المثقَّف العربي والمتغيِّرات / د.علي عقلة عرسان / دراسة / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1995

أسئلة تنتظر الفكر القومي

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

ليس الفكر القومي ـ عندنا نحن العرب على الخصوص ـ غاية قائمة بذاتها... لذاتها، متحققة في الوجود المنشود بمجرد الوجود، من دون حاجة إلى تلك الترجمة المرجوَّة لذلك الفكر إلى حقائق ومعطيات، ذات مرتسمات وظلال وحضور فعال في الواقع المعيش.‏

وليس هو انطلاقاً خالصاً لحركة العقل في فضاء الوجود خارج حدود العقال والانفعال، يبرر وجوده مجرد وجوده، وتتكاثر مقولاته لمجرد التكاثر، وينمو سرطانياً لمجرد النمو وإثبات الحضور، أي نوع من أنواع الحضور؛ ولا هو نوع من التجريد النظري يُتَوَخَّى منه أن ينجز عالماً من الرؤية يشكل تعويضاً عن تاريخ أو تقويضاً تعسفياً للتاريخ؛ ولا هو ترف إنساني توصل العربي إلى ضرورة ممارسته أو نشدانه أو استهلاكه، تلبية لنوع من النزوع البشري نحو التميُّز في التمايز على أرضية مَرَضِيَّة.‏

الفكر القومي العربي، في تقديري، وسيلة أملتها ضرورات واقعية، ومسؤوليات تاريخية، ومعطيات ومواجهات وتحديات مصيرية، وهو حاجة قصوى لإحداث تغيير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، على أرضية الوعي المعرفي والعلم والعمل، وصولاً إلى تحقيق أهداف مرحلية للأمة في مسار أهدافها العليا. وهو فكر يستمد مقومات قيامه واستمراره من الواقع، وترتبط مسوّغات وجوده ونموه بالقدرة على تجسيده، وعلى إقامة علاقة جدلية بينه وبين الواقع العربي الراهن، أي بين التنظير والممارسة أو بين التنظير الواقعي ـ والواقع المعيش، بقسوة وقائعه وحقائقه ومعاناة الناس والأقطار فيه.‏

وعلى هذا فإنه، بصرف النظر عن الكم الذي تراكم منذ ارتقائه على طريق رؤية سياسية ـ ثقافية شاملة في العصر الحديث، وبصرف النظر عن تجليات تطبيقه المحبَطة، بأشكال مختلفة ولأسباب عديدة، فإن الفكر القومي مطالب، في الوقت الراهن وعلى ضوء ما جرى ويجري من أحداث وتطورات وتصفيات تتم للقضايا الرئيسة، وتمس المستقبل والمصير والحق والتكوين القومي والهوية، تمس كل ذلك في الصميم، الفكر القومي مطالب :‏

n بمراجعة شاملة للمسيرة الماضية، تطال المصطلحات وتدقيق معانيها وما طرأ عليها، وكذلك الثوابت، لجلوها وتجديد الالتزام بها وتطوير الرؤية لكل ما يبنى عليها، وللمشروع القومي المرتجى وكيفية توظيف الفكر والخطاب لتحقيقه، وتطوير ذلك المشروع بمرونة ليتجسد ويتقوَّى من خلال استفادته من مقولات الفكر ومعطيات الواقع، على أرضية المتغيرات العربية والدولية وانعكاساتها العميقة.‏

n بدراسة أعمق وأوعى وأشمل للواقع العربي في أقطار الوطن العربي، دراسة سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية ـ وثقافية، ليأخذ تلك الحقائق بالاعتبار وهو يبلور رؤيته ويقدم تصوراً عملياً لتجسيد تلك الرؤية، يأخذ بالاعتبار ما غدا وقائع السياسة العربية والجغرافيا السياسية القائمة؛ تلك التي أخذت تكتسب معانيَ وطنية عليا تتناقض والمفاهيم القومية، وتنشأ على حساب البعد والفهم القوميين، وأصبح لها تجليات في قيم الوجدان الفردي والجمعي ومقوماته، وهي تنمو سرطانياً على حساب القيم والمقومات القومية للأمة العربية، وتحدث تغييراً ذا مرتسمات عميقة في الواقع وفي التفكير.‏

n بتجديد الالتزام بالقضايا والأهداف القومية. إذ يبدو أنه حتى المسلمات والبديهيات التي كانت مستقرة في الفكر والوجدان وتهابها السياسات القطرية العربية في الماضي، فقدت الكثير من مصداقيتها وقدرتها على التأثير. وهي تحتاج اليوم إلى تثبيت وتجديد، جراء ما لحقها من تآكل وتخريب، وما أصاب الوجدان القومي كله من خراب وضمور وفساد وأمراض. فقضية فلسطين، والوحدة العربية، والأخوة المشتركة، والمصير المشترك، والقيم القومية والدينية التي تجمع الناس... كل ذلك تشظَّى في فضاء السياسة العربية الجديدة، والتجارة الشاملة بكل شيء، حتى بالمبادئ والثوابت والمصير والقيم.‏

n بفتح حوار مع الآخرين على أرضية الاحترام لحق الآخر في الاختلاف، والشراكة الحقيقية في المصير والوجود، ومن ثم في صنع القرار وصوغ الرؤية والبرامج التي توصل إلى تحقيقها. وهذا يقتضي استعداداً ذاتياً لنبذ كل عصموية، ولنبذ كل استعلاء، والاستعداد أيضاً لرؤية الحقيقة أينما تكشف عنها الحوار، الذي يقوم على المنطق من جهة وعلى المصلحة العليا للفرد والأمة من جهة أخرى؛ كما يعني تقديم المشروع أو الرؤية، من المنطلق القومي، بوصفه مشروعاً مقترحاً على الآخر ليشارك في تكوينه وصوغه وإنجازه، وليس مشروعاً ناجزاً يقتضي الالتحاق به والتصديق عليه، وإلا فالطلاق والفراق والاتهام والدم المهراق !؟ ولا يعني هذا أيضاً استعداداً تاماً للالتحاق بأي مشروع والتنازل عن جوهر القضايا والأمور لأي سبب.‏

باستلهام وجدان الناس وأخذ نتائج ذلك الاستلهام بالاعتبار، والتعرف على التكوين الجماهيري العام بدقة علمية، واحترام ذلك التعرف، وقبول ما يمليه من معطيات ونتائج، مع دور للطليعة يبقيها على صلة بالمستطلَع لهم، ويجعلها قادرة على الارتياد والعودة بنتائج ذلك الارتياد لتقود الناس إلى ساحة رؤية جديدة، بإقناع واحترام وموضوعية ونقاء ثوري، تحتاج إليه المرحلة القادمة وتحتاج إلى مصداقيته.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |