المثقَّف العربي والمتغيِّرات / د.علي عقلة عرسان / دراسة / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1995

التطبيع دعاة ورافضون :

ــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

بدأ تداول مصطلح التطبيع أو التعويد NORMALISATION في السياسة والإعلام، منذ كامب ديفد 1979 وازداد استخدامه وانتشاره ووضوحه بعد مؤتمر " سلام مدريد " والمفاوضات التي أعقبته بين العرب والكيان الصهيوني . ويصل إلىَّ من ذلك المصطلح معنى التعامل المتنامي، أو ذاك الذي ينبغي أن يتنامى، أفقياً وشاقولياً، في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية ...الخ، مع قوة الاحتلال الاستيطاني الصهيوني على أرضية الاعتراف، وشرعية الوجود، وحق البقاء والأمن وإقامة "الدولة " والتواصل والتعامل العاديين، مع "الجوار"، في الأراضي التي احتلتها تلك القوة الغازية من فلسطين العربية / الجزء الجنوبي من سورية الطبيعية أو بلاد الشام / قبل الرابع من حزيران 1967 .‏

ويرمي الجهد المبذول لفتح مجالات التطبيع كافة وترسيخها، إلى أن يكتسب الاعتراف الرسمي، من قبل الأنظمة العربية "بدولة" الكيان الصهيوني، أبعاده الشعبية والتاريخية، حيث يتم العمل على إعادة تكوين المفاهيم والقيم والقناعات والمواقف، على الصعيدين الفردي والجمعي، لتزول حالة العداء، ويغدو الجسم الصهيوني المزروع في فلسطين على حساب اقتلاع الفلسطيني، جزءاً عضوياً من تكوين المنطقة ونسيجها العام، تلك التي لا بد ـ حسب وجهة النظر تلك ـ من أن يتغير فيها الكثير لتستقر على ذلك الحال المطلوب؛ ولا مناص من أَن يشمل التغيير المناهج التربوية والتعليم، والتاريخ الذي للمنطقة، والتوجه الثقافي بمقوماته وقيمه وأهدافه ومعظم معطياته.‏

ويأخذ مصطلح " التطبيع" عند التلقين والإيحاء والتطبيق، أو في أثناء الشرح والتسويغ والتسويق، مدلولات منها:‏

1 ـ التكيف بمرونة الأذكياء ولياقتهم الحضارية .‏

2 ـ الترويض والتطويع والتركيع، وصولاً إلى " الشفاء" من هاجس التحرير (؟؟؟) والاعتياد على ما سواه.‏

3 ـ وصول الأمور إلى سياق طبيعي عادي مع العدو، سواء تم ذلك بـ " العودة " إلى سياق، أبعد من حالة الحرب، يُصنّع له تاريخ، أو " يُحْيَا له تاريخ ـ حسب اجتهادات البعض ـ " أو تم بالتركيز على إيجاد مفاهيم وصيغ جديدة من التعامل والتواصل والتفاعل؛ وعلى تغيير مكونات الذاكرة والوجدان ومكنوناتهما، لتغدو الحياة مع الكيان الصهيوني ذات "سياق طبيعي" (؟؟؟) اعتيادي مألوف ـ أو يُؤْلَف لاحقاً ـ يستقر مع مرور الزمن ويصير لها تاريخ.‏

كما يُراد لتلك المدلولات أن تُحكم بمعطيات تُستمد مما يحفل به تاريخ العلاقات بين الدول والشعوب، من صراعات ونزاعات آلت في نهاية المطاف إلى نوع من التطبيع، أو عادت فيها الأمور إلى طبيعتها؛ إذ يقدَّم المصطلح مشفوعاً بمنطق، أو تتم منطَقته ليكتسب تلك الأبعاد المطلوبة، وكأن بيننا وبين الصهاينة واليهود الخَزَر تاريخ بعمر التاريخ لتؤول الصراعات والنزاعات الناشئة بيننا إلى الطبيعي والمعتاد ( ؟؟؟ ) والأمر الطبيعي والمعتاد حقيقة في حالتنا مع العدو الصهيوني هو ألا يكون موجوداً . ويتجاوز القائلون بذلك حقيقة أن ما بيننا وبين الصهاينة هو سرقة وطن وطرد شعب وتناقض مشروعين حيويين، وصراع وجود وليس خلافاً على مصالح ونزاعاً على حدود.‏

ويتم الحرص على تقديم ذلك التوجه نحو التطبيع، بواقعية مادية باردة، ذات مخالب وأنياب لا تنظر إلى السماء، ولا تتمتع بأية أجنحة، بل لا تسمح بأن تنظر عيون إلى السماء أو تنبت لأصحابها في الأعماق آمال وأجنحة؛ ويصوَّر الأمر الواقع الذي يمليه الوضع الراهن في منطقتنا، تصويراً قدرياً شمولياً، وينزَّل على الناس تنزيلاً، ليشيع فيهم روحٌ استسلامي يتنامى في ظل مناخ واقعية انهزامية، تغذيها وقائع ومعطيات عربية تنمو في ظل سيطرة قوة استعمارية وتفوقها، قوة تتحكم بمقدرات البشرية وقرارها؛ ويقدَّم ذلك على أنه أبدي؛ وكأن هذا هو المنطق الوحيد والسليم للحياة وفيها !؟ بينما الحياة لا تعرف الجمود والركود ولا تكون من دون صراع أقطاب، وتداول دول وتغير أحوال؛ فهي الحركة بكل ما تنطوي عليه من معانٍٍ وغنى واحتمالات.‏

يشكل تطبيع العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني، الذي يحرص عليه العدو وحلفاؤه وأهل الواقعية الانهزامية من العرب، حاضنة للسلام الإسرائيلي ـ الأميركي، المفروض على الأنظمة العربية، المرفوض في الوجدان الفردي والشعبي للعرب؛ وحاضنة لكل اتفاقيات الإذعان التي عقدت لتؤدي إلى ذلك " السلام"؛ وتحمي تلك الحاضنة أنظمة وأشخاصاً، ولا تحقق إلا "لإسرائيل " ما تريده وما تتطلع إليه؟ ومن دون هذه الحاضنة " التطبيع " سيبقى ما يسمى " السلام "، رسمياً ـ فوقياً ـ مزعزعاً ـ بيروقراطياً معزولاً، ذا بنية عنكبوتية تطفو على بُعد أشبار من سطح الأرض ؛ لا يزيد على كونه حبراً على ورق، ونوعاً من الهدنة، يجري في ظلها الإعداد والاستعداد لمعارك جديدة يوقد نارَها بقاءُ القديم في الذاكرة والوجدان على ما هو عليه، وإبقاءُ جذوة الصراع مغطاة بقشرة من رماد .‏

وقد أدى استخلاص الرأي، واستقراء التجربة الماضية ـ تجربة كامب ديفد ـ إلى اقتناع عميق عند مهندسي التصفية ومن يرعون استنبات الكيان الصهيوني في الحوض العربي؛ اقتناع بدور رئيس وفاعل للعمل الثقافي وللمثقفين في تحقيق الأهداف السياسية للعملية السلمية، وترسيخ ما يتم في المنطقة تحت اسم السلام من فعل وفكر يرميان إلى تصفية القضية الفلسطينية وتسوية الصراع العربي الصهيوني على حساب العرب، ترسيخ ذلك، في الذاكرة والوجدان، وتجسيده في قيم وسلوك وعلاقات ومصالح، على أرضية من منطق وتأثير قوة وإبداع معاً؛ بتوظيف إمكانات وأشخاص ذوي مكانة وتأثير، واستثمار خبرة سابقة، في إطار فعل سياسي ـ إعلامي ـ ثقافي، يترافق ويتفاعل مع تأثير نفسي يستمد رصيداً و قوة وعمقاً مما تختزنه الذاكرة العربية من رعب المذابح، وهزائم الحروب، وتآكل الثقة، وتفتت الصف، وانعدام احترام الحقوق والحريات والمصلحة العليا للوطن والأمة والإنسان.‏

وتحقيقاً لذلك، واقتناعاً من قبل الجهات المعنية بفرض العملية السلمية وإنجاحها، تم وضع الخطط والمشاريع وبرامج العمل، ورصد الأموال وإقامة مراكز أبحاث ومعلومات، وإنشاء أجهزة إعلام أو التعاقد مع أجهزة إعلام قائمة (وكذلك مع وسائل نشر) وتشكيل مجموعات عمل، مثل : " بناؤون من أجل السلام"، للاستثمار في الضفة الغربية وغزة. ـ و " بذور السلام" ؛ وتم أيضاً تكوين مجموعات تحريك وضغط "لوبي"، والشروع في تنفيذ البرامج الموضوعة،لا سيما على الصعيد الثقافي، بهدف تسخير الثقافة لخدمة السياسة، ولخدمة سياسة معينة، سياسة تتبنى استراتيجيات وتعتمد تحركات مرحلية "تكتيك" بغية تحقيق أهداف ثابتة على رأسها إضفاء شرعية على احتلال الصهاينة لفلسطين، والاعتراف بدولتهم وفرض هيمنتهم على المنطقة، وتعزيز قدراتهم الاقتصادية والعسكرية، لتبقى لهم السيطرة والغلبة ويستمر تفوقهم على الدول العربية مجتمعة والدول الإسلامية الموجودة فيما يسمى "الشرق الأوسط"؛ وإيصال العرب إلى مناخ إحباط وهزيمة داخلية يؤدي إلى إقناعهم بذلك المشروع أو إخضاعهم له وفرضه عليهم بكل الأساليب والوسائل الممكنة، بدءاً من الإغراء والشراء والإغواء وتوزيع شهادات الحضارية "وجوائزها"، وانتهاء بالتشويه والإزراء والملاحقة والإبادة الشاملة/ روحياً وجسدياً / بذرائع شتى منها إنجاح السلام ومقاومة من يقاومونه والقضاء على التطرف والإرهاب، وهما الصفتان اللتان تُعطيان في هذا الزمن العربي الرديء والعالمي البائس، من يقاوم الاحتلال الصهيوني، وإملاء الغرب الاستعماري واستلابه ونهبه الدائم للمنطقة، ولمن يرفض الاعتراف بشرعية "دولة إسرائيل" العنصرية على أرض فلسطين العربية ويناهض تصفيات مهينة تتم هنا وهناك، ولمن يقول بشخصية وبهوية ثقافية عربية تنفتح على الآخر ـ الذي لا يتقزَّم وينحسر ويُجْتَزَأ ليصبح الصهيوني والصهيوني أولاً، بينما الآخر يمتد عبر العالم كله ثقافة وحضارة وعلماً وتعاملاً ـ وتتفاعل معه من موقع التمايز والثقة والاقتدار، تأخذ وتعطي من دون عقد، وتتخلص من أشكال التبعية وأحاسيس الدونية والإحباط، ومن أشكال الاستلاب والإعجاب والمرض . وقد لمسنا زَجَّاً للثقافة أو تركيزاً عليها وتوجّهاً خاصاً نحوها بهدف توجيهها لتكون في خدمة مخططات التصفية مع الاحتفاظ بواجهة براقة مُعَصْرَنَة هي : ثقافة "سلام" بدلاً من ثقافة الحرب؟!!.‏

في ملتقى غرناطة /9 ـ 12 كانون أول 1993/ الذي عقد في ظل اليونيسكو تحت شعار " لننتقل من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام "، من أجل إعطاء دفع لاتفاق "أوسلو"، وإحداث انطلاقة في تنفيذ ما يُسمى "التطبيع الثقافي" ـ الذي هو في وضعنا الراهن حاضنة " سلام الاستسلام" واتفاقيات الإذعان التي تمت حتى الآن : / كامب ديفد، أوسلو القاهرة، وادي عربة / وهو بالأحرى حاضنة لكل اتفاق إذعان، والمسوّغ لكل شكل من أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني والتبعية للغرب الاستعماري والخضوع لمتطلباتهما ـ في ملتقى غرناطة ذاك تم إتباع نهج جديد لتوظيف الثقافة توظيفاً سياسياً مباشراً، اقتناعاً بعبر سياسة مستفادة من كامب ديفد خلاصتها:‏

" أن أي سلام لا تقبله الثقافة ولا تسوِّغه وتروِّج له سيبقى محنطاً في المكاتب الرسمية ومهدداً باستمرار " .‏

وذلك ما أكده شمعون بيريس، الذي افتتح هو وياسر عرفات ملتقى غرناطة، حيث قال ما نصه: " إن السلام القادم (1) أثمن من أن يُترك في أيدي السياسيين، أكلمكم بصفتي سياسياً " ؛ وهو ما جلاه وحدده المدير العام لليونسكو السيد فديريكو مايور الذي قال في مؤتمر صحفي عقد في بدء الملتقى: " إن البعد (الأدبي) الثقافي والإنساني يتقدم على ما سواه، ومن دونه لا يدوم اتفاق سياسي أو اقتصادي ... وإن التربية هي الوسيلة الناجعة لبناء السلام " .‏

في ملتقى غرناطة ذاك وُضِع أمام خمسين من المثقفين العرب (2) واليهود والأوربيين /14/ أربعة عشر مشروعاً ليجري بحثها ودعمها والترويج لها، في ظل اليونيسكو التي سُخِّرت لذلك، وكانت تلك طليعة المشاريع التي يُراد للمثقفين والإعلاميين أن يكونوا في خدمتها وأن يعملوا على ترسيخها وإنجاحها دعماً " لعملية السلام " (3) .‏

وأذكر من تلك المشاريع التي تضمنها جدول أعمال ملتقى غرناطة للمثقفين، ودُعي فيه إلى أن تكون تلك المشاريع فورية :‏

ـ إحداث مركز علمي في مرتفعات الجولان، يعمل فيه خبراء يهود وفلسطينيون !؟ ولنا أن نسأل أو نتساءل، والجولان عربي سوري، لماذا خبراء يهود وفلسطينيون في الجولان ؟! أليس لضرب العربي بالعربي، السوري بالفلسطيني ـ وإنعاش صورة تحالف فلسطيني صهيوني ضد التآلف العربي ؟!.‏

ـ إعادة كتابة تاريخ المنطقة، الذي سيقوم به مؤرخون من عدة جنسيات في "الشرق الأوسط "، منهم يهود ؛ ليصبح لذلك التاريخ طعم ملوك بني إسرائيل، ولتزييف الوقائع والحقائق التاريخية بمشاركة أبناء المنطقة ومؤرخيها، ولمسح تاريخ الصراع العربي الصهيوني من الذاكرة والوجدان وإعادة تكوينهما بما يتلاءم ومصالح " إسرائيل " والغرب المتحالف معها ؟!!‏

ـ عقد اتفاقيات ثقافية متضمنة النشر والإعلام ( إذاعة وتلفزيون) وقد وقِّعَت بعض تلك الاتفاقيات فعلاً .‏

ـ العمل على مشاريع تربوية تخص المناهج والمدارس (4)، لإعادة صوغ قيم الأجيال ومفاهيمها ‎ووجدانها ؛ والتركيز على التاريخ والجغرافيا والتربية القومية والوطنية والدينية على الخصوص (5) ، حيث تغيَّب آيات من القرآن وأحاديث نبوية، وتُغْفَل حوادث تاريخية مثل الغزوات والحروب التي جرت مع اليهود، أو تقدَّم تفسيرات مشوهة لها ولأهدافها ومجرياتها ؛ وكل ذلك بهدف إعادة تكوين الإنسان العربي تكويناً يتلاءم مع التوجهات المطلوبة لسيادة عصر إسرائيلي ـ أميركي، ولغسل العقل العربي والذاكرة من كل ما يتصل بحق العرب في فلسطين والإعداد والاستعداد من أجل استعادتها .‏

ـ تقاسم المياه.‏

ـ مشاريع زراعية وسياحية وتجارية واقتصادية.. الخ.‏

ويلاحظ من خلال تحديد موعد ملتقى غرناطة ومناسبته ونوع الرعاية له والحضور السياسي فيه : "عرفات وبيريس"، والأشخاص المشاركين، والمشاريع المطروحة، يلاحظ التوظيف الصارخ للثقافة في خدمة سياسة الاستسلام ومشاريعها، تلك التي تفرض على العرب "سلاماً صهيونياًً " مفروضاً أميركياً، يروَّج له تحت مظلات ثقافية ومؤسسات دولية ؛ ويستخدم المثقفين أدوات لترويج سياسة لا تخدم العدل ولا السلام الحق، وتعبث بمصائر الشعوب وحقوقها، وتزيف تاريخها وهويتها ومفاهيمها ونضال أبنائها؛ وتسبغ على احتلال أرض الغير بالقوة، وعلى القهر والاستلاب والممارسات العنصرية، شرعية (؟؟) وأية شرعية. ؟!!‏

ويقول مثقفون عرب، اختاروا هذا النوع من السياسات والتصفيات والتسويات ووافقوا على مساندتها وعلى أن يضعوا أنفسهم في خدمتها، يقولون : إنهم يفضلون سلاماً ناقصاً(6) على تحرير تأتي به الأصولية القومية و الإسلامية "، اللتين تمثل مقاومتهما النوعية للعدو الصهيوني، الذي يحتل الأرض ويمارس أقصى أنواع الإرهاب على السكان، تمثل تلك المقاومة بنظرهم " تطرفاً وإرهاباً وتخريباً ... الخ".‏

وسوف أجتهد في عرض وجهتي نظر :‏

* الأولى تقول:‏

"هناك دعوة إلى الواقعية تأخذ بالاعتبار المتغيرات العربية والدولية لا سيما بعد انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفييتي، وما نتج عن حرب الخليج الثانية من دمار وعلاقات جديدة وتحالفات وسياسات ووقائع مجسدة على الأرض.‏

وتلك الواقعية تتذرع بالآتي :‏

ـ لا يملك العرب صناعة أسلحة متقدمة، ولا يقوم احتمال أن يتمكنوا من امتلاك ذلك في المستقبل القريب.‏

ـ لا يوجد مصدر سلاح حالياً، يقدم لهم ما يحتاجون إليه، لا سيما في ظل هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على سياسة العالم ودوله، ولا يوجد من يمكن أن يتجاوز الرغبة الأميركية ـ الأوربية ويقدم سلاحاً للعرب ليحاربوا به " إسرائيل ".‏

ـ لم يعد في الوطن العربي تضامن ولا أرضية للثقة، ولا تعاون على أسس قومية مبدئية ثابتة وصادقة يمكن أن تعمل من أجل التحرير؛ بل السياسة المعلنة والمتبناة رسمياً، منذ قمة فاس حتى الآن، هي سياسة التسوية، وخيارات السلام بدلاً من خيارات الحرب.‏

ـ إن العرب لم يحققوا، ولا يلوح في الأفق أنهم يمكن أن يحققوا، أي شكل من أشكال التوازن الاستراتيجي مع "إسرائيل" علمياً ـ معرفياً ـ اقتصادياً ـ عسكرياً ـ تقنياً... الخ، وإن الزمن ليس في صالحهم لأنهم يزدادون تأخراً ـ حتى لو تقدموا ـ إذا ما قيس ذلك بما تحققه "إسرائيل" والغرب المتحالف معها، المقر بشرعية وجودها، والضامن لأمنها ولتفوقها العسكري على كل العرب والمسلمين ؛ فإذا كان العرب يتقدمون حسب متوالية عددية فإن أعداءهم يتقدمون حسب متوالية هندسية، هذا إضافة إلى ما حققه أولئك الأعداء وامتلكوه فعلاً من مخزون الأسلحة النووية والتقدم التقني ونتائج الخبرة حتى الآن (7) .‏

ـ العرب يملكون:‏

1 ـ مواد أولية لا يستخرجونها بأنفسهم ولا يسيطرون عليها ولا يتحكمون بقراراتها لا سيما البترول: (الإنتاج ـ التسويق ـ وتحديد الأسعار ـ ... الخ) وحتى الاكتشاف والتنقيب والاستثمار وتوظيف الأموال في هذا المجال .‏

2 ـ إمكانات وطاقات مادية وبشرية وموارد لا يحسنون توظيفها ولا ترشيدها فضلاً عن تطويرها.‏

3 ـ موقعاً جغرافياً متميزاً لكنه يتحول، على أيدي ساستهم وفي نطاق سياساتهم، إلى نمر من ورق ؛ فتلك الجغرافيا المتميزة لا تحكمها سياسة متقاربة أو متضامنة، و لذا فإنها تصبح متنافرة تزيد التفكك وتحيل مواطن القوة إلى مواطن ضعف ؛ والرأي ـ رأيهم ـ أن نكف عن الحديث عن مخاطر التطبيع لننصرف إلى تعاون مع الكيان الصهيوني بكل الوسائل، لأنه من دون خبراته وتفوقه وقدراته العلمية، ومن دون التعاون معه واكتساب رضاه ورضا حلفائه، لن نتجاوز ما نحن فيه من تخلف؛(8) وإذا كان ثمن ذلك تقديم بعض فلسطين والاعتراف "بإسرائيل" دولة من دول المنطقة، فلنفعل هذا لأنه ممارسة فعلية للواقعية . وعلينا أن نسرع قبل أن يذهب ما تبقى من الأرض ونندم على فرصة نفوِّتها، وقبل أن تستشري مقاومة الذين يريدون تعطيل مسيرة "السلام"، وقبل أن تنمو قوة أصولية قومية أو إسلامية، (!!) تعطل مشاريع التقدم؛ قوة لا يقبلها الغرب وترفضها الصهيونية كما يرفضها الغرب ويعدَّانها خطراً لا يقلُّ عن خطر الشيوعية المنهارة0(9).‏

وقد ذهب هذا الفريق من المثقفين العرب إلى مباشرة تنفيذ أفكارهم تلك ووضعوا أيديهم بأيدي العدو، على مذهب عرفاتيين يقول صراحة : "ضع يدك بيد القوي ـ إسرائيل ولنسحق الضعيف " ـ يعنون العرب ـ وادعى أولئك النفر من المثقفين أنهم إنما يقيمون جسراً " لسواهم؛ ولفَّعوا ممارستهم السلبية تلك بالانفتاح الفكري والحضارية والحداثية والنظرة الإنسانية المتعالية حتى على المآسي والمعاناة التي تنحر شعبهم، ومضوا في ذلك على الرغم من كون أراضٍٍ عربية، فلسطينية وغير فلسطينية، ما زالت تحت الاحتلال المباشر للكيان الصهيوني، وملايين الفلسطينيين خارج وطنهم ؛ وأخذ أولئك يجوبون بزوارقهم الشراعية المزركشة مساحات الماء، الذي يُراد له أن يرين على الغرقى، مصعِّرين خدودهم للناس، منشدين الشعر، "ناثرين" الحكمة" (؟!) متناسين الغصص المتصاعدة من تحت أقدامهم المحشوة فيما يشبه الأحذية الصينية المخصصة للصغيرات من النساء .‏

ولم يعرْ أولئك أهميةً حتى لحوار شكلي مع المثقفين العرب الآخرين حول تسويغ هذا الاختيار وتبريره بل وضعوا أيديهم بأيدي السياسيين والمثقفين الصهاينة ومضوا في طريق التطبيع الشامل الذي ينشده "الكيان الصهيوني" ويعمل على تحقيق خروق في كل مجالاته عربياً، في الوقت الذي يمضي فيه قدماً في الاستيطان والاحتلال والقصف والتدمير وملاحقة من يشاء في فلسطين، ويختطف من يشاء من جنوب لبنان، ويشوِّه ما يشاء من حقائق ووقائع وقضايا ومعطيات، ويعزز قدراته العسكرية، النووية وغير النووية، ويوسِّع ميناء حيفا للأسطول الأميركي الحليف له، ويخزِّن الأَسلحة في فلسطين المحتلة، ويقوم بالمناورات وتجارب الحروب المحتملة مع ذلك الأسطول على ساحل فلسطين وفيها استعداداً للقيام باستكمال مراحل المشروع التوسعي الاستيطاني ـ مشروع " إسرائيل الكبرى "، ثم " إسرائيل التوراتية "، واستعداداً لكل الاحتمالات التي تستدعيها حماية المصالح الأميركية، ومواجهة أية قوى عربية أو إسلامية، ترى الصهيونية والغرب الاستعماري مواجهتها والقضاء عليها.‏

* الثانية وتقول :‏

يقر الرافضون للاعتراف والتطبيع بالمتغيرات العربية والدولية التي حدثت، وبانعكاساتها السلبية على مجرى الصراع العربي الصهيوني، ويدركون معنى التغيرات التي حدثت وعمقها وانعكاساتها، ولكنهم لا يرون مسوّغاً لهرولة السياسيين والمثقفين العرب نحو الاعتراف والتطبيع، ولا يرون أن هزيمة نهائية قد لحقت بالأمة العربية (10 ) . كما أنهم لا يسلمون بأن هيمنة أميركا على السياسة العالمية هيمنة لن تتزعزع أبداً وأنها قدر أبيد؛ ويصعب عليهم أن يقتنعوا بتسويق الصهيوني العنصري بصفته طاقة علمية ومعرفية وخلقية لا مندوحة للعرب من الاعتماد عليها ليخرجوا من التخلف.‏

ويرون أن الاستفادة من ثروات الأمة العربية وطاقاتها البشرية والمادية هي إمكانية موضوعية واقعية لا ينبغي القفز فوقها، وأنه لا بد من إعادة نظر جذرية في الخطاب الثقافي العربي وفي قضايا تربوية وسياسية وثقافية وعسكرية بغية تعزيز الثقة بالنفس والحق والمستقبل؛ وأنه لامسوّغ لتدمير تلك الثقة لا سيما في هذه الظروف بالذات .‏

ويقول الرافضون لاختيارات دعاة التطبيع وحججهم وذرائعهم أيضاً:‏

1 ـ إن رجحان ميزان القوى لمصلحة العدو الصهيوني، بحكم انتصار حلفائه، لا يعني استقراراً لذلك الوضع على تلك الحال إلى الأبد، ولا يسوِّغ استسلاماً له ورضى بكل ما يأتي به، كما أنه لا يشكل هزيمة شاملة ومطلقة للأمة العربية وأجيالها .‏

ويرون أنه " علينا أن نعمل على توضيح ذلك، وكشف الغطاء عن الجهود المكثفة والمحمومة الرامية إلى ترسيخ روح الهزيمة في نفوس العرب، وتدمير كل ثقة لهم بأنفسهم وبالمستقبل الذي ينتظرهم لكي نتمكن من إفشال هذا المخطط "فالعدو يرمي إلى ذلك بالدرجة الأولى.‏

2 ـ لا تجوز مصادرة المستقبل، وليس منطقياً ولا واقعياً إغلاق كل المنافذ أمام الأجيال والإرادات العربية لإجبارها على السير في طريق وحيدة مرسومة؛ تبقى وحدها مفتوحة ومنارة ومزركشة هي طريق الاستسلام والقبول بالعدو الصهيوني شريكاً ومنقذاً ؟؟.‏

إن رؤية النصف الممتلئ من الكأس أو حتى بقايا ما في الكأس من ماء، هي من واجب العقل والوعي والموضوعية، كما أن استقراء تاريخ الأمة العربية بأمانة ووعي وحصافة؛ من خلال الانتماء والمسئولية القومية والخلقية، كل ذلك يرتب على المثقفين وأهل الرأي القيام بجهد يعزز الثقة، وينعش الأمل، ويؤكد أهمية فعل علمي وعملي لتهيئة مقومات وأسباب، مادية ومعنوية، يجسِّد من خلالها العملُ والإيمانُ والوعيُ، قوةً تحمي الإرادة والقرار وتحررهما ؛ وهي ما نحتاج إليه الآن في صراعنا مع العدو الصهيوني، وما سنحتاج إليه في كل المواجهات والتحديات المحتملة؛ فأمة بلا قوة هي كم من اللحم والدم والسلع والأرض تتناهبه الأمم.‏

3 ـ إننا نتمسك بعروبة فلسطين، وبحقنا التاريخي فيها، وندرك أهمية أن نُبقي ذلك حياً في الذاكرة والوجدان، وضرورة أن نقوم بكل ما ينعشه وينميه ويزيده رسوخاً وفعالية وتأثيراً؛ لذلك فإننا ـ على الرغم من كل المتغيرات الدولية والتحركات السياسية والانحناءات العربية المهينة ـ نريد أن نكرس حقيقة أن صراعنا مع العدو الصهيوني العنصري،الذي يحتل أرضنا، هو صراع وجود مع وجود وليس مجرد نزاع على حدود.‏

من أجل هذا واستناداً إليه، فإننا نرفض الاعتراف بالعدو الصهيوني وبأية شرعية لوجوده على أرضنا، حتى لو اعترفت الدول العربية مجتمعة به، فما يُلزم السياسي لا يُلزم الثقافي بالضرورة ؛ كما نرفض كل أشكال تطبيع العلاقات معه على أي مستوى وصعيد، ونتبيَّن مخاطر الاعتراف والتطبيع على قضايانا ومصالحنا ومشاريعنا الوحدوية والنهضوية وعلى مستقبل أجيالنا.‏

وننظر إلى ما تم من اتفاقيات مثل (أوسلو وتوابعها ووادي عربة) على أنها لا تمثل، بأي شكل من الأشكال، مصلحة أو رغبة عربيتين؛ وأنهما تنطويان على تفريط مريع بالحقوق التاريخية للفلسطينيين خاصة والعرب عامة. وحتى لو كانت تلك الاتفاقيات اتفاقيات إذعان، بالنسبة لمن وقعها من العرب ـ ونحن ندرك أن الأمور لم تكن كذلك بالنسبة للبعض، فهاهو الملك حسين يباهي بأنه طوال سنوات الصراع العربي الصهيوني كان على اتصال سري بالعدو ـ فإن في ذلك خيانة لكل الأهداف القومية والوطنية التي استشهد من أجلها عشرات الآلاف، وقدمت على طريقها التضحيات التي لا تقدَّر بثمن. وأن تنازلاً مجانياً عن جغرافيا الوطن وتاريخه وكرامة أبنائه، وغرساً للعدو في قلب الأمة باعتراف منها، يعطيه شرعية ويرتب لاحتضانه وحمايته وجعله شيئاً عضوياً في النسيج العام للمنطقة وتكوينها، هو مما لا يمكن تسويغه أو الدفاع عنه أو السكوت عليه..‏

الأمر الذي يستوجب منا موقفاً مغايراً، ومقاومة تأخذ الممكن بالاعتبار، مقاومة تملك رؤية وأفقاً واسعين، ونفسَاً طويلاً، وتؤسس لاستعادة الثقة، والمكانة، والمبادرة، على أرضية من العلم والمنطق والقوة، انطلاقا من معطيات ملموسة تكشفها الواقعية الإيجابية التي نحتاج إليها.‏

4 ـ إننا نؤمن بدور إيجابي للثقافة في حياة الأمم، وندرك ما يرتبه عليها وضع مثقل بالإحباط والوهن والأزمات والتشرذم والصراعات الداخلية والولاءات الخارجية، كالوضع العربي . وحين تتهاوى واجهات وجبهات ومقاومات سياسية وتتهافت، فمن الطبيعي أن تُسْتَنْهَض همم المثقفين، وأن تستنهِض الثقافةُ همماً، ليكون هناك حد أدنى من التماسك ومن الثبات على حق ومبدأ .‏

والثقافة حصن، أو هي الحصن الأهم، للدفاع عن المبدئية والحق والعدل والشخصية والهوية لأمة من الأمم أو جماعة من الجماعات وهي ـ من خلال أهلها ـ تتحمل مسؤولية تاريخية حيال قضايا الحرية والتحرير، وحقوق الإنسان والتحرر والعدالة، كما أنها حامل الوعي والمعرفة الذي يساهم في تكوين الإنسان تكويناً سليماً، ومن المنطقي والطبيعي أن يتم استنفارها والاحتماء بها، والاعتماد عليها، لا سيما حين تكون السياسة طغياناً، وحين يلغي السياسي كل ما عداه أو يهمشه أو يجعله في حاشيته تبعاً: بواقاً أو طبالاً أو زماراً.‏

5 ـ إننا نرفض باستمرار تبعية الثقافي للسياسي، مع اقتناعنا بعدم إمكانية الفصل بينهما وبعدم جدوى ذلك الفصل، ولكن حالة التبعية لا سيما للخلافية السياسة العربية ـ خلاف الحكام والأنظمة ـ ألحقت ضرراً بالحس القومي وبالبعد القومي لأية قضية، وضرراً بدور الثقافة ومكانتها ومصداقيتها، وصار لا بد من تحرر الساحة الثقافية العربية من حالة التبعية،سواء لمركزيات ثقافية أخرى أو لتلك الخلافية، لتستعيد الثقافة حضوراً في ساحة القرار السياسي العربي ومصداقية في الساحة الجماهيرية وفعالية على الصعيد القومي ووعياً بذاتها ـ هي بأمس الحاجة إليه ـ على حد سواء وليتاح للمثقف أن يخرج من سوق الكلام العربي المفتوح، ومن جلد الطبال والزمَّار، المدَّاح والقدَّاح، الذي يشوه صورة حاكم أو نظام لمصلحة حاكم آخر أو نظام ثم يعود ليعكس اللعبة في كل وقت حسب سوق العرض والطلب .‏

وعندما يتعلق الأمر بموقف مبدئي، وقرار مصيري، فلا مجال للتخلي عن الخصوصية والتمايز والدور والسلاح، على أرضية المعطيات الموضوعية والمسؤوليات التاريخية والقومية والخُلُقية، التي لا مناص من أن يتحملها المثقف وأهل الثقافة عموماً بالمفهوم الشامل والواسع للثقافة، بشرائحها المختلفة الممتدة من المعلم إلى العالم، ومن ذوي الثقافة الموسوعية إلى ذوي الثقافة التخصصية .‏

وهذا لا يعني طلاقاً بائناً بين الثقافة والسياسة، أو تَدابُراًً كثيراً ما انعكست نتائجه على مستوى الأداء القومي، كما أنه لا يعني قبول الإلحاق القائم أو صور المحو والنبذ والنفي ؛ بل هو في جوهره دعوة للتعاون على أرضية المصالح العليا للأمة والمعايير السليمة الراسخة التي تضع كل فعل وفاعل في موقعه المناسب من حيث الأداء والقيمة المتعلقين بقضية وزمن ومعطيات وتطلعات.‏

إننا نتفهم معنى أن تكون السياسة فن الممكن، ونتفهم معنى الممكن وحدوده بالنسبة لأمة ذات حق وتاريخ ووجود تحرص على بقائه، ونعرف المعطيات التي يبنى عليها الممكن / عربياً الآن/ في الظروف التي ترتبها المتغيرات الدولية والعربية الكبيرة، وفي ظل تحكم قطب قوة وحيد ذي مصالح وأطماع وأحقاد ومعايير مزدوجة، وحسابات يصفيها مع دول وعقائد وسياسات وثقافات وأيديولوجيات، هو القطب الغربي ـ الاستعماري المتصهين وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية ؛ ونعرف كيف نفرق بين سياسة عربية وسياسة، بين موقف مبدئي وفعل مرحلي " تكتيكي " من جهة ومواقف قومية ووطنية ثابتة .‏

وندرك أن السياسي العربي حاصر نفسه ـ منذ لاءات الخرطوم إلى التهافت والهرولة بألف نعم على أعتاب العدو الصهيوني بعد حرب الخليج الثانية ـ حاصر نفسه بأشكال مختلفة ولأسباب مختلفة على رأسها اتساع الهوة بين الشعار والممارسة، وحوصر من أعدائنا، وحوصرنا جميعا من جراء ذلك: بالعجز والعزلة والهم والضعف والوهم، حتى لم يبق أمام السياسي العربي الآن إلا أحد خيارين مُرَّين :‏

أ ـ الحرب التي لا يقدر على خوضها الآن، والتي يساق إليها أو يلوح له بها، عندما يتوقف في المنحدر الذي يدفع إليه وفيه دفعاً، وراء قضمة من جزرة لن تتحقق.‏

ب ـ المفاوضات التي ستؤدي إلى الاعتراف بشرعية الاحتلال، والقبول "بالسلام النووي" الذي تفرضه "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية على العرب.‏

ولأننا :‏

ـ لا نقر بأن هزيمة نهائية حلت بنا، وندفع ذلك استنادا إلى معطيات وإمكانات واستنتاجات منطقية وواقعية وموضوعية.‏

ـ ولا ننساق، ولا نريد أن ننساق، وراء حماسة انفعالية قد تؤدي إلى حماقات مهلكة ندرك نتائجها علينا وعلى قضايانا ومستقبلنا.‏

فإننا :‏

ـ نأخذ بتصليب الموقف المبدئي الرافض لاتفاقيات الإذعان، وما يمليه القهر، والاستدراج الإغوائي باسم " الحضارة" والازدهار الكاذب، اعتماداً منا على المعطى الموضوعي والوعي المعرفي والإيمان والغنى الروحي، كل ذلك الذي تستنفره الثقافة وتغذيه، وتنميه في وجه أشكال الفساد والانحلال والانهزامية.‏

ـ ونتفهم معنى وندرك مغزى أن يعوّم السياسي العربي نفسه وأوراقه الآن، لأنه ملزم على أجراء حسابات دقيقة من موقع المسؤولية عن شعب ووطن وقضايا في ظروف المرحلة الراهنة، وملزم أيضاً بتقديم أجوبة على أسئلة لا تحتمل التأخير، ويعرف ما في يده من أوراق. وإننا في الوقت الذي نتفهم فيه ذلك نرفض هرولة السياسة العربية، وسياسيين عرب، نحو العدو الصهيوني المحتل مباشرة أو عبر بوابات غربية للفوز بمغانم شخصية وحمايات ذاتية على حساب الوطن والقضايا المركزية للأمة ؛ نستهجن ونستنكر ونرفض بشكل أشد هرولة مثقفين وارتماءهم على العتبات الصهيونية ـ العنصرية، وندين دورهم المروِّج للاستسلام واتفاقيات الإذعان وتطبيع العلاقات مع العدو، ووضعهم الثقافة في خدمة كذا سياسة ومشاريع تصفية مهينة، باسم الانفتاح الفكري " والحضارية و " السلام " المتعالي على الحق والحرية والوطن والإنسان والقائل بذرائع الواقعية الانهزامية.‏

ولأننا:‏

ـ ندرك جيداً أننا سنحتاج دوماً إلى أن نحشد الناس، بالكلمة والرأي والفكر والموقف، للدفاع عن الوطن والشعب والحق والمصالح، وربما عن الوجود ذاته، وأنه لا بد لنا من أن نملك مصداقية ونحافظ عليها من جهة، وأن نبقي للتضحية والشهادة والبطولة تألقاًً وقيمة ومنزلة رفيعة في الحياة وفي نظر الناس من جهة أخرى.‏

ـ وساهمنا، وسوف نساهم ـ كمثقفين ـ بشكل أو بآخر، في دفع الناس للتضحية والشهادة، بالكلمة والموقف، دفاعاً عن قضية العرب المركزية ـ فلسطين ـ ووصولاً إلى تحرير الأرض المحتلة، وحسم الصراع العربي الصهيوني لمصلحة الأمة العربية، ودفاعاً عن قضايا أخرى سواها، عادلة ونظيفة.‏

ـ ونستشعر مخاطر توظيف الثقافي في خدمة سياسة تتواطأ على الحق والعدل والشعب والوطن والتاريخ والشهادة وتفرط تفريطاً مهيناً بالثوابت والمقدسات، بالجغرافيا والتاريخ والمصالح القومية.‏

ـ ونلمس مخاطر جمَّة من توجهات واستراتيجيات إمبريالية ـ صهيونية تخدمها سياسة وثقافة عربيتان بتوجيه وتمويل من مراكز بحث وتمويل وأجهزة ومؤسسات أجنبية، ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في:‏

ـ تطبيع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية في مجالات:‏

أ ـ سياسية منها : تبادل سفارات وقناصل وزيارات ولقاءات وتنسيق مشترك... الخ. / مع الأردن : سفارة، مع تونس والمغرب : تبادل قنصلي .‏

ب ـ اقتصادية : رفع المقاطعة العربية غير المباشرة (11)/دول مجلس التعاون الخليجي / ـ مشاريع استثمارية مشتركة : (الأردن ـ قطر ـ الحكم الذاتي الفلسطيني...الخ) ـ السوق الشرق أوسطية : سياحة ـ اتفاقيات طيران ـ تجارة " قال رابينوفيتش: إن لدى إسرائيل اتفاقيات اقتصادية مع اثنتين من جاراتها العربيات هما مصر والأردن، كما تجري إقامة علاقات مع تونس والمغرب" 3/4/1995 ـ العمل معاً لبناء مستقبل اقتصادي ـ / واشنطن نشرة السفارة الأميركية ـ دمشق رقم 5220 / تقاسم مياه ـ زراعة ـ مصارف" بنك التنمية للشرق الأوسط" وهو مصرف إقليمي للتنمية والتعاون تعمل الولايات المتحدة مع مصر وإسرائيل والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية على إنشائه، وهو مصرف يهدف إلى :‏

ـ تشجيع الاندماج الإقليمي.‏

ـ اجتذاب استثمارات القطاع الخاص.‏

ـ دفع الحوار الإقليمي حول السياسة والاقتصاد إلى الأمام".‏

[نائب الرئيس آل غورـ من خطاب في القاهرة 20 / 3 /1995.]‏

[عن نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 5211 تاريخ 22/3/] [/1995 ص 13]‏

وكذلك صندوق شركاء الشرق الأوسط الذي ستضمنه أوبيك ـ هيئة الاستثمارات الخاصة لما وراء البحار التابعة للحكومة الأميركية ـ /250 مليون دولار ورؤوس أموال خاصة / ويسعى إلى جذب ملياري دولار أميركي إلى المنطقة .‏

ج ـ ثقافية: تغيير مناهج تعليمية وتربوية لغرض رفع حالة العداوة (؟!؟ ) وإعادة كتابة تاريخ للمنطقة "الشرق الأوسط "، وتغيير قيم ومعلومات والقيام بفعاليات منها : عقد ندوات ولقاءات مشتركة ـ توظيف مثقفين للترويج لمشاريع نشر وتوزيع وكتابة تاريخ جديد للمنطقة ـ مشاريع إعلامية (تلفزيون وإذاعة ...الخ، مراكز أبحاث ... إلخ )‏

والهدف هو إعادة صوغ الذاكرة والوجدان والقيم والتاريخ والتوجهات التربوية والإعلامية والثقافية العامة للعرب، ليصبح الكيان الصهيوني بذلك، جزءاً عضوياً من النسيج الجغرافي والتاريخي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني للمنطقة العربية.‏

ولأننا:‏

ـ نرى للثقافة العربية، وللمثقف العربي، دوراً مغايراً لما يراد أن يكرس له من دور، ولما يراد أن يسود لجهوده من توظيف، في ظل اتفاقيات الإذعان ومشاريع التصفية والتسوية وسياسة التطويع والتطبيع والتركيع وفرض السلام الصهيوني الأميركي على العرب.‏

ـ ونربأ بالثقافة أن تتحول إلى سادن للهزيمة، وأن تكتب صكوك الاستسلام بدماء الشهداء، وأن تروج للعدو الصهيوني، وتبارك القهر والعنصرية والعدوان وسرقة الأوطان وتشريد الشعوب وتزييف العدالة.‏

ـ ونسترخص أن يمارس مثقفون التدجيل والتدجين وامتصاص إرادة الصمود واستلابها، فيعملون على أن يرين الماء على الغرقى، ثم يتجولون بزوارقهم الشراعية فوق الماء، ينشدون شعر "السلام" والحداثة بينما غصص أولئك الغرقى تتصاعد من تحت أقدامهم.‏

فإننا:‏

ـ نرى أن المسؤولية التاريخية تحتم على المثقف العربي، الذي يختار انتماء لأمته العربية في واقعها الراهن، ويختار أن يكون جزءاً من التكوين العضوي لها، أياً كان الواقع والمصير والمحن والثمن ؛ تحتم عليه أن يقوم بدور يجعل من الثقافة حصناً منيعاً للدفاع عن الثوابت المبدئية والوطنية والقومية والخُلُقية للإنسان العربي، وعن الحقوق التاريخية للعرب في فلسطين، وعن الكرامة والمستقبل والذاكرة وقيم الوجدان والإيمان، وأنَّ من واجبه أن يصلّب موقف المقاوم النوعي، الذي يخوض معارك يومية، ويتعرض لمسلسل ملاحقة وإبادة تتواطؤ لتنفيذه جهات عربية مع قوة الاحتلال الصهيونية وحلفائها ؛ ومن واجبه أن يستلهم تلك المقاومة ويعلي شانها ويدافع عن شرعيتها، ويرد على ما يُراد إلحاقه بها من إساءات.‏

ـ ونرى أن عليه أن يدافع عن الشهادة وقيمها، وعن الأهداف التي استشهد من أجلها الكثيرون، وأن يبقي تلك الأهداف حية ونبيلة وتستحق أن تستمر التضحية من أجلها، وهي أهداف التحرير ؛ عليه أن يبقي الباب مفتوحا أمام الأجيال العربية القادمة لتمارس حقها واختياراتها، ولتقوم بواجبها ألا وهو متابعة الصراع حتى التحرير، من دون مصادرة من أي نوع لذلك الحق، ومن دون إلحاق أَي تشويه بذلك النضال وبتلك الحقوق؛ ومنع المشبوهين والأعداء من أن ينالوا من قيم الشهادة والتضحية والوطنية.‏

نرى أن على المثقف أن يقوم بفعل إيجابي منقذ ومستمر، يتنامى ويتسع ويتكامل، ليصبح مواجهة شاملة لكل أنواع الاعتراف بالعدو الصهيوني وأشكال تطبيع العلاقات معه، وأن يعمل على تأمين القوة لتحقيق نجاح في ذلك، انطلاقا من تأكيد قيمة العلم والعمل والإيمان، على أرضية من الانتماء والوعي المعرفي واحترام الحق ؛ وأن يدعو للإعداد والاستعداد البعيد الأمد من أجل إقامة توازن استراتيجي شامل/ اقتصادي ـ عسكري ـ ثقافي ـ أمني ـ حضاري... الخ/ بيننا وبين العدو الصهيوني، على أرضية امتلاك العلم والثقافة والقوة، وتوفير كل متطلبات ذلك؛ وتهيئة المناخ والصلات والعلاقات الدولية والداخلية التي تمكِّن من تحقيقه من دون أن يرجئ المقاومة، في حدودها الممكنة، إلى أن يتحقق ذلك التوازن ؛ فلم يشهد التاريخ إلاَّ نادراً مقاومة للاحتلال انتظرت إلى أن يتحقق توازن قوى مع المحتل لتمارس دورها وتدافع عن نفسها .‏

على المثقف أن يعمل من أجل ذلك لأن القوة هي ما تحتاج إليه الأمة العربية، ولأنها الشيء الذي لا بد منه، اليوم وغداً، لتحمي الأمة وجودها وتدافع عن نفسها وعن مصالحها وحقوقها؛ ولتحقق حالة تفاعل وتواصل، فيها شيء من النديَّة والثقة مع الأقوام والأمم والثقافات الأخرى.‏

ولكي لا تبقى إرادتها أو قراراتها و مصالحها وثرواتها تحت سيطرة الغير بحكم افتقارها إلى القوة والإرادة اللتين تحرران، واستغلالها للإمكانية التي تخلق مناخ التحرير وتوفر شروطه ومقوماته ؛ لأنه لا يحمي الحق كالقوة، " وما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة " كما قال المرحوم جمال عبد الناصر.‏

ولأننا:‏

ـ نؤمن بقدرتنا على تحقيق ذلك، ونعرف إمكاناتنا وطاقاتنا، المادية والبشرية، المعطلة منها والمهدرة والمصادرة والتي قيد الاستثمار، تلك الطاقات والإمكانات التي يمكن استثمارها وتحقيق تفوق بها وانطلاقاً منها، على المدى البعيد.‏

ـ وندرك أن تغييراً جذرياً لا بد من أن يحدث في أعماقنا ومعارفنا وعلاقاتنا وإنتاجنا وسلوكنا، وفي نظرتنا لكثير من الأمور والأعمال والمؤسسات والتوجهات، وإنه يتوقف على ذلك التغيير عمقاً وشمولاً، أمور جوهرية كثيرة ؛ وندرك معنى القول الكريم ومراميه وما يحدده من بدايات ونقاط انطلاق وهو :‏

{ إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم . }‏

ولأن لدينا اقتناعاً بأنه يمكن أن نصون إرادتنا من الهزيمة، وثقتنا من التآكل وأمتنا من الانهيار ؛ فإننا نعلق أهمية على تحقق حوار إيجابي بين كل التيارات والتنظيمات الفكرية والسياسية المعنية بأمر الوطن والمستقبل والمصير والقيم، على أرضية الانتماء والوضوح والصراحة؛ حوار تحكمه قيم المنطق والمواطنة والديموقراطية ويسوده احترام لحرية التعبير ولحرية الآخر وحقه في الاختلاف، على ألا تكون مقومات الوطن والقيم الوطنية هي موضع الاختلاف، فتلك تخرج الخارج عليها من دائرة الحرص والانتماء والحق كلياً، ليصبح صوت العدو أو أداته أو داعية في ركابه لمقولاته ومشاريعه واحتلاله وعنصريته واستعماره.‏

فلا وطنية على حساب الوطن، ولا تغدو الحرية حاملة لقيمها ومقوماتها ومشروعيتها وقداستها وتأثيرها حينما تتحول إلى دعاية لمشاريع عدو الوطن والشعب والعدل ومن يحتل الأرض ويبيد الناس ويمارس عنصرية بغيضة رفضتها الأمم وأدانتها . (12)‏

إن الانتماء الوطني والقومي والعقيدي ليس موضوع اختلاف إلا عند من يخرج على ذلك ويرفضه، وحين يفعل ذلك من يفعله يكون قد اختار /بحرية/ اختياراً مغايراً لاختيارك وانتمائك ؛ ويمكن أن تحاوره على أرضية المثاقفة أو الصداقة أو المعرفة.... ولكن ليس على أرضية الانتماء لأهداف أمة ومقومات هوية والحرص على مواطنيه وقضية ووحدة مصير !! فهو الآخر من خارج وليس الآخر الشريك في الوطن والمصير والآلام والأماني والتطلعات والمعاناة والأحلام، أنه آخر من خارج التاريخ، وقد يكون العدو أو حليفه اللذين تقاومهما وتقاتلهما وتحاول أن تعرف الكثير، أو يجب أن تعرف الكثير، عنهما، ولكن تحت شعار وحقيقة: اعرف عدوك لتنجح في صراعك معه، لا تحت شعار اتبع عدوك لتنهي صراعك معه على حسابك أنت ؟ !!‏

إن دعاة التطبيع اختاروا العدو ومشاريعه وسياسته وتشربوا منطقه ومقولاته وشعاراته، ويريدون خوض حربه من داخل البيت، وهم يرفعون الصوت بكلمات حق يراد بها باطل، ولذلك نريد أن ننزع كل الأقنعة وأن تسقط الازدواجية، وتتضح المعايير، فَتُوَحَّد أو تتباين، ويظهر التمايز على نحو صادق صارخ من العلنية والشجاعة والمنطق والانتماء الصراح، من دون استسلام لمنطق الواقعية الانهزامية ومقولاتها، ولصيغة المغلوب يقلد الغالب، التي يمثلها ويمارسها بتعالٍٍ تعالمي بائس، نفر من دعاة التطبيع ورموزه والمروجين له، باسم الانفتاح الفكري"، والحضارية" الساداتية الكئيبة، التي جرَّت على أمتنا العربية الويلات، وباسم الحداثية الهجينة، التي تفعل فعل نقّار الخشب وحفّار الساق في أشجار حديقة تنقصها السقاية والعناية والرعاية على أسس علمية سليمة.‏

وقد ركز رافضو الاعتراف بالكيان الصهيوني ـ حتى لو اعترفت الأنظمة العربية كلها به ـ الذين ينظرون إلى الصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود (13)، والداعون لرفض التطبيع بكل أشكاله ومستوياته (سياسية ـ اقتصادية ـ ثقافية....الخ)، ركزوا بعض رؤيتهم واجتهاداتهم ووجهة نظرهم في ميثاق المثقفين العرب /عمان/ 15/12/1992 *‏

هذا عرض موجز ابتعدت فيه، قدر الإمكان، عن سرد وقائع وتقديم نماذج ووثائق، مما حفلت وتحفل به الحياة السياسية العربية، والاتفاقيات الموقعة بين بعض الأنظمة العربية والعدو الصهيوني/ كامب ديفيد ـ أسلو، القاهرة ـ وادي عربة... الخ/ وما هو قيد المفاوضات، وكذلك ما تضج بوجوده أجهزة الإعلام / المقروءة والمرئية والمسموعة/ مما هو معروف بدرجة أو بأخرى من قبل المهتمين والمعنيين والمتابعين، وقد حرصت على تقديم وجهتي النظر باجتهاد مني وبيان موقعي تماماً .‏

وأترك الموضوع ليجلوه ويعمقه ويغنيه ويصوب ما يستدعي التصويب فيه، الحوار، الذي هو الأساس والمموّل عليه في هذا المجال.‏

وأتقدم بمشروع برنامج عمل مقترح، ينضجه ويعمل عليه من يرون مقاومة الاعتراف بالعدو الصهيوني، ويرفضون تطبيع العلاقات معه، وينذرون بعض جهودهم لذلك العمل . وبين يدي هذا البرنامج أعرض الأسئلة والإشكاليات الآتية :‏

التطبيع بين العرب والكيان الصهيوني أخذ يتسارع، ومن لم يلتحق بركبه بعد يبحث عن وسيلة للوصول إلى تلك الغاية، والذين فتحوا بابه أول مرة تحولوا من أبالسة رجماء إلى قادة عظماء، لأنهم أدركوا قبل غيرهم متطلبات اللعب، في عصر تتغير فيه قوانين الألعاب السياسية بسرعة فائقة، ضاربة عرض الحائط بكل القوانين الخلقية والإنسانية .ومن يقف من العرب في آخر صف التسوية، أو بعيداً عنه يزاحم الآن بالمناكب ليأخذ موقعاً متقدماً في صف التطبيع ؛ ولنا أن نسأل :‏

ترى ما الذي حدث للناس .. وما الذي غير التوجهات بهذا القدر من التغيير ؟!‏

هل كان العرب على صلة سرية مباشرة بأعدائهم كل هذه السنوات حتى إذا ما فتح الباب إلى العدو ولجوه زرافات ووحداناً !! كأنما هم نهر ملجوم بسد، منخور الداخل مطلي الخارج، تحركت حجارته من مواقعها دفعة واحدة فتهاوى بين عشية ليلة وضحاها !؟ أم تراهم كانوا يتعلقون بالقضية الفلسطينية على حرف ، ويؤمنون بحقهم على حرف، ويتآخون على حرف، حتى إذا تبين لهم أن الوقت قد آن لإظهار ما يبطنون قلب بعضهم لبعض ظهر المجن، وقلبوه لأنفسهم أيضاً، ولم يشعر أي منهم بأي حرج من أي نوع، لأن كلاً منهم لبس قناعه ودفن حياءه، ولم يعد يلزمه شيء مما كان يلزم ويحرج عربياً !؟ كل ذلك جائز ولكنه كله لا يغير من النتيجة النهائية التي آلت إليها الأمور في الوطن العربي اليوم شيئاً .‏

العرب إذن يتسابقون على تطبيع علاقاتهم مع العدو الصهيوني، ومن له منهم حظوة أكبر لدى ذلك العدو أو لدى حليفه الأكبر : الولايات المتحدة الأميركية، يحمل من لا حظوة له . وتصل الأمور في بعض الأحوال إلى حدّ أن تحتج الإدارة الأميركية على "إسرائيل" وعلى عربي مقرب ذي حظوة، لأنهما يتصلان ببعض العرب، من طالبي القرب والرضا والتطبيع، من وراء ظهرها ومن دون مراعاة لمصالحها ـ كما يحدث الآن مع العراق ـ وفي مثل هذه الظروف والأوضاع والمواقف العربية . ما الذي يستطيع فعله عرب يرفضون العدو وكل أشكال تطبيع العلاقات معه، بل يرفضون الاعتراف به والاتصال والمهادنة، لا سيما إذا كان أولئك ممن لا يملكون قرار الناس ولا يملكون لهم نفعاً مباشراً كذلك الذي زوِّد به أهل التطبيع ؟! وكيف يمكن أن يقدم أولئك أنفسهم وآراءهم ومواقفهم للناس وهم لا يملكون سوى حفنة من الأقوال التي تنطوي على مبادىء خُلقية وتطلعات قومية مكْلفة، يقال إنه قد تجاوزها الزمن ولم يعد لها سعر في أسواق اليوم !! وهم لا يجدون طريقهم إلى الوصول إلى الرأي العام، الذي يهمهم أمر الوصول إليه، من خلال أقنية الإعلام، لأنها مملوكة من قبل الدول، ومحكومة جيداً بسياسات، وعليها أن تراعي كثيراً من الاعتبارات والمعطيات والمتغيرات وفنون الممكن ؟!!‏

إن هذا السؤال، على مرارته وواقعيته، لا يمكن أن يلغي مسؤوليتهم ولا أن يعطل فعاليتهم، كما أنه لا يعفيهم من المسؤولية إن هم قصَّروا، ولا يشكل موضوع تبرئة ذمة لهم، وهم لا يتطلعون أصلاً إلى فعل يأتي تبرئة للذمة، فالقضية لدى هؤلاء ـ كما أفترض ـ ترتبط بقناعات : مبدئية، قومية، وقُلقية ؛ كما ترتبط بانتماء نوعي للوطن والحق والحرية والكرامة، وعلى ذلك فإنها لا تقاس بمقياس الربح والخسارة .‏

ما من شك في أن على من يختارون رفض الاعتراف بالعدو الصهيوني من العرب،ويتصدون لمحاولات تطبيع العلاقات معه، ويعملون على إفساد كل ما يؤسس لكل تطبيع معه من أي نوع ؛ ما من شك في أن عليهم أن يتحملوا تبعات اختيارهم أولاً، وأن يبحثوا عن وسائل وأساليب عمل وأداء تمكِّنهم من تحقيق مواجهة ناجحة وفعالة في ميدان حاشد بالفعاليات المناوئة، خلال توقيت ملائم يجعل من الفعل المختار أداؤه فعلاً ذا جدوى، في حدوده أولاً وفي مردوده ثانياً .‏

لقد قلت سابقاً، وفي أكثر من مناسبة وموقع، كتابة وخطابة، إن أهل الثقافة بالمفهوم الواسع والشامل للثقافة من أبناء الأمة العربية، هم المطالبون قبل سواهم والمعنيون أكثر من سواهم من أبناء الأمة، بحكم الوعي والموقع الاجتماعي والمسؤولية التاريخية والاختيار الطوعي للدور، وبحكم المنزلة الاجتماعية والمسؤولية الفردية ؛ هم المعنيون والمسؤولون عن مواقف ومبادرات في مثل هذه الظروف والمحن والتصرفات، تحمي الذاكرة والوجدان وتبقي القضية حية في العقول والضمائر، وتجعل الأجيال العربية تعيش قضاياها بعمق ووعي، وتؤسس للتحرير ولو بعد عقود من الزمن أو قرون ؛ وأن تمنع ضياع الحق العربي في فلسطين ابتداء من الجغرافيا والتاريخ وانتهاء بذاكرة الأجيال ووجدان الشعب، بإبقائها على حالة الصراع مع العدو الصهيوني على حالها في جوهرها، ورفض قبوله بأي حال وعلى وجه من الوجوه ضمن النسيج الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأَمني للمنطقة بإرادة أهلها . فليبق، إذا بقي، كيانا مزروعاً بقوة القهر والإذلال، وليبق على حقيقته : كياناً عنصرياً دخيلاً ليس له صلة بالمنطقة إلا صلة الغازي الدخيل الذي تزيله المقاومة وتفنيه .‏

ما لم ينسب، أهل البلاد الأصليون الذين تعود الأرض إليهم وإليهم وحدهم، بوصفهم جزءاً من أمتهم العربية وليس بديلاً لها يلغي حقها في الوطن ـ فلسطين ـ وفي المقدسات الإسلامية والمسيحية . وانطلاقا من ميثاق المثقفين العرب، الذي أصبح أرضية مستقرة للعمل لدى شرائح عريضة من الكتاب والأدباء العرب، لا سيما بعد اعتماده من قبل مؤتمرهم العام السابع عشر ـ عمّان 1992 ـ وانطلاقاً من المسؤولية التي يرتبها عليهم الوعي والانتماء معاً، وسعياً وراء فعل ناجز مفيد في هذه الظروف الصعبة بالذات، فإنني أرى التوجه نحو المواقف والأفعال والتصورات الآتية :‏

1ـ أن يكف القطاع الأعظم من المثقفين عن الانتظار حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ليتخذوا، في ضوء ذلك، موقفاً . ذلك لأن الأمور اتضحت تماماً لمن يريد أن يتخذ موقفاً في ظل الوضوح، ولأن مثل هذه القضايا وهذه المواقف لا يحتاج إلى مثل هذا الانتظار المشين ؛ فمن يقف إلى جانب التطبيع ويختار ذلك الاختيار عليه أن يسلك طريقه من دون مراوغة، ومن يرفض التطبيع مع العدو عليه أن يسلك طريقه من دون تردد، فالأحداث تتوالى والتطبيع ينتشر والمواقع تتهاوى موقعاً بعد موقع، ونحن لا نملك إلا تردداً وانتظاراً ؛ وهذا لا يليق بأهل قضية ومبدأ ورأي، كما أنه ليس في صالح أي قرار لمقاومة التطبيع نتخذه لاحقاً . إذن فلا بد من حسم الأمر بالنسبة للقطاع الأكبر من المثقفين في هذا الموضوع الرئيس وبأسرع وقت .‏

2ـ أن يتم اختيار برامج عمل، لمن يرفضون التطبيع، تأخذ بالاعتبار أن شعبنا يتعرض يومياً لضخ إعلامي هائل من مصادر عربية وأجنبية، صهيونية وغربية، وكلها تعمل لتهيئته لقبول العدو الصهيوني كحقيقة واقعة ؛ وتوحي له بأن ذلك القبول سوف يجعله يرتع في الخيرات من كل لون ( ؟!؟ ) كما تركز على مخاطبة احتياجاته متناسية واجباته وحقوقه الوطنية،أو جاعلة إياه ينسى تلك الواجبات والحقوق. وابن الشعب البسيط لدينا يهمه أن يتخلص من المعاناة ولكنه ليس على استعداد ـ فيما أقدر ـ لشراء رغيفه بكرامته، ولذلك فإن تركه يتعرض لأخطار هذا الضخ المتلاحق لإعلام التطبيع والتطميع بألوان الرفاه والسعادة، على أرضية السلام " الإسرائيلي " القادم، ليس في مصلحته الآن وليس في مصلحة من يرفضون التطبيع مستقبلاً ؛ لأن ذلك سوف يجعل جموعاً من البسطاء، لا يستهان بعددها، تتراخى وتستسلم للوعود الكاذبة، بينما يثبِّت العدو دعائم استقراره وسيطرته في المنطقة، ويتوجه نحو المراحل القادمة من مشروعه الاستيطاني، بينما شعبنا يعيش حالة الاسترخاء المديدة أو حالة الإحباط الشديدة .‏

ويتوجب على من يختارون رفض الاعتراف بالعدو الصهيوني ومقاومة تطبيع العلاقات معه أن يصلبوا مواقف جماهيرهم ويحموها، وأن يدعوها إلى ممارسة نضالية واضحة محددة المعالم، في إطار برنامج عمل مدروس من شأنه أن يؤدي، عند التطبيق، إلى شل التطبيع وإلحاق الأذى ببرامجه ؛ ولا يكون ذلك بالسكوت والتمني، ولا بالاعتماد على العواطف القومية النبيلة والأصيلة للجماهير، التي نوقن بأنها سترفض التطبيع لأنها ترفض العدو ولا يمكن أن تقبله ؛صحيح أن جماهيرنا نظيفة وصبورة ومتمسكة بأرضها ولديها الاستعداد الكبير للتضحية، ولكنها لن تصمد إلى ما لا نهاية ومن دون معين، للحملات المنسقة التي تشارك فيها أجهزة الإعلام العدوة والصديقة .‏

3ـ من المسلم به أن كل ساحة عربية لديها خصوصيتها النسبية في هذا النوع من المواجهات، تبعاً للأنظمة والقوانين المعمول بها، ولدرجة التطبيع المقطوعة فيها، نظرياً وعملياً، علنياً وسرياً، إلا أن معسكر التطبيع العربي الذي يتسع، ينسق جهوده أو يفرض عليه تنسيقها، ولو في مرحلة متأخرة، لأن ذلك هو مطلب الآخر إذا لم يكن مطلب أنظمتنا !؟ وهذا يستدعي منا التفكير جدياً بإيجاد نوع من التنسيق فيما بين من يرفضون الاعتراف بالكيان الصهيوني ويدعون إلى مقاومة تطبيع العلاقات معه ؛ فكيف نفعل ذلك في ظل غياب موقف قطري واضح للمثقفين الذين يقاومون التطبيع في كل قطر على حدة وفي ظل عمليات العزل التي تتم قطرياً لأولئك الذين يعارضون خطوات أي نظام عربي في أي مجال من مجالات التطبيع، بل في أي مجال من مجالات الحياة ؛ بذريعة أنهم ينالون من العصمة العليا بفعلهم ذاك ما لا يناله سواهم، ولا يدركون ما يفعلون لعلة فيهم أولغباء !؟‏

4ـ أن نحوِّل ثوابتنا المبدئية والقومية، التي نص عليها الميثاق، إلى برامج عمل متفق عليها وقابلة للتنفيذ بمرونة، حسب الظروف والحالات والإمكانات والأقطار والأنظمة، وهذا يتطلب منا بذل جهد مشترك، في حدود دنيا على الأقل، ضمن صلاحيات لا نختلف عليها، ومرجعية نجمع عليها . فكيف نفعل ونحن لا نملك ذلك حتى الآن ؛ ولا نتحرك جيداً لنملكه ؟! وكيف نفعل وقد استقر رأينا على أن نحكم قرارنا ونحرره ولا نجعل لأحد سلطة عليه من أي نوع، في الوقت الذي لا نملك فيه تماماً مقومات تحرير ذلك القرار ؟! تلك إشكاليات علينا أن نواجهها، ومشكلات لا بد أن نلتمس حلولاً لها، وهي مما ينبغي أن يحظى باهتمام نوعي خاص وبكثير من الجهد والاجتهاد، مما يُخْدَم ويُقَدَّم على سواه .‏

إن إشكالية تحرير القرار من كل شكل من أشكال التبعية والحصار، في عصر يصعب إلغاء الحاجة فيه إلى المادة، تبدو إشكالية مستعصية على الحل ولكنها في الوقت ذاته تملك، بوصفها إشكالية، إغراءاتها المعنوية الكبيرة وموثِّباتها الروحية الضخمة ؛ ولا يمكن فصلها عن أرض خصبة تعيش فيها، قوامها الإيمان والحق والشعب والكلمة المستنبتة على جذوع الشهادة وفروعها ؛ كما لا يمكن فصلها عن تاريخ عريق من النضال من أجل وطن ومقدسات وقيم ورسالات .‏

5ـ إن كل مواجهة للتطبيع في ظل الاعتراف الرسمي بالعدو الصهيوني ستؤول، في مرحلة من مراحلها، إلى نوع من المواجهة بين من يلتزمون بالتطبيع ويتعهدون بتنفيذه، ومن يقاومونه ويأخذون على أنفسهم مسؤولية إفشاله ؛ وستجر بالتالي إلى مواجهات لا يكون العدو طرفاً مباشراً فيها بل المستفيد الوحيد منها . فكيف السبيل إلى عدم صرف جهد في مجال أو طريق لا يلحق الضرر بالعدو وإنما يخفف عنه الضرر ؟؟‏

تلك قضية قادمة إلى الساحات العربية التي ستجري فيها مقاومة جادة للعدو، وقد سمعنا وقرأنا وربما شاهدنا نماذج لها في أقطار عربية تم فيها خوض مثل هذا النضال، ولا بد من الاستفادة التامة من الدروس التي سجلتها تلك المواجهات في ساحات عربية، كما أنه لا بد من الاستعداد التام للعديد من المفاجآت في كثير من المواجهات على هذا الصعيد .‏

وهذا يتطلب استعداداً نفسياً وروحياً ومادياً له، كما يتطلب استخلاصاً مسبقاً للعبر المستقاة من ذلك ، واستعدادات مسبقة أيضاً لكل الاحتمالات والنتائج .‏

6ـ إن التطبيع الذي أخذ يعصف بساحات عربية كثيرة، وبدأ يجتاح المداخل المؤدية إلى حصن الثقافة ذاته ـ وهو القلعة الأخيرة للدفاع عن الحقوق والثوابت العربية ـ سوف يطرح فكر العدو ورأيه وثقافته، من خلال نوافذ ورموز تطبيع عربية، وسوف يستدعي ذلك رداً، أي تفاعلاً من نوع ما مع ذلك الفكر وتلك "الثقافة" ؛ فكيف سيكون رد فعلنا على ذلك، وما هو موقفنا من مروجي التطبيع الذين يدخلون مداخل المثاقفة الضرورية لنا لمعرفة الآخر وإغناء الحضارة الإنسانية، تحت شعارات مختلفة ؟! هل سنكتفي برفض ذلك وعدم التعامل معه ونتركه يكبر ويستشري، أم نرد عليه ونتعامل معه فندخل من حيث لم نُرِدْ مداخل التطبيع بالتعامل مع الآخر سلباً أو إيجاباً ؟؟‏

من المسلم به أن معرفة العدو بهدف مقاومته شيء، والتعرف عليه بهدف مصادقته شيء آخر، مختلف تماماً، ومن المسلم به أيضاً أن الصراع الذي يخاض ضد العدو على أرضية الحرب شيء، والخلاف الذي يكون معه على أرضية السلم شيء مغاير تماماً ؛ فكيف سنواجه قضية قادمة من هذا النوع، يحملها إلينا بعض العرب من أهل بيتنا ويستنبتونها في عقول أبنائنا وضمائرهم، وفي مناهجهم التربوية والتعليمية، وفي ثقافتهم وإعلامهم ؟! وكيف سنتصدى لاتهاماتهم ونعوتهم عندما سيلقون في وجهنا صفات : التحجر، والبعد عن العصر، والشوفينية، وهي صفات اعتدنا على سماعها ممن ألحقت بهم الصهيونية مؤخراً ضربات مدمرة جعلتهم يستيقظون ولكن ... ألف ولكن !!؟‏

ـ هل سيكون ردنا منطقياً هادئاً أم انفعالياً متشنجاً ؟ وهل سيخرجنا أولئك من دائرة الانتماء للوطن والأمة ومحبة السلام والآخر، بمساندة بعض السلطات العربية، كما فعل سواهم من قبل، أم أننا سنجد علاقة موضوعية تحمينا، وتحفظ لنا في الوقت ذاته، قدرة على العمل والمواجهة بإيجابية تليق بحقنا، ونملك أسلحة العصر ومنطقه، أياً كان حكمنا على أسلحته ومنطقه ؟!؟‏

إنها أسئلة من الضروري أن نطرحها على أنفسنا بكل الجدية والشجاعة لكي نواجه، حين نواجه، بقدرة وحزم واقتدار ؛ ولكي نرد، حين يستدعي الأمر الرد، بكل القوة التي تليق بأمتنا وبحقنا المغتصَب، وبموقفنا الذي نريد له أن يكون نظيفاً وقوياً وسليماً .‏

فهل نُقبل على ذلك التحدي ونَقْبَله قبل فوات الأوان، أم ترانا ننتظر، كعادتنا، إلى أن يفوتنا الركب فنغرق في الحسرة على ما فاتنا؟؟‏

إنه سؤال من الأسئلة المطروحة علينا أيضاً، وما أكثر الأسئلة التي تنتظر أجوبة على أبوابنا، في عصر لا ينتظر قطاره النائمين !!!..‏

مشروع برنامج عمل لمواجهة التطبيع :‏

1 ـ تفنيد ما يقدمه الإعلام العربي والغربي والصهيوني من حجج وتسويغات وذرائع لتهيئة العقل والوجدان العربيين لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني بكل الوسائل.‏

2 ـ مقاومة الجهود التي تبذل لتغيير المناهج التربوية والتعليمية في المدارس العربية، لا سيما في الجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية والقومية والدينية؛ لكي تبقى المعلومات والقيم والتوجهات التي تكرس عروبة فلسطين في الأذهان والوجدان، ويبقى العدو الصهيوني في المنظور المرحلي والاستراتيجي، عدواً محتلاً غريباً عن المنطقة، مغروساً فيها بقوة القهر، ويستدعي وجوده استمرار النضال المشروع بكل الوسائل الممكنة لتحرير الأرض العربية منه؛ حيث أن الصراع بين العرب والكيان الصهيوني هو صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على مصالح أو حدود.‏

3 ـ المحافظة على المصطلحات والتسميات والوقائع التي رافقت الصراع العربي الصهيوني، ونتجت عنه وتدل عليه، وتجديد ذلك في الذاكرة الشعبية والوجدان الجمعي حتى لا يضمحل أو يزول.‏

4 ـ نبذ صيغة أو تسمية " الشرق الأوسط" عن المنطقة، ورفض استخدامها ومناهضة ذلك الاستخدام، والتشبث بالتسمية الأصلية والتاريخية للمنطقة: الوطن العربي الذي منه بلاد الشام أو سورية الطبيعية، حيث فلسطين، وإعادة التذكير بالأطماع والتاريخ والمخططات والمعاهدات والمؤامرات الغربية و الصهيونية وبالوجود الاستعماري الذي تحولت بسببه هذه المنطقة إلى تقسيمات سياسية اكتسبت صفة الجغرافيا السياسية ومقوماتها، وكرست دول: سورية ـ لبنان ـ فلسطين ـ الأردن ـ العراق... الخ وما تلك الدول في الواقع إلا حصيلة تطبيق معاهدات استعمارية منها : سايكس بيكو التي فرضت على العرب في فترة ضعف، ولم يكن لهم يد فيها ولا قدرة على نقضها ورفضها.‏

والعمل على إبقاء ذلك كله حياً في الأذهان ومؤثراً في توجهات التفكير والتربية والعمل والتنظيم.‏

5 ـ مناهضة المروجين " لإسرائيل" والمتعاملين معها والمقرين بوجودها وبتطبيع العلاقات معها، على أي مستوى وصعيد، وفضح أهدافهم وممارساتهم أمام الشعب، ومقاطعتهم، ودعوة الناس إلى مقاطعتهم، وإبقاء الصيغ السابقة المتعلقة بالمتعاملين مع العدو الصهيوني ملصقة بهم، إلى أن يحين وقت تجريم أفعالهم ومحاسبتهم .‏

واستعمال شحنة عاطفية، تستمد من تاريخ النضال ومن القيم الوطنية والخُلُقية والدينية، في مقاومة أولئك النفر . وإشعارهم وإشعار الناس من حولهم، بأنهم إنما يضعون أيديهم بأيدي الصهيونية العنصرية، والعنصريين الذين يحتلون أرضهم ويقتلون أبناءهم وأخوتهم وآباءهم؛ وأن تلك الحقائق ينبغي ألا تغيب عن الأذهان، وسوف يحفظها تاريخ الأمة وذاكرة الشعب.‏

6 ـ التعاون مع الاتحادات والنقابات المهنية على المستوى القومي، لوضع صيغ وبرامج من شأنها مقاومة كل أشكال الوجود الصهيوني في البلدان العربية ودعايته وبضائعه وأنشطته ومشاركات في العمل العربي، وحث الناس، في البلدان التي عقدت أنظمتها اتفاقيات مع الكيان الصهيوني، على مقاومة تلك الاتفاقيات وإفشال كل تعاون مع ذلك الكيان، ومقاطعة من يتعاونون معه.‏

والعمل على مساعدة الجهات العاملة ضد التطبيع في تلك الأقطار لتتمكن من إجراء تعديلات قانونية من شأنها أن تلغي ما أضفي من صيغ قانونية على الاتفاقيات وعلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.‏

7 ـ التصدي للمشاريع التي يعمل الكيان الصهيوني على إقامتها في المنطقة بالاشتراك مع دول عربية ومنظمات دولية مثل اليونسكو ـ والبنك الدولي ـ وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الإقليمي في الشرق الأوسط وغير ذلك من المؤسسات الدولية والإقليمية المعنية ومن تلك المشاريع:‏

إعادة كتابة تاريخ المنطقة ـ إقامة دور نشر ووسائل إعلام (مقروء ومسموع ومرئي) تخدم التطبيع ـ العمل في مجالات التربية لتغيير المناهج التربوية ـ إقامة مراكز أبحاث ومعلومات علمية مشتركة ـ ومشاريع زراعية ـ تقاسم مياه ـ سياحة ـ طرق ـ منتجعات سياحية ـ تحلية مياه ـ شراء نفط ـ اتفاقيات نقل ومرور جوي واتفاقيات كهربة مختلفة ـ بنوك "بنك التنمية للشرق الأوسط ..."‏

8 ـ إيجاد أقنية اتصال مع العالم الخارجي، ووسائل إعلام وتوصيل، واستغلال الأقنية القائمة، لإيصال وتوضيح وجهة نظر جبهة المواجهة الثقافية الرافضة للاعتراف بالعدو الصهيوني والمقاوِِمة لتطبيع العلاقات معه؛ واستعمال كل وسائل الاتصال الحديثة الممكنة لتحقيق ذلك.‏

9 ـ إقامة علاقات إيجابية مع مراكز الأبحاث والمعلومات العربية والصديقة لمواصلة التبادل وتكثيفه ورصد التحولات والتحركات الجارية في هذا المجال، والاستفادة منها في تقويم العمل ورسم الخطط وإعادة تقويم ذلك دورياَ .‏

10 ـ العمل على إنشاء وكالة أنباء عربية قادرة على إيصال الرأي والخبر والموقف في الساحات التي يتم فيها عمل يصب في مجرى استمرار الصراع العربي الصهيوني ومقاومة التطبيع، وتوفير الإمكانات والطاقات المادية والبشرية، اللازمة لذلك.‏

11 ـ إيجاد منابر، والتعاون مع منابر، ثقافية وإعلامية قائمة، جادة ملتزمة بهذا الاتجاه،وإقامة علاقات بينها وبين منابر صديقة في العالم.‏

12 ـ تكوين مجموعات متابعة وتحريك "لوبي" في كل المجالات التي يتناولها التطبيع، وتنسيق جهودها، واستثمار تلك الجهود سياسياً وإعلامياً واقتصادياً وثقافياً، وتوفير الإمكانات اللازمة لذلك.‏

13 ـ تكثيف الحوار بين التيارات السياسية والثقافة الفاعلة في الوطن العربي " التيار القومي ـ التيار الإسلامي ـ التيار اليساري ـ التيار الليبرالي...." وصولاً إلى المشترك بهدف :‏

أ ـ توسيع دائرة المشترك بين تلك التيارات، وتقديمه على كل ما سواه.‏

ب ـ تعميق التفاهم والتواصل، وإيجاد سبل التعاون ووسائله، وأداء أعمال ومهام مشتركة على أرضية الميثاق والمشترك.‏

14 ـ تنظيم الندوات واللقاءات الجماهيرية في المدن والمناطق والأرياف حول مواضيع وقضايا من شأنها أن تعمق الوعي وتثبت المواقف وتزيد التمسك بأهداف الصراع العربي الصهيوني، ومقاومة التطبيع ؛ وإقامة شبكة شعبية واسعة تعمل من أجل ذلك بمبادرات ذاتية، وحسب ما يقتضيه الأمر في ساحات وجودها.‏

15 ـ إقامة ندوات وحلقات بحث متخصصة ومعمَّقة حول مواضوعات الصراع العربي الصهيوني والحق العربي في فلسطين والأبعاد التاريخية والدولية والاقتصادية لذلك، وكذلك عن موضوعات: الحرية ـ الديمقراطية ـ الحقوق والحريات العامة للمواطن... الخ والقضايا الملحة الأخرى تلك التي تطرحها التحديات ويمليها احتدام المواجهات، لا سيما في المجال الثقافي؛ ونشر تلك الأبحاث والاستخلاصات والمناقشات في كتب أو نشرات خاصة تكون متاحة لطالبيها، وتغطيتها في الصحافة وفي وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.‏

16 ـ العمل على تعميق المناهج التربوية ذات التوجه العربي واحترام قيم الدين والتركيز في التعليم على العلوم وتطبيقاتها لترسيخ امتلاك العلوم والثقافة والقوة القائمة على ذلك الأساس.‏

17 ـ تشجيع البحث العلمي وتطبيقاته بجميع الوسائل وعلى المستويات المختلفة لا سيما في الجامعات، والتعاون العربي والإسلامي في هذا المجال، وتوفير الإمكانات المالية والبشرية اللازمة للاستفادة من جهود الباحثين في هذا لمجال.‏

18 ـ شرح وجهة النظر التي يستند إليها اختيارنا عبر وسائل الإعلام الصديقة، وكسب أصدقاء ومتفهمين لها ومتعاطفين معها، والتأكيد في هذا المجال على:‏

أ ـ بقاء أكثر من نصف الشعب الفلسطيني خارج وطنه، والنصف الآخر تحت الاحتلال الصهيوني المباشر أو غير المباشر.‏

ب ـ امتلاك "إسرائيل" للسلاح النووي ورفضها توقيع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة النووية، وتطوير أسلحة الدمار الشامل، واستمرار ممارستها العنصرية، واستيطانها التوسعي، ومشروعها الاستعماري وتحالفها العدواني مع الولايات المتحدة الأميركية لتأمين مصالح وسيطرة ونفوذ للحليفتين على حساب الشعب العربي وثرواته وتقدمه ومشاريعه المستقبلية .‏

ج ـ عدوان "إسرائيل" المستمر على جنوب لبنان، واحتلالها للأرض العربية، وملاحقتها للفلسطينيين في الداخل وتنفيذ مسلسل إبادة بطيء ضدهم، وانتهاكها المستمر لحقوق الإنسان في السجون والمعتقلات التي تقيمها في فلسطين المحتلة ؛ وفضح عدوانها على الحقوق المدنية للعرب الواقعين تحت الاحتلال، وتاريخها العريق في ممارسة الإرهاب ـ إرهاب الدولة والمنظمات والأفراد ـ وقيامها بذبح الأسرى الذين سقطوا في أيدي قواتها في الحروب.‏

19 ـ دعم كل أشكال المقاومة للعدو الصهيوني، داخل فلسطين المحتلة وخارجها، ورفع أبطال العمليات الاستشهادية النوعية كنماذج تحتذى، واستلهام تلك البطولات والتضحيات بأشكال مختلفة لتكون مصدر دفع نوعي للصمود والمقاومة ومستنبَتاً للوطنية والبطولة والأمل. ولتشكل حالة مستمرة من إرهاق العدو واستنزافه.‏

20 ـ مواجهة عمليات تشويه المقاومة ومسخها وتصويرها : إرهابا، ومحاولات تقديم الشهيد على أنه المخرب والمقتول بعدوانه على الآخرين؛ والتأكيد على مشروعية مقاومة المحتل وشرعية ذلك الفعل، وتقديم حقيقة ما يقوم به الكيان الصهيوني من إرهاب وجريمة منظمة تقوم بها الدولة، ومن إبادة للجنس العربي على أسس عرقية ودينية، وكشف أهداف العدوان المنظم الهادف إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وطرده خارجها بعد الاستيلاء على تلك الأرض.‏

21 ـ إيصال ما ينطوي عليه برنامج الاستيطان الصهيوني التوسعي من أهداف وأخطار على السكان العرب الأصليين في الأراضي المحتلة، وعلى الأقطار العربية المجاورة.‏

22 ـ العمل على إبقاء المقاطعة العربية " لإسرائيل " مستمرة ونشطة، والبحث عن وسائل لمواجهة من يضعفها أويخرقها من العرب.‏

الهوامش :‏

1 ـ يعني "سلام " : " أوسلو، غزه ـ أريحا "وسلام" اتفاقية وادي عربة التي كانت معدَّة تنتظر التوقيع بعد دفع الفلسطينيين أولاً، وتَيَمُّناً بهم والسير على خطاهم(؟)‏

2 ـ حضر الملتقى من المثقفين العرب: إميل حبيبي ـ بشارة عزمي ـ المتوكل طه (فلسطين)، الطاهر بن جلون ( المغرب )، علي الفرجاني ( تونس )، لطفي الخولي ـ محمد سيد أحمد ـ بهجت النادي ـ عادل رفعت ( مصر )، أدونيس ( سورية كما ذكر ) .‏

3 ـ الاحتفال ببدء انسحاب القوات العسكرية الصهيونية تنفيذاً لاتفاق أوسلو في 13/12/ 93 وهو الأمر الذي رفض رابين تنفيذه في آخر لحظة قائلاً : لا يوجد مواعيد مقدسة .‏

4 ـ أُقترح درس لمنهاج الصف السادس الابتدائي، في إطار التطبيع القائم بين المملكة الأردنية الهاشمية والعدو الصهيوني بعد اتفاق وادي عربة يحسن بنا أن نتوقف عنده قليلاً:‏

[ داود وعبد القادر وأحمد يملك كل منهم حقلاً مجاوراً لمنبع ماء فإذا قام داود بالاستيلاء على الماء فإنه يحرم أحمد وعبد القادر من ريّ حقليهما ولن تنبت فيهما المزروعات وإذا قام أحمد وعبد القادر أو أي منهما بالاستيلاء على منبع الماء وحرما داود منه فإن حقله لن ينبت المزروعات أيضاً وسيصاب بالجوع والعطش والطريقة المثلى هي أن يتعاون كل من داود وأحمد وعبد القادر للاستفادة من الماء واستثمار حقولهم بشكل إنساني وحضاري من دون خصومات، وهكذا يقدَّم للطفل في المرحلة الابتدائية درس يخاطبه بإنسانية ويقدم له منطقاً مقبولاً لتعايش وتعاون وتنسيق واستقرار لكل من داود وأحمد وعبد القادر أي "إسرائيل " والدول العربية الأخرى المجاورة .‏

ويغفل هذا الدرس ببساطة كل الحقائق المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني ليقفز فوقها متجاوزاً الحقائق الآتية :‏

1 - أنه لم يكن لداود أي حقل أصلاً في المنطقة وأنه اغتصب الحقل أي أرض فلسطين وطرد أهلها منها .‏

2 - أن أصحاب الحقل الأساسيين الذي اغتصبه داود ( الفلسطينيين ) ما زالوا مشردين ولا يملكون أي حقل ومن حقهم أن يعودوا إلى أرضهم .‏

3 - أن داود الذي اغتصب حقلاً بالقوة، ما زال يملك القوة ويهدد كلاً من أحمد وعبد القادر ويضع البرامج للاستيلاء على حقليهما ويأخذ كل حاجته من الماء بصرف النظر عن ماضيهما لأنه يملك السلاح .‏

4 - أن أحمد وعبد القادر لا يملكان ما يدافعان به عن نفسيهما وحقليهما وحقوقهما وملكيتهما من الأرض والماء والماشية، وكل ما لديهم رهينة عند داود .‏

وفي ظل وضع كهذا لا توجد معطيات إنسانية وحضارية ولا توجد عدالة ، ولا بد من التوجه بخطاب تاريخي وواقعي وعادل ( يربَّى عليه الأطفال وهو ما تريد اتفاقيات الإذعان تجاوزه باسم السلام ).‏

5 - فلنتصور موقف المعلمين والمدرسين أمام خريطة للوطن العربي فيها إسرائيل مكان فلسطين ماذا سيكون موقفهم وماذا سيقولون لطلابهم وما هي العلاقة التي ستكون بين طالب وأستاذ عندما يغيِّر الأستاذ الوقائع والحقائق والمعلومات التي كان يلقنها للطالب قبل سنوات، إن الثقة والمصداقية والهيبة كل ذلك سينهار ؛ كذلك الأمر فيما يتعلق بتدريس وقائع التاريخ الجديد الذي سيقدَّم على أرضية اتفاقات الإذعان .‏

أما في مجال التربية الدينية فسوف تغفل كل الآيات القرآنية والأحاديث التي تتصل باليهود وسيكون هناك إمكانية للتدخل من قبل " إسرائيل " في أية مناهج ودروس أو تربية وقيم ترى فيها تأسيساً لتكوين عربي يقدم قيماً مستقاة من التراث والعقيدة والواقع والتاريخ بحجة أنها تمس بكلام أو تشجع على العداوة . ولا بد من الإشارة إلى أنه منذ اتفاق كامب ديفيد ومصر تغفل التركيز على مثل تلك الآيات والأحاديث وحوادث التاريخ سواء في المناهج أو في وسائل الإعلام تطبيقاً لتطبيع رسمي بصرف النظر عن موقف الشعب نفسه .‏

6 ـ ويقصد المثقفون بقولهم ذاك الذي يصوغه بعض الغربيين الذين استقى منهم بعض العرب ذلك النهج ، يصوغون العبارة بشكل يرفض أية أصولية قومية أو إسلامية، وهم يقصدون بكلامهم عن السلام : "السلام النووي" الذي تفرضه الصهيونية على العرب بضغط أميركي، وما هو في الواقع إلا اتفاقيات إذعان لا صلة لها بأي شكل من أشكال السلام، ونحن نفضل شبراً محرراً على يد أي عربي أو أية أصولية قومية أو إسلامية على "سلام " منقوص يُشَرْعِنُ وجوداً صهيونياً في أرضنا على حساب شعبنا وكرامتنا. ونذكر بأن من يقدم دمه في سبيل الأرض والحرية هو الأفضل والأوعى والأجدر بالاحترام، وهو الشهيد والمناضل الوطني والمجاهد الحق والأنموذج القدوة، وليس هو من يبيع الشعارات ويبع الوطن والناس في كل سوق ويعود ليقبض أجره منهم !؟ متناسين، وهم يفعلون ذلك، أن الذين يجودون بدمائهم لتحرير الأرض المحتلة يحيون أصولاً تعترف بشرعيتها تشريعات الأمم والقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان، وهي مقاومة الاحتلال، ويسكتون عن الأصولية الصهيونية البغيضة التي تمارس عنصرية وتبيد الجنس البشري، وتقتل المصلين في الحرم الإبراهيمي وهم سُجَّدٌ لله في فجر جمعة رمضانية، وتحتفل بالقاتل العنصري بصفته قديساً وبطلاً، وتعلي أنموذجه (باروخ غولدشتاين).‏

7 ـ ويؤكد أفراد ذلك الفريق أن العرب لم ينتصروا على " إسرائيل " في معركة، متناسين حقيقة أنه لم تقم مواجهة فعلية شاملة في يوم من الأيام، على مستوى عسكري، بين الكيان الصهيوني والدول العربية مجتمعة، فكل الحروب التي تمت مع ذلك الكيان بقيت فيها أطراف عربية متفرجة أو شبه محايدة، ووصل الأمر ببعضها إلى حدود التواطؤ مع العدو، ولذلك من الظلم القول إن العرب دخلوا حرباً بعد استعداد مع الكيان الصهيوني وانهزموا فيها . ومن جهة أخرى فإن " إسرائيل" لم تخض حرباً وحدها ضد أطراف عربية بل كانت تساندها دوماً قوى الغرب / الولايات المتحدة الأميركية وأوربا / وأحياناً / في عام 1948 مثلاً / قوى أوروبا الشرقية عسكرياً، وكانت تلك القوى العاتية تمدها جميعاً بالسلاح والمال والمهاجرين وتساندها بالتغطية الإعلامية والحملات الدبلوماسية؛ فأي حديث ملفق يتم عن مواجهة عربية شاملة "لإسرائيل" وهزيمة عربية شاملة أمام " إسرائيل" ؟!!‏

ويتناسى أفراد ذلك الفريق أن مبادرة العرب في حرب تشرين ـ أكتوبر كادت تودي " بإسرائيل " لولا الأسطول الجوي الأميركي الذي أقام جسراً جوياً كثيفاً غير مسبوق في التاريخ لنجدة " إسرائيل "، وقد دقت غولدا مائير ناقوس الخطر ببرقيتها الشهيرة للرئيس الأميركي المؤلفة من كلمتين : " إسرائيل تحترق . " وكانت بعدها النجدة الأميركية التي حولت وجه الحرب إضافة إلى توقف الرئيس السادات عن القتال تلبية لطلب " صديقه كيسنجر ؟!؟ " .‏

8 ـ تلك مقولة الملك الحسن الثاني بصيغة أخرى، فقد دعا الملك إلى تعاون العقل والمال الصهيونيين مع طاقة العمل العربية ليكون في ذلك مخرج من التخلف ؛ فأراد أن نكون نحن العرب الأفواه والسواعد والبطون والأظافر في جسد يكون الرأس والقلب والعصب فيه، وكذلك العقل والعلم والتفكير، هو اليهودي ؟! لأننا برأي الملك لا نملك أن نكون رأساً وقلباً وعصباً وربما لن نملك عقلاً وعلماً؟!‏

ويخيل إليّ أن الملك يطبق علينا مقولات هتلر البائدة وعنصرية الصهيونية السائدة، إذ يضعنا في سلم اجتماعي وعقلي متخلف خَلْقِياً ؟! وتلك مقولات باطلة علمياً، مدانة أخلاقياً وإنسانياً، فضلاً عن كونها تنطلق من مصادرة لطبيعة الخلق وقدرة الخالق وللمستقبل ولحق أجيالنا وقدراتها فيه ؟! ولنا في هذه الحالة والملك يطبق علينا حكمة غريبة مريبة أن نحتكم إلى الله مرددين قوله تعالى:‏

{ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلَّة . } صدق الله العظيم .‏

9 ـ قال قادة " إسرائيل " ذلك مرات عديدة وبمعانٍ مختلفة ومناسبات كثيرة، وكان آخرها قول إسحاق رابين لهلموث كول مستشار ألمانيا في 6 / 6 / 1996 فقد قال له : " إن الأصولية الإسلامية تشكل خطراً على العالم الحر بأسره " ... " وأنه لا بد من أن تقوم ألمانيا بدور للقضاء على الفاشية والنازية والأصولية الإسلامية " ؟! وعلينا أن نلاحظ بيقظة الربط بين الفاشية والنازية من جهة والأصولية الإسلامية من جهة أخرى، ومرامي ذلك ومعانيه ومدلولاته في الغرب !!.‏

10 ـ أنظر الحاشية السابقة رقم 7‏

11 ـ توصلت الولايات المتحدة الأميركية من خلال استخدام نفوذها وضغوطها على الدول العربية إلى :‏

1 ـ إنهاء المقاطعة العربية " لإسرائيل " من الدرجتين الثانية والثالثة من خلال إعلان دول مجلس التعاون الخليجي عام 1994 .‏

2 ـ إلغاء الأردن للمقاطعة بشكل شامل مع " إسرائيل " تنفيذاً لاتفاقية وادي عربة : "معاهدة السلام"‏

3 ـ تأييد الحكم الذاتي الفلسطيني لإنهاء المقاطعة / إعلان طابا ـ شباط 1995 /‏

12 ـ أدينت الصهيونية بالقرار /3379/ الصادر عن الأمم المتحدة الذي اعتبر الصيهونية شكلا ًمن أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ذاك الذي ما زال ماثلاً في التكوين والممارسة الصهيونية اللذين تؤكدهما التربية التلمودية لليهودي والتوجه الاستعماري لكيانه المحتل، على الرغم من إلغاء الولايات المتحدة لذلك القرار بالترغيب والترهيب قبل سنوات قليلة بذريعة أنها تريد أن تزيل كل ما يعكر المزاج "الإسرائيلي".‏

13 ـ وعلى عكس ما ذهب إليه الملك حسين عند تسلمه "جائزة السلام" من متحف سايمون فيزنتال في لوس أنجلوس آذار 1995 حيث قال: إنه يتطلع إلى مستقبل لا تجسد فيه كلمة عربي ـ إسرائيلي صور الصراع والاقتتال ؛ على عكس ذلك نريد أن تبقى تلك الصور حية لتحفزنا على التمسك بالحق وبخيارات التحرير، ولكي نحقق ما تتطلبه تلك الخيارات من إعداد واستعداد وصولاً إلى إنجاز ذلك .‏

أنظر ميثاق المثقفين العرب .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |