|
الثقافة العربية : الحاضر والمستقبل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
قطاع المثقفين يتسع ويضيق تبعاً للمفهوم والتعريف اللذين يعطيان للثقافة، وحين تصل درجة الشمول حدها الأقصى فإن شرائح اجتماعية عديدة وكثيفة ومؤثرة تصبح في نسيج ذلك القطاع . وحسب تعريف إعلان مكسيكو بشأن الثقافة، فإن الثقافة بمعناها الأوسع هي " مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية الخاصة، التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وأنها تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج الاقتصادي، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات "(1) وهذا يعني أن قطاع المثقفين يشمل كل من له مساهمة في الجهد الثقافي بمعناه الأوسع، وأولئك الذين يؤثرون في هذا المجال ويكونونه ويحملون خصائصه ومسؤوليات عملية وخلقية، فيه و حياله، ويواجهون مجتمعاتهم والمجتمعات المتفاعلة معها بتلك الصفة والوظيفة، وأن المثقفين يتحملون طواعية أو يحمّلون أمام الناس والتاريخ، مسؤولية عن الثقافة وفيها، وحيال الأمة التي ينتمون إليها، والحضارة الإنسانية كلها، بوصفهم جزءاً منها يمثلون ثقافة مشاركة في تكوينها وفي مسيرتها وازدهارها .
وبحكم ذلك الموقع والانتماء، فإن درجة الشعور بالمسؤولية تضيق وتتسع هي الأخرى تبعاً للأشخاص وموقعهم الثقافي في مجتمعاتهم، ودرجة وعيهم المعرفي الذي يحدد مفهوماً للحرية، وأفقاً لها، وحاجة إليها، ومستوى لممارستها، وكذلك تبعاً لنوع الفعل الذي يقومون به وينعكس على أدائهم وفي ذلك الأداء، وتبعاً للشريحة البشرية التي ينتمي إليها الشخص ويشارك من خلالها في العمل الثقافي، وفي تحمل المسؤولية الخُلُقية والاجتماعية، التي ترتبها الثقافة على المبدع في مجالاتها، وتستدعيها المسؤولية، في ترابطها مع الحرية، في أثناء اتخاذ القرار وتنفيذه، كما تضيق درجة الشعور بالمسؤولية فردياً وإنسانياً وحضارياً، تبعاً للثقافات ومنزلتها وقدراتها على التواصل والتفاعل والتأثير فيما بينها.
نحن نعيش اليوم، بشكل أو بآخر، على أرضية ذلك الصراع الذي بدأ قديماً بين :
- المركزية الثقافية الأوربية " الغربية " وما نشأ عنها وارتبط بها من أحكام ومعايير ومناهج وآراء، ومن والاها وتتلمذ عليها وتشرّبها فتبعها ومثّل تياراتها ودعواتها وعمل على تقويتها ونشرها، وخدم أهدافها وحقق أغراضها ومصالحها بين ظهرانينا نفر من أبناء أمتنا، ممن ارتبطت مصالحهم ومعاني وجودهم السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي بتلك المراكز على نحو ما، فاعتمدوا عليها في نضالهم وخصوماتهم مع إخوتهم، وكانت معاركهم تدور على أرضية ذلك الارتباط أو قل الإتباع، مع نفر آخر من أبناء أمتنا العربية .
ونستطيع أن نتتبع تجليات تلك المركزية وتحولاتها وتقلباتها، في مجالات قوة وسطوة وعلم وحضارة وتفوق وتَقَانَة عالية متعددة، كما نستطيع إدراك مدلولات امتلاك أهلها لأسلحة التدمير الشامل ووسائله، وتحكمهم بوسائل الاتصال الحديثة وبالمواد الأساسية لتقدم العالم، وبمقاديره وقراره السياسي والاقتصادي، وما ينشأ عن ذلك كله من واقع ومعطيات وعلاقات، وما يرتبط به ويؤسس عليه من توجهات سياسية وأساليب تعامل وتواصل مع الآخرين وثقافاتهم وأشكال عمرانهم، بالمعنى الخلدوني الواسع للعمران .
- المركزية الثقافية العربية - الإسلامية، إن صحت التسمية، أو الأصولية الدينية - والأصولية القومية، وما تحرص عليه كل منهما من خصوصيات ومقومات وهوية وممارسات عقائدية، ومصالح ومظاهر وعلاقات وشعارات وسياسات، في إطار رؤية حضارية شاملة، جديدة متجددة ؛ ولكنها لا تخرج عن رفض كل أشكال التبعية وأنواعها، لا سيما للغرب الاستعماري ولمركزيته الثقافية ؛ وتنظر إلى مقولة تلازم الأخذ بالفكر والعلم و التَّقَانَة والعلمانية والأيديولوجيا ونظام الاجتماع والسلوك والحياة ككل، في آن معاً ومن دون تجزيء أو اختيار وانتقاء، تنظر إلى ذلك على أنه أمر مرفوض لأنه غير منطقي وغير علمي وغير إنساني ؛ فضلاً عن كونه أمراً مشبوهاً أو يعبر عن ضيق أفق في أفضل الاعتبارات . كما ترفض أن تقبل الإقرار بمقولة: إن الإسلام واللغة العربية بما حملت من إرث فكري وأدبي وحضاري عام عبر تاريخها الطويل، هما ـ أي الإسلام واللغة العربية ـ بالدرجة الأولى، وراء أسباب التخلف البادية، ووراء ما أصاب الأمة من هزائم وتمزق وتراجع.
ولا يكاد يجمع الشرائح المتوزعة على هذين المنحيين الكبيرين الممتدين عبر تاريخنا الحديث كله، لا سيما الفترة المعاصرة التي تطرد من ذلك التاريخ وتصب في المستقبل، إلا الاتفاق على الشكوى وترديد صداها والعيش في ظل الصدى والترجيع، الشكوى من قضايا وممارسات وأوضاع يمكن أن أركز بعضاً منها في النقاط الآتية :
- إن غياب الديمقراطية في الوطن العربي سبب رئيس من أسباب التخلف وتراجع مكانة الإنسان العلمية والعملية، وضعف دوره في الإنجاز الحضاري المعاصر، وكذلك فهي سبب تراجع قدرته على الابتكار والاختراع والإبداع . مع اختلاف على كيفية الخروج من دوامة الشكوى والتشخيص واجترار مرارة الإحباط وظواهره ومظاهره، إلى ساحة رؤية ممكنة التحقق، وممارسة موضوعية متدرجة، تشقان طريقاً للخلاص وتبدأان مسيرة نحو أهدافه النهائية، على أرضية احترام الإنسان وحرياته وحقوقه الأساسية، واحترام العقل والمساواة بين الناس، تحت سقف : الإخلاص للوطن، والانتماء للأمة في واقعها المعيش، وسيادة القانون، واحترام المؤسسات التي تقيم المجتمع المدني وتمهد لقيام الدولة القومية وبناء مؤسساتها ؛ هل يكون ذلك بالشورى والشريعة، أم بالدساتير العصرية الآخذة بالعلمانية، أم يكون بصيغة أخرى يقود إليها الحوار والاجتهاد والإبداع، في مناخ ديمقراطي سليم؟؟.
- إن التمزق العربي، والخلافية السياسية المقيتة، وتوزع المثقفين من أبناء الأمة عليها، وخدمتها وإذكاء نارها، والارتزاق بها، أحد أهم أسباب ضعف المجتمع العربي ومؤسساته، وضعف الوطن ومقومات صموده ودفاعه وبنائه ؛ وهو خلفية كثير من المشكلات والأزمات وربما كان ذلك هو أساس ما نراه من ضعف عام في بلدان العالم الإسلامي، والعالم النامي، اللذين يعلقان أهمية على الوطن العربي ويرتبطان به روحياً واقتصادياً، ويتعلق شأن نموهما وتقدمهما بالطاقة التي يمتلكها ؛ لأن قوته وتماسكه وتقدمه، كل ذلك يشكل صلب القوة والتماسك والتقدم وتحرُّر الإرادة في ذينك العالمين، ويؤثر فيهما سلباً وإيجاباً كما يتأثر بهما .
- إن القدرة البشرية والمالية والاقتصادية والعقلية ـ العلمية، الموجودة في الوطن العربي والمهاجرة منه ـ تلك التي قد يربطها حنين إليه وتعلق به ـ قادرة على تحقيق مسيرة تقدم علمي وتقني وحضاري متميزة فيه، ولكن لا يوجد حتى الآن مناخ علمي ـ عملي ـ اجتماعي ـ سياسي وحياتي) عام، يمكِّن من استقطاب كل تلك القدرات وتوظيفها من خدمة ذلك، وتحقيق حماية لها في أثناء مراحل التأسيس والبناء والإنجاز .
- إن الغرب، بشكل عام رفض ويرفض وسوف يرفض، قاوم ويقاوم وسيقاوم، امتلاك العرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام، لمقومات القوة والعلم والتَّقَانَة المتطورة، تلك التي تجعلهم قادرين على امتلاك القوة والقدرة اللتين تحرران قرارهم السياسي، بتحرير ثرواتهم وأوطانهم وإرادتهم من السيطرة والاستلاب والاستغلال، وتجعلانهم قادرين على امتلاك السلاح الذي يدافعون به عن أراضيهم وهويتهم القومية وثقافتهم وعقيدتهم، ولا يوجد خلاص فردي ـ قطري من أي نوع، فالخلاص العربي يكون جماعياً أو لا يكون .
ولا يجوز النظر إلى قدرة بعض الأقطار على دفع الأذى مؤقتاً عنها، بأشكال الخضوع وإعلان الولاء والمراوغة والاستكانة، أو باختيار حالة انعدام الوزن والسُّكونيَّة، لا يجوز النظر إلى ذلك على أنه خلاص، لأن تلك الأقطار تبقى موضوعة على برنامج الاستغلال والاستلاب بالنسبة للغرب، الذي يرمي إلى إضعاف كل جزء من وطننا على حدة ثم التفرد به . وتلك الأقطار تتيح، باختيارها لذلك المنهج، فرصة لإضعاف جزء أو قطر آخر، وفي ذلك إضعاف للأمة، للكلُ، في النتيجة .
والغرب في تطبيقه لاستراتيجيته الرامية إلى منع العرب والمسلمين، وكثير من بلدان العالم النامي من التعاون لامتلاك القوة، وصولاً للدفاع عن المصالح المشتركة التي لهم، وتحرير قرارهم وإرادتهم، الغرب يركز تركيزاً خاصاً على العرب، فيما يعدّه تهديداً لإسرائيل، التي يتعهد بحمايتها وببقائها وبتأمين تفوقها الاستراتيجي على العرب والمسلمين مجتمعين، كما يتعهد بضمان أمنها بوحي من مصالحه أيضاً، ليمنع العرب من امتلاك مقومات القوة التي تتمثل بقيام :
1 - أي شكل من أشكال التضامن والتنسيق بينهم، فما بالك بالوحدة أو أي مظهر من مظاهرها !؟!
2 - بامتلاك السلاح وتصنيعه والتقدم في تطويره .
3 - بالسيطرة على الثروات الطبيعية وتوظيف القدرات المادية والبشرية في عملية بناء اقتصادي، ولا سيما ما يتعلق بالبترول من تلك الثروات .
إن الحكومات، أو قل معظم الأنظمة العربية، سوف ترفض أي تنازل عن أية مصالح أو خصوصيات قطرية، وعن أية امتيازات وصلاحيات خاصة، وحتى عن هوامش ضيقة في الجغرافيا السياسية، في سبيل عمل قومي عام، بَلْه إسلامي شامل، و " عالم ثالثي ـ أو نامٍ" أشمل . وسيدعمها الغرب الاستعماري في ذلك دعماً مطلقاً، ويرتمي عليها بثقله لتطلب حمايته، أو ستلجأ هي ـ بإيحاء منه أو بوحي مصلحة ضيقة لها ـ إلى قوة تحتمي بها من كل مطالبة لها بأي تنازل عن أي شيء، من أجل بناء قوة أو امتلاك تَقَانَة أو إقامة مؤسسات ومصالح قومية، أو عربية ـ إسلامية عامة . سواء كانت القوة التي تحتمي بها قطباً دولياً قوياً، أو تحالفاً، أو هيئة دولية تأتمر بأمر قوة عالية نافذة القرار والرأي .
والأنظمة العربية سوف تفعل ذلك لأنها تعيش في مناخ الخوف وانعدام الثقة والأنانية وفقدان الرؤية الموضوعية الشاملة، التي يمكن أن تبيِّن طريق الخلاص من خلال الكل، لا من خلال رَوَغَان الجزء ليتملص من التزاماته حيال الكل ؛ لأنها ترى أنه لا يمكنها أن تضمن بقاءها الخاص ومصالح شرائح ضيقة متحكمة فيها، مع نمو الكل القوي قومياً، بكل ما يرتبه ذلك النمو ويترتب عليه .
- إن كل قطر عربي أو بلد إسلامي أو حتى بلد من بلدان العالم النامي، لا يستطيع، في ظل الأوضاع والعلاقات السائدة في عالم اليوم وفي ظل سيطرة القوة الغاشمة والقطب الواحد ذي الطبيعة الاستغلالية القهرية، أن يحافظ على مصالحه واستقلاله وحرية إرادته وقراره السياسي، ولا أن يحقق تقدماً من أي نوع أو تحالفاً يقرّبه من ذلك التقدم ؛ إلا في الحدود التي تسمح له بها القوى الكبرى المسيطرة والغرب ذو المصالح، وأولئك الذين ترتبط مصالحهم بالقوة الوحيدة المهيمنة ويرتبط بقاؤهم وسلطانهم بها وبرضاها عنهم، من أبناء تلك البلدان .
- إن عالم اليوم دخل في دائرة جديدة لا تكاد تتضح معالمها، ولكنها لم تتغير بشكل جذري وربما لن تتغير قاعدتها المستندة إلى مبدأ سيطرة الأقوى، وسياسة نهب العالم الفقير والسيطرة عليه، وفتحه أسواقاً للاستهلاك، وأدوات للابتزاز، ومصدر عمالة رخيصة، ومصادر عامة للموارد والمواد الخام، والثروات الطبيعية والمواد الأولية، التي يحتاج إليها الأقوياء والمتقدمون صناعياً في إنتاجهم .
- إن القرن القادم، كما يعلن قادة القوة الأعظم اليوم والقوى السائرة في ركابها هو القرن الذي سيشهد انهيارات أضخم من تلك التي شهدها القرن العشرون، أي انهيار الشيوعية، والاتحاد السوفييتي، والإيديولوجيا الماركسية وكل ما ارتبط بها وبنيَ عليها، وهم لا يخفون أنه عصر سيادة الأنموذج الثقافي والخلقي والسلوكي الغربي؛ هو قرن سيادة نمط القيمة الأميركي تحديداً، وقد قال سياسيون ومثقفون غربيون بوضوح : إنه عصر انهيار الإسلام والعروبة ضمناً وكل ما يتصل بذلك . وهذا يعني أن الحرب الرئيسة ستقع على الجبهتين الثقافية والاقتصادية، وستكون ترسانة السلاح هي أداة الردع الاستراتيجي الذي يشعّ رعباً وينذر بالهلاك من دون أن يضطر أصحابه لاستخدامه؛ وسيكون لأعداء العرب، وفي مقدمتهم الصهيونية العنصرية، ولأعداء الإسلام التاريخيين، دور كبير يقومون به .
وإن تلك المواجهة ستحتاج إلى طاقة الإنسان الإبداعية المتحررة من كل قيد بالدرجة الأولى، وإلى إمكانات وأدوات تكون في خدمته، وإلى مناخ عمل وإنتاج وحياة، يمكِّنه من استخدام قدراته بإبداع واقتدار، وأن يوظفهما توظيفاً سليماً وناجحاً وفعالاً في الدفاع عن كل ما هو مستهدف في وجوده، ولا سيما ثقافته وعقيدته ولغته وقيمه وكل ما يميز شخصيته ويتصل بمقومات قوته ووجوده .
وعلى الرغم من أن هذه النقاط التي أشرت إليها وكثيراً غيرها مما لم أشر إليه هنا، تشكل برنامج عمل مشترك، أو أولويات شديدة الأهمية بالنسبة للجميع، وجديرة بأن تقدم على كل ما سواها من وجوه الاختلاف، فإن الطاقات الفكرية والبشرية والثقافية والمادية التي تتمثل في ذينك المنحيين الكبيرين المستهدفين إجمالاً، تجعل من هذه النقاط برنامج عمل مشترك لها جميعاً، يقود إليه الحوار على أرضية من الثقة والاحترام، ليكون ذلك مدخلاً للإنقاذ والثبات ولاكتشاف مدى التعاون الممكن بين كل تلك الفئات والاتجاهات أو التيارات والشخصيات، خدمة للوطن تحت سقفه، وتثبيتاً للوجود المهدد على أرضية ثوابته المشتركة .
ولا أريد أن أذهب إلى المدى الذي يذهب إليه من يقولون إن هناك ما يشبه الفرض أو الارتباط الملزِم بالغير أو حتى التبعية الخفية له، وهو ما يجعل ممثلي تلك التيارات والاتجاهات والذين يكونون حركتها وتأثيرها وحضورها اليوم وسلالاتها المعاصرة، أبعد ما يكونون عن الاتفاق والالتزام بالمصالح العليا للجماهير والأوطان، ويديرون ظهورهم تجنباً لرؤية المشترك والمصيري اللذين يمليان عليهم أن يخضعوا كل اختلاف للحكمة وللمصلحة العامة لكل من الوطن والأمة ومستقبل الأجيال القادمة ؛ لا أريد أن أذهب إلى حدود القول إنهم سيبقون قيد التمزق والهزال والاقتتال ويُبقون الوطن والأمة قيد ذلك، ويتركون البلاد والعباد نهباً للضعف ورهناً لاحتلال الإرادة والقرار، والسيطرة على الثروة والمستقبل والمصير، لا أريد أن أمضي إلى ذلك المدى في هذا المنحى، لأنني أريد أن أبني تفاؤلاً هو شرط للحياة ومدخل للخلاص، يقوم على أرضية من الثقة والحرية والاطمئنان والاقتناع التام بأن من يخلص فعلاً للوطن والأمة والعقيدة والحضارة، لا بد له من أن يرى المخرج الذي يجمعه بالآخر الشريك، ولا بد أن يضع يده بيد الآخر الشريك في الشرط الإنساني والمصير القومي والإنساني، على الرغم من اختلافه عنه وخلافه معه . هذا إذا كان كل منهما يخلص للقضايا العامة وللناس ويريد أن يقدم خدماته بتجرد ونزاهة، في مرحلة يعيشها معهم ويعاني فيها منهم ومثلهم، ويرى أكثر منهم كم هم مهدَّدون ومسحوقون، وكم هي المخاطر قريبة وكبيرة .
إنني أدعو إلى حوار على أرضية المشترك العتيد الضخم، وإلى نبذ كل ما يعوق ذلك الحوار أو يمسخه أو يشله، على أن يتم في مناخ يساعد كل المساعدة على تواصل الآخر مع الآخر، وتواصل المجموع مع الواقع من جهة ومع ثوابت الأمة ومقومات شخصيتها وتمايزها ووجودها، ومع قيمها من جهة أخرى .
وربما يبدأ الأمر في حدود شرائح من كل فريق من الفرقاء لا يعصف بها التعصب، ولا يبعدها ضيق انتماء وتطرف وتقوقع، عن رؤية مواطئ الأقدام الآن، تلك التي تثبتهم في أرض الآباء والأجداد، وفي تربة المشترك، في أرض الثقافة واللغة والعقيدة، أرض الأمة العربية وتربتها الحضارية والمصير المشترك الذي يجمع أبناءها .
إن الأوضاع التي يمر بها وطننا العربي ومجتمعنا، وتمر بها أمتنا، وتنعكس على قضايانا المصيرية، وما نرى من تحولات عالمنا الذي نعيش فيه ونتفاعل معه ؛ كل ذلك يلقي على ثقافتنا وأهلها مسؤوليات تاريخية، قومية وخلقية كبيرة وخطير، لا يكفي حيالها أن نقف عند حدود القول الذي ينطوي على نوع من تبرئة الذمة ورفع العتب وتبييض الوجه والصفحة، ولا ينفع أحداً منا في ظلها نزوع إلى دغدغة العواطف وعزف على أوتار النفوس بما يرضيها، لا سيما إذا كانت تلك النفوس ترتع فيما يرديها، والنفس أمّارة بالسوء .
ولا يشفع للأمة وللكثرة الكاثرة من أبنائها ذهاب الثقافة والمثقفين في التنبؤ والتوقع وتفتيت أكباد الاحتمالات إلى المدى الذي يصبح فيه القول مقامرة والعقل مغامرة؛ فما وصلنا إليه يقدم لنا وقائع لا يمكن القفز فوقها، بالنسبة لمن يريد أن يواجه واقعاً سيئاً بهدف تغييره نحو الأفضل. وما تعرضت له أمتنا في تاريخها الحديث، بَلْه القديم، وما مر بنا بالأمس القريب، وما يدور حولنا وبين ظهرانينا فيحرقنا بناره أو يجثم علينا بثقله، ييسر لنا أن نقرأ الحوادث ونستقرئ التجارب، ونتقرَّى ما يُرسم لنا وما يُراد بنا؛ ويمدنا أيضاً بمعطيات لا ينقصها التوثيق، الأمر الذي يجعل استنتاجاتنا منطقية وواقعية إلى حد كبير، نرى في ضوئها ما ينتظرنا يتفتق من نفوسنا وعلاقاتنا وأنظمتنا، ومن نظرة الآخرين لنا ومعرفتهم بنا، عبر ما قبلناه وعشناه وعانينا منه، وتجرعناه بصبر واحتمال لا تقدر عليهما حتى الجمال، وكدت أقول الجبال.
وقد وفر لنا ذلك القدر من الصبر استعداداً طارئاً علينا للخضوع والخنوع، مما لم تعرفه شيمنا ولا تقره عقيدتنا وقيمنا .
وكل هذا الذي نحن فيه، وذلك الذي نقبل عليه، يضعنا أمام واقع وضرورات، لا مناص لنا من مواجهته ومواجهتها بموضوعية وواقعية وإمكانات، حيث لا يفيدنا في تلك المواجهة " كنا، وكان لنا" ولا تقدم لنا " الممكنات " التي طالما بنينا عليها وتعلقنا بها، قدرة تغيير حقيقية فاعلة ؛ فالممكنات تبقى مقيدة بقيود احتمالية، وتستند إلى أسس، لَبِنَاتُها من التوقعات ومداميكها من التخرّصات، وهي مشروطة على نحو ما بـ"لو" تلك التي ترشح منها حسرات " حتى"، وتلاحقنا كما لاحقت نُحاتنا قديماً إلى القبور .
فالواقع الذي لا بد من أن نتجاسر وتنظر إليه نظرة قوامها الاستيعاب والتمحيص، وندقق في تفاصيله على الرغم من قتامة المنظر، واقع ينضح مرارة وكآبة ولكنه يزهر بالإمكانات، ويكاد ينعدم فيه توظيف واع عبر تكامل شامل لتلك الإمكانات ؛ الأمر الذي يجعل الإمكانية المرشحة لتكون عامل قوة وبناء، معرضة لتغدو عامل ضعف وهدم وفناء.
وذلك الواقع في مستوياته المختلفة : الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، يشكو من أمراض وأورام وفساد، وما زالت فيه إمكانية للإحساس بالألم ورفع الصوت تعبيراً عن الوجع والغضب، فهو لم يمت فيه الإحساس بعد . ولما كان الجسم الضعيف لا يقاوم المرض، فمن باب أولى ألاّ يملك القوة اللازمة للعمل والإنتاج ولردع القوة التي تستخدم لردعه وقهره ؛ وعندما يزداد ضعفه يصبح بؤرة تتكاثر فيها جراثيم الضعف فتزيده هزالاً وتآكلاً وتفسخاً .
1 - فالبنية الاجتماعية تشكو، في أقطارنا العربية، من ظاهرة تكاد تكون عامة، هي ظاهرة فقدان المعيار الخلقي _ القيمي السليم الذي يحكم السلوك والعلاقات والصلات بين الأفراد والأسر والجماعات، ويكوِّن العمود الفقري لضمير فردي وجمعي حي، يعرض الفعل على محكمة ذات وجود ونفوذ _ إلاّ فيما ندر من الأماكن في الوطن ـ ولا يتوقف تأثير ذلك عند حدود . فالكيان الروحي للفرد والأمة يتآكل في مثل هذا الوضع، وتصبح المثل العليا والنماذج القدوة، في التضحية والسلوك والبطولة، مثل تماثيل الجاهليين التي صنعت من التمر، في معدات أتباعها بعد أن كدّهم الجوع، وتنحسر الطموحات والتطلعات، وتتقوقع الإرادة وتتراجع وتضمر، وتضعف النفوس، وتنمو القابلية لتسويغ المنقَصَة والمذلة والهزيمة وأشكال الخواء الروحي والعقلي والاجتماعي، وتصل إلى أفضل مستوياتها في الأداء السلبي .
وبنية اجتماعية وروحية كهذه، يزداد فيها استعداد الفرد للاستهلاك والتقليد والإتباع، ويقل في مناخها إنتاجه كما تقل مبادراته، بَلْه إبداعاته ؛ وتراه يستسلم في ظلها شيئاً فشيئاً لإحساس يشتد في أعماقه بعدم الجدوى من بذل أي جهد للَّحاق بالمتقدمين والمبدعين والمعاصرين، فيدمن تقليدهم ومجاراتهم في استهلاك ما يستهلكون، ويدخل من هذا المدخل وسواه إلى ساحة الإحساس بالدونية ويعكف على تسويغ ذلك وإدمانه ؛ وربما لاحظ في لحظات قدرته الفائقة على التسويغ، وربما أطل في لحظات أيضاً ورأى عمق الهوة التي يشارك هو في صنعها، تلك التي أصبحت تفصله عن الواقع والعصر ؛ ولكنه لا يلبث أن يستسهل السهل، بدلاً من أن يستسهل الصعب بطموح وعمل يوصلانه إلى حيث مراتب النفوس الكبار، أقول يستسهل السهل ويبقى حيث هو .
وإذا محصّنا شرائح من البُنَى الفردية أو الاجتماعية، وجدنا، بين نسيج ونسيج، فيضاً من الإحباط المتعدد المصادر والمنابع، يشكل طبقة عازلة تحول دون تلاحم نسج الكيان تلاحماً يمكّنه من استعادة حيويته وإحساسه بقدراته وبالواقع المحيط به، ومن تقدير احتياجاته للخروج من شرانق تُنسَج من حوله.
- في التربية والتعليم فيض من الإحباط يمتد بين الأسرة والجامعة، ومن سن الطفولة إلى سن الرجولة، ويكمن في المناهج والطرائق والوسائل والمعلومات، وفي أساليب الممارسة والتعامل، عندما ينتقل المرء من ميدان التعلم إلى ميدان العمل في الحياة.
وإلى جانب معلوماتنا التي تتضخم فيها الجوانب النظرية، تقف شعاراتنا السياسية والفكرية التي تتابع طريقها بنا، وتزيد الهوة عمقاً واتساعاً بيننا وبين النظرية والممارسة، الشعار والتطبيق العلمي له، في واقع الحياة .
- في محيط الأسرة يَلْبَسُ الشخص قناعاً، وفي محيط العمل يَلْبَسُ قناعاً آخر، وحين تكون الأسرة أو الشخص في محيطهما الاجتماعي، يكون لها أو له، سلوك وعادات واعتبارات أخرى، هي بمثابة القناع الذي لا يلبث أن يغيره ويصنع سواه في محيط آخر ومجتمع آخر وفي زحمة هذا التغيير والتلوين يكاد لا يعرف المرء والمجتمع له وجهاً من قناع .
- بين العمل والعبادة تكاد حجب كثيفة ترسل، عند أشخاص كثر وفي شرائح اجتماعية كثيرة، وفي أوساط أخرى هناك جدار بين المرء والعبادة وبين المبادئ والتعامل . شخصان على الأقل في كل منا، واحد " مهذب " إذا ما ذُكرت الأخلاق والعقيدة والمبادئ والشعارات، وواحد مغاير تماماً، صفه كيف شئت وتخيله بإبداع، إذا ما ذُكرت المصالح والمنافع والسلطات والطوائف والحزبيات والعصبيات المريضة .
والسعي وراء " أمن من جوع وخوف " يطحن معظم الناس في معظم الأقطار، إن لم أقل فيها كلها، ويفعل فعله قبل ذلك كله وبعد ذلك، ويصنع لنا تصاوير يومنا وتلاوينها، ويمنح لوجوهنا " ملامحها" في كل صباح، وعند كل واقعة أو إنذار أو صيحة شعار .
وعلى عتبة التزاحم المر على متاع الدنيا ؛ الذي رفعته حياة، غابت فيها الروح وحضرت المادة، إلى مرتبة الهدف السامي ؛ تسقط مثُلٌ كثيرة ونفوس كثيرة وطموحات وأحلام وقيم وتطلعات، وفي النهاية، تسقط أوطان ونسقط معها ؛ نبحث في الوحل الذي سقطنا فيه عن كرامة ووجه وروح، ولات حين بحث أو ندم، فمن نكون عند ذلك لنبحث عن "نحن"؟!؟
2 _ والبنية الاقتصادية تراوح في أقطارنا العربية بين التبعية والنهب والضعف والاستلاب، ولا يوجد أمل لاقتصاد أي قطر عربي في أن ينمو ويزدهر ويحقق كفاية واكتفاء، في حدود قطره لمواطني ذلك القطر ؛ ومعظم السياسات العربية تقول ذلك، ومعظم الخبراء يقولون هم والسياسيون : إن إنقاذ اقتصاد الأمة العربية يكمن في تكامل ذلك الاقتصاد، ووجود سوق عربية مشتركة، وإنتاج على مستوى قومي يستطيع أن يحقق حضوراً وإنتاجاً نوعياً، ومزاحمة في الأسواق، وكفاية لحاجات الناس ؛ ولكن شيئاً من ذلك لا يتحقق. ونخوض في بعض أقطارنا خضم الجوع ونجر نير الحاجة ولا نقول لأخ لنا : لا حياة لنا إلا بك ولا حياة لك إلاّ بنا . في حين نقول ذلك للذي يأتي من خارج الوطن ومعه كيسه وسيفه، ونعرف أنه سوف يستغلنا، نقول له ذلك بعيون مغرورقة بالدموع، دموع الفرح والرجاء والثقة والشكر؟!؟.
في الأقطار العربية يخضع الاقتصاد القطري لتبعية من نوع ما لبلد أو لبلدان غير عربية، ويخضع لاستلاب من نوع ما أيضاً، ولا يكاد أحد يرفع صوته احتجاجاً نافعاً فاعلاً على ذلك ؛ في حين تصبح للعربي، إذا ما تعامل مع العربي وتبادل معه المنافع والمصالح، أنياب وأظافر، ويُسمع له صوت زئير يعلو، ويثرى له فعل يصل إلى حدود التفنن بأنواع الإساءة والقتل والفتك !! وفي الأقطار العربية تجارات رائجة ولكن لا يمكن أن ترقى إلى أي شكل من أشكال المقارنة، إذا ما قيست إلى ما يتم بين أقطارنا العربية وبين البلدان الأخرى من تجارة، إذ لا يكاد يصل حجم الميزان التجاري بين قطر عربي وآخر إلى 10% من قيمة تجارة أي بلد عربي!؟
في البلدان العربية الغنية منها والفقيرة أموال مودعة في المصارف الأجنبية، وأموال مستثمرة في أماكن شتى من الكرة الأرضية؛ ولكن نسبة قليلة من المال العربي تستثمر في الوطن العربي . وليس هذا الأمر وقفاً على الدول العربية الغنية، بل ربما كان العكس صحيحاً، إذ أن النسبة الأعظم من أموال المالكين في بلدان عربية فقيرة تودع خارج الوطن العربي، وتُسْتثمر خارجه، وعلة ذلك تكمن في الأمان والاطمئنان، وفي أمور أخرى، ذوو الشأن بها أعرف وأخبر وأدرى ؛ ولكن معاناة الناس البسطاء من ذلك كله نحن بها أعرف وأخبر وأدرى: فكم من الأسر وكم من الأطفال وكم من المحتاجين، وكم من مؤسسات البحث العلمي والجمعيات الإنسانية تحتاج إلى ما يبقي نبض الحياة فيها مستمراً، ولا أقول أو بالأحرى لا أذكر، حقها في التطلع إلى امتلاك القدرة على الحياة والتقدم والسعادة والمزاحمة، في ميادين العصر المختلفة .
3 _ ولا تقل شكوى البنية الثقافية العربية عن سواها من البُنَى، من حيث الاحتياجات، وانعكاس العلل والأدواء والسياسات عليها سلبياً . وإذا كان المجال هنا يضيق على الرغبة في التوضيح لا في التوسع، فإن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى أن هذه البنية هي الوحيدة التي ما زالت تعتبر أرض العرب المشتركة، التي استعصت ـ حتى الآن ـ على التجزئة والتقسيم وتملك مقومات صلابة وتماسك ومقاومة، في مقدمتها اللغة العربية التي صانها القرآن واحتمى بها عرب ومسلمون في وقت من الأوقات، فعصَمَتْهم لعصمة فيها .
وهذا الوضع الذي تمتاز به الثقافة العربية بين سائر البُنَى الأخرى، ليس وضعاً محصَّناً إلى حدود المكابرة أو المجاهرة بعدم إمكانية حدوث اختراق له ؛ فالثقافة العربية تعيش منذ عقود محنة التبعية للخلافية السياسية العربية وتكاد تفقد استقلاليتها، ومن ثم حضورها القومي الفاعل المتماسك في ساحة صنع القرار السياسي العربي بصفتها قوة تمثل القيم والثوابت العربية والمصلحة القومية العليا، وسلطة وعي تقدم حال الناس وتطلعاتهم، وبوصفها جبهة قادرة على فرض احترامها، من خلال حيادها الإيجابي، في معترك الخلافات العربية المميتة .
ولأن الثقافة، وقفت وما زالت تقف هذا الموقف من السياسة، أي موقف التابع ـ ولا أقول أصلاً بضرورة الفصل أو حتى بإمكانيته بين السياسي والثقافي ـ فإنها أخذت تتأثر بالسياسة القطرية تأثراً بالغاً ضاراً، تلك السياسة التي استطاعت أن تجزئ الأرض والناس والاقتصاد، وأقامت الحدود والسدود والقيود، والجيوش التي تحمي ذلك قبل أن تحمي حق الأمة وأرضها من الانتهاك والاغتصاب الخارجيين ؛ أقول إنها أخذت تتأثر بالسياسة القطرية، أو السياسات القطرية، الساعية إلى إقامة سياسات ثقافية قطرية، على الرغم من تبنيها لخطة شاملة للثقافة العربية وإبقائها على منظمة واحدة للتربية والثقافة والعلوم . ومن الملامح الواضحة لذلك التأثر ظهور أحاديث وتنظير وتأريخ لأجناس أدبية في إطار كل قطر من الأقطار العربية، كأن تتحدث عن القصة السورية، والشعر التونسي، والرواية المغربية، والمسرحية اللبنانية ...إلخ، والتطلع إلى اقتسام التاريخ الثقافي العربي القديم، أو تقسيم تاريخ الثقافة العربية على الجغرافيا السياسية العربية الحالية . فقد بدأ كل قطر بالبحث عن أعلام ومواقع وملامح وخصوصيات ثقافية، وربما عن هوية خاصة، ذات جذور عميقة وبعيدة الغور في القديم بُعْدَ وجود الإنسان العربي ذاته والثقافة العربية ذاتها في التاريخ، ليقيم من ذلك وتأسيساً عليه، تاريخاً للجزء على حساب تاريخ الكل، وليصنع هوية قطرية للأدب العربي على حساب الهوية القومية التي له .
وقد بدأ السير على تلك الطريق يستقطب كثيرين من المهتمين والعاملين في حقل الثقافة المتماهية مع السياسة، أو قل التابعة لها، في أقطار الوطن العربي اليوم . وما عاد حديث الأدباء والكتاب والمثقفين والشعراء العرب الحديثين ـ ولا أقول المعاصرين ـ الذين ما زلنا نعيش مباشرة على إنتاجهم، ونستنشق هواء دعوتهم القومية الوحدوية التحررية والتحريرية، أقول ما عاد حديث أولئك يغري بالإتباع ولا جهدهم وإبداعهم يشكل معْتَصَمَاً وعروة وثقى.
وإذا كان الأمل ما زال معلقاً على الثقافة التي تعتبر حصننا الأخير في هذا العصر العربي البائس بكثرة فإن دار الثقافة العربية تُغزى بالمرض الذي يتسلل إليها بكثرة، على الرغم من مقاومتها لتسلله من آن لآخر بالوعي . وليس علينا من بأس إذا ما دعونا إلى الاعتصام : بأرض الثقافة العربية، وثوابتها، وتاريخها النضالي العظيم، وقيمها، ومقوماتها العريقة ؛ ونحن نرى إلى السوس ينخر جبهات عربية ومستويات عمل وقيم عربية كثيرة، ويكاد يحيلها إلى أعجاز نخل منقعر.
أما السياسة العربية فتبدو أم الخلاف وبيت الداء، ولكن هل باختيارها واختيار أهلها هي كذلك ؟! أم أن ذلك مفروض عليها فرضاً، مرفوض منها رفضاً، ولا تستطيع له صداً أو مقاومة ؟؟ هل هي ضالعة راضية بذلك الضلوع، راغبة في تمويهه لتظهر شيئاً وتخفي أشياء عمن يعنيهم أمر ذلك، أم هي تغرق في بحر القهر ولا تملك حتى أن تصرخ ؟! وهل هي قادرة على مواجهة التحديات لو أرادت مواجهتها حقاً وصدقاً ؟؟ أهي قادرة فعلاً ولا تريد، أم أنها تريد ولا تقدر، أم هي عاجزة ولا تصرح بعجزها ؛ الأمر الذي يجعلها بعين البعض موضع شبهة ؟؟ كل ذلك وغيره أيضاً يدور في الذهن وليس من الفطنة أو الحكمة استبعاده .
من المعروف أن الوضع السياسي العربي الذي لم يكن حسناً إلاّ في فترات استثنائية وقليلة، يمر الآن بحال من أسوأ الأحوال في التاريخ المعاصر، لا سيما بعد حرب الخليج الثانية والانهيارات والمتغيرات التي اجتاحت عالم اليوم وما زالت تجتاحه وتعيد ترتيبه في أفلاك جغرافيا سياسية لم تأخذ شكلها النهائي بعد. وفي هذا المناخ الذي يتسم عموماً في الوطن العربي بـ :
- تبعية شبه تامة للقوة السياسية الوحيدة الأعظم في العالم، مع مراعاة نسبية للإرادة والمصلحة الأوربيتين .
- انعدام الثقة بين كثير من الأقطار والحكام والسياسات، على أرضية أزمة الخليج وحربه، وانعكاسات ذلك على الأوضاع العربية كلها.
- اضمحلال الحس القومي والرادع القومي على حد سواء، وضمور الدعوة الوحدوية والتشكيك بجدواها، وهزال دور المؤسسات القومية وتهميشها كلياً، لا سيما جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والإدارات التابعة لهما، وكذلك الاتحادات ذات الطابع القومي التي تمثل وجه العمل العربي العام ونواته .
- تعاظم الاهتمام بالمنظمة الدولية ومؤسساتها، لا سيما مجلس الأمن، في حركة واضحة الدلالة، ترمي بالدرجة الأولى إلى إظهار الاعتماد على قوة دولية تحمي الدولة القطرية من أية قوة عربية قد تهددها أو تضعفها أو " تبتزها " تحت أي شعار قومي . والاهتمام بالمجتمع الدولي في مواجهة المجتمع العربي وما قد يرفع باسمه من شعارات، وما قد تظهر لأجله من دعوات . وما ذلك الاهتمام، بعد الذي رأينا ونرى، إلا نوع من تكريس الضعف وإفساح المجال ـ بوعي أو من دون وعي ـ ليقوم الغرب، باسم المجتمع الدولي، بإعادة استعمار المنطقة وتنفيذ مشاريع " إسرائيل " فيها .
- نمو الدولة القطرية وتعزيز مكانتها وقوتها وجغرافيتها ومصالحها، ولا سيما بوجه النزوع القومي، وازدياد سطوة السلطة التنفيذية في الأقطار العربية، على حساب سائر السلطات في الدولة، وتجسّد تلك السلطة في شخص أو أشخاص يصبحون الكل والوطن والإرادة والقرار .
- تجذّر وانتشار : الخوف، المصلحة، الاستقلالية القطرية [ـ هنا بوجه المصلحة القومية ـ الأنانية ]، النزوع نحو الغرب ونحو الغير من غير العرب في الصلات والعلاقات والتصرفات والسياسات العربية .
- انتهاج سياسات، ووضع استراتيجيات " عسكرية واقتصادية " على وجه الخصوص لا تأخذ بالاعتبار المصلحة العربية المشتركة، ولا تحسب أي حساب للرأي العام العربي، الذي كان مرهوب الجانب في يوم من الأيام ويؤخذ رد فعله بالاعتبار ؛ ولم يصل الأمر بعد إلى درجة المجاهرة برفضه واحتقاره، وإن كانت الممارسة تشي بذلك .
في ظل هذا الواقع، الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الدولة القطرية حتى لو ساد بسبب ذلك نمط الدولة البوليسية، في ظل هذا الواقع تُبني العلاقات السياسية العربية أو تُمَارَس، ولا ينقصها أبداً مراعاة شعارات معينة مراعاة شكلانية آنية آخذة بالزوال، كما لا ينقصها الزعم بأنها لم تتنازل عن الانتماء القومي أو القضايا القومية عندما تسأل بجدية عن ذلك . ومما لا شك فيه أن لهذا كله انعكاساته على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العربية، وله أيضاً انعكاساته الخطيرة على القضايا العربية التي تحتاج إلى حضور عربي شامل وتماسك قوي، مثل الصراع العربي الصهيوني وقضية فلسطين ؛ وقد ظهر تأثير ذلك وما زال يظهر، في مسيرة مؤتمر "سلام الشرق الأوسط " على الأقل .
وإذا أضفنا إلى ما سبق وأشرت إليه من سمات واهتمامات، نظرة النظام السياسي العربي إلى المواطن العربي، وتعامله معه، والممارسات التي يقوم بها نحوه، ونظرته إلى الأفراد وحقوقهم وحرياتهم ودورهم في التعبير عن الرأي والموقف، ومشاركتهم في القرار، وفي التعبير عن صدق الانتماء، وما يأخذه بالاعتبار عند رسم السياسات الداخلية وتنفيذها وترتيب أولوياتها، إذا ما فعلنا ذلك، نصل إلى مقاربة لتصور عن الواقع السياسي العربي، تمكننا من النظر بجدية إلى الاستنتاجات والوقائع الآتية:
1 - إن خوف الأنظمة السياسية العربية بعضها من بعض يجعلها تعتمد على القوى الكبرى التي تحميها، ولذلك تقوم بتمتين علاقاتها مع تلك القوى ولو على حساب مصالحها القطرية وحرية قرارها السياسي وإرادتها . ومن تحصيل الحاصل أن يتم ذلك على حساب المصلحة القومية كلما اقتضت المصلحة القطرية ذلك، وعلى حساب المصلحة القطرية كلما اقتضت مصلحة النظام في أي قطر ذلك أيضاً .
2 - إن هذه التبعية القائمة على الخوف والمصلحة الضيقة، تجعل معظم ما يتخذ من قرارات عربية، ثنائية أو عامة، محكوماً على نحو ما باستراتيجية القوة المسيطرة ومصلحتها، وهو لا يخدم إلا مصالحها المباشرة أو غير المباشرة في نهاية المطاف، سواء تم ذلك بالإيحاء أو بطلب علني يُفرض بأشكال مختلفة ؛ وهي في النهاية قرارات تخدم مصالح القوى المسيطرة بالدرجة الأولى، وقد تلتقي في حالات مع مصالح قطرية، ولكن لا يمكن أن تلتقي مصلحة القوى المعادية للأمة العربية مع قرارات وسياسات قطرية من شأنها أن تعزز مكانة الأمة وتبني قوتها وتقيم أسس تقدمها .
3 - إن الرؤية الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية، التي تقوم على أساس قطري، لا يمكن أن تقدم حلولاً شاملة للمشاكل القطرية على أي مستوى، مهما بلغ حجم القطر العربي وعدد سكانه ومساحته وموارده، لأنه لا يوجد في عالم اليوم إمكانية لاكتفاء من أي نوع في نطاق الدول الكبيرة نسبياً، فكيف يمكن أن يقوم مثل ذلك الاكتفاء في أقطار هي مقتطعات جغرافية وسكانية واقتصادية الخ من أرض مشتركة، أرض الوطن الكبير وجسم الأمة المتكامل !؟ وكيف يمكن أن يحقق أي قطر عربي خلاصاً وتقدماً من أي نوع، وهو محروم من التعامل والتواصل، ومن أن يتكامل فعلياً مع النسيج المتمم لكيانه ولمجاله الحيوي ؟؟.
4 - إن السياسة العربية القائمة على القطرية، والولاء للغرب، والتسليم بسطوة نظام القطب الواحد وتفرده، واعتماد النظرة القطعانية إلى الجماهير، والتي تبني تصرفاتها على الخوف، من الأخ، وعدم الثقة بالقريب جراء واقع وتجارب أو خطط آتت أكلها جيداً ؛ إن تلك السياسة القائمة على تلك النظرة لا تبني ولا تهتم بأن تبني مستقبلاً قومياً مشتركاً لها، لأنها أسست مستقبلها ورتبت لبقائها، على أسس مغايرة للمنظور العربي المشترك ؛ وإلا كيف نفسر بقاء الجامعة العربية ـ والسوق العربية المشتركة ـ واتفاقية الدفاع العربي المشترك ـ والتضامن العربي ... الخ وكل صور العمل العربي منذ تأسيس الجامعة في الأربعينيات من هذا القرن وحتى يوم الناس هذا ؛ كيف نفسر بقاء ذلك في مهده، وعجزه عن تحقيق خطوة واحدة بناءة ومثمرة على طريق الوحدة، على الرغم من وجود كل المسوّغات والدوافع والعوامل والمقومات، التي تجعل من ذلك العمل ضرورياً وقابلاً للتقدم والنجاح، أقصد العوامل المادية والتحديات الخارجية ؟؟!
5 - إن السياسة العربية لم تضع خططاً وبرامج تنفيذية جادة من أجل إقامة المؤسسات القومية القوية القادرة على ترجمة خططها وبرامجها ومواثيقها واتفاقياتها، على المستويات المختلفة، إلى واقع يفرض نفسه في الحياة العربية، سواء أكان ذلك عن عجز منها، أو عن عدم رغبة، أو انطلاقاً من عدم إيمان بالعمل العربي المشترك وعدم اكتراث به . ويمكن أن نأخذ تجارب ثنائية وثلاثية ورباعية، وما هو أكثر من ذلك في التاريخ العربي المعاصر، هدفت إلى إقامة علاقات أو تجمعات اقتصادية وأشكال من الوحدة والاتحاد والتعاون، ولكن القليل منها هو الذي حقق شيئاً على مستوى الطموح، في إطار المؤسسات القادرة على التنفيذ ومتابعة العمل، وإنجاز شيء ملموس ينعكس على الناس خيراً وقوة وأمناً وسعادة ومتعة .
6 - إن كثيراً من مقررات القمم العربية، على رفعة شأنها وهيبتها وأهميتها، على الرغم من الإجماع عليها، لم تتحقق!! وللمرء أن يسأل لماذا وكيف ؟ وإن كثيراً من القرارات والتوجهات القومية ذات الخطورة وذات الانعكاس الإيجابي على الحياة العربية والقضايا المصيرية، كانت تواجَه باعتراضات سياسية عليها، سافرة أو سرية، من دول وقوى ذات مصالح ونفوذ، مما أدى إلى عدم تنفيذها أو إلى إيقاف ذلك التنفيذ، أو إلى تشويهه وعرقلته .
إذن القرار السياسي العربي، والقرار الاقتصادي العربي، والإرادة العربية، كل ذلك ليس بيد الساحة القطرية، ومن تحصيل الحاصل ألا يكون في خدمة المصلحة العربية العليا، ويصور للأقطار أو يظهر لها على أنه ليس في مصلحتها ممارسة سياسة نجعل الجزء في خدمة الكل للمنفعة القطرية أو القومية، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على مجالات العمل العربي ومحتوياته بأشكال مختلفة، في معظم الأقطار وفي معظم المجالات، فضلاً عن انعكاسه على منزلة الأمة بين الأمم، وعلى كرامتها وحقوقها ودورها الحضاري .
وقد وصلنا بعد كل الفعل العربي العتيد، إلى ما نحن فيه الآن وما نحن عليه، من أوضاع وأزمات وعلاقات، وهي أوضاع لا ترضي، بدليل امتعاض معظم الناس منها، وشكوى السياسيين أيضاً مما آلت إليه القضايا الكبرى والعلاقات العربية جراء ذلك، فهل هناك استعداد جدي للخروج مما نحن فيه ؟ وهل يراد لنا أن نخرج منه أصلاً ؟ وهل ملكنا الرؤية الواحدة لكيفية الخروج والعزيمة الصادقة على فعل ذلك ؟! أو هل نرغب في أن نصل إلى شاطئ سلام وأمان فعلاً ؟ أم أن كثيرين منا يريدون الخروج على حساب إخوة لهم، ويريدون الخلاص، على أن يدفع غيرهم ثمن ذلك الخلاص ؟!
أياً كانت الأجوبة على تلك الأسئلة المرة، فإن كل خلاص فردي أو قطري للعرب هو خلاص آني، وهو أدنى لأن يكون هدنة في قتال، أو استراحة في طريق صعبة، أو فجوة في فضاء كابوس، أو ورطة مفخخة، إنه إغراء بتصور للنجاة، ينطوي على تأخير في تنفيذ إجراء الفناء، الذي ليس بالضرورة أن يكون فناء جسدياً دائماً، إذ يكفي أحياناً أن تفنى الإرادة ويزول الإحساس بالكرامة والهوية والتمايز والاستقلال، كما يكفي في كثير من الأحيان أن يزول الحضور الفاعل، وتغرس الدونية في النفوس إلى الحدود التي يشعر فيها الفرد أو القطر بعدم جدوى القيام بأيّ عمل لتحقيق التقدم والخلاص، والوصول إلى حالة استقرار وتوازن نفسي وروحي، وشعور بتساو وتعادل مع الآخر في الحرية والكرامة وامتلاك العلم والتَّقَانَة، وسائر مقومات النجاح والسعادة، للإحساس بمعنى الحياة الحرة في وطن حر .
إن ذلك يملي علينا أن نفكر جدياً ونعمل لمواجهة ضرورات تفرضها علينا الحياة والتحديات، ويفرضها كوننا نعيش مع الآخرين في عالم لا يعرف التوقف ولا يعترف بالجمود، عالم محكوم بالصيرورة على مدى السيرورة، ولا يحملنا معه في قطار ينقل الناس دائماً إلى المستقبل المتجدد أبداً بالوعي المعرفي وبامتلاك أدوات التقدم ومقوماته والاستعداد للتضحية من أجله، إن لم نكن مؤهلين لذلك حريصين عليه.
وإذا لم نفعل ذلك من أجلنا فلا أقل من أن نفعله من أجل أولادنا وأحفادنا، الذين لا بد أن يكون لهم وطن وكرامة وهوية يحملونها، وخصوصية يعتزون بها، ومكانة يدافعون عنها، ومشاركة في الحضارة الإنسانية يقومون بها ويتطلعون إليها، انطلاقاً من تاريخ لهم، أثّلَهُ الأجداد في بناء الحضارة، وهم ورثة ذلك التاريخ ؛ وانطلاقاً من حتمية عيش مع الناس، في حياة تدعو أبناءها دائماً لإثبات حضورهم فيها، وتعرضهم لامتحانات صعبة لإثبات ذلك الحضور، وتحرضهم كما تحفزهم على التعبير عن ذواتهم وتمايزهم وحيويتهم، إذ بذلك يعيشون حياتهم بامتلاء .
وبين يدي تلك الضرورات أجدني مشدوداً إلى تأكيد الثوابت الآتية:
- إننا عرب، هكذا نحن وهكذا عُرفنا بين الناس، لنا تاريخ وشخصية ثقافية وحضارة، وكل ذلك يحمل سماتنا وخصوصيتنا ويدل على مشاركتنا في الحضارة الإنسانية ؛ ولنا في التاريخ البشري مساهمات من أغنى وأقدم ما عرف ذلك التاريخ، وسنبقى عرباً وسيبقى لنا تاريخ لا يخجل به التاريخ، ولا نخجل نحن به أمام أحد، مهما كان من أمرنا اليوم ومن هزال حاضرنا، وقتامة بعض مراحل تاريخنا، وسقوط بعض نماذجنا القيادية . فكل أمة وكل تاريخ، فيها وفيه، مثل تلك المراحل والحالات والنماذج، وعلى من يفكر في ذلك، ويريد تاريخاً مثالياً ويعتقد بوجوده، أن يقدم لنا ذلك التاريخ أو تلك الأمة، الأنموذج؟!
أما نحن فنرى أن كل تاريخ الأمم سجل هزالاً في مراحل، وسقوط نماذج وبعض انهيارات، عبر دورة الحياة ودورة الحضارة المستمرتين، منذ وجد الإنسان على الأرض ومنذ بدأ صناعة التاريخ .
- إن مستقبلنا المشترك سيبقى أمامنا، تقودنا إليه طريق يحدد معالمها: ماضينا وحاضرنا وإرادتنا في آن معاً . ولن نبدل هويتنا ونحن نبحث عن طريقنا التي تقودنا إلى الفلاح والنجاح، فنحن سنبقى أبناء العقيدة الإسلامية السامية، وأتباعها، وأهل العربية العريقة وأشياعها، وأصحاب التراث الغني، والتاريخ الحضاري العهيد، وستبقى لنا عاداتنا وأعرافنا وتقاليدنا وخصوصيتنا التي نتمسك بها، تلك التي لا تعيبنا في شيء، وسنبقى أصحاب ذلك التسامح القومي الذي يعزز إيماننا بالقول الكريم " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .
- إن الذين يحملون العداء لنا ولحضارتنا ولدورنا ولما تمثله ثقافتنا عبر التاريخ، لن يكفوا عن مناصبتنا العداء، وقد وجدوا من أنفسنا أنصاراً لهم علينا، في كثير من الأحوال، وقد عبثوا بالضعفاء منا ونمت قوتهم بضعفنا وتخلفنا، ولن يتركونا من شرهم ؛ وليس لنا إلا قبول هذا التحدي، أو التنازل لهم عما نملك وعما نمثل من عقيدة وثقافة وهوية. ولن تكون لنا قدرة على المواجهة إلا بانطلاق من ذواتنا وبالاعتماد على ذواتنا وإمكاناتنا وبتعزيز انتمائنا لواقعنا وأمتنا، ولن يكون خلاصنا أو نصرنا إلا جماعياً، فحال الفرقة هي الحال الأمثل لتغلغل سرطان العدو في كياننا والهزيمة في مواجهاتنا وفي نفوسنا على حد سواء .
- إن جوهر خلاصنا يكمن في إخلاصنا لحقيقة أن العلم، والعمل به، على أرضية من الإيمان بالله وبالذات، هي الحقيقة التي تبدأ بها طريق مواجهة الواقع بهدف تغييره، ومكاشفة الذات بالضرورات التي ينبغي القيام بها على مستويات شتى، ابتداء من النفس وانتهاء بالوطن مروراً بالغير ؛ وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
أما الضرورات التي أرى ألاّ مناص لنا من مواجهتها بمسؤولية ووعي، وبوتائر من التنمية قادرة على تحقيق نقلة نوعية في واقعنا وسلوكنا وردودنا على الأحداث، وفي تصدينا لما يفرض علينا من صراعات وتحديات ؛ فهي ما سوف أشير إليه هنا، وهو لا يعدو كونه اجتهاد فرد يخطئ وقد يصيب، وتطلعات مواطن عربي يتجرع كؤوس هذا الزمن العربي الرديء ويكتوي بنار ما يرى ويسمع، ويخشى الآتي وتطوراته ومفاجآته وتفاعلاته، على أرضية عربية " بشرية ـ مادية ـ نفسية " لم تُعدَّ ولم تستعد لذلك الآتي، بالقدر الذي يمكِّن من دفع أذاه والتخفيف من بلواه .
وهو مع ذلك لا يفتأ يتردد على ساحة الحلم يحدوه الأمل، وفي كل مرة يتردد فيها على تلك الساحة يصاب في الصميم، ولكنه لا يزال يتردد ويردد مع متمم بن نويرة :
وكنت كذات البَوِّ ريعَت فرجَّعَت ولا ينْفَعَنْها نظرةٌ وشميم
أطافت فسافت ثم ريعت فرجَّعَت ألا ليس عنها سجرُها بصريم
ولا يرمي ما سأشير إليه، إلى أي نوع من أنواع الحصر والإحصاء لضرورات ملحة، يمليها علينا واقع، نعاني منه وفيه، أشد المعاناة، وتمنعنا المعوقات الكامنة فيه من مجاوزته نحو ما نرى أن فيه خيرنا وصلاح أحوالنا وتلاؤمنا مع عالم يفرض علينا ضرائب العيش فيه، وفي عصر يُقبل علينا بما لا طاقة لنا به، ونُقبل عليه بما لا يؤهلنا لامتلاك زمام أمرنا فيه، وللتحرك من موقع القادر المبادر، ونحن محمولون على أجنحته، عصر فيه للقوة ذراع ومخلب ولسان، وللعلم سيف وسطوة وبيان، وللثقافة العالية مكانة وغلبة قهَّارة، بينما نحن نحبو على عتبات تلك المقامات ونسعى لامتلاك تلك المقومات، التي تصنع لمن يمتلكها في هذا العصر، منزلة ومهابة ودوراً في الحياة، وترتب له حقوقاً تصان ومصالح تراعى، وتحفظ لكلماته ومواقفه وقيمه مكانة وتعطيها معنى .
ومن المؤكد أن ذاك الذي نحتاج إليه في عصر يُقبل علينا ونُقبل عليه، لا يصنعه إلا الإنسان بتفوق بنيته الروحية والعقلية، بعلمه وبصيرته وإيمانه، بطاقته وقدرته على تحويل المعرفة والخبرة إلى مادة وقوة تحميان وجوده وحقوقه .
ولا تقيم أسس بناء ذلك الإنسان، وترسخ ذلك البناء الاجتماعي المدني الذي هو نواته، إلا مؤسسات رسمية وشعبية، تقوم في ظل دولة شرعية عادلة، يراعى فيها الدستور وتحترم القوانين والأنظمة.
مؤسسات ذات إمكانات مالية وقدرات بشرية وتجهيزات فنية عالية، فيها تراتبية أخلاقية ـ علمية ـ عملية، تقوم على الاقتدار، وتستند إلى معيار فيه للمعرفة والقيم الرفيعة المقام الأول .
مؤسسات يعلو فيها القانون فوق كل الرءوس، ويتساوى فيها وأمام أنظمتها وأحكامها ومعاييرها الناسُ كل الناس، في الحقوق والواجبات، وتحترم حرياتهم السياسية، ويطالبون بأداء الواجب من موقع المواطن الحر الشريك الملتزم باختيار، الذي له مثل ما عليه، لا يستثنى من ذلك إلا من أسقط الله سبحانه عنه ما وجب بسلبه إياه ما وهب .
ويتمايز في تلك المؤسسات الناس بأسمائهم وأحسابهم وأنسابهم وألوانهم وأشكالهم وأجسامهم ومواصفاتهم، ليُعرفوا ويتعارفوا، ولكنهم لا يتميزون ولا يرتفع بعضهم فوق بعض درجة أو درجات، إلا بعلم وعمل وخلق، ومتانة بنية روحية وتضحية، وبجهاد واجتهاد من أجل منفعة الناس، ومصلحة الوطن، وتقدم العلم، وارتفاع شأن الحق، وشأن الأمة بالحق، وشأن الإنسانية جمعاء .
وتقوم تلك المؤسسات بدورها القومي والاجتماعي والعلمي والعملي، كل واحدة في مجالها، ضمن إطار تكامل يحكمها بخططه وأهدافه، وتعامل باحترام تام، من الجهات المعنية، لأنظمتها ولدورها وصلاحياتها وغاياتها .
وتضع تلك المؤسسات برامجها، التي تحقق أهدافها وتنفذ خططها، حسب احتياجات الناس في أقطار الوطن العربي، وحسب حاجة الأقطار والأمصار، بما يلبي متطلبات الحياة وتحديات العصر ومجاراة التطور ؛ وتكون لها الحرية والإمكانية لتنمية أعمالها وبرامجها وإنتاجها، اعتماداً على متغيرات العلم ومتطلبات العمل وحاجة الناس، وبما يحفظ استمرار الازدهار ويحقق مساهمة العرب حضارياً بما يقدم شيئاً جديداً للحياة والناس ولمستقبلهم هم كأمة .
على أن تحكم تلك المؤسسات ثوابت ومبادئ قومية ـ وطنية، عربية ـ إسلامية تبقيها في خدمة الأمة كلها، تلك التي لا يمكن فصل مصلحة قطر فيها عن قطر، فتتلاحم فيها الوطنية بالقومية وتتماهى معها، ولا يمكن فصل عروبة فيها عن إسلام ـ ولا نجاح لمن يضع منا العروبة في مقابل الإسلام ـ فيتحقق على ذلك الصعيد شيء مشابه، من التلاحم والتماهي، لذلك الذي تنشده بين الوطنية والقومية .
وتبقى تلك المؤسسات على ثوابتها وفي أطرها العامة، ضمن رؤية شاملة للمصلحة العربية ـ الإسلامية العليا، على الرغم من تغيير الأحكام والحكام، وتداول الأشخاص وتنوعهم، وعلى الرغم من اختلاف السياسات القطرية وتضاربها، وخلافات الحكام وتعاركهم وتفاوت اهتماماتهم ومعارفهم ومصالحهم، لأننا نريد أن نقيم مؤسسات الأمة التي تمثل مصالحنا جميعاً، أفراداً وتجمعات وأقطاراً، وتمثل وحدة شعبنا وثقافتنا، وحقيقة المصير المشترك الذي ينتظرنا .
ولا بد أن نعمل على أن نرسخ لمثل تلك المؤسسات روائز في الأنظمة والحياة معاً، وأن تقوم على أسس ثابتة وملموسة المردود، منفعة للناس، وتواصلاً وتنسيقاً فيما بينها، ليبقى ببقائها، ما تعنيه لنا وما تمثله على أرض الواقع من إنجاز، يمثل وحدة الشعب والأرض والمصير ويؤكدها، وما تعمقه وتبلوره وتظهره من مصالح وثوابت وقضايا وقواسم مشتركة، هي في النهاية ما يرسم خطوط مستقبلنا وتوجهنا كعرب، وما يثبت استمرار عملنا من أجل ما يقوينا ويجمعنا.
وإذا كان الإنسان من جهة، والمؤسسات من جهة أخرى، أهم مقومات البناء وعوامله، وأهم ما يُصرف الجهد لإشادته من بناء، فإن الواجب يقضي بالتعرف على الضرورات التي لا بد من مراعاتها لنجعل من أهم ضرورتين من تلك الضرورات وهما : " بناء الإنسان، وبناء المؤسسات " مقومين رئيسين ومحورين للاهتمام والعمل، يستقطبان الإمكانات والقدرات وجهد الثقافة والسياسات، ليقوم كل منهما بدوره الفعال، في علاقة تعطي نتائجها طابعاً لحياتنا وصلاتنا وخططنا، ويصبح كل منهما قوياً وقادراً على دخول ميدان المواجهة والتحدي، ومؤهلاً لذلك، تحقيقاً لما تتطلبه ظروف العيش في هذا العصر، الذي تحكمه القوة الغاشمة، والمصلحة الفجة، وغريزة تلوّن القانون والقيمة بلون الحضارة والمدنية والتسامي، ويزخر بأشخاص ودول، لهم ولها أخلاق الحيتان وقوانينها، وتحكمهم وتحكمها شرائع الغاب ؛ عصر يوظف فيه أصحاب القوة والمصلحة والاندفاع الغريزي، ما ملكته الإنسانية من علم وتَقَانَة وتقدم، ويستخدمون القوة والقهر، لتحقيق أغراضهم وأهدافهم، وهم يصوغون القيم والمثل والأحكام والقرارات والعلاقات والمعايير، وحتى الحكام وتوجهات الإعلام بما يحقق غاياتهم وهيمنتهم ومنافعهم، مستبيحين، في سبيل الوصول إلى غاياتهم تلك، الوسائل كلها، ولا تنقصهم الذرائع والشعارات، وهم يعرفون جيداً كيف ينثرون الوعود، ويلوحون بالتهديد، ويستنبتون الوعيد شوكاً في القلوب والجفون، وكيف يفرضون العقوبات، ويقومون بالاعتداءات، وينشرون الرعب، ويمارسون الإبادة باسم العدالة .
وفيما يتعلق بالضرورات التي أراها ملحة لمصالح الإنسان العربي أشير إلى :
أ - احترام حرياته وحقوقه الأساسية، السياسية والاجتماعية، في إطار الشريعة والتشريع، دونما ذرائعية ترمي إلى استلاب يتم بشكل مباشر أو غير مباشر، ويكون لمصلحة الأنظمة أو لمصلحة الحكام . ولا يتحقق احترام للإنسان من دون احترام لرأيه وحريته ومشاركته في القرار، حسب قدراته، وفي حدود ما يرسمه الدستور والقوانين ؛ التي تراعي أحكام الدستور، والأنظمة واللوائح التي لا تخالف تلك القوانين . واحترام الناس فيه احترام للوطن، وقوة له وفيه طاعة الخالق بتنفيذ أمره وشرعه وتعاليمه، وتقوية للدولة وللحاكم الشرعي الذي يقوى بقوة شعبه، ويرتفع مكانة باحترام الشعب له .
والمواطن الحر يصنع الحرية الوطن ويدافع عنها وعنه، ويجدد معنى الحرية ويوسع أفقها بالوعي الذي تغنيه الممارسة وتصقله . والحرية ليست عبئاً على الحكومة حتى في البلد النامي أو المتخلف، لأن كل عمل يقوم به المواطن، في نطاق ممارسته للحرية، يحمِّله مسؤولية، بحكم عيشه في مجتمع تحت سقف الوطن والقوانين الناظمة لحياة الناس ومصالحهم فيه، وهذا يجعل عيبه أو خطأه بوصفه مواطناً مكشوفاً ومداناً، بموجب القانون، ومن قبل الناس أيضاً، ويجعل أية حكومة، تعرضه للمساءلة جراء ممارساته تلك، يجعلها في حل من أية اعتراضات وأحكام أخلاقية واجتماعية تطلق بوجه فعلها ذاك، لأنها تطبق قانوناً وضعه الناس لخدمة الدولة والناس، فهي تقوم بواجب ما دام فعلها لا ينصرف إلى الجور والقمع وتسخير القانون والدولة لخدمة شخص أو مجموعة أشخاص .
وانطلاق الحرية بموجب القانون يجعل الدولة والمؤسسات محصنة بجرأة المواطن على النقد، في حدود ما يمليه الواجب والمصلحة، وما يحدده القانون ؛ وفي هذا ضمان من استفحال الخطأ واستمراره من جهة، وضمان لتجدد وعي المواطن ويقظته ومسؤوليته وإحساسه بالشراكة التامة فيما يحدث من جهة أخرى، " فكلكم راع ومسؤول عن رعيته "، وكلٌ يمارس الجهاد وخير الجهاد، وكل يتابع بوعي ومسؤولية ما يجري، في نطاق العقد الاجتماعي الذي ارتضاه أبناء القطر والأمة، لقطرهم وأمتهم، بما يرضي الله والضمير ويحقق مصلحة الإنسان والوطن، وبما يُبقي على الحيوية ومقومات التقدم والحياة سليمة معافاة .
ب - إتاحة فرص تعليم وتدريب عصريين أمام الطلاب والراغبين في تعلم الحرَف بأساليب نظرية وعملية تواكب ما يحققه تقدم العلم وتطور أساليب التربية والتكوين، على أن نعطي للتجريب والمبادرة حيزاً ومكانة، ونربط بعض مراحل التعلم والتدرُّب على المهن والحرَف بمردود يحققه الإنتاج، ليشعر المرء بالجدوى من جهة، وبالثقة والقدرة على الإنجاز من جهة أخرى، فنوفر بذلك دوافع وحوافز ظاهرة لبواعث كامنة، ونفسح المجال أمام إطلاق طاقات الفرد الخلاقة وانطلاقته البناءة، ونصنع مناخاً للإبداع في مجالات العلم والعمل .
وكم يكون مجدياً، وكم هو مفيد وضروري أيضاً، أن تنشأ مؤسسات في هذا المجال على المستوى القومي، تحقق خدمات للناس وللأقطار في هذا المنحى ... وكل ما يصرف على ذلك هو توظيف رابح للمال، من حيث مردوده الطويل الأمد على مناحي تكوين الإنسان وتقوية البُنَى الاجتماعية والاقتصادية والتقنية وحتى الدفاعية للأمة، وإقامة الصلات والعرى التي لا تنفصم بين أفرادها وأقطارها على أرضية المنفعة والانتماء معاً .
ج - إيجاد فرص عمل لطاقات وكفاءات تفتك بها الحاجة والفاقة والبطالة، ولفئات اجتماعية تشكو من بطالة أو عطالة ذاتية أو موضوعية، خلفتها ظروف عمل سيئة أو فقدان إمكانات وتجهيزات وبيئة تمكِّن من تطوير العمل وتطوير الذات ؛ والاستفادة من الخبرة لتفجير طاقة المرء على الإنتاج والاختراع والإبداع . ولا يمكن فصل هذا المطلب ـ الضرورة عن ضوابط العمل ونواظمه، ولا عن مقومات مناخ الإنتاج والاختراع والإبداع ؛ وأعني بذلك ضرورة إعادة النظر بكثير من أنظمة العمل وقوانينه في الوطن العربي، لا سيما بعد المتغيرات التي جعلت من سلطة " البروليتاريا " التي ورثناها محنطة، سلطة قائمة في موت القانون أو في قتله لروح العمل وعلاقاته النشطة، ولروح العامل وحرصه على تجديد ذاته وتطوير قدراته وإحساسه بالارتباط بعمله وبالمسؤولية حياله، وشعوره، ولو من باب الافتراض، بأنه مهدد إن لم يعمل بإخلاص، ويتطور بفاعلية تجعله قادراً على مجاراة روح العصر وهضم تقنياته ؛ بعد أن وصل العامل في أقطار عربية كثيرة إلى تواكل وتآكل أضرّا به وبسواه .
إن هذا الجانب يتصل اتصالاً وثيقاً باستخدامنا للآلة، وبحرصنا عليها، وصيانتنا لها، وامتلاكنا لأسرارها ومن ثم البدء بتصنيعها وتطويرها، والإبداع في مجالات الإتقان انطلاقاً من ذلك . والآلة أداة تقدمنا في العصر، وإن نظرة نلقيها على علاقات العمل والأنظمة التي تحكمها، وعلى علاقة العامل بالآلة وموقفه منها، وكيفية عمله، وحالته النفسية والروحية حين يُواجَه بتَقَانَة أعلى، كل ذلك كفيل بأن يضعنا أمام واقع لا بد لنا من مواجهته ومجاوزة صعوباته، إذا أردنا أن ندخل العصر بالإنسان، ونبقى مواكبين لمسيرة تقدمه وصيرورته بإبداع وإتقان واندفاع، وأن نتجاوز حالات التخلف والتفكك التي تنتعش بين ظهرانينا .
د - اهتمام بأسس تربية سليمة وأصيلة وعصرية وبمقوماتها وقيمها، تربية تخلِّص إنساننا من كثير من العقد، ولا تجعله بين خيارين إما رفض الهوية والخصوصية الاجتماعية للحاق بالعصر أو بما يقال له إنه التقدم، وإما تقوقع عبر الماضي بحثاً عن الذات وانصراف عن كل تجدد في الحياة والعلاقات من حوله !! وفي كل من الحالتين تصاب الأمة بخسارة، فلا المُنْبَتّ من جذره وبيئته وانتمائه وواقعه ينجح في خدمة الأمة ـ بشمول مدلول الكلمة ـ ولا المتقوقع في ما يتراءى له أنه الأصالة والصحة والسلامة ينجح في خدمتها هو الآخر على الوجه الأمثل، أي بالشكل المجدي في هذا العصر بمعطياته ومقوماته وأسلحته وتحدياته .
وليس أضرّ لنا في ما نأخذه من مناهج وأساليب وقيم تربوية من أن نعرف ونؤكد أننا : عرب ـ مسلمون ـ في القرن العشرين نربي أبناءنا لقرن قادم وعقود قادمة، ونحن في وضع ضعيف نواجه احتلالاً وعدواناً وحقداً مبيَّتاً ضد أمتنا وعقيدتنا، وأن خلاصنا يكمن في الاعتماد على الذات أولاً، وأن كيان القوة في الذات القوية هو : صلابة روحية وأخلاقية ـ وإيمان بالحق والوطن وثقة بالنفس وبالنصر ـ ومعرفة بما لنا وبمن نحن وبمن نواجه ـ وبحث عن امتلاك المعرفة وأسلحة العصر التي بها نبقى ونتقدم ـ ويقين بأننا لا نعاني من معوقات خَلْقية من أي نوع، تمنعنا من امتلاك التَّقَانَة والعلم والتطور، ومن تحقيق كل ما نصبو إلى تحقيقه ؛ والوصول إلى حالة من القوة الروحية والمادية تمكننا من تحقيق النصر لمبادئ وحقوق تستحق أن تنتصر، وأن تبقى مشعلاً في ليل البشرية .
وما أحوجنا إلى تعزيز الثقة بالنفس وبالأمة والعقيدة، وبهويتنا وخصوصيتنا القومية، على أرضية موضوعية من الوعي والمعرفة والمنطق والعقلانية .
وما أحوجنا إلى تبصير أنفسنا وأبنائنا وإخوتنا وأخواتنا بالعيوب والعلل التي تجعلنا ننهزم في مواجهاتنا المسلحة، وبعوامل التكوين التربوي والاجتماعي التي تعوق تقدمنا، وكل تلك أمور تستحق أن نعيد النظر فيها .
ما أحوجنا إلى معرفة الأصالة من حيث هي قيم ومقومات صالحة للبقاء والتقدم، وما أحوجنا إلى اكتساب دروس الحياة، وإتقان استخدام أسلحتها وأدواتها، وإتقان التعامل أيضاً مع الأقوام والأشخاص والظروف، بما يحفظ البقاء والحق والكرامة والهوية والتمايز لأمتنا .
وما أحوجنا، حتى نحقق شيئاً من ذلك ومما نرمي إلى تحقيقه من بعد، إلى تكوين المربين والمعلمين القادرين على قراءة حاضرنا وماضينا بعين العصر القادم علينا، بثقة واقتدار وإصرار ؛ ما أحوجنا إلى مراجعة جادة وصارمة للذات حول هذا الموضوع، لنرى كم قصرنا في تكوين أولئك، وكم هضمنا من حقوقهم، وفرطنا في مقومات مناخ العمل السليم الذي يحتاجون إليه، ليؤسسوا بكفاءة وصدق، مستقبلنا، من خلال تأسيسهم لتربة النفس والعقل والجسد، تربة الروح العالية للإنسان الذي يصنع المستقبل ويلوِّنه، بعد أن يستعد له ويمتلك مقومات التعامل معه بثقة واقتدار .
هـ - الاهتمام بثقافة وإعلام لا يكونان تبعاً ولا يكوِّنان الأتباع . الاهتمام بثقافة تبني مقومات الإنسان وتستنبته في تربة الأمة بأصالة، وتغذوه القيم السليمة، وتلقنه المعرفة على أرضية من احترام المنطق والعقل والحقائق، وتبني فيه حب الحرية، وحس الكرامة، وصدق الانتماء للأمة والوطن، والولاء لقيم وثوابت وعقيدة ومعايير وحقائق، يرى في بقائها الأمة والوطن والمجتمع والذات، وفي دمارها دماراً له ولكل ذلك الذي يقيم حياته ويبقي جنسه .
والاهتمام بإعلام قادر على قول الحق وكشف الزيف وإعلاء شأن الدولة على شأن السلطة، وشأن السلطة على الفوضى . إعلام يجاهر بالحق ويواجه الخطأ، ولا يتعثر بين ركام المغالطات وهو يبحث له في سوق الكلام عن مشتر وسوق .
كم نحن بحاجة لاحترام الثقافة وتوظيفها لخدمة ثوابت الأمة والعقيدة، ومستقبل الأجيال والوطن والمعرفة، وكم نحن بحاجة لأن نستظل بظل سيوفها التي لا تثلم، ونحن نخوض أعظم الجهاد، ونحرر إرادة العباد وعقولهم وقلوبهم من تسلط وقهر، وننسج حول الأرواح، المرتعشة من سطوة التسلط والبغي، بردة أمان من جوع وخوف، باستخدام الكلمة والوعي المعرفي استخداماً شريفاً نظيفاً يحقق ما فيه مصلحة الإنسان والوطن والدولة والأمة .
فنحن نحتاج للدولة الشرعية العادلة المبنية على أسس شرعية وتشريعية، دستورية وقانونية، لأنها عندما تكون كذلك تكون لنا كلنا، وليس لفرد أو لأفراد منا، ولأنها عندما تكون كذلك تصون حرياتنا وكراماتنا وقدراتنا، لأنها ترى في ذلك واجبها من جهة وثروتها وقوتها ودرعها من جهة أخرى . ونحن نحتاج للفرد الواعي الذي يصنع تلك الدولة ويحمي مسيرةً تنميها، ويقيمها على الصلاح، حصناً للوطن والناس . ونحن نحتاج للدولة التي تعرف، بحس واقعي موضوعي عصري وبحس قومي ووطني نظيف وسليم، أنها لن تكون شيئاً ما لم تكن جزءاً من كل، يسند الكلَّ ويسنده الكل، وما لم تكن حلقة في درع الأمة، لأنه لا حياة في هذا العصر إلا لقوة ضلع يسند الضلع الأخ، ليقوم جسد يحمل أعباء العيش ويكرس وجود الأمة على أرضها إلى الأبد .
وكم ينقصنا أن نتفهم علاقة ينبغي أن تصل إلى نوع من التكامل بين السياسة والثقافة، حيث يرى كل من السياسي والمثقف أنهما يعملان من أجل أهداف أسمى وأبقى وأهم من أشخاصهم ونزعاتهم وتنازعهم، وأنهم يبقون في ذهن الناس وتاريخ الأمة ما أخلصوا للناس وللأمة وما خدموا الحق باجتهاد وصدق، كل منهما ـ المثقف والسياسي ـ قد يخطئ ولكن حين يكون المعيار الذي يحتكمان إليه معياراً سليماً، وحين يكون كل منهما قادراً على الرؤية بحق وعلى رؤية الحق، أو لديه الاستعداد لأن يفيء إلى الحق إذا ما ذكّر به أو عرّف به، فعند ذلك تصبح العلاقة علاقة بناءة، وعلاقة بناء في صرح، هو للأمة ولكل فرد من أفرادها في آن واحد .
وربما كان داء التسلط والتمرد، الاتهام، والاتهام المضاد، داء يمنعنا من رؤية الأهداف الأكبر والطريق الأسلم التي ينبغي أن نتوجه إليها ؛ وقد آن الأوان لنتخلص من ذلك حرصاً على شرف الحياة وعلى وجودنا فيها، وحرصاً على الأمة ومنزلتها بين الأمم .
لقد أشرت في هذه العجالة إلى بعض الضرورات التي لا بد من مراعاتها لنبني الإنسان العربي ونجعله أكثر مشاركة في بناء الحياة وفي خوض المواجهة والدفاع عن الذات، ولكن لا بد من أن أشير إلى أن تربيته وتكوينه ينبغي أن يكونا على أساس انتمائه للوطن العربي وللأمتين العربية و الإسلامية بما لهما من قيم ـ ذلك الانتماء الذي هو من الأهمية بمكان لا سيما في هذه الظروف ـ لأننا نريد أن نبني الإنسان الذي يبني وطن الجميع من أجل الجميع، والذي يؤمن بذلك ويعمل له . فلا بد إذن من نبذ تربية الجهل والفرقة والمقت والعداء، وتوسيع مدارك الأفراد ليعرفوا أن مصالحهم في لقائهم داخل سياج الوطن ـ الأمة والأمة ـ الوطن، وتعريفهم على حقيقة أننا كلنا مستهدفون : وجوداً ـ وعقيدة ـ وثروات ـ وحريات ودويلات قطرية، ما لم ندافع عن أنفسنا بكل ما نملك، وما لم يخض كل منا معركة الآخر وكأنها الدفاع عن الذات ؛ ودعوتهم إلى تربية الوجدان الجمعي وإنعاش الحس القومي النقي، الذي يمكننا من استشعار الود فيما بيننا ووقع المصيبة التي يصاب بها أي منا وكأنه في قلوبنا، وإدراك الخطر الوافد علينا، ذاك الذي ينبغي أن يستفزنا كأمة لنبني ونواجه ونتقدم، ويحمينا من شرور أنفسنا ومن الغير .
وربما من أجل هذا وتطلعاً إليه أرى : أن للثقافة دوراً، وأن على أهلها تقع مسؤولية المبادرة ؛ وربما على طريق ذلك ووصولاً إليه أدعو: إلى حوار يقوم بين المثقفين العرب في هذا المناخ وفي هذا الوقت بالذات، الذي أراه ملائماً للحوار، لأن كل الأطراف في الساحة العربية لديها الاستعداد لمراجعة ذاتها وللاعتراف بالآخر : من اليسار الماركسي أو الذي كان ماركسياً إلى الاتجاه القومي والاتجاه الإسلامي. والحوار الذي أدعو إليه في مجال الثقافة يبدأ في نطاق ضيق ثم تنداح دوائره، بعد الاتفاق على نقاط رئيسة بين أطرافه، تصبح برنامج عمل للجميع . وأرى أن يقوم هذا الحوار في مناخ سليم، وعلى أرضية واضحة، أهم ما يحكمها وتحتكم إليه، معيارية قيمية خُلُقية قومية ـ عقيدية ـ إنسانية، فيها الأسس الآتية :
* الاعتراف بالآخر وبحقه في الاختلاف، وعدم إلغائه أو تهميشه أو مصادرة رأيه، وعدم التشكيك به لأنه الشريك الكامل الشركة في المواطنة والوجود والقرار والمصير، واحترام حقوقه وحرياته الأساسية وانتمائه للوطن، في إطار مفهوم للوطنية يتماهى مع القومية، ولا يشكل نداً لها، أو بديلاً عنها، أو صيغة اعتراضية عليها، لأنها الأشمل والأبقى التي يتناهى إليها الفعل الوطني في تساميه وتحققه النهائي .
* الاعتراف بأهمية التعدد، والتنافس من خلاله، وصولاً إلى خدمة أفضل للوطن ـ الأمة، والأمة ـ الوطن، وتحت سقف الثوابت المبدئية التي يقرها الحوار . على أن يكون مفهوماً ومعلوماً أن الحوار لا يهدف إلى تحقيق نتائج تسفر عن جعل المثقفين متوافقين ومتفقين في كل شيء وعلى كل شيء، كأنما هم نسخ طبق الأصل، بعضهم عن بعض وأنه لا يرمي إلى إلغاء التيارات الفكرية والتوجهات السياسية، والأطر التنظيمية لها، وإنما يرمي بالدرجة الأولى إلى اكتشاف المشترك وتعزيزه، وتركيز الموقف حول الثوابت المبدئية، ـ القيمية والقومية ـ وتبيُّن الروائز المعيارية التي يُحْتَكَم إليها وتعلو فوق كل اعتبار، وتحديد المواقف، في ضوء ذلك، من قضايا ومشكلات ومشروعات جوهرية فيها صلاح شأن الفرد والمجتمع والأمة، والاتفاق على كيفية خدمتها بإخلاص وفاعلية مجدية .
* ان الحوار يجب أن يتم بصراحة وموضوعية وحرية تامة، تحت سقف الانتماء للوطن ـ الأمة، واحترام عقيدتها، وهويتها الثقافية ولغتها، وأن يلتزم من يختارون طريق الحوار، بما يسفر عنه، التزاماً أخلاقياً ومبدئياً وسياسياً فعالاً .
* ان الحوار يتم في مناخ ديمقراطي سليم وتام على أساس من المساواة والحرية والمسؤولية، مناخ يسمح للمتحاورين بالانتقال من ساحة رؤية إلى ساحة رؤية أخرى، يقود إليها تبادل الرأي والمعلومات وتواصل المتحاورين، على أرضية من الثقة والاطمئنان والاحترام المتبادل والأهلية التامة ؛ حيث تكون الغاية هي نشدان الحقيقة والمصلحة القومية والحفاظ على الوجود وحيوية الحضور، واستقلال الإرادة والقرار والوطن والإنسان، في أرض الأمة العربية كلها .
وهذا يقتضي أن يكون كل طرف من أطراف الحوار ـ الذي يبدأ ضيقاً ثم يتسع وتنداح دوائره بين المثقفين العرب بشكل مبرمج ومنظم ـ وكل فرد من الأفراد المشاركين فيه، على استعداد لأن يرى الحقيقة وينشدها ويتمسك بها حين تتبيَّن له معالمها حتى لو لم يكن من قبل في مجالها أو قريباً منها، ويستشعر المصلحة القومية العليا ويرتفع إلى مستواها بالقول والعمل .
لأن الاعتراف بالخطأ ونشدان الحق هو بداية الاستعداد لتغيير الرأي والموقف، ووصول التغيير إلى تحقيق نتائج ذات مردود إيجابي في الداخل وعلى جبهات المواجهة مع العدو، وفي التصدي للتحديات في مجالات الحياة جميعاً، دونما ادعاء بعصموية فردية أو أيديولوجية من أي نوع، الأمر الذي يهيئ فرصة لإلغاء حالة التمتْرس المزمنة في الحياة العربية، خلف المواقع وفي المواقف وعند الآراء التي تستند إلى أحكام مسبقة بداخلها كثير من الوهم والجهل والظلم، والتراشق من تلك المواقع مع الآخرين بالكلام وأنواع الاتهام . ذاك الذي دفعنا وما نزال ندفع ثمناً غالياً له لأنه يفرق الصف ويشتت القدرة، ويجعل القوة متضادة في ساحة مواجهة تستدعي تضافرها وتوجهها نحو العدو، بعزم ووضوح رؤية وثبات هدف .
وأن حالة المراجعة الذاتية والاستعداد للاعتراف بالخطأ واستيعاب الواقع والبحث عن الصحيح والسليم والمفيد، تلك الحالة التي بدأت تشيع في أوساط فكرية وتنظيمية وثقافية عربية ؛ تبشر بإمكانية ولادة صيغة جديدة يكون فيها تفاهم وتعاون وتركيز للرأي والفكر والجهد في فعل مجدٍ على الصُّعُد والمستويات جميعاً، فالتيارت الأربعة الرئيسة في الوطن العربي وهي : التيار القومي ـ التيار الماركسي ـ التيار الإسلامي ـ التيار الليبرالي . كلها لديها استعداد لمراجعة الذات وتتحسس مواطن الضعف ومواقع الخطأ والخطر في مسيرتها، كما تتحسس الخطر المحدق بالجميع، وهذا معطى إيجابي علينا أن نستثمره إلى أقصى الحدود لما فيه خير الأمة وخير كل فرد فيها .
ولا أظن أنه من الصعب، في الظروف الحالية وحيال التهديدات والمتغيرات الدولية، وما تحمله حقيقة قيام قطب وحيد بتسيير سياسة العالم، وكون ذلك القطب ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ حليفاً " لإسرائيل "، مؤمناً بمشروعها التوراتي التوسعي ملتزماً بتحقيقه، وهو يعمل في الوقت ذاته على تحقيق مصالحه الرئيسة في وطننا على حساب حقوقنا وسيادتنا وتقدمنا، وحتى على حساب وجودنا إن اقتضى الأمر، تلك التي تتلخص في المصالح الرئيسة الثلاث وهي : إسرائيل ـ النفط ـ السوق الاستهلاكية التي تبقينا حياله مجرد أفواه وسواعد، أفواه تستهلك ما ينتج وسواعد تعمل في خدمة إنتاجه .أقول ليس من الصعب أن يتفق المثقفون، من خلال الحوار، على موقف من بعض الموضوعات والقضايا الرئيسة التي تهم الأمة وتنعكس إيجابياً على الحياة والإنسان في الوطن العربي ؛ ويشكل اتفاقهم حولها برنامج عمل ذي أهداف رئيسة تقدَّم على ما عداها، وتُرفع فوق كل خلاف وعصبية وانتماء، ويحمي كل منهم ظهر الآخر في أثناء العمل من أجلها ؛ ويمكن أن أشير هنا بإيجاز شديد إلى بعض تلك القضايا والموضوعات مثل :
1 - الموقف من الصراع العربي الصهيوني، هل هو ـ بعد الذي صار والذي جرى والذي ينتظرنا على طريقه، وبصرف النظر عن توجهات السياسة وأفعال الساسة ـ صراع وجود مع وجود لا ينتهي إلا بحسم الأمر لصالح أحدهما، وأن الوجود العربي يتناقض كلياً مع الوجود ـ أي شكل من أشكال الوجود ـ الصهيوني في " دولة إسرائيل" ؟؟ أم أن ذلك الصراع قد تحول فعلاً إلى نوع من النزاع على حدود، وأن المثقفين يقرُّون هذا التحول، ويعترفون لإسرائيل بحق الوجود والبقاء والشراكة في كل ما يتصل بالمنطقة ومستقبلها ومصيرها ؟!؟
إن الموقف من هذه القضية الرئيسة الكبرى في تاريخ العرب الحديث، التي هي القضية المركزية لنضالهم منذ عقود، سوف يحدد موقفاً من السياسة العربية ومن الأنظمة التي اعترفت وسوف تعترف بإسرائيل، وسيملي توجهاً ونضالاً، وسيطرح أسئلة كثيرة على الناس، وعلى الثقافة والمثقفين من بين الناس، وسوف يحدد توجهات للتفكير والعمل والإبداع والتدبير .
وفي تقديري أن الثقافة العربية لن تقبل أن تغلق باب تحرير الأرض العربية إلى الأبد في وجه الأجيال القادمة، لأن الجيل أو الأجيال الحالية عجزت عن التحرير أو انهزمت في معارك على طريقه . ولا أظن أن الثقافة العربية، يمكن أن تبارك الاستسلام وتؤيده وتربي الأجيال القادمة عليه، أو أنها سوف تكتب صكوكه، وتباركها وتسوغها في نظر جماهير الأمة العربية .
فالأمم ـ والثقافة تمثل شخصية الأمة وهويتها وحصن صمودها ودفاعها الأخير ـ الأمم لا تكتب صكوك استسلامها بدماء شهدائها، وثقافتها ترفض أن تكون عرَّاباً للاستسلام، أو مكرساً للانهزام ومسوغاً له.
وعندما يحدد المثقفون موقفاً من ذلك، في إطار جبهة تحفظ هيبتهم وتفرض رأيهم وتشكل لهم حضوراً في ساحة القرار السياسي، بفعل تأثيرهم الجماهيري، عندما يفعلون ذلك، فإنهم سيتوصلون ببساطة إلى تحديد مواقف على أسس معيارية ثابتة من العدو والترويج له، ومن التعامل مع السياسات العربية في ضوء موقعها من قضية الصراع العربي الصهيوني وموقفها منه، وكذلك من السياسات والثقافات والاتجاهات الأخرى التي تدعم حقنا أو تطمسه؛ وتعرف كيف تضع خططها وتخوض معاركها في الداخل والخارج من أجل تعزيز مواقفها ونضالها ورؤاها .
2 ـ احترام الحقوق والحريات المدنية للمواطن العربي، والدفاع عنها، والعمل على ترسيخ مفهوم للديمقراطية المعافاة، وممارستها، وإرساء تقاليد ثابتة لتعاون السلطات، ولبناء مؤسسات المجتمع المدني واحترام القوانين .
3 ـ استعادة التضامن العربي وتعزيزه بكل الوسائل ابتداء من إيجاد حالة تسمح بمصالحة عربية ـ عربية، تجُبّ العداء المستحكم، وتوقف تساقي كؤوس المرارة وممارسة الثأر المستجد بأشكال مختلفة، وصولاً إلى إنعاش مؤسسات العمل العربي المتعددة، سواء تلك التي أقيمت في إطار الجامعة العربية، أو بجهود ثنائية أو إقليمية عربية .
لأن خلاص أي قطر عربي مما يعاني من مشكلات، تمتد من الأمن الغذائي إلى الأمن القطري مروراً بتلبية سائر الاحتياجات، لن يكون إلا من خلال تكامل الجهد العربي . إن الخلاص الفعلي يكون قومياً أو لا يكون، لا سيما في مجالات : الاقتصاد ـ وامتلاك القوة على أسس العلم والتَّقٌانَة والتصنيع القومي ـ والمواجهة الثقافية لأشكال المحو والتهجين والغزو . فلا يوجد على الإطلاق إمكانية لتحقيق اكتفاء ذاتي شامل، حتى في أكبر الأقطار العربية وأكثرها سكاناً ـ ضمن الجغرافيا السياسية الحالية ـ كما يتعذر ضمان الاستقلال الكامل وضمان الأمن والاستقرار، وتحرير القرار السياسي والإرادة الوطنية واحترام السيادة قطرياً، من دون اعتماد على الآخرين ومن دون دفع ثمن ذلك الاعتماد .
فخلاص العرب مما هم فيه وتقدمهم يكون جماعياً أو لا يكون، كما أسلفت ؛ وذلك انطلاقاً من تجارب تاريخية طويلة، واستقراء لواقع ومعطيات، ومراعاة لمتغيرات ومتطلبات عملية، وليس اعتماداً على ما يدفع الحس القومي من مشاعر وواجبات وانفعالات .
4 ـ تعزيز موقع الثقافة حيال السياسة من جهة وحيال الجماهير من جهة أخرى، لكي تستعيد هيبتها واستقلالها ومصداقيتها، ولتفرض من بعدُ حضورها في ساحة القرار السياسي، ولتتمكن من الدفاع عن حقوق الناس وحرياتهم وقيمهم، وعن العدل والحق والحرية في المجتمع، حيال كل ما يضر بتلك الحقوق والقيم أو ينتقص منها . ولتستطيع أن تمثل طاقة وعي وتغيير، وقدرة على التحريض والتحريك، باتجاه ما يمكن أن يكون الأفضل والأسلم للإنسان والمجتمع . فالثقافة إن لم تفعل ذلك، عربياً، بتكاتف وتعاون، فإنها لن تستطيع أن تواجه القطرية المتجذِّرة، والأنظمة المتسلطة باسم تلك القطرية، ولا أن تحقق نقلة نوعية في الحياة الاجتماعية والعقلية للناس ؛ ولن تتمكن بعد ذلك من امتلاك القدرة للدفاع عن الثقافة العربية حيال ما تتعرض له خارج الوطن، لأن الضعف يفتك بكيانها، ولأن أفرادها يسلم بعضهم بعضاً داخل القطر الواحد، فكيف داخل الوطن الكبير كله ؟؟ ومن باب أولى أن تكون ـ في مثل تلك الحالة ـ أضعف في مواجهاتها حيال قوى منظمة غازية أو معادية.
وفي تقديري أن وضع حد لأشكال التبعية الثقافية ولأشكال الخلافية، والعصبية القطرية أو الحزبية الضيقة، والطائفية والعشائرية، وما كان على شاكلة ذلك كله من مرض يفتك بالجبهة الثقافية، أفراداً وتجمعات، إن وضع حد لذلك يشكل مدخلاً لتعزيز حرية التعبير وتشكيل القوى المتماسكة التي تحميها . وستكون قوة التعبير بدورها المدخل الذي تشكله الثقافة للدفاع عن الحريات العامة ولإشاعة الوعي المعرفي الذي يحرر الإرادة والعقل ويطلق طاقة الإنسان في البناء والدفاع والإبداع .
قد ينهض سؤال بوجه ذلك يقول : كيف يمكن أن ينشأ ذلك والمحرِّر المفترض يحتاج إلى تحرير ؟ ومن الذي يبدأ تلك الطريق ويقوم بالمبادرة ؟! أهو السياسي أم المثقف، ورقبة الثاني في قبضة الأول، كما أنه يتحكم بقوته وحياته وبالقانون، والسلطة العربية تخرج على القانون ولا تقيم وزناً لما يتصل بالحقوق والحريات والقانون ؟!
إنني أقول ببساطة تامة إن على المثقف أن يبدأ، وأن يضيء شمعة في ظلمة الليل ـ هذا على افتراض أن الأمور بهذه الدرجة من القسوة والظلمة ـ وإذا كان ثمة ثمن لذلك فليدفعه، وليكن ذلك الثمن غالياً جداً، إلا أنه سوف يبذر بذرة صالحة نافعة في الحقل، وأزعم أنه لا بد أن يأتي وقت على تلك البذرة، يحتضنها فيه الحقل الذي يرتجف خوفاً، ولا بد أن يشعر بها جنيناً ينمو في أحشائه فيحن عليها ويغذيها فتنمو في وجدانه .
إن المجتمع، المتلقي الفعلي للكلمة، لا بد أن يكون درعها الحامي لها، والحقل الذي ينتفع بخصوبتها وينمو وعيه بفعل تأثيرها الطيب . إن ذلك قد يحتاج إلى وقت، وقد يحتاج إلى تضحية .
ولكن على المثقفين أن يكونوا درع الكلمة الشجاعة وحماة قائلها، فلا يخلعونه ولا يسلمونه ولا ينبذونه، ما دام على حق ويسير في طريق الأمة والحرية، وعليهم إذا ما سقط مضحياً، أن يسقوا الشمعة التي أضاءها زيتاً حتى لا تنطفئ، وأن يعلوا شأن تلك التضحية ويشعلوا نارها في الوجدان الجمعي، حتى إذا ما زادت الشموع والتضحيات، أصبح الليل مهدداً بمنار، وأصبح تيار النور دافقاً يأخذ طريقه إلى العقول والقلوب، وأصبح الوقوف في وجه ذلك من الخطورة بمكان، لأن الشعب عندها سوف يتقدم في الطريق التي شقتها الكلمة وعبَّدها المضحون من أجل إشراقة النور ويقظة الشعب، وصحوة العقل والضمير، وانطلاقة الحرية والإرادة ؛ في صباح المساواة الذي تشرق فيه الشمس على كل الناس، ويكونون جميعاً، صغيرهم وكبيرهم، من يشرفونه بمسؤولية ومن لا يتمتع بذلك الشرف، يكونون تحت ضيائها سواسية، وتحت قبة سماء يرتفع فيها ميزان العدل، وسيف الحق، وصوت الشعب، وسقف القانون، ونداء الضمير، والخلق القويم، والمصلحة العليا للأمة .
إن الثقافة قادرة على تحرير ساحاتها واستعادة مبادراتها، وتحقيق شيء هام في هذا الليل العربي الطويل، فهل تراها فاعلة ؟! لتواجه التحديات المطروحة عليها وعلى المثقف العربي ؟!
المثقف العربي والتحديات الراهنــة :
ما هي التحديات الراهنة المطروحة على وطننا وأمتنا، وعلى المثقفين أولاً من بين أبناء وطننا وأمتنا لتكون المواجهة على أرضية واقعية منطقية وموضوعة ؟؟
1 ـ إن انتقال الأمم المتقدمة من عصر الحضارة الصناعية التجميعية الكبرى إلى عصر الفضاء والذرة والحواسيب والإنتاج القائم على سد الاحتياجات الناشئة في الأسواق المختلفة، حسب تنوع الأسواق والسلع، وحسب الجداول الزمنية التي تتطلبها تلك الاحتياجات، جعل العقل ينتقل من ساحة عمل على منوال معين إلى ساحة عمل ومنوال مختلفين 0
وإذا كنا، حتى الوقت الحالي نفكر، بالانتقال من عصر الحضارة الزراعية والنمط الإقطاعي والاستهلاك المتصاعد للمنتجات الصناعية التي يقدمها الغير والصناعات البدائية أو الأولية التي تعلمناها، إذا كنا نفكر بالانتقال إلى عصر الصناعات الكبرى والمركَّبة والتجميعية المعقدة؛ فإن هذا يجعل الفارق المنظور بيننا وبين الآخرين فارقاً ضخماً يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم؛ لأن التقدم في مجالات الذرَّة وعلوم الفضاء والحواسيب يمكّن من تحقيق تقدم سريع جداً في حين يبقى التقدم حسب معطيات علوم وتطبيقات ما قبل ذلك العصر ضئيلاً ونمطياً ومحدوداً 0
فهل نستطيع أن نواجه الأمة بحقيقة ما يجري، وأن نشكل حالة من الوعي المعرفي والعلمي والقومي، تجعل الانتقال ممكناً من واقع المجتمع الاستهلاكي، والتفكير الصناعي الأولي، والحضارة الزراعية، إلى استيعاب علوم الذرة والفضاء ومعطيات الحواسيب وتطبيقات ذلك، مع امتلاك الحرية، من خلال تحرير ذواتنا من الحاجة والتبعية وقيود تحكّم الآخرين بكل ما نحتاج إليه حاجة حيوية في الدفاع عن أنفسنا، وتحقيق تقدم في أي مجال من مجالات حياتنا ؟؟
إن المثقف العربي مطالب بامتلاك معرفة في هذا المجال، وبتحويل هذه المعرفة إلى وعي لدى الآخرين، وتحويل الوعي إلى قرار وسلوك وإنتاج وعلاقات عمل وأخلاقيات تعامل، وهذا يحتاج منا إلى عمل مضنٍ، ابتداء من مجالات التربية والتعليم والمناهج وانتهاء بمجالات الإعلام والسياسة ومعايير القيم والتفكير العلمي ومناهجه وأبحاثه واستثمارات تلك الأبحاث 0
2 ـ التحدي السياسي - الثقافي - الاجتماعي والاقتصادي، الذي يطرحه الغرب الاستعماري والكيان الصهيوني المتحالفان، على أمتنا ووطننا وثقافتنا ومثقفينا، والذي يتجلى في :
ــ تفتيت الأمة والقضاء على كل أشكال التضامن والتفاهم والتنسيق بين أنظمتها وأقطارها وحكّامها، وجعل كل قطر عربي يسعى وراء مصالحه الخاصة مثقلاً بأعباء ضعفه، وبنظرته الضيقة ومنفعيته المرحلية، التي تكرس انعزاله وهزاله ومحدودية نظرته وفعاليته على المدى البعيد؛ ولا تجعله يخدم، في نهاية المطاف، سوى مصالح أشخاص وفئات لا مصالح أمة ووطن، وتكرس اعتماده على العدو الصهيوني والغرب الاستعماري في إقامة تحالفات أو تقديم أتاوات لحماية الأشخاص والأنظمة والمصالح، ولو تم ذلك على حساب الوطن والحق والانتماء والعقيدة ومصلحة الأمة وأجيالها ومستقبلها0
ــ فرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية من خلال :
أ - تعزيز القدرة العسكرية الصهيونية / تسليحاً وتصنيعاً للأسلحة وتطويراً علمياً وامتلاكاً للتَّقَانَة، بكل أنواعها / في المجالات : الفضائية والجوية والنووية والبرّية والبحرية؛ وإضعاف قوة العرب وقدراتهم في تلك المجالات، وإبقاؤهم في حالتي عجز وتبعية، ومحاصرتهم، ومنع بيع حتى الأسلحة التقليدية لهم، إلا في حالات ضمان كونها : لاستنزاف الثروة وليس لتحقيق أي حسم أو أي نصر في المعارك، أو لمحاربة بعضهم بعضاً. وكذلك منع حصولهم على أو امتلاكهم لـ : أية أسلحة متطورة وتَقَانَة قادرة على إنتاج ذلك النوع من الأسلحة0
ب - رفع المقاطعة العربية عن "إسرائيل" وجعل عمقها الاستراتيجي اقتصادياً يمتد ليشمل الوطن العربي كله، واتخاذ أهل اتفاقيات : كامب ديفد وأوسلو - القاهرة، ووادي عربة جسوراً للامتداد في العمق العربي بصفة وكلاء ووسطاء " كمسيونجية " يخدمون من يحركهم في تلك الاتجاهات إلى أن يأتي وقت الاستغناء النهائي عن خدماتهم
والتوجه نحو سياسة ترمي إلى أن يصبح الكيان الصهيوني مفتاح الازدهار الاقتصادي أو الكساد الاقتصادي، من خلال وقوف الغرب والدول الصناعية إلى جانبه، وتواطئه مع الفئات العربية المنتفعة ببيع الوطن والقضايا الكبرى، لقاء البقاء والثراء والنفوذ الأوسع 0
جـ - التوجه نحو فرض النظام الشرق أوسطي مالياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً وحتى ثقافياً، بما يحمله ذلك من نفي للشخصية العربية - الإسلامية ومقوماتها وقيمها، ولما تسبغه تلك الشخصية من هوية وخصوصية على المنطقة وأهلها، وما يقود إليه الإحساس بالتمايز، الذي تمنحه الهوية والشخصية، من صلات ومواقف وتيارات تفكير وتدبير وتحرير 0
وجعل أبسط الصلات والمؤسسات العربية القائمة اليوم، ومنها الجامعة العربية، بضعفها وهزال تأثيرها، أثراً بعد عين، إذ هي "جامعة الكراهية"، كما يسميها شمعون بيريس، تلك التي يجب أن تزول ـ حسب رأيه ـ لتحل محلها "الجامعة الشرق أوسطية" حيث " لإسرائيل " متربَّع ومربع وربيع فيها وموقع قيادي تأسيسي، ونصيب وافر من الهيمنة الشاملة / أمنياً واقتصادياً وسياسياً/.
د - تعزيز نمو قيم المجتمع الاستهلاكي في الوطن العربي، مما يزيد من ضعف الإنتاج الأساسي، وتدهور العلاقات الاجتماعية والأسرية السليمة، والفتك بقيم الفرد وبتماسكه الروحي وصلابته الوجدانية والنضالية. ويؤدي ذلك إلى شيوع الفساد الاجتماعي وقيمه وأساليبه وعلاقاته، ومناخه العام، الأمر الذي يقضي على الفرد والمجتمع، ويغير التطلعات والطموحات والمعايير الأساسية لما هو جيد ونظيف ومقدَّم في الحياة، وإلى ما هو نقيض ذلك في النظرة الاجتماعية .
وفي ظل مجتمع متهالك متهافت منهار لا يسود إلا الانحلال والسطحية والجهل والتواكل والتخلف الروحي والنفسي، وموات الطموحات والتطلعات الكبرى 0 وهذا يقود إلى أن يستمر استنزافنا بإرادتنا، وجعلنا مجرد أفواه وسواعد، نخدم ونأكل، ونكون في خدمة الغير / وهو هنا العدو / الذي يحتل مرتبة الرأس من الجسد، ويأخذ الاهتمامات العلمية والمعرفية والحضارية والتقنية العليا، بينما نبقى نلهث عند عتبة السلم في هذه المجالات 0
فهل يستطيع المثقفون العرب استيعاب معنى هذه المخاطر والتحديات والتصدي لها، من خلال رؤية مستقبلية وبرامج تربية وتثقيف وأداء سياسي واجتماعي واقتصادي، علمية وعملية، تهدف إلى تغيير الواقع والتحريض على السير في طريق :
الصمود للإغراء - مقاومة الصدمة - الابتداء من نقاط الانطلاق المفيدة والمجدية - ثم التقدم بثقة على طريق مجاوزة التخلف والضعف والإحباط، والانتقال إلى امتلاك : الإيمان والثقة والعلم والتَّقَانَة وكل الإمكانات التي تحقق مشروعاً نهضوياً ومنقذاً، وتضع حداً لمشروع الغير المناقض لمشروعنا ؟ ! 0
إن هذا التحدي ليس بسيطاً وقد يحتاج - بل إنه يحتاج فعلاًـ إلى أن نعود إلى المدرسة وننطلق منها بقيم تربوية ومعطيات معرفية وعلمية لنبدأ تكوين الإنسان الصلب القادر على حمل مشروعه وتحقيق ذلك المشروع .
ومن المؤكد أن المدرسة ليست مجرد جدران وإمكانات مادية وإنما هي المعلم والمدرس والأستاذ / إنها الإنسان القادر على صنع الإنسان / وهل يُبنى ذلك بغير الثقافة الجادة، والمعرفة العميقة، والحب الكبير للأرض والحق والحرية والحقيقة والإنسان ؟؟
أشك بإمكانية تحقيق ذلك من غير وجود الإنسان المؤهَّل، وأومن بقدرة الثقافة على تكوين ذلك الإنسان وتأهيله 0
وهذا التحدي الكبير ملقى على الثقافة العربية وأهلها، وهم قادرون على التصدي لذلك التحدي، فهل تنهض وننهض بأعباء مواجهة استحقاقاته ؟ ! إنه سؤال مطروح بحدة وشدة 0
ومن المسلم به أن رأس حربة التغيير الجذري في هذه المجالات وقاعدته المتينة هو التربية والمناهج والجامعات والبحوث العلمية، ونحن نذكر أنه في بداية الستينيات من هذا القرن، وبعد أن حقق السوفييت تقدماً على الأميركيين في مجالات غزو الفضاء، قرع الرئيس كيندي ناقوس الخطر، وابتدأ بالمدارس والمناهج، وبعد عقد من الزمن تقريباً تقدم الأميركيون على السوفييت في هذا المجال. وهذا لا ينفي مشاركة الثقافة ودورها وتأثيرها في هذه المجالات جميعاً؛ ولكن لا بدَّ من مواجهة سؤال هام هنا وهو :
هل تستطيع الثقافة أن تؤدي دورها فتحرر بالوعي المعرفي، وتنقذ من الخواء الروحي والضلال، وتدفع الإنسان في طريق العلم والحضارة والتقدم بأنواعه؛ من دون أن تنمو في مناخ من الحرية، ومن دون أن تقوم على أسس من احترام الممارسة الديمقراطية ؟!
وهل يستطيع المثقفون أن يحرروا الوعي والإنسان، وأن ينيروا القلب ويخصبوا الروح، من دون أن يحرروا أنفسهم من التبعية والنفعية والإغراض المريض، ومن كل خلل في سلم المعرفة والمعايير والقيم الخُلُقية والإنسانية السليمة ؟!
أكاد أقطع بأن جوهر الإبداع والفكر هو: قيم رفيعة، وتعلُّق بالحرية والعدل والحقيقة والقيم 0
وأكاد أقطع أيضاً بأنه من دون إشاعة المساواة بين الناس، واحترام الحقوق والحريات العامة، لا سيما احترام حق الآخر في الاختلاف تحت سقف ثوابت الانتماء والمواطنة والوطن؛ لا تقوم لثقافة أمة ولمثقفيها قائمة يستند إليها المجتمع ونظام الدولة، فتحرر وتبني وتمارس وجودها الحيوي الذي تحتاج إليه الأمة والبشرية، ولا تتقدمان من دونه أبداً 0
ولذلك فإن :
ــ قضية الممارسة الديمقراطية على أرضية الانتماء، واحترام الحقوق والحريات العامة، وربط الحرية بالمسؤولية عن أمة في واقعها ومعطيات ذلك الواقع، وفي تطلعاتها ومشروعية تلك التطلعات، وما يرتبه كل ذلك من تبعات والتزامات 000 هو مما يطلب من المثقف والثقافة رعايته؛ مع التأكيد على أهمية جعل أفق الحرية مفتوحاً على مداه، يجدده الوعي المعرفي باستمرار ويساهم هو في تجديد الوعي المعرفي وتعميقه باستمرار، من دون أي نوع من أنواع الوصاية أو التضييق، وصاية مثقف على مثقف وتضييق سلطة على ثقافة 0 وإن التعمق في دراسة موضوع : السلطة والحرية، لاسيما في المجال الثقافي، والعلاقة بين السياسي والثقافي من أهم الموضوعات التي تستدعي الاهتمام والرعاية في هذا المجال 0
ــ مقاومة الاعتراف بالعدو الصهيوني وأشكال تطبيع العلاقات معه. ومن المفارقات التي يواجهها المثقف الملتزم بتلك المقاومة، في هذه الحالة : أنه يبدو وكأنه ضد السلام، أو يراد له أن يبدو ضده، وهو يقدَّم على أنه كذلك، ومثل هذا الوضع ـ المفارقة التي يبنونها حوله ـ يجعله مرتبكا في بعض الحالات، لأن الثقافة المبنيّة على مسؤولية خُلُقية وقيم إنسانية، هي تاريخياً مع السلام، فكيف يكون هو ضده؟!
والتحدي الذي يواجه المثقف في مثل هذه الحالة هو القدرة على التفريق والإقناع بذلك التفريق بين السلام الصهيوني - الإمبريالي المفروض علينا نحن العرب والمرفوض منّا عقلياً ووجدانياً لأنه ليس السلام، وإنما هو اتفاقيات إذعان تفرض في حالة من عدم التوازن الإستراتيجي بيننا وبين العدو، نتيجة لخلل في الموازين الدولية جرّاء المتغيرات، ذلك الخلل الذي لا يمكن أن يدوم أبدياً على هذا النحو، وبين سلام ينبع من إقامة العدل في المنطقة وإزالة العدوان وأسباب التوتر فيها؛ ولن يتأتى ذلك إلاّ باقتلاع الاحتلال الصهيوني والقضاء على أشكال العدوان ومظاهره، وعلى رأس ما ينبغي القضاء عليه : قيام سيادة صهيونية في فلسطين العربية 0
وعلينا أن نوضح أن موضوع السلام ليس هو الموضوع الذي نقاومه، وإنما التزييف الفاضح والفادح لكل من مفهومي العدل والسلام معاً، وما يفرض علينا من مفاهيم مزيفة وفاسدة بقوة التفسير الدولي للقانون، الذي تحتكره وتفرضه وتسوقه الولايات المتحدة الأميركية، بامتلاكها القوة وسيطرتها على مجلس الأمن الدولي 0
فما يفرض علينا هو اعتراف قهري بحق القوة المعتدية الغاصبة الغاشمة، حقها في الوجود فوق أرضنا على حساب وجودنا، وإقامة دولة وسيادة على حساب دولتنا وسيادتنا. ما يُفرض علينا هو إلغاء لقوة الحق التاريخي التي تتمثل في عروبة فلسطين وحق شعبها في العودة إلى كل شبر منها وإقامة دولته المستقلة فوق تراب وطنه المحرر، وإقرار وتمكين لحق القوة العدوانية في الوجود فوق أرض الغير.
وعلى ذلك فان مسيرة الاعتراف بالعدو الصهيوني، وتطبيع العلاقات معه، هي مسيرة مناقضة للحق والعدل ولمصلحة أمتنا وللمبدأ الخلقي القيمي والإنساني العام، الذي تتعلق به الثقافة ويقوم عليه الإبداع الأدبي والفني والفكري؛ وهي مسيرة مكرسة للظلم والظلام والقهر ولسيطرة القوة، وهو ما يتناقض مع نور الحق الذي تهدي إليه الكلمة وتهتدي به الثقافة0 والنور والعدل والحق والحرية، سلام بل هي جوهر السلام، لأن ذلك يرسخ الأمن والاطمئنان والسكينة في نفوس الأفراد والجماعات، على أرضية الخلقية حقانية 0
فهل نحن قادرون، في المجال الثقافي بمفهومه العميق الشامل، الذي يضم المثقفين جميعاً،حسب ذلك المفهوم، من المعلم إلى العالم إلى ذوي الثقافة العامة والثقافة التخصصية ؟! هل المثقفون قادرون على مواجهة هذا النوع من التحدي الكبير الجارف، وهذا التحريف للمفاهيم، والتزييف للواقع والوقائع والمسلمات والرؤى والمعطيات ؟!؟ ذلك الذي تحشد للقيام به وترسيخه وسائل إعلام ومراكز أبحاث غربية وعربية، وتقف وراء ه قوى وسياسات وأجهزة مختلفة، وتدعمه رؤوس أموال كبيرة ؟!؟
هل يستطيع المثقفون العرب تكوين جبهة قادرة على العمل بجدية لتحقيق حضور في ساحة القرار السياسي العربي يلغي اتفاقيات الإذعان؟!؟
وهل المثقف قادر على أن يصرخ في وجه السلطة الغاشمة، أياً كانت السلطة، حينما يكون معه الحق، وأن يمارس انتماء فعلياً للحرية المسؤولة?!؟
هل المثقف العربي مستعد لمواجهة هذا التحدي بقدراته الذاتية وإيمانه ووعيه التاريخي، وأن يتحمل جراء تلك المواجهة صعوبات وضائقات وتضحيات، تصل إلى حدود إسراج فتيل الدم نوراً عند عتبة الظلام ؟!؟
إن هذا الموقف المطلوب لا يتصل بالحق والعدل والانتماء الوطني والقومي فقط، وإنما يتصل أيضاً بترسيخ القيم ورفع الأنموذج الأفضل والأسمى، وفتح باب النضال الإنساني في الحياة على مصراعيه، ضد الظلم والعنصرية والعدوان والقوة القهرية، ومن أجل ألا تشوه الحقائق. وهذا باب يُديم قيمنا ويبرر نشداننا للوعي والمعرفة والقوة، ويُديم العرف والمعروف بين الناس، إذا ما فتحناه بجدية وجرأة وكفاءة !!
فهل المثقف العربي، المدعو إلى مواجهة هذا التحدي، جاهز للمواجهة وقادر على تحمل أعبائها وتبعاتها ؟!؟
إن السؤال مطروح على القادرين على المواجهة والراغبين فيها، في آن معاً 0
ــ ومن التحديات المتصلة بهذا الموضوع والمرتبطة به أو الناتجة عنه، قضية تشويه معنى المقاومة الوطنية للاحتلال وجعلها إرهاباً وتخريباً 0 وهذا عدوان على الحق وتشويه للحقيقة واستهتار بالمعرفة وبالقوانين والأعراف الإنسانية والدولية؛ واستهتار فاضح بالتقدم العلمي والحضاري الذي أنتج تلك المفاهيم وأدى إليها 0
فكل من يقاوم احتلال الصهاينة لأرضه اليوم من العرب، وكل من يفكر بالتحرر من السيطرة الإمبريالية الصهيونية وبمقاومتها، ويوجه جهده لتحرير الأرض أو الإرادة أو القرار السياسي، أو يقاوم ويكافح للتخلص من أشكال التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية هو مخرب وإرهابي وعدو للمجتمع الدولي ـ الذي يمثل الولايات المتحدة الأميريكية و"إسرائيل" ودول الاستعمار الغربي الأخرى فقط - بعرف القائلين بمقاييسه وتفسيراته.
ومن يريد أن يعود إلى أصالة من أي نوع وإلى مقومات شخصية ثقافية وحضارية أو هوية قومية، أو إلى عقيدته ومقوماتها وقيمها وأصالة تعاليمها وسلامة تلك التعاليم، محكوم بتهمة الأصولية، بمفهومها السياسي المقدم صهيونياً والمروَّج أميركياً 0 وقد غدت هذه التهم الجاهزة : إرهابي - مخرب - أصولي..) تُلحق بكل من يرفع راية العروبة والإسلام، راية القومية والدين، راية التحرر من التبعية للآخرين والتمسك بشخصية ثقافية وبهوية متمايزة. ولا يدرك بعض العرب، وبعض المسؤولين من بين العرب على الخصوص ـ أو هم لا يريدون أن يدركوا ـ خطورة هذا الوضع وانعكاساته المستقبلية على المنطقة والأمة؛ بل يشاركون أحياناً في إيجاده وتضخيمه وتعزيزه وتعميمه 0
كما تشارك عناصر مدسوسة على العروبة والإسلام، أو مشوهة الرؤية لكل منهما، تشارك في ذلك الفعل، وتعطي للصهيونية العنصرية الحاقدة وللغرب المتواطئ معها، ذرائع ومسوّغات 0
ويترتب على المثقفين العرب تغيير تلك النظرة من خلال الرد على كل حملات التشويه والتشكيك الرامية إلى إبادة الوعي وزعزعة الثقة لدى المواطن العربي والأمة العربية، تلك التي تقوم بها الإمبريالية والصهيونية 0
ولا يكون ذلك إلا :
ـ بمراجعة صريحة وشجاعة ودقيقة للمفاهيم والمصطلحات والمواقف والاعتقادات، على أرضية من الفهم والعلم والانتماء والموضوعية، والنظرة المستقبلية الواعية لذاتها وأهدافها ووسائلها، المتبصرة جيداً بتاريخها وعلاقاتها التاريخية مع الأمم والدول.
ـ بإقامة جسور التواصل البناء بين الثقافي والسياسي والاجتماعي في هذا المجال، بنجاح وتوازن وحكمة.
فهل ينجح المثقفون في هذا العمل ؟؟!
هل يكونون قوة معرفية وجدانية تملك المصداقية والجرأة وتتصدى بكفاءة وجدارة، للضخ المعلوماتي المشوَّه والمشوِّه الموجه إلى إنساننا العربي؟!
هل يملكون المقدرة على جلاء الثوابت القيمية والقومية والعقائدية التي تميِّز شخصية أمتنا عن سواها من الأمم، وتمايز ملامح هويتها عن الهويات الأخرى، وتجعلها قادرة على المثاقفة بثقة واقتدار، وعلى تحقيق معنى الانفتاح على الآخر باعتزاز ودونما خلل؛ فيصبحون قوة تدافع، بالمعلومة والفكرة والتحليل والأسلوب ونوع الخطاب، عن كل تلك المقومات والقيم بعلمية ومنطقية وحماسة ? أم أنهم سيهابون الأحكام المسبقة والعصي الغليظة المرفوعة في وجه من يفعل ذلك، وأساليب التعتيم والتقزيم التي يلاحق بها من يتوجه مثل ذلك التوجه؟!؟
وهل سيصمد المثقفون العرب أمام الإغراءات المالية والإعلامية، وأمام إغراء المكاسب وجوائز التلميع، وأساليب التصدير والتسويق والترويج العالمي، ذلك الذي تقدمه الجهات الإمبريالية والصهيونية لكل من يخرج من العرب والمسلمين على أمته وعقيدته وبيئته الثقافية، ويترك حقوقه ويزري بانتمائه لهذه المنطقة من العالم ولمقولاتها وحقوقها ومعتقداتها وتاريخها ونضالها ومعاناة أبنائها وآلامهم وآمالهم وتطلعاتهم؟؟!
هذا التحدي مطروح على المثقفين العرب، ومطروح عليهم في الوقت ذاته التفكير بإيجاد الإمكانات والوسائل، والإبداع في ذلك كله، لمواجهة أشكال التضييق والمنع والقمع الذي تشارك به جهات عدة، ابتداء من أجهزة مخابرات التحالف الدولي ضد الشعوب وانتهاء بعناصر السمسرة، والميوعة الثقافية والإعلامية العربية وأعلامها وإمّعاتها، الذين بدؤوا يدخلون " التاريخ " في عصر التطبيع، من خلال ادعاء الوعي الزائف والتسامح المحمول على حق العرب والمسلمين في أرضهم، وبالواقعية الانهزامية التي أخذت تضع بيوضها وأجنّتها هنا وهناك، وتفرِّخ فساداً وإفساداً، وانفلاتاً وجهلاً، وحقداً مقيتاً يمليه ذلك الجهل وينميه، ويبثه ضد كل من يقاوم تياراً يدعون أنه لن يُقاوم، ومن يدعو إلى بناء الثقة بالذات وبالمستقبل للإبقاء على صلابة روحية واجتماعية وأخلاقية تحمي ما تبقى لأمتنا، وتؤسس لبناء أجيال وقدرات تمكن من استعادة الحق والدفاع عن الذات 0
نعم قد لا ينجح جيل من المثقفين العرب المؤمنين بالتغيير في تحقيق غاياتهم، وقد يكون موج التطبيع والتطويع والتركيع والإذلال والابتذال أكبر منهم؛ ولكن كلماتهم ومواقفهم لن تموت وستبقى شعلة ومصباحاً، وزيتاً يمد ذلك المصباح من زيتونة نقية، استقرت في الوجدان النقي لعرب ومسلمين وبشر أسوياء يرون ميزة الإنسان في العدل لا في التخلص من كل حمل يثقل وجدان الإنسان وذاكرته بسبب من هدم صرح العدل 0
ولا بدَّ أن تهدي تلك الشعلة عقولاً وتنير دروباً، فتضيء من بعد ظلمة، وتصيب عدلاً من بعد يأس من تحققه، فالكلمة الطيبة نبتة طبية لا تموت، و شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) "النور"(25) 0
ــ ومن التحديات التي تواجه الثقافة العربية والمثقفين العرب تحدي إعادة الاعتبار للكتاب والقراءة في ظل الانصراف النسبي عنهما، لا سيما بسبب مزاحمة أجهزة السماع والرؤية المتقدمة، في عصر القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الحديثة وزمن المعلوماتية المتدفقة كالسيل 0
ولن يتأتى ذلك بمجرد لمسات تعالج سطح المشكلة، إنه يحتاج إلى مراجعة مضنية وقاسية وشجاعة للذات، لما نستند إليه من مستقرات، ولما نملكه من معلومات وأساليب أداء ومناهج بحث، وأسلوب خطاب، وطرائق توصيل وتعبير وتأثير، وما نعالجه من تجارب وقضايا ومشكلات، وما نقدمه من نماذج بشرية في إنتاجنا الإبداعي.
إن جوهر المشكلة هو محتوى الكتاب، ومضمون ذلك الذي نقدمه وفائدته ومصداقيته، ومواكبته للعصر والعلم ومدى الحاجة إليه.
إنه هو الذي ينبغي أن يتوافر فيه ما لا يتوافر في تلك الأجهزة، وأن تبقى الحاجة إليه قائمة على الرغم من تطورها الهائل.
إن المصداقية التي تكتسبها الكلمة بالجهد والتحصيل والعلم والتجربة والغوص في المعاناة البشرية بعمق، على أرضية الثوابت المبدئية والقيم الإنسانية والخصوصيات البيئية، هي ما يشد الناس ويؤثر فيهم.
إن لما تقدمه تلك الكلمة من رؤية عميقة في الحياة وللحياة، وما تفيض به من مشاعر، في إطار خصوصية تفتقدها الأجهزة المزاحمة وأفلاكها ومرجعياتها المعرفية، هو ما يمكن أن تنفرد به الكتب، والمستويات الرفيعة من إبداع الكلمة 0
وأسلوب الخطاب الثقافي العربي هو أكثر وأهم ما يحتاج إلى مراجعة وتدقيق وتغيير، ليكون موضوعياً من دون برود، وعلمياً من دون جفاف، وأصيلاً عصرياً ومستقبلياً؛ يتصل بالحياة في واقعها من جهة ويفتق ببصر وبصيرة عوالم الخيال ومنافذ الأمل ويستشرف من جهة أخرى، ينغرس في طين الأرض ومعاناة البشر، ويمتد رؤى وأجنحة نحو السماء لتنير دروباً للروح تجعل قدرتها في تجدد لاستيعاب الواقع ومجاوزة الصعاب والانفتاح على غد آخر وفرح قادم وعمل مثمر؛ أسلوب يؤمن بقدرته على الخلق والتأثير والتغيير، ويقاوم من أجل الحياة والإنسان بعبقرية الإنسان وطاقته، ويتوجه إليه وينطلق منه، ويستند بالدرجة الأولى إلى مصداقيته وجوَّانيته، وإلى الكنوز القابعة في أعماقه، وأنهار الطاقة التي تحتاج إلى من يفجرها ويستثمرها0
فهل يستطيع المثقفون العرب دخول ميدان هذا الأداء باقتدار؟!
وهل يعطون الزمن في هذه القضية حسابه الدقيق وأهميته البالغة الأهمية ؟؟
إنه التحدي العصري الكبير الذي يتوقف على النجاح فيه إحداث نقلة نوعية في الأداء الثقافي والبشري، وفي مساهمة ذلك الأداء في التقدم الاجتماعي والمعرفي بشكل عام.
ــ وهناك تحد رئيس آخر يتصل بالبيت الثقافي العربي ذاته، ولا سيما بمن يتعاملون مع الكلمة بحثاً وتأليفاً؛ ويتصل ذلك التحدي بالتراتبية الثقافية / تراتبية الأشخاص والنصوص / فقد تأثر المشهد الثقافي العربي، لا سيما في النصف الثاني من هذا القرن، تأثراً كبيراً بالمواقف والأحكام والانتماءات السياسية والأيديولوجية؛ وأصبح الحكم جاهزاً على الشخص والنص والمنتج الإبداعي، من خلال الانتماء السياسي أو الرضا السياسي عنه، الأمر الذي رافقته أو انبعثت عنه حملات إعلامية و"نقدية - مع الاحترام العميق للنقد السليم الذي كثيراً ما كان بريئاً من ذلك - تقوم على المدح أو القدح، على الإضاءة والتعتيم، التضخيم والتقزيم، بعيداً عن الموضوعية وعن القيم والمقومات الأدبية والفنية؛ الأمر الذي أدى إلى إصابة ذلك المشهد بخلل كبير، حيث تنتشر في سمائه نجوم لا يصمد بريقها لامتحان الأصالة عند الجد، وأثقلت في موانئه شخصيات ونصوص وإبداعات بمراسي ثقيلة، فغرقت أو كادت تغرق في خضم الإيهام والتثريب والاختصام، وأبعدت عن مساحات الرؤية والرأي بفعل الثقافة المصنَّعة، والجماهير المصنوعة، التي كانت تنقل من قاعة إلى قاعة، ومن ساحة احتشاد إلى أخرى، لتكون بديلاً عن الرأي الحق و"الجماهير" الحقة، ويُجسَّد بعد ذلك رأيها في الإعلام فيكوّن حقائق الإعلام، التي أتت في هذا العصر على كل أثر للحقائق؛ ومما يؤسف له، أننا في السياسة والثقافة والأدب نعيش عصر حقائق الإعلام وليس عصر الحقائق 0 وهذا الأمر، الذي مازال تأثيره السلبي مستمراً، لا يمكن التأسيس عليه والبناء على أسسه الخربة 0 وما لم يقم أهل الثقافة بإعادة ترتيب بيتهم على أسس سليمة، ومعايير دقيقة وواضحة وأصيلة، موضوعية وعلمية، يعرضون عليها الأشخاص والأفكار والنصوص لوضعها في إطــــار تراتبية تقويمية صحيحة، ويقيمون على أساس راسخ من الجدية والاحترام للقيم والمقومات الأدبية والفنية والفكرية، أسس التذوق والفهم والتقويم والحكم والانتشار، فإن تأثير الخلل سيأتي على كل أسس البناء السليم لقيم الثقافة، وعلى دورها في الحياة وتأثيرها في الناس، وستلحق تلك الآثار ضرراً فادحاً بمناخ الثقافة وإنتاجها، وبقدرة ثقافة الأمة على خوض معترك المثاقفة بثقة، والبقاء في إطار الحيوية والفاعلية والتجدد 0
فهل نرتب بيتنا قبل أن نزعم القدرة على ترتيب بيوت الآخرين، لا بل القدرة على ترتيب برامجهم الحيوية وأهدافهم ودواخلهم وتوظيف قدراتهم، حسب منهج واستراتيجية وبرامج وأهداف قومية وإنسانية عليا؟!
إن ذلك التحدي مطروح بحدة، شأنه شأن ما سبقت الإشارة إليه من تحديات، وعلينا أن نواجه واقعنا وأنفسنا لتبدأ مسيرة مدروسة في ظل الظروف الصعبة، والتطور السريع الذي يجتاح معارف العالم وقدراته وقاراته، وأممه ومجتمعاته.
(1) إعلان مكسيكو بشأن الثقافة _ الفقرة _ 4 _ ص 218 من النص العربي وهو وثيقة تضمنت نتائج أعمال المؤتمر الدولي للسياسات الثقافة الذي عقد في المكسيك .
|