـوار وداره، وهم على استعــداد تـام لرؤية الحقيقة والمصلحة القومية والوطنية، ورؤية الأفضل والأصلح والممكن، في زحمة الآراء والأحداث والمعطيات؛ وليتمكنوا من وضع معايير وأسس تقود الحوار وتحكمه، وتقودهم من خلال الحوار إلى تبيُّن المشترك والمتفق عليه من الثوابت المبدئية والأهداف والأفعال؛ ووضع تصور لأولويات يتم حولها اتفاق، ويبقى الكثير، أو قل يجب أن يبقى الكثير مما يختلف فيه أهل الثقافة، لأنهم لا يمكن أن يكونوا أفراداً متمايزين ومتميزين وهم نسخ أو شبه نسخ عن بعضهم بعضاَ !! ففي اختلافهم غنى، وفي تنوعهم ثراء، ولكن الاختلاف البناء هو ذلك الذي يتم تحت سقف الوطن ومن أجل مستقبل الشعب ومصلحته، وهو الذي يحتدم النقاش للتوصل إلى أفضل السبل التي تؤدي إلى تحقيق أهدافه وإسعاد أبنائه وبناء حضارته وتوفير حريته وكرامته وتقدمه.
فكل اختلاف ينشأ على أرضية صحيحة وصادقة من الانتماء للشعب في تراب وطنه وتربته وثقافته، في معطاه الجغرافي والتاريخي هو اختلاف يبني ولا بد أن يقود المخلصين إلى اتفاق؛ والاختلاف الذي قد يكوِّن هامشاً واسعاً ينبغي ـ في تصوري ـ ألا يمنع على الإطلاق فئات المثقفين العرب، في هذه الظروف بالذات، من أن يتناصروا وتتضافر جهودهم وتتحد جبهتهم خلف نقاط الالتقاء التي تجمعهم؛ لأن تلك النقاط هي برنامج الحد الأدنى مما يمكن أن يعملوا عليه جميعاً، على أن يحمي كل منهم ظهر الآخر في الدفاع عنه ليوصلهم إلى :
ـ إثبات حضور الجبهة الثقافية في الساحة الجماهيرية الحية وعلى صعد السياسة والثقافة والاجتماع. ولا سيما في أماكن صنع القرار.
ـ انتزاع استقلالية القرار الثقافي وهيبة الجبهة الثقافية، والتخلص من التبعية الطويلة الأمد التي كانت من الثقافة للسياسة.
ـ إيصال صوت المثقفين، وصوت الجماهير من خلال المثقفين، إلى الأماكن التي ينبغي أن يصل إليها؛ وخلق تيار حضور يساعد على حماية مناخ العمل من أجل حقوق الإنسان العربي وحرياته وممارساته الديمقراطية، في إطار الدساتير والقوانين في الوطن العربي.
ـ إقامة المؤسسات والحفاظ على استقلاليتها، وتمكينها من القيام بدور إيجابي من أجل تكوين وعي معرفي متجدد، وتشكيل جبهة رأي لا تسحقها الطغيانية السياسية التي لا تجد من يقول لها : هنا حد الحاكم وهنا حد المواطن، هنا حق المسؤول وهنا واجبه.
ـ اتساع دائرة وفعالية " الجبهة الثقافية " عربياً، وامتلاكها لأرضها التي هي الأرض الحرة والنظيفة والخصبة للعرب : أمة عزت بالإسلام، وللإسلام :غرسٌ غذّاه العرب بالدم حتى زكا ونما. وتمكين هذه الجبهة من ترسيخ قيمها ومفاهيمها وأخلاقياتها ومبادئها التي هي في نهاية المطاف، قيم العرب والمسلمين ومفاهيمهم وأخلاقياتهم ومبادئهم، في رؤية جديدة للعصر وتفاعل ناجح معه؛ والتي هي، وبالدرجة ذاتها، حمل للهوية والخصوصية على طريق نضال من أجل العيش الكريم والحرية والحقيقة، في وطن يعيش مع الأوطان الأخرى حركة البناء والتقدم والحضارة، ويساهم فيها مساهمة ترضيه وتعيد له بعض ماضيه، وتجعله يحمي حضوره بالتجدد ومشاركته بالمرونة والقدرة على التحرك.
ـ قدرة هذه الجبهة على المشاركة في أسئلة الثقافات وأجوبتها، وقدرتها على المثاقفة باقتدار وتمايز، وتمكينها من امتلاك مقومات ومعطيات التصدي لما سيطرحه مؤتمر السلام الدولي العتيد من قضايا وأسئلة ذات طبيعة ثقافية، وما يقدمه من مشاريع تطبيع مع العدو الصهيوني، وما استتبع ذلك من محاولات لتخليص الصهيونية من عنصريتها المتأسسة في التلمود، ومن مطالبات صهيونية حتى بعدم ذكر ما يفضح العدو ويعريه في أدبيات العرب وربما في قرآن المسلمين.
إن ما ينتظر الثقافة من مسؤوليات ومهمات وأدوار ومعارك في ساحات الوطن العربي، قبل مؤتمر السلام وفي أثنائه وبعده، سواءٌ أنجح أم لم ينجح، لكبير جداً وخطير جداً. وأكاد أجزم بأنه من دون مراجعة واعية لأهداف الثقافة ومسوّغاتها وغاياتها لا يمكن أن نمهد لحوار، ومن دون حوار لا يمكن أن نتفق على أولويات وبرامج عمل مشتركة تمكننا من بلورة أداء الثقافة في فعل بناء ومقاوم ومتقدم على جميع المستويات.
والحوار ليس نهاية المطاف بل هو المدخل الذي نكتشف في ميدانه ما ينبغي أن نهتم به أكثر من سواه، وما ينبغي أن نقدمه مرحلياً على سواه؛ وكيف نعيد ترتيب بقية البيت ونعزز نظافته وقدرته على الاستيعاب، وعلى أن يصبح منارة إشعاع وقوة تحمي حق الإنسان ومصلحة الوطن وسلامة الممارسات، في ظل الدساتير والقوانين والعقيدة والأعراف السائدة المحترمة.
وعندما ندخل دائرة الحوار وداره، وتأخذ معالم البيت ومحتوياته وعيوبه تتجلى لنا، سوف نقف على مقدار ما تم تدميره من علاقات وقيم ومقومات، وسوف نكتشف على محك صدق الانتماء للثقافة وإخلاص النية للحق والوطن: كم ضَمُرَ دور الثقافة، وكم تراجعت في ساحات المواجهة الداخلية والخارجية، حتى كثر الظلاّم من الحكام، وسادت الطغيانية ساحات كثيرة، وانتشر نمط الدولة الأمنية، وضاع المواطن وحقه وحرياته، ثم جاع وسحق ولبس قناعاً، ليخفي حتى ألمه وحقيقة وجهه ووجوده؛ وما زال الرعب يلاحقه في أرجاء الوطن من المحيط إلى الخليج، فمارس تحت ظل القهر والجوع والخوف ما لا يتفق مع قيمه وأخلاقه وعقيدته ومروءته، وتجرع الذل، وقبل بما يشبه التنازل عن نضال دام ما يقرب من نصف قرن من الزمان، على طريق أشرف قضية وأعدلها، ليكتفي بسلام في ظل تفوق عدوه عليه، والتهديد المستمر لذلك العدو، ورضي بكل ما يقوله له أهل السياسة الذين يمالئهم دائماً أهل الثقافة، على نحو أو آخر، ويزينون لهم أعمالهم، خوفاً أو طمعاً، ويتركون الشعب وحقه عليهم؛ جراء ضعف جبهتهم وخضوعهم لما خضعت له أكثرية الناس، وتنازلهم عن أفضل الجهاد" كلمة حق في وجه سلطان جائر".
وسنجد أن ما يعيق صف أهل الثقافة عن الفعل المقاوم، والأداء الإيجابي البناء، يكمن في البيت الثقافي ذاته، حيث القوى تتصادم لتكون قوتها ومصلحتها في النهاية صفراً أو ما يقارب الصفر، وحيث استعداء على الرأي يضعف كل صاحب رأي ويقوي كل صاحب سوط، وحيث التنازل عن الشعر لمصلحة الشعار، وعن الحكمة لمصلحة الحكومة، وعن رحاب الفكر لمصلحة التسييس؛ و حيث يفقد الإبداع جلاله وتأثيره ومهابته ومكانته، ويصبح الأعلى صوتاً في الإعلام والأقدر على توظيف التنظيم في إعلام ثقافي سليم، هو الأرفع مكانة والأشد صيانة. ونشأت في سوح الثقافة كما في بعض سوح السياسة " رتب تمنحها الرتب" ومراتب تحددها المكاسب، وأصبحت ترى "المهيب الركن " و "العميد الركن " و "المشير" و"القدير" حسبما تهيأ لهذا أو لذاك من صنَّاجة الإعلام المحكوم بالسياسة و" الأدلجة" والتنظيم، الذي يصنع عصياً غليظة ليضرب بها فيصنع سياسة بالأدب، ويصنع كتاباً ليصدر سياسة.
إن كثيراً من مساحات الإبداع ضاعت أو قتلت، وكثيراً من المبدعين أهملوا، وكثيراً من التيارات والأسماء، ارتفعت على أرضية غير أرضية التقويم السليم، في إطار الأدب والفن والفكر. وما زلت ترى النقد " الإيديولوجي" يدمغ مساحات الفكر والأدب ويكشف بسطوته كم من التجني مورس على ثقافتنا، وكم من المقاييس والمعايير والمصطلحات السياسية ـ الإيديولوجية المستوردة، تحكمت بتكوين ثقافتنا المعاصرة وإعلامها، وكم أثر ذلك على تكوين القراء والجماهير والإعلام والرأي العام.
ويحق لنا أن نسأل بجدارة : هل تربة الثقافة العربية ـ الإسلامية هي التي أنبتت فعلاً، في واقع الناس هذا وعصرهم هذا ومعاناتهم هذه ونضالهم وتطلعاتهم وأحلامهم، هل هي التي أنبتت وأنتجت ثقافتهم وأدبهم وأعلامهم؟؟!
ويبقى الجواب مرهوناً بإعادة ترتيب البيت الثقافي العربي على أسس سليمة.
|