|
العمل العربي المشترك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
العرب في كل مراحل نضالهم، وفي مختلف الظروف والأوقات، وعلى امتداد الأقطار وتغير الحكومات كانوا يقولون إمّا بالوحدة أو بالتضامن، وقليلة هي الفترات التي تم فيها تضامن فعلي، وأقل منها بكثير تلك التي ساد فيها روح وحدوي على الصعيدين الرسمي والشعبي معاً.
والعرب يعرفون جيداً ويذكرون جيداً أن جماهيرهم أقرب إلى الشعور القومي ـ الوحدوي وإلى ممارسة التضامن واستشعار أهميته وضرورته، من حكوماتهم؛ ومن يستعرض، على سبيل المثال لا الحصر، مظاهر العمل العربي المتسم بروح التعاطف والتعاون الأخويين، والمتجه نحو التحرير أو إلى التصدي لأنواع العدوان ومظاهره وأشكاله، لابدَّ أن يتوقف عند محطات على هذه الطريق الصعبة في التاريخ العربي المعاصر منها : حروب 1948 ـ 1956 ـ 1967 ـ 1973 ـ 1982 مع العدو الصهيوني وحلفائه وأعوانه، ومنها حرب التحرير الجزائرية، ومرحلة وحدة سورية ومصر. ولا شك في أن الدرجة تختلف بين موقف وموقف، من قطر إلى قطر ومن حكومة إلى حكومة في القطر ذاته؛ ولكن المظهر العام للحياة الاجتماعية والسياسية العربية يسجل مثل ذلك التوجه في تلك الظروف والمراحل في حياة أمتنا العربية.
وإذا كان العرب اليوم يواجهون حالة من الانقسام حادة وقاسية ومؤسفة و مؤسية، رسمياً وشعبياً، بسبب أزمة الخليج وحربه وما رافق ذلك وأسفر عنه وأنتجه، فإنهم مدعوون إلى التدقيق والتأمل والتبصر، أكثر من أي وقت مضى، فيما سيسفر عنه: وضع عربي بالغ التمزق، وشارع عربي بالغ الضعف، منخور العزم بالتناقض والخلاف والعداء والفساد والفوضى واليأس، موزع الرأي والمشرب والهوى والأتبّاع؛ في ظل الظروف العربية والدولية الراهنة، وفي هذه المرحلة من مراحل المواجهة، بين الأمة العربية وأعدائها من جهة، وبين حقائق العصر من تقدم وتطور علمي وتقني وحضاري ومن تحالفات وتعاون لحفظ المصالح الحيوية والوجود من جهة أخرى.
وإذا ما عرضوا نتائج تأملهم ذاك واستخلاصاتهم على عقل بارد وضمير دافئ، في ضوء منطق عملي ورؤية تاريخية شاملة وواقع يغص بضغط الضرورات الملحة، وجدوا أن مواجهة أسئلة الوضع العربي الداخلي وحقائقه ومتطلباته، والعلاقات العربية ـ العربية، والعلاقات العربية ـ الدولية، تحتاج كلها إلى جهد عربي منسق متكامل، وإلى تضامن عربي متين يتنامى ليتحقق حد أدنى من العمل العربي المشترك، يقيم للعرب قائمة بوجه التحديات والصعوبات من جهة، وبوجه العدو الطامع المستمر في احتلاله وقهره وتعديه وتحديه من جهة أخرى.
وعلى فرض وجود اقتناع عربي قطري بضرورة توافر ذلك في الساحة السياسية العربية، فهل هناك فرصة لنجاح تصور موحد لعمل عربي مشترك يحقق الحد الأدنى من التنسيق والتعاون والتضامن في الظروف الراهنة، وما هي أرضية ذلك وآفاقه؟؟
إن الدول الثماني التي وقعت إعلان دمشق ثبتت أرضية معينة وأهدافاً وآلية عمل محددة للتحرك في المرحلة القادمة ولمواجهة مقتضيات تلك المرحلة، فهل ستدخل الدول العربية الأخرى تحت لواء هذا الإعلان أو "يتوجب" عليها أن تدخل تحت لوائه ؟! أم تراها مدعوة إلى مناقشته بهدف إغنائه والحفاظ عليه، وإلى تقويته بالدخول فيه؟؟ وكيف ستنظر إليه : إفرادياً أو "جماعياً " من جهة أخرى، وإلى معاني دخولها فيه ؟ هل سترى فيه محوراً أم انفراداً برأي ورؤية ؟ وهل ستعترض عليه إفرادياً أم تتكتل ضده جماعياً ؟ أم تتجه إليه مجتمعة ومنفردة، سراً وعلناً، بحرص عليه وبتقديم مقترحات وتعديلات لإغنائه، بوصفه أرضية مشتركة يقبلها الجميع وينشد تعزيزها الجميع ؟ أم أن تلك الدول ستبقى على "جهادها" واجتهادها، تخوض غمار المعركة وحدها بأسلحتها من وجهة نظر ورؤية تحددهما هي، وترى أنها على حق وأن الآخرين على باطل؛ ويبقى كل فريق ـ كما كان كل فريق سابقاًـ على اقتناع بأنه المخلَّص والمنقذ للأمة، وأن ما يقدمه هو الأصوب و الأصلح، ويبقى كل ما يقال ويفعل بعد ذلك كله وقبل ذلك كله، حرف امتناع لامتناع، لا يصنع جملة ذات فعل ومعنى؟! ويبقى يظهر رغبته في تبني كل الشعارات العربية وفي تطبيقها، ولكن إذا اتبعه العرب وصاروا له ظلاً، وتحولوا من الشراكة والنديَّة إلى حملة راية في ركابه ؟!
إن مثل هذه الحالة في تقديري، يجب ألا تنشأ، كما ينبغي ألا تسود في المقابل حالة تعصب أو تشنج، تهدف إلى فرض المعلن من رأي وقــرار، من دون استعــداد للأخـذ والعطـاء، من خلال الحوار، بغية الوصول إلى ما يجعل الإعلان عربياً في شموله بعد أن كان كذلك في منطلقه وأهدافه. وإذا لم يصل الاقتناع الداخلي التام إلى هذا فستبقى الحالة العربية السابقة، التي تنطوي على محاور ومناورات، أو على رضا معلن وامتعاض مكتوم ـ وهي الحالة التي عطلت الجهد العربي العام، وألغت كل إمكانية على طريق التضامن الفعلي والعمل العربي المشترك الناجح، وحالت دون نشوء مناخ حوار بناء، يدخله العربي على أرضية الأمان والاطمئنان والثقة والإخلاص للأمة، والالتزام بإعلاء شأنها ومصالحها على كل شأن ومصلحة ـ ستبقى هي السائدة.
وإذا لم يدخل العربي ساحة الحوار ولديه الاستعداد للانتقال من موقعه الذي هو فيه، حسب جغرافيته السياسية الحالية، إلى الموقع الذي يدعى إليه أو ذاك الذي يقتنع به ـ من خلال حوار يقوم على الاحترام، والاعتراف بحق الآخر الشريك، لا في أن يقول نعم أو لا ويمضي على هدى منهما، وإنما في أن يشارك بمسؤولية والتزام في رسم ملامح المستقبل ومشروعه؛ وهو بذلك يغير اقتناعاً أو يكوِّنه أو يرسخه، ويدخل مع الآخرين من باب واحد أقاموه جميعاً وارتضوا الدخول منه جميعاً، ليتحمل كل منهم مسؤولية وعبئاً يفرضهما عليه دخوله الحر فيما دخل فيه الآخر الحر، وليمارس دورا ويصنع مع الآخرين مستقبلاً للجميع ـ إذا لم يفعل العربي ذلك باقتناع واقتدار، فإن الحالة العرجاء ستبقى مسيطرة ومعطِّلة لكل تفاهم أو عمل عربي مشترك.
إن العمل العربي مادام يحكم بمواقف وقرارات ومشروعات تُشْتَمُّ منها رائحة الفرض والسيطرة أو الإملاء، وما دام يتم في مناخ فيه مداورة ومناورة واستخفاف واستغفال من أي نوع، وما دام يحكم أحياناً بالشطارة السياسية القطرية واستراتيجيتها التي تريد، في كثير من الأحيان، أن تسخر العام لخدمة الخاص، وأن تعلي الشأن القطري أو الإقليمي على الشأن العربي العام؛ ومادام يُمْلَي على الأمة أحياناً، أو يُجَيّر ليخدم مصالح قوى مسيطرة أو نافذة الرأي والكلمة وأغراضها، على حساب مصالح الأمة وحقوقها وإرادتها وشعورها باستقلالية القرار وحرية الإرادة، فإنه يبقى عملاً محكوماً عليه وليس له؛ ولا يكلف أحد نفسه ولن يكلفها مشقة الأخذ به بعدما يخرج من قاعة الاجتماع ويعود إلى وطنه، حيث مجال التنفيذ الفعلي.
إن العرب وهم يقبلون اليوم على مواجهة واقع ما بعد حرب الخليج، وعلى معالجة أوضاع خلقتها الحرب، وعلى التصدي لعدو يريد أن يستفيد إلى أقصى حد من الحرب، ويحول ما استطاع أن يحوله من نتائجها لصالحه، ويتهرب ما استطاع إلى التهرب سبيلاً مما قد يُفْرَض عليه لصالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية من حلول وحقوق، في ظل الشرعية الدولية وقوانينها المستيقظة الآن؛ إن العرب وهم يقبلون على ذلك كله، مدعوون إلى:
* اعتماد الصراحة التامة في طرح الأمور والتطورات والقضايا والآراء من دون مواربة أو مجاملة.
* اللجوء إلى الوضوح التام في تحديد الأهداف والوسائل والأدوات والمسؤوليات، ووضع البرامج التنفيذية في إطار استراتيجية ومبدئية أخلاقية ثابتتين، لمواجهة كل مراحل العمل المقبل.
* التعبير الجلي عن المواقف، والاستعداد العام للدخول في حوار حول كل أمر أو قضية أو موقف، من منطلق البحث عن الحق والعدل والمصلحة القومية العليا، وتطبيق الممكن من الأمور والحلول، على ألا يغيب أبداً البعد المستقبلي والإمكانات المستقبلية لأجيال الأمة في التمسك بحقها وحسمه، والحفاظ على كرامتها وتعزيز تلك الكرامة بكل الوسائل.
* الانطلاق من روح الشراكة في المسؤولية وصنع القرار وتنفيذه، وتحمل النتائج والتبعات المترتبة على ذلك، وتعزيز الثقة المتبادلة في إطار الوعي بالذات، والإخلاص للأمة، والحرص على قضاياها وعدم تخوين أحد لأحد، أو وصاية أحد على أحد، أو تبعية أحد لأحد؛ وحين تبنى جسور الثقة والاطمئنان، ويرتاح الأخ إلى أخيه ويرى فيه سنداً وحامياً، ويأمن جانبه ويتوثق من إخلاصه وصدقه وعزمه، حينئذ تبدأ عجلة العمل العربي المشترك، أعني العمل المثمر والنظيف، بالدوران؛ ويصبح البيت العربي واحداً فعلاً وأهله على قلب واحد، وأمنه وسلامه واحد أيضاً، ويقوم تضامن وطيد يصنع مناخ وحدة أكيدة؛ عند ذاك نضع أرجلنا على طريق الخلاص والتقدم والمستقبل المشرق، وعلى طريق السلف الصالح الذين اعتصموا بحبل الله فما تفرقوا ولا ذلوا، وتركوا لنا قدوة حسنة، ومدى حضارياً يملأ التاريخ بالصفحات المشرقة.
فهل نحن فاعلون ما يمهد لبناء يعيد لأمتنا حالة من مجد وتقدم وبناء؟!
إنني لا افقد الأمل، وأرى هذا الوقت من أكثر الأوقات صلاحاً لمثل هذا العمل؛ والله ولي التوفيق.
|